حكم النثر

الإسلام > النكاح والأسرة > الوليمة > حكم النثر

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

حكم النثر - الأقوال والأدلة

وإنْ سبَقَ أحَدُهما فأَجِبِ الذي سبَقَ» (١)، ولأنه مِنْ بابِ البِرِّ، فقُدِّمَ لهذهِ المعاني.

ثمَّ يُقرِعُ إنِ استَويَا أو استَوَوا في ذلكَ فيُقدِّمُ مَنْ خرَجَتْ له القُرعةُ؛ لأنها تُميِّزُ المُستحِقَّ عندَ استِواءِ الحُقوقِ (٢).

حُكمُ النَّثرِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ النِّثارِ والتِقاطُه هل هو مَكروهٌ أم مُباحٌ؟

فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنه يُكرَهُ النثارُ والتِقاطُه؛ «لأنه نَهَى عن النُّهْبَى والمُثلَةِ» (٣)، ولأنَّ فيه دَناءةً.

قالَ المالِكيةُ: يُكرَهُ نَثرُ اللَّوزِ والسُّكرِ ونَحوِه في الوَليمةِ إذا أحضَرَه صاحبُه للنُّهبةِ ولم يأخُذْ أحَدٌ شيئًا ممَّا يَحصلُ في يَدِ صاحبِه؛ لِمَا جاءَ مِنْ النهيِّ عن النُّهبةِ، وأمَّا إنْ أحضَرَه صاحِبُه للنُّهبةِ أو لا للنُّهبةِ وكانَ يأخذُ بعضُهم مِنْ يَدِ بعضٍ فحَرامٌ، وأمَّا إحضارُه في إناءٍ مِنْ غيرِ نَثرٍ فإنْ خَصَّ به أعيانَ الناسِ دونَ غيرِهم حَرُمَ، وإنْ كانَ يأكلُ منه جَميعُ الناسِ بهَداوةٍ فهو جائزٌ.

وما يُنثَرُ عليهم ليَأكلوهُ على وَجهِ ما يُؤكَلُ دُونَ أنْ يُنتهَبَ فانتِهابُه حَرامٌ

(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٣٧٥٦).
(٢) «المغني» (٧/ ٢١٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٢٩٠)، و «منار السبيل» (٣/ ٣٤، ٣٥).
(٣) رواه البخاري (٢٣٤٢).

لا يَحلُّ ولا يَجوزُ؛ لأنَّ مُخرِجَه إنما أرادَ أنْ يَتساوَوْا في أكلِه على وَجهِ ما يُؤكلُ، فمْن أخَذَ منهُ أكثَرَ ممَّا كانَ يأكلُ منه مع أصحابِه على وَجهِ الأكلِ فقدْ أخَذَ حَرامًا وأكَلَ سُحتًا لا مِريَةَ فيهِ ودخَلَ تحتَ الوَعيدِ، وأمَّا ما يُنثَرُ عليهِم ليَنتهِبوهُ فقدْ كَرهَه مالكٌ، وأجازَهُ غيرُه وتأوَّلَ أنَّ النهيَ عن الانتهابِ إنما مَعناهُ انتِهابُ ما لم يُؤذَنْ في انتهابِه (١).

وقالَ الإمامُ الشَّافعيُّ رحمة الله عليه في نَثرِ السُّكرِ واللَّوزِ والجَوزِ: (لو تركَ .. كانَ أحَبَّ إليَّ؛ لأنه يُؤخَذُ بخِلسةٍ ونُهبةٍ، ولا يَتبيَّنُ لي أنه حَرامٌ).

قالَ العَمرانِيُّ رحمة الله عليه: وجُملةُ ذلكَ أنَّ نثْرَ السُّكرِ واللَّوزِ والجَوزِ والزَّبيبِ والدَّراهمِ والدنانيرِ وغيرِ ذلكَ لا يُستحَبُّ، بل يُكرَهُ، ورُويَ: «أنَّ أبا مَسعودٍ الأنصاريَّ رضي الله عنه كانَ إذا نثَرَ للصِّبيانِ .. يَمنعُ صِبيانَه عن التِقاطِه، واشتَرَى لهم»، وبه قالَ عطاءٌ وعِكرمةُ وابنُ سِيرينَ وابنُ أبي ليلَى ومالكٌ.

