الإسلام > النكاح والأسرة > تفسير مهر المثل > ه- هبة المرأة صداقها لزوجها
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 34 دقيقة قراءةوالإسقاطِ، ويَفتقِرُ إلى القَبضِ فيما يُشتَرطُ القَبضُ فيهِ، وإنْ عفَا غيرُ الَّذي هوَ في يَدِه صَحَّ بهذهِ الألفاظِ وافتَقرَ إلى مُضِيِّ زمَنٍ يَتأتَّى القَبضُ فيهِ إنْ كانَ المَوهوبُ مِمَّا يَفتقِرُ إلى القَبضِ (١).
هـ- هبةُ المرأةِ صَداقَها لزَوجِها:
نَصَّ عامَّةُ الفُقَهاءِ على أنَّ الزَّوجةَ إذا وَهبَتْ صَداقَها لزَوجِها صَحَّ وسقَطَ مَهرُها كلُّه على الصَّحيحِ عِندَهم.
قالَ الإمامُ القُرطُبيُّ رحمة الله عليه: اتَّفقَ العُلماءُ على أنَّ المَرأةَ المالِكةَ لأمرِ نَفسِها إذا وَهبَتْ صَداقَها لزَوجِها نفَذَ ذلكَ عليها ولا رُجوعَ لها فيهِ، إلَّا أنَّ شُرَيحًا رَأى الرُّجوعَ لها فيهِ، واحَتجَّ بقَولِه: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤]، وإذا كانَتْ طالِبةً لهُ لم تَطِبْ بهِ نَفْسًا.
قالَ ابنُ العَربِيِّ رحمة الله عليه: وهذا باطِلٌ؛ لأنها قد طابَتْ وقد أكَلَ فلا كَلامَ لها؛ إذْ ليسَ المُرادُ صُورةَ الأكلِ، وإنَّما هو كِنايةٌ عنِ الإحلالِ والاستِحلالِ، وهذا بيِّنٌ (٢).
وتَفصيلُه فيما يلي:
قالَ الحَنفيَّةُ: إذا وَهبَتِ المَرأةُ كُلَّ المَهرِ قبْلَ القَبضِ عَينًا كانَ أو دَينًا وبعْدَه إذا كانَ عَينًا صَحَّ وسقَطَ مَهرُها.
(١) «المغني» (٧/ ١٩٦، ١٩٧).
(٢) «الجامع لأحكام القرآن» (٥/ ٢٥).
قالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: وجُملةُ الكَلامِ في هِبةِ المَهرِ أنَّ المَهرَ لا يَخلو: إمِّا أنْ يكونَ عَينًا -وهوَ أنْ يكونَ مُعيَّنًا مُشارًا إليه ممَّا يَصحُّ تَعيينُه-، وإمَّا أنْ يكونَ دَينًا -وهوَ أنْ يكونَ في الذِّمةِ كالدَّراهمِ والدَّنانيرِ، مُعيَّنةً كانَتْ أو غيْرَ مُعيَّنةٍ والمَكيلاتِ والمَوزُوناتِ في الذِّمةِ والحَيوانِ في الذِّمَّةِ كالعَبدِ والفَرَسِ والعَرضِ في الذِّمةِ كالثَّوبِ الهَرَويِّ-، والحالُ لا يَخلو: إمَّا أنْ يكونَ قبْلَ القَبضِ، وإمَّا أنْ يكونَ بعْدَ القَبضِ، وهَبَتْ كلَّ المَهرِ أو بَعضَه، فإنْ وَهبَتْه كُلَّ المَهرِ قبْلَ القَبضِ ثُمَّ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ بها فلا شيءَ لهُ عليها، سَواءٌ كانَ المَهرُ عَينًا أو دَينًا في قَولِ أصحابِنا الثَّلاثةِ.
وقالَ زُفرُ: يَرجعُ عليها بنِصفِ المَهرِ إنْ كانَ دَينًا، وبهِ أخَذَ الشَّافعيُّ.
وَجهُ قَولِ زُفرَ: أنها بالهِبةِ تَصرَّفتْ في المَهرِ بالإسقاطِ، وإسقاطُ الدَّينِ استِهلاكُه، والاستِهلاكُ يَتضمَّنُ القَبضَ، فصارَ كأنها قَبضَتْ ثمَّ وَهبَتْ.
ولنا: أنَّ الَّذي يَستحِقُّه الزَّوجُ بالطَّلاقِ قبْلَ القَبضِ عادَ إليهِ مِنْ جِهتِها بسَببٍ لا يُوجبُ الضَّمانَ؛ لأنهُ يَستحِقُّ نِصفَ المَهرِ فقدْ عادَ إليهِ بالهِبةِ، والهِبةُ لا تُوجِبُ الضَّمانَ، فلا يكونُ لهُ حَقُّ الرُّجوعِ عليها بالنِّصفِ كالنِّصفِ الآخَرِ.
وإنْ وَهبَتْ بعْدَ القَبضِ؛ فإنْ كانَ المَوهوبُ عَينًا فقَبضَه ثمَّ وهَبَه منها لم يَرجعْ عليها بشيءٍ؛ لأنَّ ما تَستحِقُّه بالطَّلاقِ قبْلَ الدُّخولِ هوَ نِصفُ المَوهوبِ بعَينِه، وقَد رجَعَ إليهِ بعَقدٍ لا يُوجبُ الضَّمانَ، فلم يَكنْ لهُ الرُّجوعُ عليها.
وإنْ كانَتْ دَينًا في الذِّمةِ؛ فإنْ كانَ حَيوانًا أو عَرضًا فكذلكَ لا يَرجعُ عليها بشيءٍ؛ لأنَّ الَّذي تَستحِقُّه بالطَّلاقِ قبْلَ الدُّخولِ نِصفُ ذلكَ الشَّيءِ بعَينِه مِنَ العَبدِ والثَّوبِ، فصارَ كأنهُ تَعيَّنَ بالعَقدِ.
وإنْ كانَ دَراهمَ أو دَنانيرَ مُعيَّنةً أو غيْرَ مُعيَّنةٍ أو مَكيلًا أو مَوزونًا سِوى الدَّراهمِ والدَّنانيرِ فقَبضتْه ثمَّ وَهبتْه منه ثمَّ طلَّقَها يَرجعُ عليها بمِثلِ نِصفِه؛ لأنَّ المُستحَقَّ بالطَّلاقِ ليسَ هوَ الَّذي وَهبتْه بعَينِه بل مِثلُه؛ بدَليلِ أنها كانَتْ مُخيَّرةً في الدَّفعِ، إنْ شاءَتْ دَفعَتْ ذلكَ بعَينِه وإنْ شاءَتْ دَفعَتْ مِثلَه، كما كانَ الزَّوجُ مُخيَّرًا في الدَّفعِ إليها بالعَقدِ، فلم يَكنِ العائِدُ إليهِ عيْنَ ما يَستحِقُّه بالطَّلاقِ قبْلَ الدُّخولِ، فصارَ كأنها وَهبَتْ مالًا آخَرَ، ولو كانَ كذلكَ لرجَعَ عليها بمِثلِ نِصفِ الصَّداقِ، كذا هذا.
وقالَ زُفرُ في الدَّراهمِ والدَّنانيرِ إذا كانَتْ مُعيَّنةً فقَبضَتْها ثمَّ وَهبَتْها ثمَّ طلَّقَها أنهُ لا رُجوعَ للزَّوجِ عليها بشيءٍ؛ بناءً على أنَّ الدَّراهمَ والدَّنانيرَ عِندَه تَتعيَّنُ بالعَقدِ، فتَتعيَّنُ بالفَسخِ أيضًا كالعُروضِ، وعِندَنا لا تَتعيَّنُ بالعَقدِ فلا تَتعيَّنُ بالفَسخِ …
وكذلكَ إذا كانَ المَهرُ دَينًا فقَبضَتِ الكُلَّ ثمَّ وَهبَتِ البعضَ فللزَّوجِ أنْ يَرجعَ عليها بنِصفِ المَقبوضِ؛ لأنَّ لهُ أنْ يَرجعَ عليها إذا وَهبَتِ الكلَّ، فإذا وَهبَتِ البَعضَ أَولى، وإذا قَبضَتِ النِّصفَ ثمَّ وَهبَتِ النِّصفَ الباقي أو وَهبَتِ الكُلَّ ثمَّ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ بها قالَ أبو حَنيفةَ: لا يَرجعُ الزَّوجُ عليها بشيءٍ، وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ: يَرجعُ عليها برُبعِ المَهرِ.
وَجهُ قَولِهما: أنَّ المُستحَقَّ للزَّوجِ بالطَّلاقِ قبْلَ الدُّخولِ نِصفُ المَهرِ، فإذا قَبضَتِ النِّصفَ دُونَ النِّصفِ فَقدِ استَحقَّ النِّصفَ مُشاعًا فيما في ذمَّتِه وفيما قَبضَتْ، فكانَ نِصفُ النِّصفِ -وهوَ رُبعُ الكُلِّ- في ذمَّتِه، ونِصفُ النِّصفِ فيما قَبضَتْ، إلَّا أنها إذا لَم تكنْ وَهبَتْه حتَّى طلَّقَها لَم يَرجعْ عليها بشيءٍ؛ لأنهُ صارَ ما في ذمَّتِه قِصاصًا بما لهُ عليها، فإذا وَهبَتْ بَقيَ حَقُّه في نِصفِ ما في يَدِها وهوَ الرُّبعُ، فيَرجعُ عليها بذلكَ.
ولأبي حَنيفةَ: أنَّ الَّذي يَستحِقُّه الزَّوجُ بالطَّلاقِ قبْلَ الدُّخولِ ما في ذمَّتِه، بدَليلِ أنها لو لَم تَكنْ وَهبَتْ وطلَّقَها لَم يَرجعْ عليها بشيءٍ، وقدْ عادَ إليهِ ما كانَ في ذمَّتِه بسَببٍ لا يُوجبُ الضَّمانَ وهوَ الهِبةُ، فلا يَكونُ لهُ الرُّجوعُ بشيءٍ.
ولو كانَ المَهرُ جارِيةً فوَلدَتْ بعْدَ القَبضِ أو جَنَى عليها فوجَبَ الأرشُ، أو كانَ شَجرًا فأثمَرَ أو دخَلَه عَيبٌ ثمَّ وَهبَتْه مِنه ثمَّ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ بها رجَعَ عليها بنِصفِ القِيمةِ؛ لأنَّ حَقَّ الزَّوجِ يَنقطِعُ عَنْ العَينِ بهذهِ العَوارِضِ، بدَليلِ أنهُ لا يَجوزُ لهُ أخذُها معَ الزِّيادةِ، وإذا كانَ حَقُّه مُنقطِعًا عنها لم يَعُدْ إليهِ بالهِبةِ ما استَحقَّهُ بالطَّلاقِ، فكانَ لهُ قِيمتُها، وإذا حدَثَ بهِ عَيبٌ فالحقُّ وإنْ لَم يَنقطِعْ عَنِ العَينِ بهِ، لكنْ يَجوزُ لهُ تَركُه معَ العَيبِ، فلم يكنِ الحقُّ مُتعلِّقًا بالعَينِ على سَبيلِ اللُّزومِ، ولم يَكنِ الواصِلُ إلى الزَّوجِ عيْنَ ما يَستحِقُّه بالطَّلاقِ.
ولو كانَتِ الزِّيادةُ في بَدَنِها فوَهبَتْها لهُ ثمَّ طلَّقَها كانَ لهُ أنْ يضمنَها في
قولِ أبي يُوسفَ وأبي حَنيفةَ، خِلافًا لمُحمدٍ؛ بناءً على أنَّ الزِّيادةَ المُتَّصلةَ لا تَمنعُ التَّنصيفَ عِندَهما، وعِندَه تَمنعُ، وإذا باعَتْه المَهرَ أو وَهبَتْه على عِوضٍ ثمَّ طلَّقَها رجَعَ عليها بمِثلِ نِصفِه فيما له مِثلٌ، وبنِصفِ القِيمةِ فيما لا مِثلَ لهُ؛ لأنَّ المَهرَ عادَ إلى الزَّوجِ بسَببٍ يَتعلَّقُ بهِ الضَّمانُ، فوجَبَ له الرُّجوعُ، وإذا ثبَتَ له الرُّجوعُ ضمنَها كما لو باعَتْه مِنْ أجنَبيٍّ ثمَّ اشتَراهُ الزَّوجُ مِنْ الأجنَبيِّ، ثُمَّ إنْ كانَتْ باعَتْ قبْلَ القَبضِ فعليها نِصفُ القِيمةِ يَومَ البَيعِ؛ لأنه دخَلَ في ضَمانها بالبَيعِ، وإنْ كانَتْ قَبضَتْ ثمَّ باعَتْ فعليها نِصفُ القِيمةِ يَومَ القَبضِ؛ لأنهُ دخَلَ في ضَمانها بالقَبضِ (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: الزَّوجَةُ المالِكةُ لأمرِ نَفسِها إذا وَهبَتْ صَداقَها المُسمَّى لزَوجِها قبْلَ البِناءِ أو وَهبَتْ لهُ ما يَتزوَّجُها بهِ ففعَلَ فإنَّ الهِبةَ صَحيحةٌ، لَكنْ يُجبَرُ على أنْ يَدفعَ لها مِنْ مالِهِ أقلَّ الصَّداقِ قبْلَ أنْ يَبنيَ بها، وهوَ رُبعُ دِينارٍ أو ثلاثةُ دَراهمَ خالِصةٍ؛ لاحتِمالِ التَّواطؤِ على تَركِ الصَّداقِ فيُعرَّى البُضعُ عنِ الصَّداقِ بالكُلِّيةِ، وليسَ على الزَّوجِ شيءٌ إنْ طلَّقَ قبْلَ البناءِ، ومَحلُّه ما لم تَقبضِ الصَّداقَ، فإنْ قَبضَتْه ثمَّ وَهبَتْه لهُ فإنهُ لا يُجبَرُ على دَفعِ أقلِّهِ، كهِبتِه بعْدَ البِناءِ.
وإذا وَهبَتْ لزَوجِها صَداقَها كُلَّه أو بَعضَه بعْدَ البِناءِ فإنهُ إذا طلَّقَها بعْدَ ذلكَ لَم تَرجعْ عليهِ بشيءٍ مِنه، وكذلكَ إذا وَهبَتْ لهُ بَعضَ صَداقِها قبْلَ البِناءِ، فإنَّ البَعضَ الباقي هوَ الصَّداقُ، فإنْ كانَ رُبعَ دينارٍ أو ثلاثةَ دَراهمَ
(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٩٥، ٢٩٦).
خالِصةٍ أو ما يُساوي ذلكَ فلا كَلامَ، وإنْ كانَ أقلَّ مِنْ ذلكَ فإنهُ يُجبَرُ على تَكميلِه حَيثُ أرادَ الدُّخولَ، وإلَّا طلَّقَ وأعطاها نِصفَ ما بَقيَ بعْدَ الهِبةِ، كتَزويجِه ابتِداءً بأقلَّ مِنَ الصَّداقِ الشَّرعيِّ.
إلَّا أنْ تَهبَهُ على دَوامِ العِشرةِ فلا يكونُ المَوهوبُ كالعَدمِ، والمَعنَى أنَّ المرأةَ إذا وَهبَتْ زوْجَها صَداقَها أو بَعضَه قبْلَ البِناءِ أو بعْدَه على دَوامِ العِشرةِ أو على حُسنِ العِشرةِ ثمَّ إنهُ طلَّقَها أو ظهَرَ أنَّ النِّكاحَ فاسِدٌ وفُسخَ قبْلَ حُصولِ مَقصودِها فإنَّ المَوهوبَ لا يكونُ كالعَدمِ، بل يكونُ مَردودًا عليها فتأخُذُه منهُ، كما لو أعطَتْ زوْجَها مالًا غيْرَ الصَّداقِ على دَوامِ العِشرةِ فظهَرَ أنَّ النِّكاحَ فاسِدٌ وفُسخَ، فإنها تَرجعُ عليهِ بما أعطَتْه؛ لعَدمِ حُصولِ غَرضِها، ومِن بابِ أَولى لو طلَّقَ اختيارًا، وهذا إذا فارَقَ بالقُربِ، وأمَّا بالبُعدِ بحَيثُ يَرَى أنهُ حصَلَ غَرضُها فلا تَرجعُ، وفيما بيْنَ ذلكَ تَرجعُ بقَدرِه، وهذا ما لم يكنْ فِراقُها ليَمينٍ نَزلَتْ بهِ لم يَتعمَّدْها فلا رُجوعَ، خلافًا للَّخْميِّ، وأجْرَى في تَوضيحِه ما أهداهُ الزَّوجُ لها أو أعطاها بعْدَ البناءِ مَجْرى ما أعطَتْه هي لدَوامِ العِشرةِ، فقالَ عَنْ أصبَغَ: إنْ أهداها لها قبْلَ البِناءِ فلا شيءَ له وإنْ وجَدَها قائِمةً؛ لأنَّ الَّذي أُهدِيَ إليهِ قد وصَلَ إليهِ، وإنْ أعطاها شيئًا بعْدَ البناءِ ثمَّ فُسخَ نِكاحُها بحَدَثانِ ذلكَ فلهُ أخذُ ما أعطاها؛ لأنهُ إنَّما أعطاها على ثَباتِ الحالِ والعِشرةِ، وإنْ كانَ الفَسخُ بعْدَ طُولِ سَنتَينِ أو سِنينَ فلا أرى لهُ شيئًا وإنْ وجَدَها بعَينِها؛ لأنَّ الذي أُعطيَ لهُ قد رسَخَ وانتَفعَ بهِ، فالفَسخُ كطلاقٍ حادِثٍ.
وأمَّا المَرأةُ السَّفيهةُ إذا أعطَتْ رَجلًا مالًا ليَتزوَّجَها بهِ مِنْ وَليِّها ففعَلَ ذلكَ فإنَّ النِّكاحَ يَثبتُ، ويَلزمُه أنْ يَدفعَ لها مِنْ مالِهِ مِثلَ ما وَهبَتْه ويَرُدَّه إليها؛ لبُطلانِ هِبتِها فيهِ، وقدْ تَزوَّجَها بصَداقٍ تَبيَّنَ استِحقاقُه، فيَلزمُه أنْ يَدفعَ لها نَظيرَه، هذا إذا كانَ ما أعطَتْه قَدْرَ صَداقِ مِثلِها أو أكثرَ، وأمَّا إنْ كانَ أقلَّ فالظَّاهرُ أنه يَلزمُه أنْ يُكمِلَ لها صَداقَ المِثلِ؛ لأنَّ غيْرَ الأبِ ليسَ له أنْ يُزوِّجَ وَليَّتَه بدُونِ صَداقِ المِثلِ (١).
وقالَ الشَّافِعيةُ: إذا وَهبَتِ الزَّوجةُ الزَّوجَ صَداقَها المُعيَّنَ نُظِرَ: إنْ كانَ بعْدَ أنْ قَبضَتْه وطلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ فهلْ يَرجعُ عليها؟ قَولانِ:
أحَدُهما -وهوَ الأظهَرُ عِنْدَ الجُمهورِ-: يَرجعُ بنِصفِ بَدلِه، إمَّا المِثل أو القِيمة؛ لأنهُ عادَ إليهِ بعَقدٍ، فلا يَمنعُ ذلكَ رُجوعَه عليها ببَدلِ نِصفِه، كما لو اشتَراهُ مِنها أو وَهبَتْه لأجنَبيٍّ ثمَّ وَهَبَه الأجنَبيُّ منهُ.
والثَّاني: لا يَرجِعُ عليها بشيءٍ؛ لأنهُ قد تَعجَّلَ له ما كانَ يَستحِقُّه بالطَّلاقِ قبْلَ مَحِلِّه، فلا يَستحِقُّه عِنْدَ مَحلِّه، كما لو تَعجَّلَ دَيْنَه المُؤجَّلَ قبْلَ مَحلِّه ثمَّ جاءَ وَقتُ مَحلِّه.
وإنْ وَهبَتْه إياهُ قبْلَ أنْ تَقبضَه فطَريقانِ: قيلَ: لا يَرجعُ قَطعًا، والمَذهبُ: طَردُ القَولينِ، سَواءٌ قَبضَتْه أم لا.
إذا كانَ المَهرُ دَيْنًا لها على زَوجِها فأبرأَتْه منهُ ثمَّ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ
(١) «شرح مختصر خليل» (٣/ ٢٨٨، ٢٨٩)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٦٢، ٦٣).
صَحَّ وسقَطُ مَهرُها، ولا يَرجعُ عليها بشيءٍ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ؛ لأنها لم تأخُذْ منهُ مالًا ولم تَتحصَّلْ على شيءٍ، وكما لو شَهِدَ شاهِدانِ بدَينٍ وحكَمَ بهِ حاكمٌ ثمَّ أبرَأَ المَحكومُ له المَحكومَ عليهِ ثمَّ رجَعَ الشَّاهِدانِ عَنْ الشَّهادةِ، فإنهُما لا يَغرمانِ للمَحكومِ عليهِ شَيئًا.
ولو أصدَقَها دَيْنًا فقَبضتْه ثمَّ وَهبَتْه مِنه ففِيهِ القَولانِ في هِبتِه العَينَ، وقيلَ: يَرجعُ بالشَّطرِ قَطعًا.
وإنْ قَبضَتْ نِصفَ الصَّداقِ ثمَّ وَهبَتْه النِّصفَ الباقي منهُ ثمَّ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ؛ فإنْ قُلنا: يَرجعُ عليها إذا وَهبَتْ جَميعَ الصَّداقِ له .. رجَعَ عليها هاهُنا بالنِّصفِ أيضًا، وإنْ قُلنا هُناكَ: لا يَرجعُ عليها بشيءٍ .. فهاهُنا قَولانِ:
أحَدُهما: قَال في «الأُمّ»: (لا يَرجعُ عليها بشيءٍ؛ لأنهُ إنَّما يَرجعُ عليها بالنِّصفِ، وقَد تَعجَّلَ لهُ ذلكَ النِّصفُ، فلمْ يَرجعْ عليها بشيءٍ).
والثَّاني: قالَ في «الإملاء»: (يَرجعُ عليها بنِصفِ الباقِي؛ لأنها لو وَهبَتْه جَميعَه .. لم يَرجعْ عليها بشيءٍ، فإذا وَهبَتْه نِصفَه .. كانَ ذلكَ مِنْ حَقِّها وحَقِّه؛ لأنَّ حَقَّهما شائعٌ في الجَميعِ).
فإذا قُلنا بهذا .. ففِي كَيفيَّةِ رُجوعِه ثلاثةُ أقوالٍ:
أحَدُها: يَرجعُ عليها بالنِّصفِ الباقي؛ لأنهُ يَستحِقُّ عليها النِّصفَ، وقدْ وجَدَه.
والثَّاني: يَرجعُ عليها بنِصفِ النِّصفِ الباقي وقِيمةِ نِصفِ المَوهوبِ؛ لأنَّ حَقَّهما شائِعٌ في الجَميعِ، فصارَ المَوهوبُ كالتَّالفِ.
والثَّالثُ: أنهُ بالخِيارِ بيْنَ أنْ يَرجعَ بالنِّصفِ الباقي، وبيْنَ أنْ يَرجعَ بنِصفِ النِّصفِ الباقي ونصفِ قِيمةِ المَوهوبِ؛ لأنهُ تَبعَّضَ عليهِ حقُّه.
