حكم إجابة الوليمة

الإسلام > النكاح والأسرة > الوليمة > حكم إجابة الوليمة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

حكم إجابة الوليمة - الأقوال والأدلة

وأمرُ النبيِّ عبدَ الرَّحمنِ بنَ عَوفٍ بأنْ يُولِمَ ولو بشاةٍ مَحمولٌ على الاستِحبابِ؛ بدَليلِ ما ذكَرْناه وكَونِه أمَرَ بشاةٍ، ولا خِلافَ في أنها لا تَجبُ، ولو كانَ الأمرُ فيهِ للوُجوبِ لَوجبَتْ، وهي لا تَجبُ إجماعًا لا عَينًا ولا كِفايةً، وما ذكَرُوه مِنْ المعنَى لا أصلَ له، ثمَّ هو باطِلٌ بالسلامِ؛ لأنه ليسَ بواجِبٍ وإجابةُ المسلِّمِ واجِبةٌ (١).

حُكمُ إجابةِ الوَليمةِ:

اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ إلا قولًا للشافِعيةِ على أنَّ الإنسانَ إذا دُعيَ إلى وَليمةِ غيرِ العُرسِ أنه لا يَجبُ عليهِ حُضورُها.

واختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الإجابةِ إلى وَليمةِ العُرسِ لمَن دُعيَ إليها، هل يَجبُ عليهِ الإجابةُ؟ أم لا يَجبُ عليه ويُستحَبُّ فقطْ؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ مَنْ دُعيَ إلى وَليمةٍ عرسِ بعَينِه ولم يَكنْ بها لَهوٌ مُحرَّمٌ لَزمَه أنْ يُجيبَ ولو كانَ صائِمًا، إلا مِنْ عُذرٍ، فإنْ لم

(١) «الاختيار» (٤/ ٢٢٢)، و «البناية شرح الهداية» (١٢/ ٨٤)، و «التمهيد» (٢/ ١٨٩)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٦٢٧)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٣٠١، ٣٠٢)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ١٩٩)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٨٣، ٨٤)، و «الحاوي الكبير» (٨/ ٥٥٦، ٥٥٧)، و «البيان» (٩/ ٤٨١)، و «روضة الطالبين» (٥/ ١٩٦)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٣٧١، ٣٧٣)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٤٠٠، ٤٠١)، و «شرح صحيح مسلم» (٩/ ٢١٧)، و «المغني» (٧/ ٢١٢)، و «كشاف القناع» (٥/ ١٨٥)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٢٨٩)، و «منار السبيل» (٣/ ٣٢).

يَفعلْ أَثِمَ؛ لمَا رواهُ عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ رضي الله عنهما أنَّ رَسولَ اللهِ قالَ: «إذا دُعِيَ أحَدُكم إلى الوَليمةِ فلْيَأتِها» (١). وهذا أمرٌ، وفي لَفظٍ: «إذا دُعِيَ أحَدُكم إلى وَليمةِ عُرسٍ فليُجبْ» (٢).

وعن نافعٍ قالَ: سَمعتُ عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ رضي الله عنهما يقولُ: قالَ رسولُ اللهِ : «أجيبُوا هذهِ الدَّعوةَ إذا دُعِيتُم لها، قالَ وكانَ عبدُ اللهِ يأتي الدَّعوةَ في العُرسِ وغيرِ العُرسِ وهوَ صائمٌ» (٣).

وعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه أنه كانَ يقولُ: «شَرُّ الطَّعامِ طَعامُ الوَليمةِ يُدعَى لها الأغنياءُ ويُترَكُ الفُقراءُ، ومَن ترَكَ الدَّعوةَ فقدْ عَصَى اللهَ تعالَى ورَسولَه » (٤)، ومِثلُ هذا لا يكونُ رأيًا، وإنما يكونُ تَوقيفًا، وهذا الحديثُ حُجةٌ في وُجوبِ إجابةِ دَعوةِ الوَليمةِ، ولا خِلافَ في ذلكَ بينَ الصحابةِ والتابعِينَ، حتَّى قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: ولا أعلَمُ خِلافًا في وُجوبِ إتيانِ الوَليمةِ لمَن دُعيَ إليها إذا لم يَكنْ فيها مُنكَرٌ ولَهوٌ، وفي قولِه في هذا الحَديثِ: «فقدْ عَصَى اللهَ ورَسولَه» ما يَرفعُ الإشكالَ ويُغنِي عن الإكثارِ (٥).

ومعنَى قَولِه: «شَرُّ الطَّعامِ طَعامُ الوَليمةِ» واللهُ أعلَمُ أي: طَعامُ الوَليمةِ

(١) رواه البخاري (٤٨٧٨)، ومسلم (١٤٢٩).
(٢) رواه مسلم (١٤٢٩).
(٣) رواه البخاري (٤٨٨٤)، ومسلم (١٤٢٩).
(٤) رواه البخاري (٤٨٨٢)، ومسلم (١٤٣٢).
(٥) «التمهيد» (١٠/ ١٧٩).

التي يُدعَى إليها الأغنياءُ ويُتركُ الفُقراءُ، ولم يُرِدْ أنَّ كلَّ وَليمةٍ طَعامُها شَرُّ الطعامِ؛ فإنه لو أرادَ ذلكَ لَمَا أمَرَ بها ولا ندَبَ إليها ولا أمَرَ بالإجابةِ إليها ولا فعَلَها، ولأنَّ الإجابةَ تَجبُ بالدَّعوةِ، فكُلُّ مَنْ دُعيَ فقدْ وجَبَتْ عليهِ الإجابةُ.