وقالَ أبو حَنيفةَ والحَسنُ البَصريُّ وأبو عُبيدٍ وابنُ المُنذِرِ: لا يُكرَهُ.

وقالَ القاضي أبو القاسِمِ الصّيمريُّ: يُكرهُ التِقاطُه، وأما النَّثرُ نَفسُه فمُستحَبٌّ، وقد جَرَتِ العادةُ للسَّلفِ بهِ، ورُويَ «أنَّ النبيَّ لمَّا زوَّجَ عليًّا رضي الله عنه وأرضاهُ فاطِمةَ رضي الله عنها وأرضاهَا نثَرَ عَليهِما»، والأولُ هو المَشهورُ، والدليلُ عليهِ أنَّ النثارَ يُؤخَذُ نُهبةً ويُزاحَمُ

(١) «شرح صحيح البخاري» (٦/ ٦٠٣)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٦٢٩)، و «مواهب الجليل» (٥/ ٢١٣)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٣٠٤)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٠٢)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٨٦).

عليهِ، وربُّما أخَذَه مَنْ يَكرهُه صاحبُه، وفي ذلكَ دَناءةٌ وسُقوطُ مُروءةٍ، وما ذكَرَه الصيمريُّ غيرُ صَحيحٍ؛ لأنه لا فائِدةَ في نَثرٍ إذا كانَ يكرهُ التقاطهُ.

فإنْ خالَفَ ونثَرَ فالتَقطَه رَجلٌ .. فهل للذي نثَرَه أنْ يَسترجِعَه؟ فيهِ وجهانِ حكاهُما الدَّاركيُّ:

أحَدُهما: له أنْ يَسترجِعَه؛ لأنه لم يُوجَدْ منهُ لفظٌ يُملكُ به.

والثَّاني: ليسَ له أنْ يَسترجعَه، وهو اختِيارُ المَسعوديِّ في «الإبانة»؛ لأنه نثرٌ للتملُّكِ بحُكمِ العادةِ.

قالَ المَسعوديُّ في «الإبانَة»: لو وقَعَ في حِجْرِ رَجلٍ .. كانَ أحَقَّ به، فلو التَقطَه آخَرُ مِنْ حِجرِه .. أو قامَ فسقَطَ مِنْ حِجرِه فهل يَملكُه المُلتقِطُ؟ الصحيحُ أنه لا يَملكُه.

قالَ الشيخُ أبو حامدٍ: وحُكيَ أنَّ أعرَبيًّا تزوَّجَ امرأةً فنثَرَ على رأسِهِ زَبيبًا وأنشَدَ يَقولُ:

ولمَّا رأيْتُ السُّكرَ العامَ قد غَلا … وأيقَنْتُ أنِّيَ لا مَحالةَ ناكِحُ

نَثرْتُ على رأسِي الزَّبيبَ لصُحبَتِي … وقلتُ: كُلُوا أكلُ الحَلاوةِ صالِحُ

قالَ أبو العبَّاسِ: ولا يُكرَهُ للمُسافرينَ أنْ يَخلطُوا أزوادَهُم ويَأكلُوا وإنْ أكَلَ بعضُهم أكثَرَ مِنْ بَعضٍ، بخِلافِ النِّثارِ؛ لأنَّ النثارَ يُؤخَذُ بقِتالٍ وازدحامٍ، بخِلافِ الزَّادِ (١).

(١) «البيان» (٩/ ٤٩٣، ٤٩٤).

وقالَ الحَنابلةُ: وكُرِهَ النثارُ في العُرسِ وغيرِه؛ لِمَا فيه مِنْ النُّهبةِ «وقد نهَى عليه الصلاة والسلام عن النُّهبَى والمُثلةِ»، والتِقاطُه دَناءةٌ وإسقاطُ مُروءةٍ، واللهُ يُحِبُّ مَعاليَ الأمورِ ويَكرهُ سَفْسافَها، ولأنَّ فيه تَزاحُمًا وقِتالًا، وقد يأخُذُه مَنْ غيرُه أحَبُّ إلى صاحِبِه، ومَن حصَلَ في حِجرِه منه شيءٌ أو أخَذَه فلهُ ولو لم يَقصدْ تملُّكَه؛ لأنَّ مالِكَه قصَدَ تَمليكَه لمَن حازَه، وقد حازَه مَنْ أخَذَه وحصَلَ في حِجرهِ، فيَملكُه، كما لو وثَبَتْ سَمكةٌ في البَحرِ فوقَعَتْ في حِجرِه، وكذا لو دخَلَ صيدٌ دارَه أو خَيمتَه فأغلَقَ عليه البابَ، وليسَ لأحَدٍ أخذُه منه، فإنْ قسَمَ الآخذُ للنِّثارِ ما أخَذَه على الحاضِرينَ لم يُكرهْ له ولا لهم؛ لأنَّ الحقَّ له وقد أباحَهُ لهم، وكذلكَ إنْ وضَعَه بينَ أيديهم وأَذِنَ لهم في أخذِه على وَجهٍ لا يَقعُ فيه تَناهُبٌ فيُباحُ؛ لعَدمِ مُوجِبِ الكَراهةِ (١).

وذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ اختارَها أبو بكرٍ وهو اختِيارُ ابنِ عبدِ البَرِّ وابنِ العرَبيِّ مِنْ المالِكيةِ إلى أنه يُباحُ نِثارُ الجَوزِ واللوزِ والسُّكرِ والتِقاطُه بلا كَراهةٍ؛ «لأنه نحَرَ خمْسَ بَدناتٍ وقالَ: مَنْ شاءَ اقتَطعَ» (٢)، وهذا جارٍ مَجرَى النِّثارِ؛ لأنه نَوعُ إباحةٍ.

قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَسألةٌ قالَ: (والنِّثارُ مَكروهٌ؛ لأنه شبَهُ النُّهبةِ، وقد يأخُذُه مَنْ غيرُه أحَبُّ إلى صاحبِ النِّثارِ منه).

(١) «مطالب أولي النهى» (٥/ ٢٥١)، و «منار السبيل» (٣/ ٣٧).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (١٧٦٥)، وأحمد (١٩٠٩٨)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٢٩١٧).

اختَلفتِ الرِّوايةُ عن أحمَدَ في النِّثارِ والتِقاطِه، فرُويَ أنَّ ذلكَ مَكروهٌ في العُرسِ وغيرِه، ورُويَ ذلكَ عن أبي مَسعودٍ البَدرِي وعِكرمةَ وابنِ سيرينَ وعطاءٍ وعبدِ اللهِ بنِ زيدٍ الخطْميِّ وطَلحةَ وزُبيدٍ الياميِّ، وبه قالَ مالكٌ والشافِعيُّ.

ورُويَ عن أحمَدَ رِوايةٌ ثانيةٌ: ليسَ بمَكروهٍ، اختارَها أبو بكرٍ، وهو قولُ الحسَنِ وقَتادةَ والنخَعيِّ وأبي حَنيفةَ وأبي عُبيدٍ وابنِ المُنذرِ؛ لِمَا روَى عبدُ اللهِ بنُ قُرطٍ قالَ: «قُرِّبَ إلى رسولِ اللهِ خَمسُ بدَناتٍ أو سِتٌّ، فطَفِقنَ يَزدَلفْنَ إليه بأيِّتهنَ يَبدأُ، فنحَرَها رسولُ اللهِ وقالَ كلمةً لم أسمَعْها، فسألتُ مَنْ قَرُبَ منه فقالَ: قالَ: مَنْ شاءَ اقتَطعَ» رواه أبو داودَ، وهذا جارٍ مَجرَى النِّثارِ، وقد رُويَ: «أنَّ النبيَّ دُعِيَّ إلى وَليمةِ رَجلٍ مِنْ الأنصارِ، ثم أتَوا بنَهبٍ، فأنهَبَ عليهِ، قالَ الراوِي: ونظَرْتُ إلى رسولِ اللهِ يُزاحِمُ الناسَ أو نحوَ ذلكَ، قلتُ يا رَسولَ اللهِ أوَمَا نَهيتَنا عن النُّهبةِ، قالَ: نَهيتُكم عن نُهبةِ العَساكرِ»، ولأنه نوعُ إباحةٍ، فأشبَهَ إباحةَ الطعامِ للضِّيفانِ.

ولنَا: ما رُويَ عن النبيِّ أنه قالَ: «لا تَحلُّ النُّهبَى والمُثلةُ» رواه البُخاريُّ، وفي لفظٍ: «أنَّ النبيَّ نهَى عن النُّهبَى والمُثلةِ»، ولأنَّ فيه نَهبًا وتَزاحمًا وقِتالًا، وربَّما أخَذَه مَنْ يَكرهُ صاحبُ النِّثارِ لحِرصِه وشَرَهِه ودَناءةِ نفْسِه، ويُحرَمُه مَنْ يحبُّ صاحبُه لمُروءَتِه وصيانةِ نفسِه وعِرضِه، والغالِبُ هذا؛ فإنَّ أهلَ المُروءاتِ يَصونونَ أنفُسَهم عن مُزاحَمةِ

سفَلةِ الناسِ على شيءٍ مِنْ الطَّعامِ أو غيرِه، ولأنَّ في هذا دَناءةٌ، واللهُ يُحبُّ مَعاليَ الأمورِ ويَكرهُ سَفسافَها.

فأمَّا خبَرُ البَدناتِ فيَحتملُ أنَّ النبيَّ عَلِمَ أنه لا نُهبةَ في ذلكَ؛ لكَثرةِ اللَّحمِ وقلَّةِ الآخِذينَ، أو فعَلَ ذلكَ لاشتغالِه بالمَناسكِ عن تَفريقِها.

وفي الجُملةِ فالخِلافُ إنما هو في كَراهيةِ ذلكَ، وأمَّا إباحتُه فلا خِلافَ فيها ولا في الالتِقاطِ؛ لأنه نَوعُ إباحةٍ لمالِه، فأشبَهَ سائرَ الإباحاتِ.

مَسألةٌ: قالَ: (فإنْ قَسمَ على الحاضِرينَ فلا بأسَ بأخذِه)

كذا رُويَ عن أبي عبدِ اللهِ رحمة الله عليه أنَّ بعضَ أولادِه حذَقَ فقسَمَ على الصبيانِ الجوزَ، وأمَّا إذا قسَمَ على الحاضِرينَ ما يُنثَرُ مثلَ اللوزِ والسُّكرِ وغيرِه فلا خِلافَ أنَّ ذلكَ حسَنٌ غيرُ مَكروهٍ، وقد رُويَ عن أبي هُريرةَ قالَ: «قسَمَ النبيُّ يَومًا بين أصحابِه تَمرًا، فأعطَى كلَّ إنسانٍ سبْعَ تَمراتٍ، فأعطاني سبعَ تمَراتٍ إحداهُنَّ حَشفةٌ لم تكنْ تَمرةٌ أعجَبُ إليَّ منها شدَّتْ إلى مَضاغِي» رواه البخاريُّ.

وكذلكَ إنْ وضَعَه بينَ أيديهِم وأَذِنَ لهم في أخذِه على وجهٍ لا يَقعُ تَناهبٌ فلا يُكرهُ أيضًا.

قالَ المَروذيُّ: سألتُ أبا عبدِ اللهِ عن الجوزِ يُنثَرُ فكَرهِه وقالَ: يُعطونُ يُقسَمُ عليهِم، وقالَ مُحمدُ بنُ عليِّ بنِ بَحرٍ: سَمعتُ حُسْنَ أمَّ وَلدِ أحمَدَ بنِ

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 228 - 233

ارجع إلى الوليمة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 26 ربيع الأول
هلال متناقص اليوم 27.6 / 29.5
الإضاءة 4%
الهلال الجديد بعد 2 يوم
لا إله إلا الله