وإنْ وَهبَتْه امرَأتُه الصَّداقَ أو أبرأَتْهُ منهُ ثمَّ ارتَدَّتْ قبْلَ الدُّخولِ .. فحُكمُ الرُّجوعِ عليها بجَميعِ الصَّداقِ كالحُكمِ في رُجوعِه عليها بالنِّصفِ عندَ الطَّلاقِ؛ لأنهُ يَستحِقُّ عليها الرُّجوعَ بالجَميعِ عِنْدَ ردَّتِها كما يَستحِقُّ عليها الرُّجوعَ بالنِّصفِ عندَ الطَّلاقِ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: وإنْ وَهبَتِ المَرأةُ صَداقَها لزَوجِها أو أبرأَتْهُ مِنْ صَداقِها ثمَّ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ صَحَّ وسقَطَ مَهرُها ورجَعَ عليها الزَّوجُ بنِصفِه؛ لأنَّ عَودَ نِصفِ الصَّداقِ إلى الزَّوجِ بالطَّلاقِ، وهوَ غَيرُ الجِهةِ المَستحَقِّ بها الصَّداقُ أوَّلًا، فهوَ كما لو أبرَأَ إنسانًا مِنْ دَينٍ عليهِ ثَمَّ استَحقَّ عليهِ مِثلَ ما أبرَأَه منه بوَجهٍ آخَرَ، فلا يَتساقَطانِ بذلكَ.
وإنْ أبرَأَتْه مِنْ نِصفِه أو وَهبَتْه نِصفَ الصَّداقِ ثُمَّ طلَّقَها الزَّوجُ قبْلَ الدُّخولِ رجَعَ في النِّصفِ الباقي؛ لأنهُ وجَدَ نِصفَ ما أصدَقَها بعَينِه، فأشبَهَ ما لو لم تهَبْه لهُ.
ولو قَضَى المَهرَ أجنَبيٌّ عنِ الزَّوجِ مُتبَرِّعًا ثمَّ سقَطَ الصَّداقُ لرِدَّتِها
(١) «الحاوي الكبير» (٩/ ٥٢١، ٥٢٣)، و «المهذب» (٢/ ٥٩)، و «البيان» (٩/ ٤٣٤، ٤٣٩)، و «روضة الطالبين» (٥/ ١٧٤، ١٧٩)، و «كفاية الأخيار» ص (٤٢٥)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٣٥٤، ٣٥٥)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٣٩٣)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ١٣٨، ١٣٩)، و «الديباج» (٣/ ٣٤٠).
ونحوِها قبْلَ دُخولٍ، أو تَنصَّفَ الصَّداقُ بنَحوِ طلاقِه قبْلَ دُخولٍ؛ فالرَّاجعُ مِنَ المَهرِ للزَّوجِ؛ لأنَّ الأجنبيَّ وهَبَ ذلكَ للزَّوجِ بقَضائِهِ عنه، فإذا عادَ إليهِ الاستِحقاقُ بغَيرِ الجِهةِ المُستَحقَّةِ أوَّلاً كانَ للزَّوجِ كما لو أدَّاهُ مِنْ مالِه.
ولَو خالَعَها الزَّوجُ بنِصفِ صَداقِها قبْلَ الدُّخولِ صَحَّ ذلكَ، وصارَ الصَّداقُ كلُّه له، نصفُه له بالطَّلاقِ ونِصفُه له بالخُلعِ عِوضًا له.
وإنْ خالَعَها قبْلَ الدُّخولِ على مِثلِ نصفِ الصَّداقِ في ذمَّتِها وكانَتْ لم تَقبضِ الصَّداقَ منه صَحَّ ذلكَ وسقَطَ عنه جَميعُ الصَّداقِ؛ نِصفُه بالطَّلاقِ ونِصفُه بالمُقاصَّةِ حَيثُ وُجدَتْ بشُروطِها.
ولو قالَتِ المَرأةُ لزَوجِها قبْلَ الدُّخولِ وقبْلَ قَبضِ الصَّداقِ: «اخلَعْنِي بما يُسلَّمُ إليَّ مِنْ صَداقي، أو اخلَعْنِي على أنْ لا تَبِعةَ عليكَ في المَهرِ» ففعَلَ وخالَعَها على ذلكَ صَحَّ الخُلعُ؛ لأنهُ بمَعنَى سُؤالِها الخُلعَ على نِصفِ الصَّداقِ، وبَرئَ الزَّوجُ مِنْ جَميعِه، نِصفِه بالخُلعِ ونصفِه بجَعلِه عِوضًا لهُ فيهِ.