فإنْ كانَ صائمًا صَومًا واجِبًا لا يَجوزُ له بالاتِّفاقِ أنْ يُفطِرَ، بل يَجيبُ الدعوةَ ويَدعُو لصاحِبِ الوليمةِ.

وإنْ كانَ صَومًا نفلًا فاختُلفَ فيه:

فعِندَ الحَنفيةِ والمالِكيةِ: لا يَجوزُ له الإفطارُ؛ لأنَّ الصومَ يَجبُ بالشُّروعِ فيهِ كما تقدَّمَ في كِتابِ الصيامِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣)[محمد: ٣٣].

وعَن أبي هُريرةَ رضي الله عنه مَرفوعًا: «إذا دُعِيَ أحَدُكم فلْيُجِبْ، فإنْ كانَ صائمًا فلْيَدْعُ، وإنْ كانَ مُفطِرًا فلْيَطعَمْ» (١).

ويُستحَبُّ إعلامُهم بصيامِه؛ لأنه يُروَى عن عُثمانَ وابنِ عُمرَ رضي الله عنهما ولِيَعلموا عُذرَه وتَزولَ التُّهمةُ.

وقالَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ: لا تَسقطُ إجابةُ الدَّعوةِ بصَومٍ، فإنْ شَقَّ على الداعِي صَومُ نَفلٍ فالفِطرُ له أفضلُ مِنْ إتمامِ الصَّومِ ولو آخِرَ النهارِ؛ لجَبْرِ خاطرِ الداعِي؛ لِمَا رُويَ «أنه كانَ في دَعوةٍ وكانَ معَه جَماعةٌ، فاعتَزلَ رَجلٌ مِنْ القَومِ ناحيةً، فقالَ : «دَعاكُم أخوكُم

(١) رواه مسلم (١٤٣١).

وتكلَّفَ لكُم ثمَّ قالَ له: أَفطِرْ وصُمْ يومًا مكانَه إنْ شِئتَ» (١).

وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: وأعدَلُ الأقوالِ أنه إذا حضَرَ الوَليمةَ وهو صائمٌ إنْ كانَ يَنكسرُ قلبُ الداعي بتَركِ الأكلِ فالأكلُ أفضَلُ، وإنْ لم يَنكسرْ قَلبُه فإتمامُ الصَّومِ أفضَلُ، ولا ينبغي لصاحبِ الدَّعوةِ الإلحاحُ في الطَّعامِ للمَدعوِّ إذا امتَنعَ، فإنَّ كِلَا الأمرَينِ جائزٌ، فإذا ألزَمَه بما لا يَلزمُه كانَ مِنْ نوعِ المَسألةِ المَنهيِّ عنها، ولا يَنبغي للمَدعوِّ إذا رَأى أنه يَترتَّبُ على امتِناعِه مَفاسدُ أنْ يَمتنعَ؛ فإنَّ فِطرَه جائزٌ، فإنْ كانَ تركُ الجائزِ مُستلزِمًا لأمورٍ مَحذورةٍ يَنبغي أنْ يَفعلَ ذلكَ الجائزَ، وربُّما يَصيرُ واجِبًا، وإنْ كانَ في إجابةِ الدَّاعي مَصلحةُ الإجابةِ فقطْ وفيها مَفسدةُ الشُّبهةِ فالمنعُ أرجَحُ (٢).

وذهَبَ ابنُ القصَّارِ مِنْ المالِكيةِ والشافِعيةُ في وَجهٍ والحَنابلةُ في روايةٍ اختارَها ابنُ تَيميةَ إلى أنَّ الإجابةَ إلى دَعوةِ الوَليمةِ مُستحَبةٌ وليس بواجبةٍ.

وذهَبَ الشافِعيةُ في وَجهٍ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنها فَرضُ كِفايةٍ، فإذا أجابَه بعضُ الناسِ سقَطَ الفَرضُ عن الباقينَ؛ لأنَّ القصدَ أنْ يُعلمَ ذلكَ ويَظهرَ، وذلكَ يَحصلُ بإجابةِ البعضِ، ولأنَّ الإجابةَ إكرامٌ ومُوالاةٌ، فهيَ كرَدِّ السلامِ (٣).

(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه البيهقي (٨١٤٦)، والطبراني في «الأوسط» (٣٢٤٠)، وقالَ الهَيثميُّ (٤/ ٥٣): فيهِ حمَّادُ بنُ أبي حُميدٍ، وهو ضَعيفٌ، وبَقيةُ رِجالِه ثِقاتٌ.
(٢) «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٥٥٨).
(٣) يُنظَر: «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٢٩٣، ٢٩٤)، و «شرح مختصر الطحاوي» للجصاص (٤/ ٤٣٦)، و «الاختيار» (٤/ ٢٢٢)، و «البناية شرح الهداية» (١٢/ ٨٤)، و «التمهيد» (٢/ ١٨٩)، و «الاستذكار» (٥/ ٥٢٩، ٥٣١)، و «شرح صحيح البخاري» (٧/ ٢٨٩)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٦٢٧)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٣٠٢)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٠٠)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٨٥)، و «الحاوي الكبير» (٨/ ٥٥٦، ٥٥٧)، و «البيان» (٩/ ٤٨٢، ٤٨٣)، و «روضة الطالبين» (٥/ ١٩٦، ١٩٧)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٣٧٤)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٤٠١)، و «شرح صحيح مسلم» (٩/ ٢١٧)، و «المغني» (٧/ ٢١٢)، و «الإنصاف» (٨/ ٣١٨)، و «كشاف القناع» (٥/ ١٨٥، ١٨٦)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٢٨٦، ٢٨٩)، و «منار السبيل» (٣/ ٣٢).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 210 - 213

ارجع إلى الوليمة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله