الإسلام > النكاح والأسرة > تفسير مهر المثل > هل مهر المثل يجب حالا أم يجوز تأجيله؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةوبَكارتِها وثُيُوبتِها وصَراحةِ نَسبِها وكلِّ ما يَختلِفُ لأجلِه الصَّداقُ، وأنْ تكونَ مِنْ أهلِ بَلدِها؛ لأنَّ عادةَ البلادِ تَختلفُ في المَهرِ، وإنَّما اعتُبِرَتْ هذهِ الصِّفاتُ كلُّها؛ لأنَّ مَهرَ المِثلِ إنِّما هو بَدلُ مُتلَفٍ، فاعتُبِرَتِ الصِّفاتُ المَقصودةُ فيهِ.
فإنْ لم يَكنْ في عَصَباتها مَنْ هو في مِثلِ حالِها فمِن نِساءِ أرحامِها كأمِّها وجَدَّاتِها وخالاتِها وبَناتِهنَّ، فإنْ لم يكنْ فأهلُ بَلدِها، فإنْ لم يكنْ فنِساءُ أقرَبِ البُلدانِ إليها، فإنْ لمْ يُوجَد إلَّا دُونَها زِيدَ لها بقَدرِ فَضيلتِها، وإنْ لم يُوجَدْ إلَّا خيرٌ منها نَقَصَتْ بقَدرِ نَقصِها (١).
هل مهرُ المثلِ يجبُ حالاًّ أم يجوزُ تأجيلُه؟
نَصَّ أكثرُ الفُقهاءِ على أنَّ مَهرَ المِثلِ إذا وَجَبَ فإنهُ يَجبُ في الحالِ ولا يَجوزُ تأجِيلُه.
قالَ الشَّافعيةُ: يَجبُ مَهرُ المِثلِ حَالًّا مِنْ نَقدِ البَلدِ كقِيَمِ المُتلَفاتِ، وإنْ رَضيَتْ بالتَّأجِيلِ، فإنِ اعْتَدْنَ التَّأجيلَ في جَميعِ الصَّداقِ أو بَعضِه نَقَصَ للتَّعجيلِ بقَدرِهِ -أي بقَدرِ ما يَليقُ بالأجَلِ-، وإنْ كُنَّ يُنكَحنَ بالعَرضِ قُوِّمَ ووَجبَتْ قِيمتُه مِنْ نَقدِ البَلدِ.
وقالَ الصُّمَيرِيُّ: إنْ جَرَتْ عادَتُهم في ناحِيةٍ بالثِّيابِ (العُروضِ) وغَيرِ ذلكَ إنِ اعْتدَنْ بهِ … قُضيَ لها به، والمَنصوصُ هو الأوَّلُ؛ لأنهُ بَدَلُ مُتلَفٍ، فأشبَهَ سائِرَ المُتلَفاتِ.
(١) «المغني» (٧/ ١٨٩، ١٩٠).
وإنْ كُنَّ يُنكَحنَ بمُؤجَّل كُلّهِ أو بصَداقٍ بَعضُه مُؤجَّلٌ وبَعضُه حالٌّ … لم يُؤجِّلْه الحاكِمُ، بل ينقصُ ما يَليقُ بالأجلِ، بأنْ كانَ عادةُ نِساءِ عصَباتِها التَّأجيلَ في المَهرِ … فإنهُ لا يَجبُ لها المَهرُ مُؤجَّلًا بل يَجبُ حالًّا، وينقصُ منهُ لأجْلِ التَّأجيلِ؛ لأنَّ القِيَمَ لا تكونُ مُؤجَّلةُ. قالَ الماوَردِيُّ: إلَّا إذا وجَبَ لها مَهرُ المِثلِ فلم تَطلُبْه حتَّى مُضيِّ قَدرِ أجَلِهنَّ … فيَجبُ قَدرُ مُؤجَّلِهنَّ حالًّا.
وتَقادُمُ العَهدِ لا يُوجِبُ سُقوطَ مَهرِ المثلِ، كما لا تَسقطُ قِيَمُ الأموالِ وإنِ احتِيجَ فيها إلى مَعرفةِ الصِّفاتِ وعَسرَ الوُقوفُ عليها إذا تَقادَمَ العَهدُ.
ويُعتبَرُ مَهرُها في النِّكاحِ الفاسِدِ يومَ الوَطءِ كالوَطءِ بالشُّبهةِ، لا يومَ العَقدِ؛ إذ لا حُرمةَ للعَقدِ الفاسِدِ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: يَجبُ مَهرُ المثلِ حالًّا؛ لأنهُ بَدلَ مُتلَفٍ، فأشبَهَ قِيَمَ المُتلَفاتِ، ولا يكونُ إلِّا مِنْ نَقدِ البَلدِ إذا لم يكنْ لَهم عادةٌ.
فإنْ كانَتْ عادةُ نِسائِها تأجيلَ المَهرِ ففيهِ وَجهانِ:
أحدُهما: يُفرَضُ حالًّا لذلكَ.
والثَّاني -وهوَ الصَّحيحُ-: يُفرَضُ مُؤجَّلًا؛ لأنَّ مَهرَ مِثلِها مُؤجَّلٌ، وإلَّا بأنْ لم يكنْ عادتُهم التَّأجيلَ فُرضَ حالًّا؛ لأنهُ بَدَلُ مُتلَفٍ، فوجَبَ أنْ يكونَ حالًّا كقِيَمِ المُتلَفاتِ.
(١) «البيان» (٩/ ٤٥٣)، و «أسنى المطالب» (٣/ ٢١٠)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٣٣٨)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٣٨١)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٤٠٨).
فإنِ اختَلفَتْ عادَتُهنَّ في الحُلولِ والتَّأجيلِ أوِ اختَلفَتْ مُهورُهنَّ قلَّةً وكَثرةً أُخذَ بالوَسطِ مِنها؛ لأنهُ العَدلُ، وأنْ يكونَ حالًّا ومِن نَقدِ البَلدِ، فإنْ تَعدَّدَ فمِن غالبِه؛ لأنهُ بدَلُ مُتلَفٍ، فأشبَهَ قِيَمَ المُتلَفاتِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإنْ كانَ عادَتُهم أنَّهم إذا زَوَّجُوا مِنْ عَشيرَتِهم خَفَّفوا وإنْ زَوَّجُوا غيرَهم ثَقَّلوا اعتُبِرَ ذلكَ.
فإنْ قيلَ: فإذا كانَ مَهرُ المِثلِ بدَلَ مُتلَفٍ يَجبُ أنْ لا يَختلفَ باختِلافِ التَّلفِ كسائِرِ المُتلَفاتِ.
قُلنا: النِّكاحُ يُخالِفُ سائِرَ المُتلَفاتِ؛ فإنَّ سائِرَ المُتلَفاتِ المَقصودُ بها الماليَّةُ خاصَّةً، فلم تَختلِفْ باختِلافِ المُتلِفِينَ، والنِّكاحُ يُقصدُ بهِ أعيانُ الزَّوجَينِ، فاختَلفَ باختِلافِهم، ولأنَّ سائِرَ المُتلَفاتِ لا تَختلفُ باختِلافِ العَوائِدِ، والمَهرُ يَختلفُ بالعاداتِ، فإنَّ المرأةَ إذا كانَتْ مِنْ قَومٍ عادتُهم تَخفيفُ مُهورِ نِسائِهم وجَبَ مَهرُ المرأةِ منهُم خَفيفًا وإنْ كانَتْ أفضَلَ وأشرَفَ مِنْ نِساءِ مَنْ عادَتُهم تَثقيلُ المَهرِ، وعلى هذا متى كانَتْ عادَتُهم التَّخفيفَ لمَعنًى مِثلِ الشَّرفِ أو اليَسارِ ونحوِ ذلكَ اعتُبِرَ؛ جَرْيًا على عادَتِهم (١).
(١) «المغني» (٧/ ١٨٩، ١٩٠)، و «المبدع» (٧/ ١٧١، ١٧٢)، و «كشاف القناع» (٥/ ١٧٧، ١٧٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٢٧٧، ٢٧٨)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٢٢٢).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل أن لا يكون مجهولا جهالة تزيد على جهالة مهر المثل
الْإِعْتَاقِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِالْإِعْتَاقِ فَمَا لَمْ يُعْتِقْ لَا يَعْتِقْ بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الزَّوَاجَ هُنَاكَ كَانَ عَلَى الْعِتْقِ لَا عَلَى الْإِعْتَاقِ ثُمَّ إذَا أَعْتَقَهُ فَعَتَقَ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ ذَكَرَ كَلِمَةً عَنْهَا أَوْ لَمْ يَذْكُرْ فَإِنْ كَانَ لَمْ يَذْكُرْ ثَبَتَ الْوَلَاءُ مِنْهُ لَا مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ مِنْهُ لَا مِنْهَا، وَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا إنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَهْرٌ آخَرُ مُسَمًّى وَهُوَ مَالٌ، وَإِنْ كَانَ فَلَهَا ذَلِكَ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ لَيْسَ بِمَالٍ، بَلْ هُوَ إبْطَالُ الْمَالِيَّةِ، سَوَاءٌ كَانَ الْعَبْدُ أَجْنَبِيًّا أَوْ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا، وَإِنْ ذَكَرَ كَلِمَةً عَنْهَا ثَبَتَ الْوَلَاءُ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ مِنْهَا لِأَنَّهُ أَعْتَقَ عَنْهَا، وَيَصِيرُ الْعَبْدُ مِلْكًا لَهَا بِمُقْتَضَى الْإِعْتَاقِ، ثُمَّ إنْ كَانَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا عَتَقَ عَلَيْهَا كَمَا مَلَكَتْهُ فَتَمْلِكُهُ فَيَعْتِقُ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا يَصِيرُ الزَّوْجُ وَكِيلًا عَنْهَا فِي الْإِعْتَاقِ، وَمِنْهَا إذَا أَعْتَقَ كَمَا وَعَدَ فَإِنْ أَبَى لَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ مَالِكٌ إلَّا أَنَّهُ يُنْظَرُ إنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مُسَمًّى هُوَ مَالٌ فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا؛ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ تَسْمِيَةَ الْإِعْتَاقِ مَهْرًا لَمْ يَصِحَّ وَلَمْ يُوجَدْ تَسْمِيَةُ شَيْءٍ آخَرَ هُوَ مَالٌ فَتَعَيَّنَ مَهْرُ الْمِثْلِ مُوجَبًا.
ارجع إلى تفسير مهر المثل للاطلاع على جميع المسائل.