الإسلام > النكاح والأسرة > تفسير مهر المثل
مسائلُ فقهيةٌ في تفسير مهر المثل على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 24 دقيقة قراءةتفسيرُ مهرِ المِثلِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في مَهرِ المِثلِ، هل المُعتبَرُ فيهِ أقارِبُ المَرأةِ مِنْ جِهةِ العَصَباتِ؟ وهل الأمُّ والخالَةُ وذَواتُ الأرحامِ يُعتبَرْنَ في هذا أم لا؟ أم المُعتبَرُ فقطْ هو حالُ المرأةِ دُونَ النَّسبِ؟
فقالَ الحَنفيةُ: مَهرُ المِثلِ يُعتبَرُ بعَشيرَتِها الَّتي مِنْ قِبَلِ أبيها، كالأخَواتِ والعَمَّاتِ وبَناتِ الأعمامِ؛ لقَولِ ابنِ مَسعودٍ رضي الله عنه: «لها مَهرُ مِثلِ نِسائِها»، وهُنَّ أقارِبُ الأبِ؛ لأنهُ أضافَ إليها، وإنَّما يُضافُ إلى أقارِبِ الأبِ؛ لأنَّ النَّسبَ إليهِ، ولأنَّ قِيمةَ الشَّيءِ إنَّما تُعرَفُ بالرُّجوعِ إلى قِيمةِ جِنسِه، والإنسانُ مِنْ جِنسِ قَومِ أبيهِ لا مِنْ جِنسِ قَومِ أمِّه؛ ألَا تَرَى أنَّ الأمَّ قدْ تكونُ أمَةً والابنةُ تكونُ قُرشِيةً تبَعًا لأبيها، ولا يُعتبَرُ بأُمِّها وخالَتِها إذا لم تكونَا مِنْ قَبيلتِها، بأنْ يكونَ أبوها تَزوَّجَ بنتَ عَمِّهِ، فإنَّ أُمَّها وخالتَها تَكونانِ مِنْ قَبيلتِها.
ويُعتبَرُ في مَهرِ المِثلِ أنْ تَتساوَى المرأتانِ في السِّنِّ والجَمالِ والمالِ والعَقلِ والدِّينِ والبلَدِ والعَصرِ والعفَّةِ والبَكارةِ والثُّيوبةِ والعِلمِ والأدبِ وحُسنِ الخُلُقِ؛ لأنَّ مَهرَ المِثلِ يَختلفُ باختِلافِ هذهِ الأوصافِ، وهذا في الحرَّةِ، وأمَّا الأمَةُ فبِقَدرِ الرَّغبةِ فِيها.
قالَ الكَمالُ بنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: قولُه: ويُعتبَرُ في مِهرِ المِثلِ أنْ تَتساوَيا في الجَمالِ، يَعني بمُجرَّدِ تَحقِّقِ القَرابةِ المَذكورةِ، لا يَثبُتُ صحَّةُ الاعتبارِ بالمَهرِ حتَّى تَتساويَا سِنًّا وجَمالًا ومالًا وبَلدًا وعَصْرًا وعَقلًا ودِينًا وبَكارةً
وأدبًا وكَمالَ خُلُقٍ وعَدمَ وَلَدٍ وفي العِلمِ أيضًا، فلَو كانَتْ مِنْ قَومِ أبيها لَكنِ اختَلفَ مَكانُهما أو زَمانُهما لا يُعتبَرُ بمَهرِها؛ لأنَّ البَلدينِ تَختلفُ عادةُ أهلِهما في المَهرِ في غَلائِه ورخْصِه، فلو زُوِّجتْ في غَيرِ البلدِ الَّذي زُوِّجَ فيهِ أقارِبُها لا يُعتبَرُ بمُهورِهنِّ.
وقيلَ: لا يُعتبَرُ الجَمالُ في بَيتِ الحَسَبِ والشَّرَفِ، بل في أوْساطِ النَّاسِ، وهذا جيِّدٌ، وقالُوا: يُعتبَرُ حالُ الزَّوجِ أيضًا، أيْ بأنْ يكونَ زَوجُ هذهِ كأزواجِ أمثالِها مِنْ نِسائِها في المالِ والحَسَبِ وعَدمِهما (١).
وقالَ المالكيَّةُ: مَهرُ المِثلِ ما يَرغَبُ بهِ مِثلُ الزَّوجِ في الزَّوجةِ باعتبارِ صِفاتٍ فيها مِنْ:
دِينٍ: أي مُحافظةٍ على أُصولِ دِينِ الإسلامِ مِنْ صَلاةٍ ونحوِها.
وجَمالٍ حِسِّيٍّ ومَعنويٍّ: كحُسنِ خلقٍ.
وحَسَبٍ: وهوَ ما يُعَدُّ مِنْ مَفاخِرِ الآباءِ كالكرَمِ والمُروءةِ والعِلمِ والصَّلاحِ.
ومالٍ، وبَلدٍ؛ إذْ هو يَختلفُ باختِلافِ البلادِ؛ لأنَّ الرَّغبةَ في المِصريَّةِ مَثلًا تُخالِفُ الرَّغبةَ في غَيرِها، كما أنَّ الرَّغبةَ في المُتَّصفةِ بالدِّينِ أو الجِمالِ أو المالِ تُخالِفُ الرَّغبةَ في غيرِها، فمَتى وُجدَتْ هذهِ الأشياءُ عَظُمَ مَهرُها،
(١) «شرح فتح القدير» (٣/ ٣٦٨)، ويُنظَر: «الهداية» (١/ ٢١١)، و «العناية» (٥/ ٣٠، ٣١)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٤٣)، و «اللباب» (٢/ ٤٨)، و «البحر الرائق» (٣/ ١٨٦).
ومتى فُقدَتْ أو بَعضُها قَلَّ مَهرُها، فالَّتي لا يُعرَفُ لها أبٌ ولا هي ذاتُ مالٍ ولا جَمالٍ ولا دِيانةٍ ولا صِيانةٍ فمَهرُ مِثلِها رُبعُ دِينارٍ مَثلًا، والمُتَّصِفةُ بجَميعِ صِفاتِ الكَمالِ مَهرُ مِثلِها الألُوفُ، والمتَّصفةُ ببَعضِها بحَسبِه، فيكونُ لها بحَسبِ ذلكَ وما يكونُ مِثلُه لأقرانِها في السِّنِّ ومَن كانَ في مِثلِ حالِها، ولا اعتبارَ بنِساءِ عَصبَتها؛ لأنَّ صَداقَ المِثلِ يَقلُّ ويَكثُرُ ويَختلفُ باختِلافِ ما ذكَرْناه في النِّساءِ مِنْ المالِ والجَمالِ؛ لأنَّ الإنسانَ يَرغَبُ في جَمالِ المرأةِ، فيَرغَبُ ويَبذلُ أكثرَ مِنْ بَذلِه فيمَن دُونَها في المالِ والجَمالِ؛ لرِفقِه بمالِها وانتفاعِه به، فكانَ ما ذكَرْناه هوَ المُعتبَرَ دُونَ مَهرِ نِساءِ العَصبةِ، ولأنَّ مَهرَ المِثلِ بَدلٌ مِنْ مَنافعِ البُضعِ، والإبدالُ إنَّما يُقوَّمُ بحَسبِ اختِلافِ الأغراضِ والمَنافعِ وما لهُ يُرادُ ذلكَ الشَّيءُ كالبُيوعِ، لأنَّ الأثمانَ تَختلفُ بالقِلَّةِ والكَثرةِ، فكذلكَ النِّكاحُ.
ومَحلُ اعتِبارِ صَداقِ المِثلِ بالدِّينِ والجَمالِ والحَسَبِ والمالِ والبلَدِ إذا لم يَكنْ لها مُماثِلٌ في الأوصافِ مِنْ قَبيلتِها كأُختِها وعمَّتِها، وإلَّا كانَ المُعتبَرَ صَداقُهما ولو كانَ أكثرَ مِنْ صَداقِ مِثلِها مِنْ قَومٍ آخَرينِ، فإذا كانَ للمرأةِ أمْثالٌ في الأوصافِ المَذكورةِ مِنْ قَبيلتِها وأمْثالٌ فيها مِنْ غَيرِ قَبيلتِها اعتُبِرَ فيها ما يَتزوَّجُ بهِ أمْثالُها مِنْ قَبيلتِها وإنْ زادَ على صَداقِ أمْثالِها مِنْ غيرِ قَبيلتِها أو نقَصَ.
