ج- الخلع قبل الدخول

الإسلام > النكاح والأسرة > تفسير مهر المثل > ج- الخلع قبل الدخول

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 30 دقيقة قراءة

ج- الخلع قبل الدخول - الأقوال والأدلة

العَقدِ بطَريقِ الاعتِبارِ، مثلَ إلحاقِ الشيءِ بمِثلِ ما في مَعناهُ (١).

وذهَبَ الحَنفيَّةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنهُ لا يَجبُ نِصفُ المُسمَّى، وإنما يَجبُ لها المُتعةُ فقَطْ؛ لأنهُ نِكاحٌ عَرِيَ عَنْ تَسميتِه، فوَجبَتْ بهِ المُتعةُ كما لو لم يُفرضْ لها، ولأنَّ السَّببَ مَخصوصٌ بالمَفروضِ في العَقدِ بالنَّصِّ، وهو قَولُه تعالَى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، والمَفروضُ بعْدَه ليسَ في مَعناهُ (٢).

ج- الخلعُ قبْلَ الدُّخولِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو خالَعَ زَوجَتَه قبْلَ الدُّخولِ، هل يَتنصَّفُ المَهرُ؟ أم يَسقُطُ كلُّهُ؟

فذهَبَ الشَّافعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الفُرقةَ الَّتي تَأتي مِنْ قبَلِ الزَّوجِ كالخُلعِ قبْلَ الدُّخولِ بها تُوجِبُ نِصفَ المُسمَّى؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَإِنْ

(١) «أحكام القرآن» للكيا هراسي (١/ ٢٠٦)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (١/ ٢٩٢)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٥٩٤)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٢٧٤)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ١٦٣)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٤٤)، و «الحاوي الكبير» (٩/ ٥٤٨)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٣٣٢)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٣٧٩)، و «الديباج» (٣/ ٣٢٧)، و «المغني» (٧/ ١٨٤).
(٢) «أحكام القرآن» للكيا هراسي (١/ ٢٠٦)، و «مجمع الأنهر» (١/ ٥١٣)، و «المحيط البرهاني» (٣/ ٢٤٢)، و «تبيين الحقائق» (٢/ ١٤١)، و «درر الحكام» (٤/ ١٢٠)، و «الاختيار» (٣/ ١٢٧، ١٢٨)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣١٧، ٣١٩)، و «اللباب» (٢/ ٣٧، ٣٨)، و «المغني» (٧/ ١٨٤).

طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقِيسَ عليهِ سائِرُ ما استَقلَّ بهِ الزَّوجُ؛ لأنهُ في مَعناهُ، وإنَّما يُنصَّفُ المَهرُ بالخُلعِ؛ لأنَّ المُغلَّبَ فيه جانِبُ الزَّوجِ، بدَليلِ أنهُ يَصحُّ مِنها ومِن غَيرِها، فصارَ الزَّوجُ كالمُنفرِدِ به.

قالَ الشَّافعيةُ: يَتشطَّرُ الصَّداقُ بالطَّلاقِ والخُلعِ قبْلَ الدُّخولِ ولو باختِيارِها، كأنْ فَوَّضَ الطَّلاقَ إليها فطَلَّقتْ نفْسَها، أو علَّقَه بفِعلِها ففَعلَتْ، كما لو علَّقَ طَلاقَها بدُخولِ الدَّارِ فدَخلَتْ.

وإنْ خالَعَ زَوجَتَه قبْلَ الدُّخولِ على شيءٍ غَيرِ الصَّداقِ فلهُ المُسمَّى الَّذي خالَعَ عليهِ ولها نِصفُ الصَّداقِ.

وإنْ خالَعَها على صَداقِها فقَدْ خالَعَها على مالِه وعلى مالِها؛ لأنهُ عادَ إليهِ نِصفُ الصَّداقِ بالخُلعِ، فتَحصلُ البَينونةُ وتَبطُلُ التَّسميةُ في نَصيبِه وفي نَصيبِها، وللزَّوجِ الخِيارُ إنْ كانَ جاهِلًا بالتَّشطيرِ والتَّفريقِ، فإنْ فسَخَ رجَعَ عليها بمَهرِ المِثلِ على الأظهَرِ، وفي قَولٍ: ببَدلِ المُسمَّى، المِثلِ إنْ كانَ مِثليًّا أو القِيمةِ، وإنْ أجازَ رجَعَ عليها بنِصفِ مَهرِ المِثلِ على الأظهَرِ، وعلى القَولِ الآخَرِ: بمِثلِ نِصفِ الصَّداقِ أو قِيمتِه (١).