وإنْ خالَعَها قبْلَ الدُّخولِ بمِثلِ جَميعِ الصَّداقِ في ذمَّتِها أو خالَعَها بصَداقِها كُلِّه صَحَّ الخُلعُ؛ لصُدورِه مِنْ أهلِه في مَحلِّهِ، ويَرجعُ عليها بنِصفِه، وسقَطَ عنهُ الصَّداقُ؛ لِمَا تَقدَّمَ.
وإنْ أبرَأَتْ مُفوَّضةٌ المَهرَ -وهيَ الَّتي تَزوَّجَها على ما شاءَتْ أو شاءَ زَيدٌ ونَحوُه- مِنَ المَهرِ صَحَّ، أو أبرَأَتْ مُفوَّضةٌ البُضعَ -وهيَ مَنْ تَزوَّجَتْ بغَيرِ صَداقٍ- مِنْ المَهرِ صَحَّ، أو أبرَأَتْ مَنْ سُميَ لها مَهرٌ فاسِدٌ كالخَمرِ
والمَجهولِ مِنْ المَهرِ صَحَّ الإبراءُ قبْلَ الدُّخولِ وبعْدَه؛ لانعِقادِ سَببِ وُجوبِه وهوَ عَقدُ النِّكاحِ، كالعَفوِ عنِ القَصاصِ بعْدَ الجَرحِ وقبْلَ الزُّهوقِ.
فإنْ طلَّقَ الزَّوجُ المُفوَّضةَ أو مَنْ سُمِّيَ لها مَهرٌ فاسِدٌ بعْدَ البَراءةِ وقبْلَ الدُّخولِ رجَعَ المُطلِّقُ بنِصفِ مَهرِ المِثلِ؛ لأنهُ الَّذي وجَبَ بالعَقدِ، فهوَ كما لو أبرَأتْهُ مِنْ المُسمَّى ثمَّ طلَّقَها وعَفَا، وقيلَ: لها المُتعةُ.
فإنْ كانَتِ البَراءةُ مِنَ المُفوَّضةِ ومَن سُمِّيَ لها مَهرٌ فاسِدٌ مِنْ نِصفِه ثُمَّ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ رجَعَ عليها بنِصفِ مَهرِ المِثلِ الباقي بعْدَ النِّصفِ السَّاقِطِ بالبَراءةِ، وهوَ مَبنيٌّ على ما سبَقَ، ولا مُتعةَ لها في أحَدِ الوَجهَينِ، والوَجهُ الثَّاني: لا تَسقطُ.
وإنِ ارتَدَّتْ مَنْ وَهبَتْ زوْجَها الصَّداقَ قبْلَ الدُّخولِ رجَعَ عليها بكُلِّه، أو ارتَدَّتْ مَنْ أبرَأَتْه مِنه قبْلَ الدُّخولِ رجَعَ الزَّوجُ عليها بجَميعِ الصَّداقِ؛ لعَودِه إليه بذلكَ، وكمَا يَرجعُ عليها بنِصفِه لو تَنصَّفَ (١).
قالَ الإمامُ ابنُ قدامةَ رحمة الله عليه: إذا عَفَتِ المَرأةُ عَنْ صَداقِها الَّذي لها على زَوجِها أو عَنْ بَعضِه أو وَهبَتْه لهُ بعْدَ قَبضِه وهيَ جائِزةُ الأمرِ في مالِها جازَ ذلكَ وصَحَّ، ولا نَعلَمُ فيهِ خِلافًا؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] يَعني الزَّوجات، وقالَ تعالَى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤] … سَمَّاهُ غيرَ المَهرِ تَهبُه المَرأةُ للزَّوجِ، وقالَ
(١) «المغني» (٧/ ٢٠٤، ٢٠٥)، و «الكافي» (٣/ ٩٢)، و «كشاف القناع» (٥/ ١٦٢، ١٧٣)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ١٩٩، ٢١٢)، و «منار السبيل» (٣/ ١٦، ١٧).
عَلقمةُ لامرَأتِه: هَبِي لي مِنْ الهَنيءِ المَريءِ، يَعني مِنْ صَداقِها (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: واختَلفُوا مِنْ هذا البابِ في المَرأةِ إذا وَهبَتْ صَداقَها لزَوجِها ثمَّ طلِّقَتْ قبْلَ الدُّخولِ:
فقالَ مالِكٌ: ليسَ يَرجعُ عليها بشيءٍ.
وقالَ الشَّافعيُّ: يَرجعُ عليها بنِصفِ الصَّداقِ.
وسَببُ الخِلافِ: هل النِّصفُ الواجِبُ للزَّوجِ بالطَّلاقِ هوَ في عَينِ الصَّداقِ أو في ذمَّةِ المرأةِ؟ فمَن قالَ: في عَينِ الصَّداقِ قالَ: لا يَرجعُ عليها بشيءٍ؛ لأنهُ قبَضَ الصَّداقَ كلَّه، ومَن قالَ: هو في ذمَّةِ المرأةِ قالَ: يَرجعُ وإنْ وَهبَتْه له، كما لو وَهبَتْ له غيْرَ ذلكَ مِنْ مالِها.
وفرَّقَ أبو حَنيفةَ في هذهِ المَسألةِ بيْنَ القَبضِ ولا قبْضَ.
فقالَ: إنْ قَبضَتْ فلهُ النِّصفُ، وإنْ لم تَقبضْ حتَّى وَهبَتْ فليسَ لهُ شيءٌ، كأنهُ رَأى أنَّ الحَقَّ في العَينِ ما لم تَقبضْ، فإذا قَبضَتْ صارَ في الذِّمةِ (٢).
وقد تَقدَّمَ في كتابِ الهِبةِ حُكمُ هِبةِ المَرأةِ لزَوجِها، وهِبتِها صَداقَها لزَوجِها، وهل يَحقُّ لها الرُّجوعُ في هِبتِها أم لا؟ بالتَّفصيلِ.
(١) «المغني» (٧/ ١٩٦، ١٩٧).
(٢) «بداية المجتهد» (٢/ ١٩).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب عشرة النساء والخلع
١٢٤٢ - مسألة؛ قال: (وإذا خالعته الأمة بغير إذن سيدها على شىء معلوم، كان الخلع واقعا، ويتبع
يُوجِبْه. وإن قالتْ: قَبِلتُ بخَمْسِمائةٍ. لم يقَعْ؛ لأنَّ الشَّرْطَ لم يُوجَدْ. وإن قالتْ: قبلتُ واحدةً من الثَّلاثِ بثُلُثِ الألفِ. لم يَقَعْ؛ لأنَّه لم يَرْضَ بانْقِطَاعِ رَجْعتِه عنها إلَّا بألفٍ. وإن قال: أنتِ طالقٌ طَلْقتيْنِ، إحْداهما بألفٍ. وقَعتْ بها واحدةٌ؛ لأنَّها بغيرِ عِوَضٍ، ووَقعتِ الأُخْرَى على قَبُولِها؛ لأنَّها بعِوَضٍ.
١٢٤٢ - مسألة؛ قال: (وإِذَا خالَعَتْهُ الأَمَةُ بغيْرِ إِذْنِ سيِّدهَا عَلَى شَىءٍ مَعْلُومٌ، كَانَ الْخلْعُ وَاقِعًا، ويتْبَعُهَا إِذَا عَتَقَتْ بِمِثلِهِ، إِنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ، وَإِلَّا فقيمَتُهُ )
فى هذه المسألةِ ثلاثةُ فصولٍ:
أحدُها: أنَّ الخُلْعَ مع الأَمَةِ صحيحٌ، سواءٌ كان بإذْنِ سَيِّدها، أو بغيرِ إذنِه؛ لأنَّ الخُلْعَ يَصِحُّ مع الأجْنَبِىِّ فمع الزَّوجةِ أوْلَى، ويكونُ طلاقُها على عِوَضٍ بائنًا، والخُلْعُ معها كالخُلْعِ مع الحُرَّةِ سَواءً.
الفصلُ الثَّانى: أنَّ الخُلْعَ إذا كان بغيرِ إذْنِ سَيِّدها على شىءٍ فى ذِمَّتِها، فإنَّه يتبعها إذا عَتَقَتْ؛ لأنَّه رَضِىَ بذِمَّتِها، ولو كان على عَيْنٍ، فالذى ذكرَ الْخِرَقِىُّ، أنَّه يَثْبُتُ فى ذِمَّتِها مِثْلُه أو قيمتُه إن لم يكُنْ مِثْلِيًّا؛ لأنَّها لا تَمْلِكُ العَيْنَ، وما فى يَدِها من شىءٍ فهو لسَيِّدها، فيَلْزمُها بدَلُه، كما لو خَالَعَها على عبدٍ فخرجَ حُرًّا أو مُستَحَقًّا. وقياسُ المذهبِ أنَّه لا شىءَ له؛ لأنَّه إذا خالعَها على عَيْنٍ، وهو يَعْلمُ أنَّها أَمَةٌ، فقد علمَ أنَّها لا تمْلِكُ العَيْنَ، فيكونُ راضيًا بغيرِ عِوَضٍ، فلا يكونُ له شىءٌ، كما لو قال: خالَعْتُك على هذا المَغْصوبِ، أو هذا الحُرِّ. وكذلك ذكرَ القاضى، فى "المُجَرَّدِ" ، قال: هو كالخُلْعِ على المغْصوبِ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُه . وهذا قولُ مالكٍ. وقال الشَّافعىُّ: يَرجعُ عليها
ارجع إلى تفسير مهر المثل للاطلاع على جميع المسائل.