ولا يُعتبَرُ صَداقُ أُمَّهاتها وجَدَّاتها وخالاتها ولا أخَواتها ولا عَمَّاتها للأُمِّ؛
لأنهنَّ مِنْ قَومٍ آخِرينِ، فقدْ تكونُ قُرَشِيةً وأمُّها مِنْ المَوالي، وأمَّا العَمَّةُ للأبِ فتُعتبَرُ (١).
وقالَ الشَّافعيةُ: مَهرُ المِثلِ ما يُرغَبُ بهِ في مِثلِها عادةً، وكلُّ مَوضِعٍ وَجبَ للمَرأةِ مهرُ مِثلِها وجَبَ أنْ يُعتبَرَ مَهرُ مِثلِها في حالتَينِ:
إحداهُما: في مَنصِبِها، والثَّانيةُ: في صِفاتِ ذاتِها.
فأمَّا المَنصِبُ فمُعتبَرٌ بنَظيرِها في النَّسبِ كالأخَواتِ مِنْ الأبِ والأمِّ، أو مِنْ الأبِ دُونَ الأخَواتِ مِنْ الأمِّ، وبَناتِ الإخوَةِ والعَمَّاتِ وبَناتِ الأعمامِ.
ولا تُعتبَرُ بنِساءِ ذَوي أرحامِها كأمَّهاتها وخالتِها، ولا ببَناتِ العمَّاتِ، ولا بنِساءِ بَلدِها مِنْ غَيرِ عصَبَتِها معَ وُجودِ نِساءِ عَصبتِها؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قَضى في بَروَعَ بنتِ واشِقٍ بمَهرِ نِسائِها والمِيراثِ، ولأنَّ الأنسابَ مَعقودٌ في المَناكِحِ دُونَ البُلدانِ، ولأنها مِنْ صِفاتِ الذَّاتِ اللَّازِمةِ، ولأنَّ أهلَ البَلدِ قد يَختلفُ مُهورُهم باختِلافِ الأنسابِ، وإذا وجَبَ اعتِبارُ النَّظيرِ في النَّسبِ وجَبَ اعتِبارُ نَظيرِها مِنْ نِساءِ العَصَباتِ مِنْ قِبَلِ الأبِ، ولا اعتِبارَ بنِساءِ الأمِّ ولا بنِساءِ ذَوي الأرحامِ.
والمَقصودُ نِساءُ بَلدِها، فيَكونُ الاعتِبارُ بمَن كانَ مِنْ عَصَباتِها في بَلدِها
(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣٥٦، ٣٥٧)، رقم (١١٩٠)، والتلقين (١/ ٢٩٤)، و «القوانين الفقهية» ص (١٣٦)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٥٩٧، ٥٩٨)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٢٧٧)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ١٣)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ١٦٦، ١٦٧)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٤٨).
دُونَ مَنْ كانَ في غيرِه؛ لأنَّ للبُلدانِ في المُهورِ عاداتٌ مُختلِفةٌ، فتكونُ عاداتُ بَعضِ البُلدانِ تَخفيفَ المُهورِ، وعاداتُ بَعضِها تَثقيلَ المُهورِ، فاقَتَضى أنْ يكونَ ذلكَ مُعتبَرًا، كما تُعتبَرُ قيمةُ المُتلَفِ في مَوضِعِ إتلافِهِ؛ لأنَّ القِيَمَ تَختلِفُ باختِلافِ الأمكِنةِ، فلذلكَ وجَبَ اعتِبارُ البَلدِ معَ نِساءِ العَصَباتِ، فهذا حُكمُ المَنصِبِ.
والمُعتبَرُ غالبُ عادةِ النِّساءِ المُعتبَراتِ، فلو سامَحَتْ واحِدةٌ مِنهنَّ لَم يَلزمِ الباقياتِ المُسامَحةُ، إلَّا أنْ يكونَ لنَقصٍ دخَلَ النَّسبَ وفَتَرَتِ الرَّغباتُ.
وأمَّا صِفاتُ الذَّاتِ المُعتبَرَةُ في المُهورِ فعَشرةٌ: سِنُّها وعَقلُها وحُمقُها وجَمالُها وقُبحُها ويُسرُها وعُسرُها وأدَبُها وصَراحتُها وبِكرًا كانَتْ أو ثَيِّبًا؛ لأنَّ المُهورَ بذلكَ تَختلِفُ.
أحدُها: السِّنُّ؛ لاختِلافِ المَهرِ باختِلافِه؛ لأنَّ الصَّغيرةَ أَرجَى للوَلدِ وأَلذُّ في الاستِمتاعِ مِنْ الكَبيرةِ.
والثَّاني: عَقلُها وحُمقُها، فإنَّ للعاقِلةِ مَهرًا وللرَّعْناءِ والحَمْقاءِ دُونَه؛ لكَثرةِ الرَّغبةِ في العاقِلةِ وقلَّةِ الرَّغبةِ في الحَمقاءِ.
والثَّالثُ: جَمالُها وقُبحُها، فإنَّ مَهرَ الجَميلةِ أكثرُ مِنْ مَهرِ القَبيحةِ.
وقد رُويَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «يُنكَحُ النِّساءُ لأربَعٍ: لمالِها ولحَسَبِها ولجَمالِها ولدِينِها، فعَليكَ بذاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَداكَ»، ولأنَّ لهُ تَأثيرًا في الاستِمتاعِ، وهوَ المَقصودُ في النِّكاحِ.
والرَّابعُ: يَسارُها وإعسارُها؛ لأنَّ ذا المالِ مَطلوبٌ ومخطوبٌ، فيَكثُرُ مَهرُ المُوسِرةِ بكَثرةِ طالِبها، ويَقلُّ مَهرُ المُعسِرةِ لقِلَّةِ خاطِبِها، ويُروى عَنْ ابنِ عبَّاسٍ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ تَزوَّجَ ذاتَ جَمالٍ ومالٍ فقدْ أصابَ سِدادًا مِنْ عَوَزٍ».
والخامِسُ: إسلامُها وكُفرُها؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١].
والسَّادسُ: عِفَّتُها وفُجورُها؛ لأنَّ الرَّغبةَ في العَفيفةِ أكثرُ، ومَهرُها لكَثرةِ الرَّاغبِ فيها أكثرُ، وقد قالَ اللهُ تعالَى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣].
والسَّابعُ: حُرَّيتُها ورِقُّها؛ لنُقصانِ الأمَةِ عن أحكامِ الحُرَّةِ، وإنْ كانَ نِكاحُها لا يَحلُّ لكُلِّ حُرٍّ.
والثَّامنُ: بَكارتُها وثُيوبتُها؛ لأنَّ الرَّغبةَ في البِكرِ أكثرُ مِنها في الثيِّبِ، وقد رُويَ عنِ النَّبيِّ ﷺ أنهُ قالَ: «عَليكُم بالأبكارِ، فإنهُنَّ أَعْذَبُ أَفْواهًا، وأَنْتَقُ أرحامًا، وأرضَى باليَسيرِ» (١).
والتَّاسعُ: أدَبُها وبَذاؤُها؛ لأنَّ الأَديبةَ مَرغوبٌ فيها، والبَذيئةُ مَهروبٌ منها.
والعاشرُ: صَراحتُها، واختُلفَ في مَعناهُ:
(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه ابن ماجه (١٨٦١).
فقيلَ: فَصاحَتُها في اللِّسانِ؛ لأنَّ لفَصاحةِ المَنطِقِ حظًّا مِنْ الاستِمتاعِ.
وقالَ الأكثَرونَ: بلْ أرادَ بهِ صَراحةَ النَّسبِ المَقصودِ في المَناكِحِ، والصَّريحُ النَّسبِ الَّذي أبواهُ عَرَبيَّانِ، والهَجينُ: الَّذي أبوهُ عَربيُّ وأمُّه أمَةٌ.
