الإسلام > النكاح والأسرة > تفسير مهر المثل > إذا مات أحد الزوجين قبل الدخول ولم يسم لها مهرا أو نفاه في العقد أو أسقطه
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 15 دقيقة قراءةوإذا ماتَتْ قبْلَ الدُّخولِ أو قتَلَها الزَّوجُ أو أجنَبيٌّ لم يَسقُطْ مَهرُها قطعًا، وكذا لو قَتلَتْ نفْسَها على المَذهبِ؛ لأنها فُرقةٌ حَصلَتْ بانقِضاءِ أجَلِها، فهو كما لو ماتَتْ.
وفي قولٍ: يَسقُطُ مَهرُها؛ لأنَّ النِّكاحَ انفَسخَ بسَببٍ مِنْ جِهتِها، فهو كما لوِ ارتدَّتْ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: يَتقرَّرُ الصَّداقُ المُسمَّى حتَّى لو قتَلَ أحَدُ الزَّوجَينِ الآخَرَ أو قتَلَ أحَدُهما نفْسَه، فيَستقرُّ المَهرُ جَميعُه؛ لأنها فُرقةٌ حَصلَتْ بالمَوتِ وانتِهاءِ النِّكاحِ فلا يَسقُطُ بها المَهرُ كما لو ماتَتْ حَتْفَ أنفِها، ولأنَّ النِّكاحَ قد بلَغَ غايتَهُ، فقامَ ذلكَ مَقامَ استِيفاءِ المَنفعةِ (٢).
وإنِّما يَتقرَّرُ المَهرُ بالمَوتِ إذا كانَ النِّكاحُ صَحيحًا، أمَّا إذا كانَ النِّكاحُ فاسِدًا لم يُقرِّرِ المَهرَ إجماعًا (٣).
إذا ماتَ أحدُ الزوجَينِ قبْلَ الدُّخولِ ولَم يُسَمِّ لها مَهرًا أو نفاهُ في العقدِ أو أسقَطَه:
ذهَبَ الحَنفيةُ والشافعيَّةُ في مُقابلِ الأظهَرِ -وهوَ الَّذي رَجَّحَه النَّوويُّ وغَيرُه- والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الزَّوجَ إذا ماتَ يَجبُ عليهِ الصَّداقُ
(١) «البيان» (٩/ ٤٠٦)، و «روضة الطالبين» (٥/ ٨٠)، و «البيان» (٩/ ٤٠٠)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٣١٠، ٣١٢)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٣٥٨، ٣٦٨)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٨٠)، و «الديباج» (٣/ ٣١٦)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٣٩٤).
(٢) «المغني» (٧/ ٢١١)، و «منار السبيل» (٣/ ١٩).
(٣) «النجم الوهاج» (٧/ ٣١٢).
كامِلاً، ويُكمَّلُ لها مَهرُ نِسائِها؛ لمَا رُوِيَ عن عَلقَمةَ والأسوَدِ عَنْ عَبدِ اللَّهِ بنِ مَسعودٍ رضي الله عنه أنَّ رَجلًا أتاهُ فسَألَهُ عنْ رَجلٍ تزوَّجَ امرأةً فماتَ عَنها ولمْ يَدخُلْ بها ولمْ يَفرِضْ لها، فلم يَقُلْ شيئًا ورَدَّدهُم شَهرًا، ثمَّ قالَ: أقولُ برأيِي، فإنْ كانَ صوابًا فمِنَ اللَّهِ، وإنْ كانَ خطأً فمِن قِبَلِي، أرَى لها صَداقَ نِسائِها، لا وَكْسَ ولا شَطَطَ، وعليها العدَّةُ ولها الميراثُ، فقامَ فُلانٌ الأشجَعيُّ وقالَ: قَضَى رَسولُ اللَّهِ ﷺ في بَروَعَ بِنتِ واشِقٍ بمِثلِ ذلكَ، قالَ: ففَرِحَ عبدُ اللهِ بذلكَ وكبَّرَ» (١). وهو نَصٌّ في مَحلِّ النِّزاعِ، ولأنَّ المَوتَ مَعنًى يَكمُلُ بهِ المُسمَّى، فكَملَ بهِ مَهرُ المِثلِ للمُفوِّضةِ كالدُّخولِ، وقياسُ المَوتِ على الطَّلاقِ غَيرُ صحيحٍ؛ فإنَّ الموتَ يَتمُّ بهِ النِّكاحُ فيَكمُلُ بهِ الصَّداقُ، والطَّلاقُ يَقطَعُه ويُزيلُه قبْلَ إتمامِه، ولذلكَ وَجبَتِ العدَّةُ بالموتِ قبْلَ الدُّخولِ ولم تَجبْ بالطَّلاقِ، وكَملَ المُسمَّى بالمَوتِ ولم يَكمُلْ بالطَّلاقِ.
ولأنَّ الواجِبَ بالعَقدِ في مِثلِه مَهرُ المِثلِ، ولهذا كانَ لها أنْ تُطالِبَه بهِ قبْلَ الدُّخولِ، فيَتأكَّدُ ويَتقرَّرُ بمَوتِ أحدِهِما أو بالدُّخولِ على ما مَرَّ في المَهرِ المُسمَّى في العَقدِ.
وكذا الذِّمِّيةُ عندَ الشَّافعيةِ والحَنابلةِ كالمُسلِمةِ أو كما لو سَمَّى لها،
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٢١٤)، والترمذي (١١٤٥)، وابن ماجه (١٨٩١)، وابن حبان في «صحيحه» (٤١٠٠).
ولأنَّ المُسلِمةَ والذِّمِّيةَ لا يَختلِفانِ في الصَّداقِ في مَوضِعٍ، فيَجبُ أنْ لا يَختلفَا هاهُنا (١).
وذهَبَ الإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنهُ يَتنصَّفُ الصَّداقُ بمَوتِها فيَجبُ لها نِصفُ صَداقِ مِثلِها بالمَوتِ؛ لأنَّ المَفروضَ لها يُخالِفُ الَّتي لَم يُفرضْ لها في الطَّلاقِ، فجازَ أنْ يُخالِفَها بعْدَ المَوتِ، ولأنها فُرقةٌ ورَدَتْ على تَفويضٍ صَحيحٍ قبْلَ فَرضٍ ومَسيسٍ، فلَم يَجبْ لها مَهرُ المِثلِ كفُرقةِ الطَّلاقِ.
إلَّا أنْ يكونَ قد فرَضَه لها الحاكِمُ فإنهُ لا يَتنصَّفُ؛ لأنَّ الفَرضَ يَجعَلُه كالمُسمَّى، ولو سَمَّى ثمَّ ماتَ لَوجَبَ كلُّه، فكذا إذا فرَضَه (٢).
وذهَبَ المالِكيةُ والشَّافعيةُ في الأظهَرِ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا عقَدَ على امرأةٍ ولم يَفرضْ لها صَداقًا وماتَ قبْلَ الدُّخولِ أو ماتَتْ هيَ قبْلَ الدُّخولِ ولَم يُسمِّ لها صَداقًا أنهُ لا صَداقَ لها ولا مُتعةَ (عِنْدَ المَالِكيَّةِ)؛ لأنها فُرقةٌ ورَدَتْ على تَفويضٍ صَحيحٍ قبْلَ فَرضٍ ومَسيسٍ، فلم يَجبْ بها مَهرٌ كفُرقةِ الطَّلاقِ، ولأنَّ
(١) «الموطأ» برواية محمد بن الحسن (٢/ ٤٦٢)، و «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٧٥)، و «الاختيار» (٣/ ١٢٧)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣١٧)، و «اللباب» (٢/ ٣٦)، و «شرح فتح القدير» (٣/ ٣٢٥)، و «تبيين الحقائق» (٢/ ١٣٩)، و «اختلاف العلماء» (١/ ١٤٢، ١٤٣)، و «المغني» (٧/ ١٨٩)، و «الكافي» (٣/ ١٠٥)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٤٣٣)، و «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٦٣)، و «المبدع» (٧/ ١٦٨، ١٦٩)، و «الإنصاف» (٨/ ٢٩٧، ٢٩٨).
(٢) «المغني» (٧/ ١٨٩)، و «الكافي» (٣/ ١٠٥)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٤٣٣)، و «المبدع» (٧/ ١٦٨، ١٦٩)، و «الإنصاف» (٨/ ٢٩٧، ٢٩٨).
الصَّداقَ عِوضٌ فلمَّا لم يَقبضِ المُعوَّضَ لم يَجبِ العِوضُ؛ قياسًا على البَيعِ، ولمَا رَوى مالِكٌ في المُوطَّأِ عن نافِعٍ أنَّ ابنةَ عُبيدِ اللَّهِ بنِ عُمرَ وأُمُّها بِنتُ زَيدِ بنِ الخطَّابِ كانَتْ تحتَ ابنٍ لعَبدِ اللَّهِ بنِ عُمرَ فماتَ ولم يَدخُلْ بها ولَم يُسمِّ لها صَداقًا، فابتَغَتْ أُمُّها صَداقَها، فقالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عُمرَ: «ليسَ لها صَداقٌ، ولو كانَ لها صَداقٌ لمْ نُمسِكْه ولم نَظلِمْها، فأَبتْ أُمُّها أنْ تَقبلَ ذلكَ، فجَعلُوا بيْنَهم زَيدَ بنَ ثابتٍ، فقَضَى أنْ لا صَداقَ لها ولها المِيراثُ» (١).
ولمَا رُويَ عنِ النَّبيِّ ﷺ أنهُ قالَ: «أَدُّوا العَلائقَ، قيلَ: وما العَلائقُ يا رَسولَ اللهِ؟ قالَ: ما تَراضَى بهِ الأهلُونَ» (٢)، فدَلَّ على أنَّ المُستحَقَّ بالعَقدِ ما تَراضَى بهِ الأهلُونَ دُونَ غيرِه.
ومِن طريقِ القياسِ: أنهُ فِراقُ مُفوَّضةٍ قبْلَ فَرضٍ وإصابةٍ، فلم يُستحَقَّ بهِ مهرٌ كالطَّلاقِ، ولأنَّ المَوتَ سَببٌ يَقعُ بهِ الفُرقةُ، فلَم يَجبْ بهِ المَهرُ كالرَّضاعِ والرِّدةِ، ولأنَّ مَنْ لَم يُنتصَفْ صَداقُها بالطَّلاقِ لَم يُستفَدْ بالمَوتِ جَميعُ الصَّداقِ كالمُبَرِّئةِ لزَوجِها مِنْ صَداقِها، ولأنَّ كلَّ ما لَم يُنتصَفْ بالطَّلاقِ لَم يُتكمَّلْ بالمَوتِ، كالزِّيادةِ على مَهرِ المِثلِ، فأمَّا حَديثُ بَروَعَ فقدِ اختُلِفَ في ثُبوتِه (٣).
وقَد تَقدَّمَتِ المَسألةُ بالتَّفصيلِ.
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه مالك في «الموطأ» (١٠٩٨).
(٢) ضعيفٌ جِدًّا: رواه سعيد بن منصور في «سننه» (٦١٩)، وابن أبي شيبة (١٦٣٦١، ٣٦١٦٨).
(٣) «الاستذكار» (٥/ ٤٢٤، ٤٢٦)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٢٠)، و «البيان والتحصيل»
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل حكم اختلاف الزوجين في المهر
وَالثَّانِيَةَ تَسْتَحِقُّ الْكُلَّ فَاسْتِحْقَاقُ بَعْضِ الْمَهْرِ لَمَّا مَنَعَ عَنْ اسْتِحْقَاقِ الْمُتْعَةِ فَاسْتِحْقَاقُ الْكُلِّ أَوْلَى.
وَأَمَّا الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ، فَيُحْمَلُ ذِكْرُ الْمَتَاعِ فِيهَا عَلَى النَّدْبِ، وَالِاسْتِحْبَابِ، وَنَحْنُ بِهِ نَقُولُ إنَّهُ يُنْدَبُ الزَّوْجُ إلَى ذَلِكَ كَمَا يُنْدَبُ إلَى أَدَاءِ الْمَهْرِ عَلَى الْكَمَالِ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا أَوْ يُحْمَلُ عَلَى النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ فِي حَالِ قِيَامِ الْعِدَّةِ؛ وَلِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَتَاعٌ إذْ الْمَتَاعُ اسْمٌ لِمَا يُنْتَفَعُ بِهِ عَمَلًا بِالدَّلَائِلِ كُلِّهَا بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، وَكُلُّ فُرْقَةٍ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ بَعْدَ الدُّخُولِ تُسْتَحَبُّ فِيهَا الْمُتْعَةُ إلَّا أَنْ يَرْتَدَّ أَوْ يَأْبَى الْإِسْلَامَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْبَابَ طَلَبُ الْفَضِيلَةِ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْفَضِيلَةِ.
(وَأَمَّا) تَفْسِيرُ الْمُتْعَةِ الْوَاجِبَةِ، فَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا: إنَّهَا ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ دِرْعٌ، وَخِمَارٌ، وَمِلْحَفَةٌ وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ: أَرْفَعُ الْمُتْعَةِ الْخَادِمُ، ثُمَّ دُونَ ذَلِكَ الْكِسْوَةُ، ثُمَّ دُونَ ذَلِكَ النَّفَقَةُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: ثَلَاثُونَ دِرْهَمًا لَهُ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَخْبِرْنِي عَنْ الْمُتْعَةِ، وَأَخْبِرْنِي عَنْ قَدْرِهَا، فَإِنِّي مُوسِرٌ، فَقَالَ: اُكْسُ كَذَا اُكْسُ كَذَا اُكْسُ كَذَا قَالَ: فَحَسَبْتُ ذَلِكَ، فَوَجَدْتُهُ قَدْرَ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، فَدَلَّ أَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ بِثَلَاثِينَ دِرْهَمًا.
ارجع إلى تفسير مهر المثل للاطلاع على جميع المسائل.