الإسلام > النكاح والأسرة > تفسير مهر المثل > أولا: الوطء
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 13 دقيقة قراءةأولاً: الوطءُ:
اتَّفقَ فُقهاءُ الإسلامِ على أنَّ الرَّجلَ إذا عقَدَ على المرأةِ عَقدًا صَحيحًا ودخَلَ بها ووَطِئَها أنهُ يَجبُ لها المَهرُ كامِلاً؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، فلمَّا أثبَتَ للزَّوجِ الرُّجوعَ بنصفِ الصَّداقِ بالطَّلاقِ قَبْلَ المَسِيسِ … دَلَّ على أنهُ لا يَرجعُ عليها بشيءٍ منهُ بعْدَ المَسيسِ.
وقالَ في آيةٍ أُخرى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١]، وفُسِّرَ (الإفضاءُ) بالجِماعِ.
وإنْ كانَ الوَطءُ حَرامًا كما لو وَطِئَها وهي صائِمةٌ أو مُحرِمةٌ أو مُعتكِفةٌ أو في الحيضِ أو النَّفاسِ؛ لأنَّ وَطءَ الشُّبهةِ يُوجِبُ المهرَ ابتِداءً، فالوطءُ في النِّكاحِ أَولَى أنْ يُقرِّرَ المهرَ الواجِبَ؛ لعُمومِ قَولِ النَّبيِّ ﷺ: «فإنْ دخَلَ بها فلها المَهرُ بما استَحَلَّ مِنْ فَرْجِها» (١).
وكذا يَتقرَّرُ بالوَطءِ في الدُّبُرِ عندَ جَماهيرِ الفُقهاءِ؛ لأنهُ مَوضِعٌ يَجبُ بالإيلاجِ فيهِ الحَدُّ، فاستَقرَّ بهِ المَهرُ كالفَرجِ.
وفي قَولٍ للشَّافعيةِ: لا يَستَقرُّ لها المُسمَّى؛ لأنَّ المَهرَ في مُقابَلةِ ما يَملكُه بالعَقدِ، والوَطءُ في الدُّبُرِ غَيرُ مَملُوكٍ في العَقدِ، فلم يَستقرَّ بهِ المَهرُ.
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٠٨٣)، والترمذي (١١٠٢)، وأحمد (٢٥٣٦٥)، وابن حبان في «صحيحه» (٤٠٧٤).
قالَ ابنُ رشدٍ رحمة الله عليه: واتَّفقَ العُلماءُ على أنَّ الصَّداقَ يَجبُ كلُّهُ بالدُّخولِ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ويَجبُ المَهرُ للمَنكوحةِ نِكاحًا صَحيحًا والمَوطوءةِ في نِكاحٍ فاسدٍ والمَوطوءةِ بشُبهةٍ بغَيرِ خِلافٍ نَعلمُه (٢).
واشتَرَطَ المالِكيةُ بُلوغَ الزَّوجِ الحُلُمَ وإطاقةَ الزَّوجةِ الوطءَ (٣).
وقالَ الحَنابلةُ: يُشتَرَطُ في الزَّوجِ أنْ يكونَ مِمَّنْ يَطأُ مِثلُهُ -وهوَ ابنُ عَشرٍ- والزَّوجة مِمَّنْ يُوطأُ مِثلُها -وهيَ بنتُ تِسعٍ-، فإنْ كانَ دُونَ عَشرٍ أو كانَتْ دُونَ تِسعٍ لمْ يَتقرَّرِ المَهرُ؛ لعَدمِ التَّمكُّنِ مِنْ الوطءِ (٤).
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ١٧)، ويُنظر: «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٩١)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٥٧٩)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٢٦٠)، و «البيان» (٩/ ٤٠٠)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٣١٠، ٣١١)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٣٦٨)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٨٠)، و «الديباج» (٣/ ٣١٦)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٣٩٤)، و «كشاف القناع» (٥/ ١٦٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٢٦٤، ٢٦٥)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٢٠٥)، و «منار السبيل» (٣/ ١٩).
(٢) «المغني» (٧/ ٢٠٩).
(٣) «التاج والإكليل» (٢/ ٥٧٩)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٢٦٠)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ١٤١)، و «تحبير المختصر» (٣/ ١٧).