ويُعتبَرُ الأقرَبُ فالأقرَبُ، فإنْ لم يكنْ في أخَواتها مِثلُها صعَدَ إلى بناتِ أخِيها ثمَّ إلى عمَّاتِها ثمَّ إلى بَناتِ عَمِّها.
فهذهِ عَشرةُ أوصافٍ تُعتبَرُ في مَهرِ مِثلِها؛ لاختِلافِ المَهرِ بها (١).
وقالَ الحَنابلةُ: مَهرُ المِثلِ مُعتبَرٌ بمَن يُساويها مِنْ جَميعِ أقارِبها مِنْ جِهةِ أبيها وأُمِّها، كأُختِها وعَمَّتِها وبنتِ أخيها وبنتِ عَمِّها وأمِّها وخالَتِها وغَيرِهنَّ، القُربَى فالقُربَى؛ لحَديثِ ابنِ مَسعُودٍ رضي الله عنه: «لها مَهرُ نِسائِها»؛ ولأنَّ مُطلَقَ القَرابةِ لهُ أثَرٌ في الجُملةِ، ولأنَّ المَرأةَ تُنكَحُ لحَسَبِها للأثِرِ، وحَسَبُها يَختَصُّ بهِ أقارِبُها، ويَزدادُ المَهرُ لذلكَ ويَقلُّ لعَدمِه.
وتُعتبَرُ المُساواةُ في المالِ والجَمالِ والعَقلِ والأدَبِ والسِّنِّ والبَكارةِ والثُّيوبةِ والبَلدِ وصَراحةِ نَسَبِها وكلِّ ما يَختلِفُ لأجلِه الصَّداقُ؛ لأنَّ مَهرَ المِثلِ بَدلُ مُتلَفٍ، فاعتُبِرَتِ الصِّفاتُ المَقصودةُ.
فإنْ لم يُوجَدْ في نِسائِها إلَّا دُونها زِيدَتْ بقَدرِ فَضيلتِها القُربى فالقُربَى
(١) «الحاوي الكبير» (٩/ ٤٨٧، ٤٩٠)، و «البيان» (٩/ ٤٥٠، ٤٥٢)، و «روضة الطالبين» (٥/ ١٤٦، ١٤٧)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٣٣٤، ٣٣٦)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٣٨٠، ٣٨١)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ١٠٦، ١٠٨)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٤٠٥، ٤٠٧)، و «الديباج» (٣/ ٣٢٧، ٣٢٨).
مِنهنَّ لمَزيَّةِ القُربِ؛ لأنَّ زِيادةَ فَضيلتِها تَقتَضي زيادةً في المَهرِ.
وإنْ لم يوجَدْ في نِسائِها إلَّا فَوقها نقَصَتْ بقَدرِ نَقصِها، كأَرْشِ العَيبِ بقَدرِ نَقصِ المَبيعِ، ولأنَّ له أثرًا في تَنقيصِ المَهرِ، فوجَبَ أنْ يَترتَّبَ بحَسبِه.
وإنْ كانَ عادتُهم التَّخفيفَ في المَهرِ على عَشيرَتِهم دُونَ غَيرِهم اعتُبِرَ ذلكَ؛ لأنَّ العادةَ لها أثرٌ في المِقدارِ، فكذا في التَّخفيفِ، وكذا إنْ كانَ مِنْ عاداتِهم التَّخفيفُ لنَحوِ شَرَفِ زَوجٍ أو يَسارِه؛ إجراءً لها على عادَتِهنَّ.
وإنْ كانَ عادتُهُم تَسميةَ مَهرٍ كَثيرٍ لا يَستَوفونَه قَطُّ فوُجودُهِ كعَدِمِه، قالَهُ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ.
وإنْ كانتْ عادتُهم التَّأجيلَ فُرِضَ مُؤجَّلًا؛ لأنهُ مَهرُ نِسائِها، وإلَّا بأنْ لم يكنْ عادتُهم التَّأجيلَ فُرِضَ حَالًّا؛ لأنهُ بَدلُ مُتلَفٍ، فوجَبَ أنْ يكونَ حالًّا كقِيَمِ المُتلَفاتِ.
وإنْ لم يكنْ لها أقارِبُ اعتُبِرَ مَنْ يُشبِهُها مِنْ نِساءِ بَلدِها؛ لأنَّ ذلكَ لهُ أثرٌ في الجُملةِ؛ لأنَّ الإضافةَ في قَولهِ: «ولها صَداقُ نِسائِها» لأَدْنَى مُلابَسةٍ، فلمَّا تَعذَّرَ أقارِبُها اعتُبِرَ أقرَبُ النَّاسِ شَبَهًا بها مِنْ غَيرِهنَّ، كما تُعتبَرُ القَرابةُ البَعيدةُ عِنْدَ عَدمِ القَرابةِ القَريبةِ.
فإنْ عَدمْنَ -أي نِساءُ بَلدِها- بأنْ لم يكنْ فيهنَّ مَنْ يُشبِهُها فبأقرَبِ النِّساءِ شَبَهًا بها مِنْ أقرَبِ البلادِ إليها؛ لأنهُ لَمَّا تَعذَّرَ الأقارِبُ اعتُبِرَ أقرُبُ النِّساءِ شَبَهًا بها مِنْ غَيرِهنَّ، كما اعتُبِرَ قَرابتُها البَعيدةُ إذا لم يُوجَدْ قَريبٌ.
فإنِ اختَلفَتْ عادتُهنَّ في الحُلولِ والتَّأجيلِ أو اختَلفَتْ مُهورُهنَّ قِلَّةً وكَثرةً أُخِذَ بالوَسطِ مِنها؛ لأنهُ العَدلُ، وأنْ يكونَ حالًّا، ومِن نَقدِ البَلدِ، فإنْ تَعدَّدَ فمِن غالِبِه؛ لأنهُ بَدلُ مُتلَفٍ، فأشبَهَ قِيَمَ المُتلَفاتِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: اختَلفَتِ الرِّوايةُ عن أحمَدَ فيمَن يُعتبَرُ مِنْ أقارِبها، فقالَ في رِوايةِ حَنبلٍ: لها مَهرُ مِثلِها مِنْ نِسائِها مِنْ قِبَلِ أبيها، فاعتبَرَها بنِساءِ العَصَباتِ خاصَّةً، وهذا مَذهبُ الشَّافعيِّ.
وقالَ في رِوايةِ إسحاقَ بنِ هانِئٍ: لها مَهرُ نِسائِها مِثلَ أمِّها أَوْ أُختِها أو عَمَّتِها أو بنتِ عَمِّها، اختارَهُ أبو بكرٍ، وهوَ مَذهبُ أبي حَنيفةَ وابنِ أبي لَيلَى، لأنهنَّ مِنْ نِسائِها.
والأُولَى أَولَى؛ فإنهُ قد رُوِيَ في قِصَّةِ بَروَعَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قضَى في بَروَعَ بنتِ واشِقٍ بمِثلِ مَهرِ نِساءِ قَومِها، ولأنَّ شرَفَ المَرأةِ مُعتبَرٌ في مِهرِها، وشرَفُها بنَسبِها، وأمُّها وخالتُها لا تُساويانِها في نَسبِها، فلا تُساويانِها في شرَفِها، وقدْ تكونُ أمُّها مَولاةً وهي شَريفةٌ، وقَد تكونُ أمُّها شَريفةً وهي غَيرُ شَريفةٍ.
ويَنبَغي أنْ يُعتبَرَ الأقربُ فالأقرَبُ، فأقرَبُ نِساءِ عصَباتِها إليها أخَواتُها ثمَّ عمَّاتُها ثمَّ بناتُ عَمِّها، الأقرَبُ فالأقربُ.
ويُعتبَرُ أنْ تكونَ في مِثلِ حالِها في دِينِها وعَقلِها وجَمالِها ويَسارِها
(١) «المغني» (٧/ ١٨٩، ١٩٠)، و «المبدع» (٧/ ١٧١، ١٧٢)، و «كشاف القناع» (٥/ ١٧٧، ١٧٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٢٧٧، ٢٧٨).
ارجع إلى النكاح والأسرة للاطلاع على جميع الأبواب.