ه- المكرهة على الزنا

الإسلام > النكاح والأسرة > تفسير مهر المثل > ه- المكرهة على الزنا

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 27 دقيقة قراءة

ه- المكرهة على الزنا - الأقوال والأدلة

وقالَ الشَّافعيةُ: تأخُذُ صَداقَ المِثلِ باعتِبارِ أفضلِ الحالاتِ، ويَسقطُ ما عَداها؛ لأنَّ الوَطآتِ كُلَّها مَنافِعُها، فلها الأخذُ بأيِّها أَحبَّتْ (١).

هـ- المُكرَهةُ على الزِّنا:

اختَلفَ الفُقهاءُ في المَرأةِ المُكرَهةِ على الزِّنا، هل يَجبُ لها مَهرُ المِثلِ أم لا؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشَّافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المَرأةَ المُكرَهةَ على الزِّنا يَجبُ لها مَهرُ المِثلِ؛ لقَولِ النَّبيِّ : «فلَها المَهرُ بما استَحلَّ مِنْ فَرْجِها»، فإنَّ المُكرِهَ مُستحِلٌّ لفرْجِها، فإنَّ الاستِحلالَ الفِعلُ في غَيرِ مَوضعِ الحِلِّ، كقَولِه عليه السلام: «ما آمَنَ بالقُرآنِ مَنِ استَحلَّ مَحارِمَه»، وهوَ حُجَّةٌ على مَنْ أوجَبَ الأرْشَ؛ لكَونِه أوجَبَ المَهرَ وحْدَه مِنْ غَيرِ أرْشٍ، ولأنهُ استَوفى ما يَجبُ بَدلُه بالشُّبهةِ، فوجَبَ بَدلُه كإتلافِ المالِ وأكْلِ طَعامِ الغَيرِ.

وإذا تَعدَّدَ الوَطءُ وجَبَ بكلِّ وَطءٍ مَهرٌ؛ لأنَّ كلَّ وَطأةٍ لو كانَتْ بعْدَ عَقدٍ أوجَبَتْ مَهرَ المِثلِ، ولأنَّ الوُجوبَ هُنا بالإتلافِ وقَد تَعدَّدَ.

قالَ الحَنابلةُ: لكنْ لو اتَّحَدَ الإكراهُ وتَعدَّدَ الوطءُ فالواجِبُ مَهرٌ واحِدٌ (٢).

(١) «الذخيرة» (٤/ ٣٧٠، ٣٧١).
(٢) «عقد الجواهر الثمينة» (٢/ ٤٨١)، و «الذخيرة» (٤/ ٣٧٠، ٣٧١)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٢٧٧، ٢٧٨)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ١٦٧، ١٦٨)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٥/ ١٢٤، ١٢٦)، و «روضة الطالبين» (٥/ ١٤٨)، و «أسنى المطالب» (٣/ ٢١٠)، «المبدع» (٧/ ١٧٤)، و «الإنصاف» (٨/ ٣٠٩)، و «كشاف القناع» (٥/ ١٧٩، ١٨٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٢٨٠)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٢٢٢، ٢٢٥)، و «منار السبيل» (٣/ ٣٠).

ونَصَّ الحَنابلةُ على أنهُ لا يَجِبُ المَهرُ بوَطئِها في دُبُرٍ؛ لأنهُ ليسَ مَحَلًّا للوَطءِ، ولا يَجبُ المَهرُ في لواطٍ؛ لأنهُ غَيرُ مَضمونٍ على أحَدٍ؛ لعَدمِ وُرودِ الشَّرعِ ببَدلِه ولا هو إتلافٌ لشَيءٍ، فأشبَهَ القُبلةَ والوَطءَ دُونَ الفَرجِ.

وَلا يجبُ أرْشُ بَكارةٍ معَ المَهرِ؛ لأنَّ الأرْشَ يَدخلُ في مَهرِ المِثلِ؛ لأنهُ يُعتبَرُ ببِكرٍ مِثلِها، فلا تَجبُ مَرَّةً أُخرَى، وسَواءٌ كانَتِ المُوطوءةُ أجنبيَّةً أو مِنْ ذَواتِ مَحارِمِه؛ لأنَّ ما ضُمِنَ للأجنبيِّ ضُمِنَ للقَريبِ كالمالِ.

قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولا فرْقَ بيْنَ كَونِ المَوطوءةِ أجنبيَّةً أو مِنْ ذَواتِ مَحارِمِه، وهوَ اختيارُ أبي بكرٍ، ومَذهبُ النَّخَعيِّ ومَكحولٍ وأبي حَنيفةَ والشَّافعيِّ.

وعن أحمَدَ رِوايةٌ أُخرى: أنَّ ذَواتِ مَحارِمِه مِنَ النِّساءِ لا مَهرَ لهُنَّ، وهوَ قولُ الشَّعبيِّ؛ لأنَّ تَحريمَهنَّ تَحريمُ أصلٍ، فلا يُستحَقُّ به مَهرٌ كاللِّواطِ، وفارَقَ مَنْ حُرِّمَتْ تَحريمَ المُصاهَرةِ؛ فإنَّ تَحريمَها طارِئٌ، وكذلكَ يَنبغي أنْ يكونَ الحُكمُ فيمَن حُرِّمَتْ بالرَّضاعِ؛ لأنهُ طارِئٌ أيضًا.

وعن أحمَدَ رِوايةٌ أُخرى: أنَّ مَنْ تَحرُمُ ابنَتُها لا مَهرَ لها، كالأُمِّ والبنتِ والأُختِ، ومَن تَحلُّ ابنَتُها كالعَمَّةِ والخالَةِ فلها المَهرُ؛ لأنَّ تَحريمَها أخَفُّ.

ولنا: إنَّ ما ضُمِنَ للأجنَبيِّ ضُمِنَ للمُناسِبِ كالمالِ ومَهرِ الأمَة، ولأنهُ أتلَفَ مَنفعةَ بُضعِها بالوَطءِ، فلَزمَه مَهرُها كالأجنبيَّةِ، ولأنهُ مَحلٌّ مَضمونٌ على غَيرِه، فوجَبَ عليهِ ضَمانُه كالمالِ، وبهذا فارَقَ اللِّواطَ؛ فإنهُ ليسَ بمَضمونٍ على أحَدٍ.

فَصلٌ: ولا يَجبُ المَهرُ بالوَطءِ في الدُّبرِ ولا اللِّواطِ؛ لأنَّ الشَّرعَ لم يَرِدْ ببَدلِه، ولا هو إتلافٌ لشَيءٍ، فأشبَهَ القُبلةَ والوَطءَ دُونَ الفَرجِ، ولا يَجبُ للمُطاوِعةِ على الزِّنى؛ لأنها باذِلةٌ لِما يَجبُ بَدَلُه لها، فلَم يَجبْ لها شيءٌ، كما لو أَذِنَتْ له في قَطعِ يَدِها فقطَعَها، إلَّا أنْ تكونَ أمَةً، فيكونُ المَهرُ لسَيِّدِها، ولا يَسقطُ ببَذلِها؛ لأنَّ الحَقَّ لغَيرِها، فأشبَهَ ما لو بَذلَتْ قطْعَ يَدِها …

ومَن نِكاحُها باطِلٌ بالإجماعِ كالمُزوَّجةِ والمُعتدَّةِ إذا نكَحَها رَجلٌ فوَطئَها عالِمًا بالحالِ وتَحريمِ الوَطءِ وهيَ مُطاوِعةٌ عالِمةٌ فلا مَهرَ لها؛ لأنهُ زَنًى يُوجِبُ الحَدَّ وهيَ مُطاوِعةٌ عليهِ، وإنْ جَهلَتْ تَحريمَ ذلكَ أو كَوْنَها في العدَّةِ فالمَهرُ لها؛ لأنهُ وَطءُ شُبهةٍ.

وقد رَوى أبو داوُدَ بإسنادِه أنَّ رَجلًا يُقالُ لهُ بَصرَةُ بنُ أكثَمَ نكَحَ امرأةً فولَدَتْ لأربَعةِ أشهرٍ، فجعَلَ النَّبيُّ لها الصَّداقَ، وفي لفظٍ قالَ: «لها الصَّداقُ بما استَحللْتَ مِنْ فَرجِها، فإذا ولَدَتْ فاجلِدُوها»، ورَوى سَعيدٌ في سُننِهِ عَنْ عِمرانَ بنِ كَثيرٍ أنَّ عُبيدَ اللهِ بنَ الحُرِّ تَزوَّجَ جارِيةً مِنْ قَومِه يُقالُ لها الدَّرداءُ، فانطَلقَ عُبيدُ اللهِ فلَحِقَ بمُعاويةَ، وماتَ أبو الجارِيةُ،

فزَوَّجَها أهلُها رَجلًا يُقالُ له عِكرِمة، فبلَغَ ذلكَ عُبيدَ اللهِ فقَدِمَ فخاصَمَهم إلى عليٍّ رضي الله عنه، فقَصُّوا عليهِ قِصَّتَهم، فرَدَّ عليهِ المرأةَ، وكانَتْ حامِلًا مِنْ عِكرِمةَ، فوَضعَتْ على يَدَي عَدلٍ، فقالَتِ المَرأةُ لعليٍّ: أنا أحَقُّ بمالي أو عُبيدُ اللهِ؟ قالَ: بلْ أنتِ أحَقُّ بِمالِكِ، قالَتْ: فاشهَدُوا أنَّ ما كانَ لي على عِكرِمةَ مِنْ صَداقٍ فهوَ لهُ، فلمَّا وَضعَتْ ما في بَطنِها رَدَّها على عُبيدِ اللهِ بنِ الحُرِّ، وألحَقَ الولَدَ بأبيهِ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: واختَلفَ الفُقهاءُ في وُجوبِ الصَّداقِ على المُغتصِبِ، فقالَ مالكٌ واللَّيثُ والشَّافعيُّ: عليهِ الصَّداقُ والحَدُّ جَميعًا.

وقالَ أبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ ومُحمدٌ وسُفيانُ الثَّوريُّ: عليهِ الحَدُّ ولا مَهرَ عليهِ، وهو قولُ ابنِ شُبرمةَ، لا يَجتمِعُ عِندَهم صَداقٌ وحَدٌّ.

قالَ أبو عُمرَ: هذا على مَذاهبِهم في السَّارقِ، أنهُ إذا قُطِعَ لم يَجبْ عليهِ غُرمٌ.

ومَسألةُ السَّارِقِ مُختلَفٌ فيها أيضًا.

والصَّحيحُ في المَسألتَينِ وُجوبُ الصَّداقِ ووُجوبُ الغُرمِ؛ لأنَّ حَدَّ اللهِ

(١) «المغني» (٧/ ٢٠٩، ٢١٠)، ويُنظَر: «المبدع» (٧/ ١٧٤)، و «الإنصاف» (٨/ ٣٠٩)، و «كشاف القناع» (٥/ ١٧٩، ١٨٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٢٨٠)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٢٢٢، ٢٢٥)، و «منار السبيل» (٣/ ٣٠)،.

تعالَى لا يَسقطُ بهِ حَقُ الآدَميِّ، وهُمَا حَقَّانِ واجِبانِ أوجَبَهما اللهُ تعالَى ورَسولُه، فلا يَضُرُّ اجتِماعُهما (١).

وقالَ الإمامُ الماوَرْديُّ رحمة الله عليه: قالَ الشَّافعيُّ: «وإنْ أكرَهَها على الزِّنا فعليهِ الحَدُّ دُونَها ومَهرُ مِثلِها» … فأمَّا المَهرُ فمُختلَفٌ في وُجوبِه، فمَذهبُ الشَّافعيِّ أنَّ عليهِ لها مَهر مِثلِها.

وقالَ أبو حَنيفةَ: لا مَهرَ عليهِ؛ احتِجاجًا بنَهيِ رَسولِ اللهِ عن مَهرِ البَغْي، رَواهُ بالتَّسكِينِ، والبَغيُ الزِّنا، وهذا زِنا.

قالَ: ولأنهُ وَطءٌ وجَبَ بهِ الحَدُّ على الواطِئِ، فوجَبَ أنْ يَسقطَ عنهُ المَهرُ كالمُطاوِعةِ.

قالَ: ولأنَّ الحَدَّ يَجبُ معَ انتِفاءِ الشُّبهةِ، والمَهرُ يَجبُ معَ وُجودِ الشُّبهةِ، فامتَنعَ اجتِماعُهما.

ودَليلُنا: قَولُ النَّبيِّ : «أيُّما امرَأةٍ نُكحَتْ بغَيرِ إذنِ وليِّها فنِكاحُها باطِلٌ، فإنْ مَسَّها فلها المَهرُ بما استَحلَّ مِنْ فَرْجِها»، وهذا مُستحِلٌّ لفَرجِها، فوجَبَ أنْ يَلزمَه مَهرُها.

فإنْ قيلَ: إنِّما لَزمَه المَهرُ في العَقدِ الفاسِدِ.

قيلَ: كُلُّ ما ضُمِنَ بالبَدلِ مِنَ العَقدِ الفاسِدِ ضُمِنَ بالغَصبِ والإكراهِ كالأموالِ؛ لأنهُ وَطءٌ في غَيرِ مِلكٍ، فإذا سقَطَ بهِ الحَدُّ عنِ المَوطوءةِ وجَبَ

(١) «الاستذكار» (٧/ ١٤٦، ١٤٧).

بهِ المَهرُ على الواطِئِ كالواطِئِ بالشُّبهةِ، ولأنهُ لمَّا وجَبَ المَهرُ للمَوطوءةِ بنِكاحٍ فاسِدٍ كانَ وُجوبُه للمُستكرَهةِ أَولَى مِنْ وَجهينِ:

أحدُهُما: أنَّ المَنكوحةَ معَ عِلمِها عاصِيةٌ، والمُستكرَهةَ غَيرُ عاصِيةٌ.

والثَّاني: أنَّ المَنكوحةَ مُمكِّنةٌ، والمُستكرَهةَ غَيرُ مُمكِّنةٍ.

فأمَّا الجَوابُ عن نَهيِه عَنْ «مَهرِ البَغْيِ»: فالرِّوايةُ المَشهورةُ «البَغِيِّ» بالتَّشدِيدِ، يَعني الزَّانيةَ، وليسَتْ هذهِ الزَّانيةَ، ولا دَليلَ أيضًا لِمَنْ رَوى بالتَّخفيفِ، يَعني الزِّنا؛ لأنَّ هذا الوَطءَ زنًا في حَقِّ مَنْ حُدَّ، وليسَ بزِنًا في حَقِّ مَنْ لم يُحدَّ.

وأمَّا قياسُهُم على المُطاوِعةِ فالمَعنى فيهِ وُجوبُ الحَدِّ عليها، وأمَّا استِحالةُ وُجودِ الشُّبهةِ وعَدمِها في الفِعلِ الواحِدِ فهوُ مُستحيلٌ في حَقِّ الواحِدِ، وليسَ بمُستحيلٍ في حَقِّ الاثنَينِ، كما لم يَستَحِلْ أنْ يَجبَ الحَدُّ على الواطِئِ ويَسقطَ الحَدُّ عنِ المَوطوءةِ.

وجُملتُه: أنَّ الَّذي يَختصُّ بالرَّجلِ ثلاثةُ أحكامٍ: الحَدُّ والمَهرُ والنَّسبُ، وأمَّا النَّسبُ: فيُعتبَرُ بهِ شُبهةُ الواطِئِ دُونَ المَوطوءةِ، فإنْ كانَتْ لهُ شُبهةٌ لَحِقَ بهِ، وإنْ لم يكنْ لهُ شُبهةٌ لم يَلحقْ بهِ.

وأمَّا المَهرُ: فيُعتبَرُ بهِ شُبهةُ المَوطوءةِ دُونَ الواطِئِ، فإنْ كانَ لها شُبهةٌ وجَبَ لها، وإنْ لم يكنْ لها شُبهةٌ لم يَجبْ.

وأمَّا الحَدُّ: فيُعتبَرُ بهِ شُبهةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، فإنْ كانَتْ لهُمَا شُبهةٌ سقَطَ

الحَدُّ عنهُما، وإنْ لم يكن لهُمَا شُبهةٌ وجَبَ الحَدُّ عليهما، وإنْ كانَتْ لأحدِهِما شُبهةٌ دُونَ الآخَرِ وجَبَ على مَنِ انتَفَتْ عنهُ الشُّبهةُ وسقَطَ عمَّن لَحِقَتْ بهِ الشُّبهةُ (١).

وذهَبَ الحَنفيَّةُ وأحمَدُ في رِوايةٍ وهوَ اختِيارُ شَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميةَ إلى أنَّ المُكرَهةَ على الزِّنا لا مَهرَ لها.

قالَ الإمامُ أبو جَعفرٍ الطَّحَاويُّ رحمة الله عليه: قالَ أصحابُنا: إذا استَكرَه امرَأةً فزَنَى بها فعليهِ الحَدُّ ولا مَهرَ عَليهِ، وهوَ قولُ ابنِ شُبرمةَ والثَّوريِّ.

وقالَ مالِكٌ واللَّيثُ والشَّافعيُّ: عليهِ الحَدُّ والمَهرُ جَميعًا.

قالَ: لم يَختلِفُوا في الأمَةِ إذا طاوَعَتْ على الزِّنا، ولا مَهرَ لها، وكذلكَ الحُرَّةُ المُستكرَهةُ (٢).

وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: ولا يَجبُ المَهرُ للمُكرَهةِ على الزِّنا، وهوَ رِوايةٌ عَنْ أحمَدَ، ومَذهبُ أبي حَنيفةَ واختِيارُ أبي البَرَكاتِ، وذكَرَ أبو العبَّاسِ في مَوضِعٍ آخَرَ عَنْ أبي بكرٍ التَّفرقةَ، فأوجَبَه للبِكرِ دُونَ الثيِّبِ، ورَواهُ ابنُ مَنصورٍ عنِ الإمامِ أحمَدَ، لكنَّ الأمَةَ البِكرَ إذا وُطئَتْ مُكرَهةً أو شُبهةً أو مُطاوِعةً فلا يَنبغِي أنْ يُختلَفَ في وُجوبِ أرْشِ البَكارةِ، وهوَ ما نقَصَ مِنْ قيمتِها بالثُّيوبةِ (٣).

(١) «الحاوي الكبير» (١٣/ ٢٣٩، ٢٤١).
(٢) «مختصر اختلاف العلماء» (٣/ ٢٩٨).
(٣) «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٥٥٧، ٥٥٨).

وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: ولا نِزاعَ بيْنَ الفُقهاءِ في أنَّ الحُرَّةَ البالِغةَ العاقِلةَ إذا مَكَّنَتْ رَجلًا مِنْ نَفسِها فزَنَى بها أنهُ لا مَهرَ لها، واختُلِفَ في مَسألتَينِ: إحداهُما: الحُرَّةُ المُكرَهةُ، والثَّانيةُ: الأمَةُ المُطاوِعةُ.

فأمَّا الحُرَّةُ المُكرَهةُ على الزِّنى ففيها أربَعةُ أقوالٍ، وهيَ رِواياتٌ مَنصوصاتٌ عَنْ أحمَدَ.

أحَدُها: أنَّ لها المَهرَ، بِكرًا كانَتْ أو ثيِّبًا، سواءٌ وُطئَتْ في قُبُلِها أو دُبُرِها.

والثَّاني: أنها إنْ كانَتْ ثيِّبًا فلا مَهرَ لها، وإنْ كانَتْ بِكرًا فلها المَهرُ، وهل يَجبُ معهُ أرْشُ البَكارةِ؟ على رِوايتَينِ مَنصوصتَينِ، وهذا القَولُ اختيارُ أبي بكرٍ.

والثَّالثُ: أنها إنْ كانَتْ ذاتَ مَحرَمٍ فلا مَهرَ لها، وإنْ كانَتْ أجنبيَّةً فلها المَهرُ.

والرَّابعُ: أنَّ مَنْ تَحرُمُ ابنَتُها كالأمِّ والبنتِ والأُختِ فلا مَهرَ لها، ومَن تَحلُّ ابنَتُها كالعمَّةِ والخالَةِ فلها المَهرُ.

وقالَ أبو حَنيفةَ رحمة الله عليه: لا مَهرَ للمُكرَهةِ على الزِّنَى بحالٍ، بِكرًا كانَتْ أو ثيِّبًا.

فمَن أوجَبَ المَهرَ قالَ: إنَّ استيفاءَ هذهِ المَنفعةِ جُعِلَ مُقوَّمًا في الشَّرعِ بالمَهرِ، وإنَّما لم يَجبْ للمُختارةِ؛ لأنها باذِلةٌ للمَنفعةِ الَّتي عِوضُها لها، فلَم يَجبْ لها شيءٌ، كما لو أذنَتْ في إتلافِ عُضوٍ مِنْ أعضائِها لمَن أتلَفَه.