(٤) «كشاف القناع» (٥/ ١٦٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٢٦٤، ٢٦٥)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٢٠٥)، و «منار السبيل» (٣/ ١٩).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل الجمع في الوطء بملك اليمين
عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله عنهم (وَجْهُ) قَوْلِهِ: إنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي النِّكَاحِ، وَالنِّكَاحُ قَدْ زَالَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِوُجُودِ الْمُزِيلِ لَهُ - وَهُوَ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ أَوْ الْبَائِنُ - وَلِهَذَا لَوْ وَطِئَهَا بَعْدَ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ مَعَ الْعِلْمِ بِالْحُرْمَةِ لَزِمَهُ الْحَدُّ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ الْجَمْعُ فِي النِّكَاحِ فَلَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ، وَلَنَا أَنَّ مِلْكَ الْحَبْسِ بِالْعَقْدِ قَائِمٌ، فَإِنَّ الزَّوْجَ يَمْلِكُ مَنْعَهَا مِنْ الْخُرُوجِ وَالْبُرُوزِ، وَحُرْمَةُ التَّزَوُّجِ بِزَوْجٍ آخَرَ ثَابِتَةٌ وَالْفِرَاشُ قَائِمٌ حَتَّى لَوْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ إلَى سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ، وَقَدْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا يَثْبُتُ النَّسَبُ، فَلَوْ جَازَ النِّكَاحُ لَكَانَ النِّكَاحُ جَمْعًا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ النَّصِّ، وَلِأَنَّ هَذِهِ أَحْكَامُ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ وَسِيلَةً إلَى أَحْكَامِ النِّكَاحِ فَكَانَ النِّكَاحُ قَائِمًا مِنْ وَجْهٍ بِبَقَاءِ بَعْضِ أَحْكَامِهِ، وَالثَّابِتُ مِنْ وَجْهٍ مُلْحَقٌ بِالثَّابِتِ مِنْ وَجْهٍ فِي بَابِ الْحُرْمَةِ احْتِيَاطًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ أُلْحِقَتْ الْأُمُّ وَالْبِنْتُ مِنْ وَجْهٍ بِالرَّضَاعَةِ بِالْأُمِّ وَالْبِنْتِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِالْقَرَابَةِ، وَأُلْحِقَتْ الْمَنْكُوحَةُ مِنْ وَجْهٍ - وَهِيَ الْمُعْتَدَّةُ - بِالْمَنْكُوحَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فِي حُرْمَةِ النِّكَاحِ كَذَا هَذَا؛ وَلِأَنَّ الْجَمْعَ قَبْلَ الطَّلَاقِ إنَّمَا حُرِّمَ؛ لِكَوْنِهِ مُفْضِيًا إلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ، لِأَنَّهُ يُوَرِّثُ الضَّغِينَةَ، وَإِنَّهَا تُفْضِي إلَى الْقَطِيعَةِ،…
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب العتق
باب وطء المدبرة وحكم ولدها
بَابُ وَطْءِ الْمُدَبَّرةِ وَحُكْمُ وَلَدِهَا
مَسْأَلَةٌ
قَالَ الشافعي رضي الله عنه: (وَيَطَأُ السَّيِّدُ مُدَبَّرتَهُ) .
وَهَذَا صَحِيحٌ. يَجُوزُ لِسَيِّدِ الْمُدَبَّرةِ أَنْ يَطَأَهَا لِمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ دَبَّرَ جَارِيَتَيْنِ لَهُ، فَكَانَ يَطَؤُهُمَا وَهُمَا مُدَبَّرتَانِ. وَلِأَنَّ أَحْكَامَ الرِّقِّ عَلَى الْمُدَبَّرةِ جَارِيَةٌ، فَجَرَى عَلَيْهَا فِي حُكْمِ الِاسْتِمْتَاعِ مَجْرَى الرِّقِّ.
وَلِأَنَّهُ مَالِكٌ لِمَنَافِعِهَا، وَالِاسْتِمْتَاعُ مِنْ مَنَافِعِهَا كَالِاسْتِخْدَامِ، وَلِأَنَّ سَبَبَ الْعِتْقِ فِي أُمِّ الْوَلَدِ أَقْوَى مِنْهُ فِي الْمُدَبَّرةِ، وَلَمْ يَمْنَعِ الْإِيلَادُ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ فكان التدبير أولى.
فإن قيل: فهلا كان كَالْمُكَاتَبَةِ فِي مَنْعِهِ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، قِيلَ: لِوُقُوعِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُكَاتَبَةَ قَدْ مَلَكَتْ مَنَافِعَهَا، فَلَمْ يُمْلَكْ عَلَيْهَا الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا وَالْمُدَبَّرةُ بِخِلَافِهَا فِي الْمَنَافِعِ، فَكَانَتْ بِخِلَافِهَا فِي الِاسْتِمْتَاعِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُكَاتَبَةَ فِي حُكْمِ الْخَارِجَةِ عَنْ مِلْكِهِ، لِأَنَّهَا تَمْلِكُ أَرْشَ من جَنَى عَلَيْهَا، وَالْمُدَبَّرةُ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ، لِأَنَّهُ الْمَالِكَ لِأَرْشِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا. فَلِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ مَا افْتَرَقَا فَجَازَ اسْتِمْتَاعُهُ بِالْمُدَبَّرةِ وَلَمْ يَجُزِ اسْتِمْتَاعُهُ بِالْمُكَاتَبَةِ.
ارجع إلى تفسير مهر المثل للاطلاع على جميع المسائل.