وقالَ الحَنابلةُ: الفُرقةُ الَّتي تأتي مِنْ قِبَلِ الزَّوجِ كالخُلعِ قبْلَ الدُّخولِ بها

(١) «الحاوي الكبير» (٩/ ٥٢١، ٥٢٣)، و «المهذب» (٢/ ٥٩)، و «البيان» (٩/ ٤٣٤، ٤٣٩)، و «روضة الطالبين» (٥/ ١٤٩، ١٧٩)، و «كفاية الأخيار» ص (٤٢٥)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٣٤١)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٣٨٣، ٣٨٤).

تُوجِبُ نِصفَ المُسمَّى؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقِسْنا عليهِ سائِرَ ما استَقلَّ بهِ الزَّوجُ؛ لأنهُ في مَعناهُ؛ وإنَّما يُنصَّفُ المَهرُ بالخُلعِ؛ لأنَّ المُغلَّبَ فيهِ جانِبُ الزَّوجِ، بدَليلِ أنهُ يَصحُّ مِنها ومِن غيرِها، فصارَ الزَّوجُ كالمُنفردِ به.

ولو خالَعَها الزَّوجُ بنِصفِ صَداقِها قبْلَ الدُّخولِ صَحَّ ذلكَ، وصارَ الصَّداقُ كلُّهُ له، نِصفُه لهُ بالطَّلاقِ ونِصفُه لهُ بالخُلعِ عِوضًا له.

وإنْ خالَعَها قبْلَ الدُّخولِ على مِثلِ نِصفِ الصَّداقِ في ذَمِّتِها وكانَتْ لَم تَقبضِ الصَّداقَ مِنهُ صَحَّ ذلكَ وسقَطَ عنهُ جَميعُ الصَّداقِ، نِصفُه بالطَّلاقِ ونِصفُه بالمُقاصَّةِ حَيثُ وُجدَتْ بشُروطِها.

ولو قالَتِ المَرأةُ لزَوجِها قبْلَ الدُّخولِ وقبْلَ قَبضِ الصَّداقِ: «اخْلَعنِي بما يُسلَّمُ إليَّ مِنْ صَداقِي، أو اخْلَعنِي على أنْ لا تَبِعةَ عليكَ في المَهرِ» ففعَلَ وخالَعَها على ذلكَ صَحَّ الخُلعُ؛ لأنهُ بمَعنَى سُؤالِها الخُلعَ على نِصفِ الصَّداقِ، وبَرئَ الزَّوجُ مِنْ جَميعِه، نِصفِه بالخُلعِ ونِصفِه بجَعلِه عِوضًا لهُ فيه.

وإنْ خالَعَها قبْلَ الدُّخولِ بمِثلِ جَميعِ الصَّداقِ في ذِمَّتِها أو خالَعَها بصَداقِها كلِّهِ صَحَّ الخُلعُ؛ لصُدورِه مِنْ أهلِه في مَحَلِّه، ويَرجِعُ عليها بنِصفِه وسقَطَ عنهُ الصَّداقُ.

وإذا جعَلَ الزَّوجُ لها الخِيارَ فاختارَتْ نفْسَها أو وكَّلَها في الطَّلاقِ فطَلَّقتْ نفْسَها فهُو كطَلاقِه، لا يَسقُطُ مَهرُها؛ لأنَّ المرأةَ وإنْ باشرَتِ الطَّلاقَ فهي نائِبةٌ عنهُ ووكيلةٌ لهُ، وفِعلُ الوَكيلِ كفِعلِ المُوكِّلِ، فكأنهُ صدَرَ عن مُباشرتِه.

وإنْ علَّقَ طَلاقَها على فِعلٍ مِنْ قِبَلِها لم يَسقُطْ مَهرُها؛ لأنَّ السَّببَ مِنه وُجدَ، وإنَّما هي حَقَّقتْ شَرْطَه، والحُكمُ يُنسَبُ إلى صاحِبِ السَّببِ.

وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: لو عَلَّقَ طَلاقَها على صِفةٍ مِنْ فِعلِها الَّذي لها منه بدٌّ كدُخولِها دارَ أجنبيٍّ وفَعلَتْه قبْلَ الدُّخولِ فلا مَهرَ لها، وقوَّاه ابنُ رجبٍ (١).

وذهَبَ الحَنفيةُ والمالكيَّةُ -في الجُملةِ على تَفصِيلٍ عِندَهم- إلى أنَّ المرأةَ إذا خالَعَتْ زوْجَها قبْلَ الدُّخولِ لا شيءَ لها، ولا يَتنصَّفُ الصَّداقُ.

قالَ الحَنفيَّةُ: إذا اختَلعَتْ قبْلَ الدُّخولِ على ألفٍ ومَهرُها ألفٌ ولَم تَقبضْ شَيئًا فالقياسُ أنْ يَجبَ عليها خَمسُمِائةٍ للزَّوجِ؛ لأنَّ خَمسَمِائةٍ مِنْ المَهرِ سَقطَتْ بالطَّلاقِ قبْلَ الدخولِ، وقدِ التَزمَتِ المرأةُ الألفَ، ونَصفُ الألفِ سقَطَ عن ذمَّتِها بطريقِ المُقاصَّةِ؛ لأنَّ لها على الزَّوجِ خَمسَمائةٍ باقيةً بعْدَ سُقوطِ نِصفِ المَهرِ، فوجَبَ عليها خَمسُمائةٍ زائِدةٌ على الألفِ تَتْميمًا للألفِ الَّتي التَزمَتْها.

وفي الاستِحسانِ: لا شيءَ عليها؛ لأنَّ مَقصودَ الزَّوجِ سُقوطُ كلِّ المَهرِ عَنْ ذِمَّتِه وقَد حصَلَ، فلا يَلزمُها شيءٌ زائِدٌ على ذلكَ.

وأمَّا إذا قَبضَتْ جَميعَ المَهرِ فعَلى القياسِ: تَرُدُّ المرأةُ الألفَ وخَمسَمِائةٍ،

(١) «المغني» (٧/ ٢٠٤، ٢٠٥، ٢١١)، و «الكافي» (٣/ ٩٢)، و «الإنصاف» (٨/ ٢٧٨)، و «كشاف القناع» (٥/ ١٦٣، ١٦٦)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٢١٢)، و «منار السبيل» (٣/ ١٨).

الألفَ بدَلَ الخُلعِ وخَمسَمائةٍ نِصفَ المَهرِ للطَّلاق قبْلَ الدُّخولِ.

وفي الاستِحسانِ: تَرُدُّ الألفَ لا غَير، خَمسَمائةٍ بدَلَ الخُلعِ وخَمسَمائةٍ بالطَّلاقِ قبْلَ الدُّخولِ (١).

وقالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: وأمَّا بَيانُ ما يَسقطُ بهِ كلُّ المَهرِ: … ومِنها الخُلعُ على المَهرِ قبْلَ الدُّخولِ وبعْدَه، ثمَّ إنْ كانَ المَهرُ غيْرَ مَقبوضٍ سقَطَ عنِ الزَّوجِ، وإنْ كانَ مَقبوضًا رَدَّتْه على الزَّوجِ، وإنْ كانَ خالَعَها على مالٍ سِوى المَهرِ يَلزمُها ذلكَ المالُ، ويَبرأُ الزَّوجُ عن كلِّ حَقٍّ وجَبَ لها عليهِ بالنَّكاحِ كالمَهرِ والنَّفقةِ الماضيةِ في قولِ أبي حَنيفةَ؛ لأنَّ الخُلعَ وإنْ كانَ طلاقًا بعِوضٍ عِندَنا لكنَّ فيهِ مَعنَى البَراءةِ؛ لِمَا نَذكُره إنْ شاءَ اللهُ تعالى في مَسألةِ المُخالَعةِ والمُبارَأةِ في كتابِ الطَّلاقِ في بَيانِ حُكمِ الخُلعِ وعَملِه إنْ شاءَ اللهُ تعالى (٢).

وعِندَهم تَفصيلٌ آخَرُ ذكَرَه الإمامُ الحَدَّادُ رحمة الله عليه في «الجَوهَرة»، حَيثُ قالَ: قَولُه: (والمُبارَأةُ كالخُلعِ)، وصُورتُها: أنْ يَقولَ: «بَرئْتِ مِنْ النَّكاحِ الَّذي بَيني وبيْنَكِ على ألفٍ» فقَبِلَتْ.

قَولُه: (والخُلعُ والمُبارَأةُ يُسقِطانِ كلَّ حقٍّ لكلِّ واحدٍ مِنَ الزوجَينِ على الآخَرِ ممَّا يَتعلَّقُ بالنِّكاحِ عِنْدَ أبي حَنيفةَ)، يَعني النِّكاحَ القائِمَ حالةَ المُبارَأةِ، أمَّا الَّذي قبْلَه لا يُسقِطُ حُقوقَه.

(١) «العناية» (٥/ ٥٠٠).
(٢) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٩٥).

وقالَ أبو يوسفَ في المُبارَأةِ مِثلَ قولِ أبي حَنيفةَ، وأمَّا الخُلعُ فهوَ كالطَّلاقِ على مالٍ لا يُسقِطُ إلَّا ما سَمَّياهُ.

وقالَ مُحمدٌ فيهما جَميعًا: لا يُسقِطُ إلَّا ما سَمَّياهُ.

وصُورةُ المَسألةِ: اختَلعَتْ منهُ على شيءٍ مُسمًّى، عَينٍ أو دَينٍ، وكانَ المَهرُ غيْرَ ذلكَ وهوَ في ذمَّةِ الزَّوجِ، وقَد دخَلَ بها أو لم يَدخلْ، لَزِمَها ما سَمَّتْ له، ولا شيءَ لها عليهِ مِنْ المَهرِ عندَ أبي حَنيفةَ، وعِندَهما: لَها أنْ تَرجعَ عليهِ بالمَهرِ إنْ دخَلَ بها، أو بنِصفِه إنْ لم يَدخلْ بها، ولو أنها كانَتْ قد قَبضَتِ المَهرَ ثمَّ بارَأَها أو خالَعَها قبْلَ أنْ يَدخلَ بها على شيءٍ فهو جائِزٌ، والمَهرُ كُلُّه لها، ولا يَتبَعُ كلُّ واحِدٍ مِنهُما صاحِبَه بعْدَ الخُلعِ والمُبارَأةِ بشيءٍ مِنْ المَهرِ.

وكذا لو كانَتْ قَبضَتْ منهُ نِصفَ المَهرِ أو أقَلَّ أو أكثَرَ ثمَّ اختَلعَتْ منهُ بدَراهمَ مُسمَّاةٍ قبْلَ أنْ يَدخلَ بها، فللزَّوجِ ما سَمَّتْ له، ولا شيءَ لواحِدٍ مِنهُما على صاحِبِه ممَّا في يَدهِ مِنْ المَهرِ.

وفي «التَّتمَّة»: إذا خالَعَها على مالٍ مَعلومٍ ولم يَذكُرِ المَهرَ وقَبلَتْ، هل يَسقطُ المَهرُ؟ هذا مَوضِعُ الخِلافِ، فعِندَ أبي حَنيفةَ يَسقُطُ، وعندَهُما لا يَسقطُ ولها أنْ تَرجعَ بهِ إنْ دخَلَ بها، أو بنِصفِه إنْ لم يَدخلْ بها، وفي شَرحِه: إذا خالَعَها أو بارَأَها على عَبدٍ أو ثَوبٍ أو دَراهمَ وكانَ المَهرُ غيْرَ ذلكَ فلا شيءَ لهُ غَيرُ ذلكَ، وإنْ كانَ قد أعطاها المَهرَ لا يَرجعُ عليها بشيءٍ منهُ، وإنْ كانَ قبْلَ الدُّخولِ ولم يُعطِها شَيئًا مِنهُ لم يكنْ لها عليهِ شيءٌ، وهذا قولُ أبي

حَنيفةَ، ووافَقَه أبو يُوسفَ في المُبارَأةِ، وأمَّا في الخُلعِ فلَم يُوافِقْه، وقالَ: إنَّ الخُلعَ لا يُوجبُ ذلكَ.

وقالَ مُحمدٌ في كِلَيهما: هو كالطَّلاقِ على مالٍ.

فأبو يُوسفَ معَ مُحمدٍ في الخُلعِ، ومع أبي حَنيفةَ في المُبارَأةِ.

قالَ في «اليَنابِيع»: إنْ كانَ الخُلعُ بلَفظِ الخُلعِ بَرِئَ الزَّوجُ مِنْ كلِّ حَقٍّ وجَبَ لها بالنِّكاحِ، كالمَهرِ والنَّفقةِ الماضيةِ والكِسوةِ الماضيةِ، ولا يَسقطُ عنهُ نَفقةُ العدَّةِ، وإنْ كانَ بلَفظِ المُبارَأةِ فكذلِكَ أيضًا عندَ أبي حَنيفةَ، فإنْ كانَتْ قد قَبضَتْ مَهرَها سَلَّمَ لها، وإنْ كانَتْ لم تَقبضْه فلا شيءَ لها على الزَّوجِ، سَواءٌ كانَ قبْلَ الدُّخولِ أو بعْدَه.

وقالَ أبو يُوسفَ: إنْ كانَ بلَفظِ المُبارَأةِ فكَمَا قالَ أبو حَنيفةَ، وإنْ كانَ بلَفظِ الخُلعِ لم يَسقطْ إلَّا ما سَمَّيا عِنْدَ الخُلعِ.

وقالَ مُحمدٌ: لا يَسقطُ إلَّا ما سَمَّيا، سواءٌ كانَ بلَفظِ الخُلعِ أو بلَفظِ المُبارَأةِ، فعلَى قَولِه: إنْ كانَ قبْلَ الدُّخولِ وقد قَبضَتْ مَهرَها وجَبَ عليها رَدُّ النِّصفِ منهُ، وإنْ كانَ بعْدَ الدُّخولِ فهوَ لها، ولهُ عليها جَميعُ ما سَمَّتْ.

وأجمَعُوا أنهُ إذا كانَ لأحَدِهما على صاحِبِهِ دَينٌ غَيرُ المَهرِ بسَببٍ آخَرَ لا يَسقُطُ، وهوَ الَّذي احتَرزَ بهِ الشَّيخُ بقَولِه: (مِنْ حُقوقِ النِّكاحِ) (١).

وقالَ المالكيَّةُ: المرأةُ الرَّشيدةُ إذا خالَعَتْ زوْجَها قبْلَ البناءِ بأنْ قالَتَ لهُ: «خالِعْني على كذا» فهذا لا يَخلُو:

(١) «الجوهرة النيرة» (٤/ ٥٢٤، ٢٥٣)، و «اللباب» (٢/ ١٢٠).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطلاق
فصل في حكم الخلع

وَنَحْنُ بِهِ نَقُولُ: إنَّهُ يَحِلُّ لَهُ قَدْرُ مَا آتَاهَا.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: أَنَّهَا أَعْطَتْهُ مَالَ نَفْسِهَا بِطِيبَةٍ مِنْ نَفْسِهَا فَنَعَمْ لَكِنَّ ذَاكَ دَلِيلُ الْجَوَازِ، وَبِهِ نَقُولُ: إنَّ الزِّيَادَةَ جَائِزَةٌ فِي الْحُكْمِ، وَالْقَضَاءِ، وَلِأَنَّ الْخُلْعَ - مِنْ جَانِبِهَا - مُعَاوَضَةُ حَالَةٍ عَنْ الطَّلَاقِ، وَإِسْقَاطُ مَا عَلَيْهَا مِنْ الْمِلْكِ، وَدَفْعُ الْمَالِ عِوَضًا عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ جَائِزٌ فِي الْحُكْمِ إذَا كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يُرْغَبُ فِيهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ جَازَ الْعِتْقُ عَلَى قَلِيلِ الْمَالِ، وَكَثِيرِهِ، وَأَخْذُ الْمَالِ بَدَلًا عَنْ إسْقَاطِ الْمِلْكِ، وَالرِّقِّ، وَكَذَلِكَ الصُّلْحُ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ، وَكَذَلِكَ النِّكَاحُ لِمَا جَازَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا، وَهُوَ بَدَلُ الْبُضْعِ فَكَذَا جَازَ أَنْ تَضْمَنَهُ الْمَرْأَةُ بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ سَلَامَةِ الْبُضْعِ فِي الْحَالَيْنِ جَمِيعًا، إلَّا أَنَّهُ نَهَى عَنْ الزِّيَادَةِ عَلَى قَدْرِ الْمَهْرِ لَا لِمَعْنًى فِي نَفْسِ الْعَقْدِ بَلْ الْمَعْنَى فِي غَيْرِهِ، وَهُوَ شُبْهَةُ الرِّبَا، وَالْإِضْرَارِ بِهَا، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي قَدْرِ الْمَهْرِ فَحَلَّ لَهُ أَخْذُ قَدْرِ الْمَهْرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْخُلْعِ

(فَصْلٌ) :

وَأَمَّا حُكْمُ الْخُلْعِ فَنَقُولُ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: يَتَعَلَّقُ بِالْخُلْعِ أَحْكَامٌ بَعْضُهَا يَعُمُّ كُلَّ طَلَاقٍ بَائِنٍ، وَبَعْضُهَا يَخُصُّ الْخُلْعَ أَمَّا الَّذِي يَعُمُّ كُلَّ طَلَاقٍ بَائِنٍ فَنَذْكُرُهُ فِي بَيَانِ حُكْمِ الطَّلَاقِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَمَّا الَّذِي يَخُصُّ الْخُلْعَ؛ فَالْخُلْعُ لَا يَخْلُو أَمَّا إنْ كَانَ بِغَيْرِ بَدَلٍ.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الخلع)
(باب الخلع في المرض من كتاب نشوز الرجل على المرأة)

(باب الخلع في المرض من كتاب نشوز الرجل على المرأة)

(مسألة:)

قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ (وَيَجُوزُ الْخُلْعُ فِي الْمَرَضِ كَمَا يَجُوزُ الْبَيْعُ فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ هُوَ الْمَرِيضَ فَخَالَعَهَا بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِهَا ثُمَّ مَاتَ فَجَائِزٌ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ) .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: الْخُلْعُ فِي الْمَرَضِ جَائِزٌ، كَالصِّحَّةِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَصَحَّ فِي الْمَرَضِ كَالْبَيْعِ؛ وَلِأَنَّ الْمَرِيضَ يصح طلاقه بغير بدل، فصح بالبدل كَالصَّحِيحِ، فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُهُ فِي الْمَرَضِ، كَجَوَازِهِ فِي الصِّحَّةِ، فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ مَرِيضًا صَحَّ خُلْعُهُ سَوَاءٌ خَالَعَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ أَقَلَّ، لِأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ صَحَّ، فَإِذَا خَالَعَهَا بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ فَأَوْلَى أَنْ يَصِحَّ.

فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا الْخُلْعُ كَالْبَيْعِ إِذَا خَالَعَ بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ أَنْ يَكُونَ مُحَابَاةً فِي الثُّلُثِ كَالْمُحَابَاةِ فِي الْبَيْعِ.

قِيلَ: لِأَنَّهُ لَوْ أَزَالَ مِلْكَهُ عَنِ الْبُضْعِ بِالطَّلَاقِ مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ صَحَّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا فِي الثُّلُثِ، فَإِذَا أَزَالَهُ بِقَلِيلِ الْبَدَلِ فَأَوْلَى أَنْ يَصِحَّ، وَلَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا فِي الثُّلُثِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَالُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَزَالَ مِلْكَهُ عَنْهُ بِالْهِبَةِ مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ كان معتبراً من فيه الثلث، فكذلك إذا حابا فِيهِ وَاقْتَصَرَ عَلَى قَلِيلِ الْبَدَلِ كَانَ مُعْتَبَرًا مِنَ الثُّلُثِ.

فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ كَانَ إِزَالَةُ الملك عن المال في المرض معتباراً مِنَ الثُّلُثِ، وَلَمْ يَكُنْ إِزَالَةُ الْمِلْكِ عَنِ الْبُضْعِ مُعْتَبَرًا مِنَ الثُّلُثِ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب عشرة النساء والخلع
١٢٣٦ - مسألة؛ قال: (ولا يقع بالمعتدة من الخلع طلاق، ولو واجهها به)

١٢٣٦ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَقَعُ بِالمُعْتَدّةِ مِنَ الْخُلْع طَلَاقٌ، وَلَوْ وَاجَهَهَا بِهِ)

وجملةُ ذلك أن المُخْتَلِعَةَ لا يَلْحقُها طلاقٌ بحالٍ. وبه قال ابنُ عبَّاسٍ، وابنُ الزُّبَيْرِ، وعِكْرِمَةُ، وجابرُ بنُ زَيدٍ، والحسنُ، والشَّعْبِىُّ، ومالكٌ، والشَّافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ أنَّه يَلْحقُها الطَّلاقُ الصَّريحُ المُعَيَّن، دونَ الكنايةِ والطَّلاقِ المرسَلِ، وهو أن يقولَ: كلُّ امرأةٍ لى طالقٌ. ورُوِىَ نحوُ ذلك عن سعيدِ بنِ المُسيَّبِ، وشُرَيحٍ، وطاوُسٍ، والنَّخَعِىِّ، والزُّهْرِىِّ، والحكَمِ، وحَمَّادٍ، والثَّوْرِىِّ؛ لما رُوِىَ عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: "المُخْتَلِعَةُ يَلْحَقُهَا الطَّلَاقُ، مَا دَامَتْ فِى الْعِدَّةِ" . ولَنا، أنَّه قولُ ابنِ عبَّاسٍ وابنِ الزُّبيرِ، ولا نعرفُ لهما مُخالِفًا فى عصرِهما. ولأنَّها لا تَحِلُّ له إلَّا بنكاحٍ جديدٍ، فلم يَلْحَقها طلاقُه، كالمُطلَّقةِ قبلَ الدُّخولِ، أو المُنقَضِيةِ عِدَّتُها، ولأنَّه لا يملكُ بُضْعَها، فلم يَلْحَقْها طلاقُه، كالأجْنبيَّةِ، ولأنَّها لا يقَعُ بها الطَّلاقُ المُرْسَلُ، ولا تُطلَّقُ بالكنايةِ، فلا يَلْحَقُها الصَّريحُ المُعيَّنُ، كما قَبْلَ الدُّخولِ. ولا فَرْقَ بين أن يُواجِهَها به ، فيقولَ: أنتِ طالقٌ. أو لا يُواجهَها به، مثل أن يقولَ: فلانةٌ طالقٌ. وحديثُهم لا نعْرِفُ له أصْلًا، ولا ذكَرَه أصحابُ السُّنَنِ.

فصل: ولا يثْبُتُ فى الخُلْعِ رَجْعةٌ، سواءٌ قُلْنا: هو فسخٌ أو طلاقٌ. فى قَوْلِ أكثرِ أهلِ العلم؛ منهم الحسنُ، وعطاءٌ، وطاوسٌ، والنَّخَعِىُّ، والثَّورىُّ، والأوزاعىُّ، ومالكٌ، والشَّافعىُّ، وإسحاقُ. وحُكِىَ عن الزُّهْرِىِّ، وسعيد بنِ المُسيَّبِ، أنَّهما قالا: الزَّوجُ بالخيارِ بين إمْساكِ العِوَضِ ولا رجعةَ له، وبين ردِّه وله الرَّجْعةُ. وقال أبو

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 79 - 85

ارجع إلى تفسير مهر المثل للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله