الإسلام > النكاح والأسرة > تفسير مهر المثل > المواضع التي يسقط فيها المهر كاملا
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 24 دقيقة قراءةالمَواضعُ الَّتي يَسقطُ فيها المَهرُ كامِلاً:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على سُقوطِ المَهرِ كامِلًا في أحوالٍ، واختَلفُوا في أُخرَى، وهيَ على البَيانِ التَّالي:
أ - إذا فُسِخَ النِّكاحُ قبْلَ الدُّخولِ:
نَصَّ جُمهورُ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربعَةِ الحَنفيَّةُ والمالكيَّةُ والشَّافِعيةُ والحَنابلةُ على أنَّ الفُرقةَ الحاصِلةَ مِنْ جِهةِ الزَّوجةِ قبْلَ الدُّخولِ -كفَسخِها النِّكاحَ بعَيبِه، أو كانَتِ الفُرقةُ ليسَتْ مِنْ جِهتِها بل بسَببِها كفَسخِه بعَيبِها- تُسقطُ المَهرَ المُسمَّى ابتداءً والمَفروضَ الصَّحيحَ بعْدَ العَقدِ ومَهرَ المِثلِ؛ لأنها إنْ كانَتْ هيَ الفاسِخةَ فهيَ المُختارةُ للفُرقةِ، فكأنها أتلَفَتِ المُعوَّضَ قبْلَ التَّسليمِ، فسقَطَ العِوضُ كما لو أتلَفَتِ المَبيعَ قبْلَ التَّسليمِ، وإنْ كانَ هو الفاسِخَ بعَيبِها فكأنها هيَ الفاسِخةُ، كما لو ارتَدَّتْ أو فَسخَتِ النِّكاحَ بعِتقٍ أو عَيبٍ أو أرضَعَتْ زَوجةً أُخرَى له صَغيرةً (١).
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: فَصلٌ: وأمَّا بَيانُ ما يَسقطُ بهِ كلُّ المَهرِ
(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٣٣٦)، و «عقد الجواهر الثمينة» (٢/ ٤٨٢، ٤٨٣)، و «البيان» (٩/ ٤٠٤، ٤٠٥)، و «روضة الطالبين» (٥/ ١٤٩)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٣٤١)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٣٨٤)، و «الديباج» (٣/ ٣٣٢)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ١١٥، ١١٧)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٤٠٧)، و «القواعد الفقهية» (٣٨٢)، و «المبدع» (٧/ ١٦١)، و «الإنصاف» (٨/ ٢٧٩، ٢٨٠)، و «كشاف القناع» (٥/ ١٦٦)، و «منار السبيل» (٣/ ١٨).
فالمَهرُ كلُّه يَسقطُ بأسبابٍ أربعةٍ، مِنها: الفُرقةُ بغَيرِ طَلاقٍ قبْلَ الدُّخولِ بالمرأةِ وقبْلَ الخَلوةِ بها، فكُلُّ فُرقةٍ حَصلَتْ بغَيرِ طلاقٍ قبْلَ الدُّخولِ وقبْلَ الخَلوةِ تُسقِطُ جَميعَ المَهرِ، سواءٌ كانَتْ مِنْ قِبَلِ المرأةِ أو مِنْ قِبَلِ الزَّوجِ، وإنَّما كانَ كذلكَ؛ لأنَّ الفُرقةَ بغَيرِ طلاقٍ تكونُ فَسخًا للعَقدِ، وفَسخُ العَقدُ قبْلَ الدُّخولِ يُوجِبُ سُقوطَ كُلِّ المهرِ؛ لأنَّ فسْخَ العَقدِ رفَعَه مِنْ الأصلِ وجعَلَه كأنْ لم يكنْ (١).
ومِن أمثِلةِ هذا النَّوعِ مِنْ الفُرقةِ عندَ الحَنفيةِ اختيارُ المَرأةِ نفْسَها لعَيبِ الجَبِّ والعُنَّةِ والخِصاءِ والخُنوثةِ (٢).
وقالَ ابنُ شاسٍ رحمة الله عليه: وإنَّما يَسقطُ جَميعُ المَهرِ قبْلَ المَسيسِ بالفَسخِ أو باختيارِهِ رَدَّها لعَيبِها، وفي اختِيارِها لرَدِّهِ بعَيبه خِلافٌ؛ لأنهُ غارٌّ (٣).
وقالَ الشَّافِعيةُ: إذا كانَ الفِراقُ منها أو بسَببٍ فيها -بأنْ أسلَمَتْ أو ارتَدَّتْ أو فَسخَتِ النِّكاحَ بعِتقٍ أو عَيبٍ أو أرضَعَتْ زَوجةً أُخرَى له صَغيرةً أو فسَخَ النِّكاحَ بعَيبِها- فيَسقطُ جَميعُ المَهرِ؛ لأنَّ البُضعَ تَلفَ قبْلَ الدُّخولِ بسَببٍ مِنْ جِهتِها، فسقَطَ ما يُقابِلُه، كالمَبيعِ إذا تَلفَ قبْلَ القَبضِ (٤).
(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٩٥).
(٢) «بدائع الصنائع» (٢/ ٣٣٦)، و «الهداية» (٢/ ٢٧)، و «الاختيار» (٣/ ١٤٢)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٥٢، ٣٥٣)، و «العناية» (٦/ ٩٠)، و «اللباب» (٢/ ٥١)، و «الفتاوى الهندية» (١/ ٥٢٣).
(٣) «عقد الجواهر الثمينة» (٢/ ٤٨٢، ٤٨٣).
(٤) «البيان» (٩/ ٤٠٤، ٤٠٥)، و «روضة الطالبين» (٥/ ١٤٩)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٣٤١)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٣٨٤)، و «الديباج» (٣/ ٣٣٢)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ١١٥، ١١٧).
وقالَ الحَنابلةُ: كُلُّ فُرقةٍ جاءَتْ مِنْ قِبَلِ الزَّوجةِ قبْلَ الدُّخولِ كإسلامِها تَحتَ كافِرٍ ورِدَّتِها، أو إرضاعِها مَنْ يَنفسخُ نِكاحُها برَضاعِهِ كما لو أرضَعَتْ زَوجةً له صُغرَى، وارتِضاعِها وهيَ صَغيرةٌ مِنْ أمِّهِ أو أُختِه ونَحوِها، وفَسخِها لعَيبِه -أي الزَّوجِ- ككَونِه مَجبوبًا أو مَجذومًا ونَحوَه، وفَسخِها بإعسارِه بمَهرٍ أو نَفقةٍ أو غَيرِهما، أو لعِتقِها تَحتَ عَبدٍ، وفَسخِه لعَيبِها، أو فَسخِه لفَقدِ صِفةٍ شَرَطَها فيها كأنْ شَرَطَها بِكرًا فبانَتْ ثيِّبًا، وفُسخَ قبْلَ الدُّخولِ فإنهُ يَسقطُ بهِ مَهرُها، ويَسقطُ بهِ أيضًا مُتعتُها إنْ كانَتْ مُفوِّضةً أو سُمِّيَ لها مهرٌ فاسدٌ؛ لأنها أتلَفَتِ العِوضَ قبْلَ تَسليمِه فسقَطَ البَدلُ كلُّه، كالبائعِ يُتلِفُ المَبيعَ قبْلَ تَسليمِه.
وكذا فَسخُها بشَرطٍ صَحيحٍ شُرِطَ عليهِ حالَةَ العَقدِ، كأنْ تَزوَّجَها بشَرطِ أنْ لا يَتزوَّجَ عليها أو لا يَتسرَّى أو لا يُخرجَها مِنْ دارِها فلمْ يَفِ بهِ فلا مَهرَ لها ولا مُتعةَ؛ لِما تَقدَّمَ.
وفُرقةُ اللِّعانِ تُسقِطُ كلَّ المَهرِ؛ لأنَّ الفَسخَ مِنْ قِبَلِها؛ لأنهُ إنما يَحصُلُ عندَ تَمامِ لِعانِها (١).
(١) «المغني» (٧/ ١٤٣، ١٤٥)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٤٠٧)، و «القواعد الفقهية» (٣٨٢)، و «المبدع» (٧/ ١٦١)، و «الإنصاف» (٨/ ٢٧٩، ٢٨٠)، و «كشاف القناع» (٥/ ١٦٦)، و «منار السبيل» (٣/ ١٨).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: قالَ: (وإذا فسخَ قبْلَ المَسيسِ فلا مَهرَ، وإنْ كانَ بعْدَه وادَّعى أنهُ ما عَلِمَ حلَفَ وكانَ له أنْ يَفسخَ، وعليهِ المَهرُ يَرجعُ به على مَنْ غَرَّه).
الكَلامُ في هذه المَسألةِ في فُصولٍ أربعةٍ:
أحَدُها: أنَّ الفَسخَ إذا وُجدَ قبْلَ الدُّخولِ فلا مَهرَ لها عليهِ، سَواءٌ كانَ مِنَ الزَّوجِ أو المَرأةِ، وهذا قولُ الشَّافعيِّ؛ لأنَّ الفَسخَ إنْ كانَ منهُما فالفُرقةُ مِنْ جِهتِها، فسقَطَ مَهرُها كما لو فَسخَتْه برَضاعِ زَوجةٍ له أُخرَى، وإنْ كانَ منهُ فإنما فسَخَ لعَيبٍ بها دَلَّستْه بالإخفاءِ، فصارَ الفَسخُ كأنهُ مِنها.
فإنْ قيلَ: فهَلَّا جَعلْتُم فسْخَها لعَيبٍ كأنهُ مِنه لحُصولِه بتَدليسِه؟
قُلنا: العِوضُ مِنَ الزَّوجِ في مُقابَلةِ مَنافعِها، فإذا اختارَتْ فسْخَ العَقدِ مع سَلامةِ ما عقَدَتْ عليهِ رجَعَ العِوضُ إلى العاقِدِ معها، وليسَ مِنْ جِهتِها عِوضٌ في مُقابَلةِ مَنافعِ الزَّوجِ، وإنما ثبَتَ لها الخِيارُ لأجْلِ ضَررٍ يَلحقُها، لا لتَعذُّرِ ما استَحقَّتْ عليهِ في مُقابَلتِه عِوضًا، فافتَرَقا.
الفَصلُ الثَّاني: أنَّ الفَسخَ إذا كانَ بعْدَ الدُّخولِ فلها المَهرُ؛ لأنَّ المَهرَ يَجبُ بالعَقدِ ويَستقِرُّ بالدُّخولِ، فلا يَسقطُ بحادِثٍ بعْدَه، ولذلكَ لا يَسقطُ برِدَّتِها، ولا بفَسخٍ مِنْ جِهتِها، ويَجبُ المَهرُ المُسمَّى، وذكَرَ القاضي في «المُجَرَّد» فيهِ رِوايتَينِ:
إحداهُما: يَجبُ المُسَمَّى.
والأخرَى: مَهرُ المِثلِ؛ بناءً على الرِّوايتَين في العَقدِ الفاسِدِ.
وقالَ الشَّافعيُّ: الواجِبُ مَهرُ المِثلِ؛ لأنَّ الفَسخَ استَندَ إلى العَقدِ، فصارَ كالعَقدِ الفاسِدِ.
ولنا: إنها فُرقةٌ بعْدَ الدُّخولِ في نِكاحٍ صحيحٍ فيهِ مُسمًّى صَحيحٌ، فوجَبَ المُسمَّى لغَيرِ المَعِيبةِ، وكالمُعتَقةِ تَحتَ عَبدٍ، والدَّليلُ على أنَّ النِّكاحَ صَحيحٌ أنهُ وُجدَ بشُروطِه وأركانِه، فكانَ صَحيحًا كما لو لم يَفسخْه، ولأنهُ لو لم يَفسخْه لَكانَ صَحيحًا، فكذلكَ إذا فسَخَه، كنِكاحِ الأمَةِ إذا عُتقَتْ تَحتَ عَبدٍ، ولأنهُ تَترتَّبُ عليهِ أحكامُ الصِّحةِ مِنْ ثُبوتِ الإحصانِ والإباحةِ للزَّوجِ الأوَّلِ وسائِرُ أحكامِ الصِّحةِ، ولأنهُ لو كانَ فاسِدًا لَمَا جازَ إبقاؤُه وتَعيَّنَ فَسخُه.
وما ذكَرُوه غَيرُ صَحيحٍ؛ فإنَّ الفَسخَ يَثبتُ حُكمُه في حينِه غيْرَ سابِقٍ عليهِ، وما وقَعَ على صِفةٍ يَستحِيلُ أنْ يكونَ واقِعًا على غَيرِها، وكذلكَ لو فُسخَ البَيعُ بعَيبٍ لم يَصِرِ العَقدُ فاسِدًا ولا يَكونُ النَّماءُ لغَيرِ المُشتري، ولو كانَ البَيعُ أمَةً فوَطئَها لَم يَجبْ بهِ مَهرُها، فكذلكَ النِّكاحُ.
الفَصلُ الثَّالثُ: إذا عَلِمَ بالعَيبِ وقْتَ العَقدِ أو بعْدَه ثمَّ وُجدَ منه رِضًى أو دَلالةٌ عليهِ، كالدُّخولِ بالمرأةِ أو تَمكينِها إيَّاه مِنَ الوطءِ، لم يَثبتْ لهُ الفَسخُ؛ لأنهُ رَضيَ بإسقاطِ حَقِّهِ، فسقَطَ كما لو عَلِمَ المُشتري بالعَيبِ فرَضِيَه، وإذا اختَلفَا في العِلمِ فالقولُ قولُ مَنْ يُنكرُه؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُه.
الفَصلُ الرَّابعُ: أنهُ يَرجِعُ بالمَهرِ على مَنْ غَرَّه، وقالَ أبو بكرٍ: فيهِ رِوايتانِ: إحداهُما: يَرجعُ بهِ، والأُخرَى: لا يَرجعُ.
والصَّحيحُ أنَّ المَذهبَ رِوايةٌ واحِدةٌ، وأنهُ يَرجعُ بهِ، فإنَّ أحمَدَ قالَ: كنتُ أذهَبُ إلى قَولِ عَليٍّ فهِبْتُه، فمِلْتُ إلى قَولِ عُمرَ: إذا تَزوَّجَها فرأَى جُذامًا أو بَرَصًا فإنَّ لها المَهرَ بمَسيسِهِ إياها، ووَليُّها ضامِنٌ للصَّداقِ، وهذا يَدلُّ على أنهُ رجَعَ إلى هذا القَولِ، وبهِ قالَ الزُّهريُّ وقَتادةُ ومالكٌ والشَّافعيُّ في القديمِ، ورُويَ عَنْ عَليٍّ أنهُ قالَ: لا يَرجعُ، وبهِ قالَ أبو حَنيفةَ والشَّافعيُّ في الجَديدِ؛ لأنهُ ضَمِنَ ما استَوفى بَدلَه، وهو الوَطءُ، فلا يَرجعُ بهِ على غَيرِه، كما لو كانَ المَبيعُ مَعيبًا فأكَلَه.
ولنا: ما رَوى مالكٌ عن يَحيَى بنِ سَعيدٍ عن سَعيدِ بنِ المُسيّبِ قالَ: قالَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ: «أيُّما رَجلٍ تَزوَّجَ بامرأةٍ بها جُنونٌ أو جُذامٌ أو بَرَصٌ فمَسَّها فلها صَداقُها، وذلكَ لزَوجِها غُرمٌ على وَليِّها»، ولأنهُ غَرَّهُ في النِّكاحِ بما يَثبتُ بهِ الخِيارُ، فكانَ المَهرُ عليهِ، كما لو غَرَّهُ بحُريةِ أمَةٍ.
فإذا ثبَتَ هذا فإنْ كانَ الوَليُّ عَلِمَ غَرِمَ، وإنْ لم يكنْ عَلِمَ فالتَّغريرُ مِنْ المرأةِ، فيرجعُ عليها بجميعِ الصَّداقِ.
فإنِ اختَلفُوا في عِلمِ الوَليِّ فشَهدَتْ بَيِّنةٌ عليهِ بالإقرارِ بالعِلمِ، وإلَّا فالقولُ قَولُه معَ يَمينِه، قالَ الزُّهريُّ وقَتادةُ: إنْ عَلِمَ الوَليُّ غَرِمَ، وإلَّا استُحلِفَ باللهِ العَظيمِ أنهُ ما عَلِمَ، ثُمَّ هو على الزَّوجِ.
وقالَ القاضي: إنْ كانَ أبًا أو جَدًّا أو مِمَّنْ يَجوزُ له أنْ يَراها فالتَّغريرُ مِنْ
جِهتِه، عَلِمَ أو لم يَعلمْ، وإنْ كانَ مِمَّنْ لا يَجوزُ له أنْ يَراها كابْنِ العَمِّ والمَولَى وعَلِمَ غَرِمَ، وإنْ أنكَرَ ولم تَقُمْ بيِّنةٌ بإقرارِه فالقَولُ قَولُه، ويَرجعُ على المرأةِ بجَميعِ الصَّداقِ، وهذا قولُ مالكٍ، إلَّا أنهُ قالَ: إذا رَدَّتِ المَرأةُ ما أَخذَتْ ترَكَ لها قَدْرَ ما تُستحَلُّ بهِ؛ لِئلَّا تَصيرَ كالمَوهوبةِ، وللشَّافعيِّ قَولانِ كقَولِ مالِكٍ والقاضي.
ولنا على أنَّ الوليَّ إذا لم يَعلمْ لا يَغرمُ: أنَّ التَّغريرَ مِنْ غَيرِه، فلمْ يَغرمْ كما لو كانَ ابنَ عَمٍّ، وعلى أنهُ يَرجعُ بكُلِّ الصَّداقِ: أنهُ مَغرورٌ مِنها، فرجَعَ بكُلِّ الصَّداقِ كما لو غَرَّهُ الوليُّ، وقَولُهم: «لا يَخفَى على مَنْ يَراها» لا يَصحُّ؛ فإنَّ عُيوبَ الفَرْجِ لا اطِّلاعَ له عَليها ولا يَحلُّ له رُؤيتُها، وكذلكَ العُيوبُ تَحتَ الثِّيابِ، فصارَ في هذا كمَن لا يَراها، إلَّا في الجُنونِ؛ فإنهُ لا يَكادُ يَخفَى على مَنْ يَراها، إلَّا أنْ يكونَ غائبًا، وأمَّا الرُّجوعُ بالمَهرِ فإنهُ لسَببٍ آخرَ، فيكونُ بمَنزلةِ ما لو وَهبَتْه إياهُ، بخِلافِ المَوهوبةِ.
فَصلٌ: إذا طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ ثمَّ عَلِمَ أنهُ كانَ بها عَيبٌ فعَليهِ نِصفُ الصَّداقِ، ولا يَرجعُ بهِ؛ لأنهُ رَضيَ بالتِزامِ نِصفِ الصَّداقِ، فلمْ يَرجعْ على أحَدٍ.
وإنْ ماتَتْ أو ماتَ قبْلَ العِلمِ بالعَيبِ فلها الصَّداقُ كاملًا، ولا يَرجعُ على أحَدٍ؛ لأنَّ سبَبَ الرُّجوعِ الفَسخُ، ولمْ يُوجَدْ، وهاهُنا استَقرَّ الصَّداقُ بالموتِ، فلا يَرجعُ بهِ (١).
(١) «المغني» (٧/ ١٤٣، ١٤٥).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل بيان ما يسقط به كل المهر
عِنْدَهُ فَكَذَا إذَا قَتَلَتْ نَفْسَهَا.
(وَجْهُ) الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنَّ الْبَدَلَ حَقُّ الْمَوْلَى وَمِلْكُهُ فَتَفْوِيتُ الْمُبْدَلِ مِنْهَا لَا يُوجِبُ بُطْلَانَ حَقِّ الْمَوْلَى بِخِلَافِ جِنَايَةِ الْمَوْلَى، وَالدَّلِيلُ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْجِنَايَتَيْنِ أَنَّ جِنَايَتَهَا عَلَى نَفْسِهَا هَدَرٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الدُّنْيَا فَالْتَحَقَتْ بِالْعَدَمِ وَصَارَتْ كَأَنَّهَا مَاتَتْ حَتْفَ أَنْفِهَا بِخِلَافِ جِنَايَةِ الْمَوْلَى عَلَيْهَا، فَإِنَّهَا مَضْمُونَةٌ بِالْكَفَّارَةِ، وَهِيَ مِنْ أَحْكَامِ الدُّنْيَا فَكَانَتْ جِنَايَتُهُ عَلَيْهَا مُعْتَبَرَةً فَلَا تُجْعَلُ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْتِ وَاَللَّهُ ﷿ الْمُوَفِّقُ.
وَإِذَا تَأَكَّدَ الْمَهْرُ بِأَحَدِ الْمَعَانِي الَّتِي ذَكَرْنَاهَا لَا يَسْقُطُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ الْفُرْقَةُ مِنْ قِبَلِهَا؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ بَعْدَ تَأَكُّدِهِ لَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ إلَّا بِالْإِبْرَاءِ كَالثَّمَنِ إذَا تَأَكَّدَ بِقَبْضِ الْمَبِيعِ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب النفقات
باب الحال التي تجب فيها النفقة على الزوج
باب الحال التي تجبُ فيها النَّفَقةُ على الزَّوجِ
١٣٩٣ - مسألة؛ قال، رَحِمَه اللَّه: (وَإذَا تزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ مِثلُهَا يُوطَأُ، فلم تَمْنَعْهُ نَفْسَهَا، وَلَا مَنَعَهُ أَوْليَاوُهَا، لَزِمَتْه النَّفَقَةُ)
وجملةُ ذلك أنَّ المرأةَ تَسْتَحِقُّ النَّفقةَ على زَوْجِها بشَرْطينِ؛ أحدهما، أنَّ تكونَ كبيرةً يُمْكِنُ وطؤُها، فإن كانتْ صغيرةً لا تَحْتَمِلُ الوَطْءَ، فلا نفقةَ لها. وبهذا قال الحسنُ، وبكرُ بن عبد اللَّه الْمُزَنِيُّ، والنَّخَعِيِّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْيِ. وهو المَنْصوصُ عن الشافعيِّ. وقال في موضعٍ: لو قيل: لها النَّفَقةُ. كان مَذْهَبًا، وهذا قولُ الثَّوْرِيِّ؛ لأنَّ تَعَذُّرَ الوَطْءِ لم يكُنْ بفِعْلِها، فلم يَمْنَعْ وُجُوبَ النَّفقةِ لها، كالمَرَضِ. ولَنا، أنَّ النَّفقةَ تحبُ بالتَّمْكِينِ من الاسْتِمْتاعِ، ولا يُتَصَوَّرُ ذلك مع تَعَذُّرِ الاسْتِمْتاعِ، فلم تَجِبْ نفقَتُها، كما لو مَنَعَه أولياؤُها من تَسْلِيمِ نَفْسِها، وبهذا يَبْطُلُ ما ذكَرُوه، ويفارِقُ المَرِيضةَ، فإنَّ الاسْتِمْتاعَ بها مُمْكِنٌ، وإنَّما نَقْصَ بالمَرَضِ، ولأنَّ مَنْ لا تُمَكِّنُ الزَّوجَ من نَفْسِها، لا يَلْزَمُ الزَّوْجَ نَفَقَتُها، فهذه أَوْلَى؛ لأنَّ تلك يُمْكِنُ الزَّوْجَ قَهْرُها، والاسْتِمْتاعُ منها كُرْهًا، وهذه لا يُمْكِنُ ذلك فيها بحالٍ. الشَّرْط الثاني، أن تَبْذُلَ التَّمْكِينَ التَّامَّ من نَفْسِها لزَوْجِها، فأمَّا إن مَنَعَتْ نفسَها، أو مَنَعَها أولياؤُها، أو تَساكَتَا بعدَ العَقْدِ، فلم تَبْذُلْ ولم يَطْلُبْ، فلا نَفقةَ لها، وإن أقامَا زَمَنًا، فإنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- تزَوَّجَ عائشةَ، ودَخَلَتْ عليه بعدَ سَنَتَيْنِ، ولم يُنْفِقْ إلَّا بعدَ دُخُولِه، ولم يَلْتَزِمْ نفقَتها لما مَضَى
ارجع إلى تفسير مهر المثل للاطلاع على جميع المسائل.