ومَن لَم يُوجِبْه قالَ: الشَّارعُ إنما جعَلَ هذهِ المَنفعةَ مُتقوِّمةً بالمَهرِ في عَقدٍ أو شُبهةِ عَقدٍ، ولم يُقوِّمْها بالمَهرِ في الزِّنَى ألبَتَّة، وقياسُ السِّفاحِ على النِّكاحِ مِنْ أفسَدِ القياسِ.

قالُوا: وإنَّما جعَلَ الشَّارعُ في مُقابَلةِ هذا الاستِمتاعِ الحَدَّ والعُقوبةَ، فلا يُجمَعُ بيْنَه وبيْنَ ضَمانِ المَهرِ.

قالُوا: والوُجوبُ إنَّما يُتلَقَّى مِنْ الشَّارعِ مِنْ نَصِّ خِطابِه أو عُمومِه أو فَحْواهُ أو تَنبيهِه أو مَعنَى نَصِّه، وليسَ شيءٌ مِنْ ذلكَ ثابِتًا مُتحقِّقًا عنهُ.

وغايةُ ما يُدَّعَى قياسُ السِّفاحِ على النِّكاحِ، ويَا بُعْدَ ما بيْنَهما.

قالُوا: والمَهرُ إنِّما هوَ مِنْ خَصائِصِ النِّكاحِ لفْظًا ومَعنًى، ولهذا إنَّما يُضافُ إليهِ فيُقالُ: مَهرُ النِّكاحِ، ولا يُضافُ إلى الزِّنَى، فلا يُقالُ: مَهرُ الزِّنا، وإنَّما أطلَقَ النَّبيُّ المَهرَ وأرادَ بهِ العَقدَ، كما قالَ: «إنَّ اللهَ حَرَّمَ بيْعَ الخَمرِ والمَيتةِ والخِنزيرِ والأصنامِ»، وكما قالَ: «ورَجلٌ باعَ حُرًّا فأكَلَ ثَمنَه»، ونَظائرُه كثيرةٌ.

والأوَّلونَ يَقولونَ: الأصلُ في هذهِ المَنفعةِ أنْ تُقوَّمَ بالمَهرِ، وإنَّما أسقَطَه الشَّارعُ في حَقِّ البَغيِّ، وهي الَّتي تَزنِي باختيارِها، وأمَّا المُكرَهةُ على الزِّنى فليسَتْ بَغيًّا، فلا يَجوزُ إسقاطُ بَدلِ مَنفعتِها الَّتي أُكرَهَتْ على استيفائِها، كما لو أُكرِه الحُرُّ على استيفاءِ مَنافعِه، فإنهُ يَلزمُه عِوضُها، وعِوضُ هذهِ المَنفعةِ شَرعًا هوَ المَهرُ، فهذا مَأخَذُ القولَينِ.

ومَن فرَّقَ بيْنَ البِكرِ والثيِّبِ رَأى أنَّ الواطِئَ لم يُذهِبْ على الثيِّبِ شيئًا، وحَسْبُه العُقوبةُ التي تَرتَّبَتْ على فِعلِه، وهذهِ المَعصيةُ لا يُقابِلُها شَرعًا مالٌ يَلزمُ مَنْ أقدَمَ عليها، بخِلافِ البِكرِ؛ فإنهُ أزالَ بَكارتَها، فلا بُدَّ مِنْ ضَمانِ ما أزالَه، فكانَتْ هذهِ الجِنايةُ مَضمونةً عليهِ في الجُملةِ، فضَمِنَ ما أتلَفَه مِنْ جُزءِ مَنفعةٍ، وكانَتِ المَنفعةُ تابِعةً للجُزءِ في الضَّمانِ كما كانَتْ تابِعةً لهُ في عَدمِه مِنَ البِكرِ المُطاوِعةِ.

ومَن فرَّقَ بيْنَ ذَواتِ المَحارِمِ وغَيرِهنَّ رأَى أنَّ تَحريمَهنَّ لمَّا كانَ تَحريمًا مُستقِرًّا وأنهُنَّ غَيرُ مَحلِّ الوَطءِ شَرعًا كانَ استِيفاءُ هذهِ المَنفعةِ مِنهنَّ بمَنزلةِ التَّلوُّطِ، فلا يُوجِبُ مَهرًا، وهذا قولُ الشَّعبيِّ، وهذا بخِلافِ تَحريمِ المُصاهَرةِ؛ فإنهُ عارِضٌ يُمكِنُ زوالُه.

قالَ صاحِبُ «المُغْنِي»: وهكذا يَنبغِي أنْ يَكونَ الحُكمُ فيمَن حَرُمَتْ بالرَّضاعِ؛ لأنهُ طارِئٌ أيضًا.

ومَن فرَّقَ في ذَواتِ المَحارِمِ بيْنَ مَنْ تَحرُمُ ابنتُها وبيْنَ مَنْ لا تَحرُمُ فكأنهُ رَأى أنَّ مَنْ لا تَحرُمُ ابنَتُها تَحريمُها أخَفُّ مِنْ تَحريمِ الأُخرى، فأشبَهَ العارِضَ.

فإنْ قيلَ: فما حُكمُ المُكرَهةِ على الوَطءِ في دُبُرِها، أو الأمَةِ المُطاوِعةِ على ذلكَ؟

قيلَ: هو أَولَى بعَدمِ الوُجوبِ؛ فهذا كاللِّواطِ لا يَجبُ فيهِ المَهرُ اتِّفاقًا.

وقَدِ اختَلفَ في هذهِ المَسألةِ الشَّيخانِ أبو البَرَكاتِ ابنُ تَيميةَ وأبو مُحمدٍ ابنُ قُدامةَ، فقالَ أبو البَرَكاتِ في مُحرَّرِه: ويَجبُ مَهرُ المِثلِ للمَوطوءةِ بشُبهةٍ والمَكرَهةِ على الزِّنى في قُبلٍ أو دُبرٍ، وقالَ أبو مُحمَّدٍ في «المُغنِي»: ولا يَجبُ المَهرُ بالوطءِ في الدُّبرِ ولا اللِّواطِ؛ لأنَّ الشَّرعَ لم يَرِدْ ببَدلِه ولا هو إتلافٌ لشيءٍ، فأشبَهَ القُبلةَ والوَطءَ دُونَ الفَرجِ، وهذا القولُ هوَ الصَّوابُ قَطعًا، فإنَّ هذا الفِعلَ لَم يَجعلْ لهُ الشَّارعُ قيمةً أصلًا، ولا قدَّرَ لهُ مَهرًا بوَجهٍ مِنْ الوُجوهِ، وقياسُه على وَطءِ الفَرجِ مِنْ أفسَدِ القياسِ، ولازِمُ مَنْ قالَهُ إيجابُ المَهرِ لمَن فُعلَتْ بهِ اللُّوطيةُ مِنْ الذُّكورِ، وهذا لم يَقلْ بهِ أحَدٌ ألبَتَة (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: المُكرَهةُ على الزِّنا، هل عَلى مُكرِهِها معَ الحَدِّ صَداقٌ أم لا؟

فقالَ مالِكٌ والشَّافعيُّ واللَّيثُ: عليهِ الصَّداقُ والحَدُّ جَميعًا.

وقالَ أبو حَنيفةَ والثَّوريُّ: عليهِ الحَدُّ ولا صَداقَ عليهِ، وهوَ قولُ ابنِ شُبرمةَ.

وعُمدةُ مالكٍ أنهُ يَجبُ عليهِ حَقَّانِ: حَقُّ اللهِ وحَقٌّ للآدَميِّ، فلَم يُسقِطْ أحدُهُما الآخَرَ، أصلُه السَّرقةُ التي يَجبُ بها عِندهُم غُرمُ المالِ والقَطعُ.

وأمَّا مَنْ لم يُوجِبِ الصَّداقَ فتَعلَّقَ في ذلكَ بمَعنيَينِ:

أحدُهُما: أنهُ إذا اجتَمعَ حَقَّانِ: حَقٌّ للهِ وحَقٌّ للمَخلوقِ، سقَطَ حقُّ

(١) «زاد المعاد» (٥/ ٧٧٤، ٧٧٧).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 106 - 116

ارجع إلى تفسير مهر المثل للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل