إزالة البكارة بغير آلة الجماع من الزوج أو غيره

الإسلام > النكاح والأسرة > تفسير مهر المثل > إزالة البكارة بغير آلة الجماع من الزوج أو غيره

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 23 دقيقة قراءة

إزالة البكارة بغير آلة الجماع من الزوج أو غيره - الأقوال والأدلة

أحدُهُما: يَكمُلُ بهِ الصَّداقُ؛ لِمَا رَوى الدَّارَقُطنيُّ عَنْ مُحمَّدِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ ثَوبانَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ : «مَنْ كَشَفَ خِمارَ امرَأةٍ ونَظَرَ إليها فقَدْ وجَبَ الصَّداقُ، دخَلَ بها أو لم يَدخُلْ» (١)، ولأنهُ مَسيسٌ فيَدخُلُ في قَولِه: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ولأنهُ استِمتاعٌ بامرَأتِه فكَملَ بهِ الصَّداقُ كالوَطءِ.

والوَجهُ الآخَرُ: لا يَكمُلُ بهِ الصَّداقُ، وهُو قَولُ أكثَرِ الفُقهاءِ؛ لأنَّ قَولَه تعالَى: ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] إنما أُريدَ بهِ في الظَّاهِرِ الجِماعُ، ومُقتَضى قَولِه: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] أنْ لا يَكمُلَ الصَّداقُ لغَيرِ مَنْ وَطِئَها ولا تَجِبَ عليها العدَّةُ، تُرِكَ عُمومُه فيمَن خَلا بها؛ للإجماعِ الوَاردِ عن الصَّحابةِ، فيَبقَى فيمَا عَداهُ على مُقتَضى العُمومِ (٢).

إزالةُ البَكارةِ بغَيرِ آلةِ الجِماعِ مِنْ الزَّوجِ أو غَيرِه:

قالَ الحَنفيَّةُ: لو أزالَ بَكارتَها بحَجَرٍ ونَحوِه فإنَّ لها كَمالَ المَهرِ، بخِلافِ ما إذا أَزالَها بدَفعةٍ فإنهُ يَجبُ النِّصفُ لو طَلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ.

ولو دفَعَها أجنَبيٌّ فزالَتْ بَكارَتُها وطَلُقَتْ قبْلَ الدُّخولِ وجَبَ نِصفُ المُسمَّى على الزَّوجِ وعلى الأجنَبيِّ نِصفُ صَداقِ مِثلِها، هكذا قالَ ابنُ نُجيمٍ (٣).

(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الدارقطني (٣٨٢٤)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٤٢٦٤).
(٢) «المغني» (٧/ ١٩٣).
(٣) «البحر الرائق» (٣/ ١٥٣، ١٥٤).

قالَ ابنُ عابدِينَ رحمة الله عليه: الَّذي يَظهَرُ لي دُخولُ هذا فيما قبْلَه وهوَ الخَلوةُ؛ لأنَّ العادةَ أنَّ إزالةَ البَكارةٍ بحَجرٍ ونَحوِه كإصبعٍ إنَّما تكونُ في الخَلوةِ، فلِذا وجَبَ كلُّ المَهرِ، بخِلافِ إزالتِها بدَفعةٍ، فإنَّ المُرادَ حُصولُها في غَيرِ خَلوةٍ، ثمَّ رَأيتُ ما يُفيدُ ذلكَ في جِناياتِ «الفَتاوَى الهِنديَّة» عَنْ «المُحيط» حَيثُ قالَ: ولو دفَعَ امرَأتَه ولم يَدخُلْ بها فذَهبَتْ عُذْرَتُها ثمَّ طلَّقَها فعَليهِ نِصفُ المَهرِ، ولو دفَعَ امرأةَ الغَيرِ وذهَبَتْ عُذرَتُها ثمَّ تَزوَّجَها ودَخلَ وجَبَ لها مَهرانِ. اه. أي مَهرٌ بالدُّخولِ بحُكمِ النِّكاحِ ومَهرٌ بإزالةِ العُذرَةِ بالدَّفعِ كما في جِناياتِ «الخانِيَّة»، فقَولُه: ولو دفَعَ امرَأتَه ولَم يَدخُلْ بها ذكَرَ مِثلَه في جِناياتِ «الخانيَّةِ»، ومِثلُه في «الفَتْح» هُنا، وهو صَريحٌ فيما قُلناهُ في مَسألةِ الدَّفعِ، ومُشِيرٌ إلى أنَّ مَسألةَ الحَجَرِ في الخَلوةِ، إذْ لا يَظهَرُ الفَرقُ بَينَ مُجرَّدِ إزالَتها بحَجرٍ أو دَفعةٍ، ويَدلُّ عليهِ أنَّ المُفادَ مِنْ إيجابِ نِصفِ المَهرِ في مَسألةِ الدَّفعِ أنَّ الزَّوجَ لا ضَمانَ عليهِ في إِزالةِ بَكارةِ الزَّوجةِ بأيِّ سَببٍ كانَ؛ لأنَّ وُجوبَ نِصفِ المَهرِ عليهِ إنما هو بحُكمِ الطَّلاقِ قبْلَ الدُّخولِ، وإلَّا لَوجَبَ عليهِ مَهرٌ آخَرُ لإزالتِها بالدَّفعِ كما في مَسألةِ امرَأةِ الغَيرِ.

وبهِ عُلِمَ أنَّ لُزومَ كَمالِ المَهرِ فيما لو أزالَها بحَجَرٍ إنَّما هوَ بحُكمِ الطَّلاقِ بعْدَ الخَلوةِ لا بسَببِ إزالتِها بالحَجَرِ، وإلَّا لَكانَ الواجِبُ عليهِ مَهرَينِ، حتَّى لو كانَ قَدْ ضرَبَها بحَجَرٍ بدُونِ خَلوةٍ فأزالَ بَكارَتَها لا يَلزمُه شيءٌ لإزالةِ البَكارةِ، فإذا طلَّقَها قبْلَ الخَلوةِ أيضًا فعَليهِ نِصفُ المَهرِ بحُكمِ الطَّلاقِ كما في مَسألةِ الدَّفعِ.

ويَدلُّ أيضًا على ما قُلنا مِنْ عَدَمِ الفَرقِ بيْنَ إزالَتِها بحَجَرٍ أو دَفعٍ أنهُ صَرَّحَ في «الخانيَّة» بأنهُ لو دفَعَ بِكرًا أجنبيَّةً صَغيرةً أو كَبيرةً فذَهبَتْ عُذرَتُها لَزمَه المَهرُ، وذكَرَ مِثلَه فيما لو أزالَها بحَجَرٍ أو نَحوِه، فلَم يُفرَّقْ بيْنَ الدَّفعِ والحَجَرِ في الأجنبيَّةِ، فعُلِمَ أنَّ الفَرقَ بيْنَهما في الزَّوجةِ مِنْ حَيثُ الخَلوةُ وعَدَمُها، إذْ لا شيءَ على الزَّوجِ في مُجرَّدِ إزالَتِها بالدَّفعِ لمِلكِه ذلكَ بالعَقدِ فلا وَجهَ لضمانِه بهِ بخِلافِ الأجنَبيِّ، وحَيثُ لم يَلزمْه شيءٌ بمُجرَّدِ الدَّفعِ لا يَلزمُه شيءٌ أيضًا بمُجرَّدِ إزالَتِها بالحَجَرِ ونَحوِه، إذ لا فرْقَ بيْنَ آلةٍ وآلةٍ في هذهِ الإزالةِ، فالدَّفعُ غَيرُ قَيدٍ.

ثُمَّ رَأيتُ في «جِناياتِ أحكام الصِّغارِ» صَرَّحَ بأنَّ الزَّوجَ لو أزالَ عُذرتَها بالأُصبُعِ لا يَضمَنُ ويُعزَّرُ. اه.

ومُقتضاهُ أنهُ مَكروهٌ فقَطْ، وهلْ تَنتَفي الكَراهةُ بسَببِ العَجزِ عَنْ الوُصولِ إليها بِكرًا؟ الظَّاهِرُ: لا؛ فإنهُ يَكونُ عِنِّينًا بذلكَ، ويكونُ لها حَقُّ التَّفريقِ، ولو جازَ ذلكَ لَمَا ثَبتَتْ عُنَّتُه بذلكَ العَجزِ، واللهُ أعلمُ، فافْهَم (١).

وقالَ الإمامُ الطحَاويُّ رحمة الله عليه: فيمَن أذهَبَ عُذرةَ المَرأةِ بغَيرِ وَطءٍ.

قالَ مُحمدٌ في «الإملاء»: إذا دفَعَ امرَأتَه فأذهَبَ عُذرتَها قبْلَ الخَلوةِ ثمَّ طلَّقَها فلَها نِصفُ الصَّداقِ في قَولِ أبي حَنيفةَ.

وفي قولِ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ جَميعُ الصَّداقِ وهوَ كوَطئِه إيَّاها.

قالَ: ولَو أنَّ رَجلًا أجنَبيًّا دفَعَها فأذهَبَ عُذرتَها فعَليهِ صَداقُ مِثلِها في

(١) «حاشية ابن عابدين» (٣/ ١٠٣).

قولِ أبي حَنيفةَ، وإنْ طلَّقَها زَوجُها قبْلَ الدُّخولِ فعَليهِ نِصفُ الصَّداقِ في قَولِهم جَميعًا.

وإنْ دفَعَها زَوجُها ورَجلٌ أجنَبيٌّ فأذهَبَا عُذرتَها فعلَى الأجنَبيِّ نِصفُ صَداقِ مِثلِها، فإنْ طلَّقَها زَوجُها قبْلَ الدُّخولِ فعَليهِ نصفُ صَداقِها الَّذي تَزوَّجَها عليهِ في قَولِهم جَميعًا.

وقالَ الحَسنُ عَنْ زُفرَ في رَجلٍ دفَعَ امرَأتَه قبْلَ أنْ يَدخلَ بها فأذهَبَ عُذرتَها ثمَّ طَلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ فعَليهِ الصَّداقُ.

وقالَ أبو يُوسفَ: نِصفُ الصَّداقِ.

قالَ زُفرُ: إنْ دفَعَها هوَ وآخَرُ قبْلَ أنْ يَدخلَ بها فأذهَبَ عُذرتَها ثمَّ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ فعلَى الزَّوجِ ثلاثةُ أرباعِ الصَّداقِ وعلى الأجنَبيِّ النِّصفُ.

وقالَ أبو يُوسفَ: على الزَّوجِ وعلى الأجنَبيِّ النصفُ (١).

وقالَ المالكيَّةُ: إذا أزالَ الزَّوجُ بَكارةَ زَوجتِه بأصبعِه؛ فإنْ طلَّقَها قبْلَ وَطئِها فلها نِصفُ الصَّداقِ معَ أرْشِ البَكارةِ، ولابنِ القاسمِ في «المَوَّازيَّة» أنَّ عليهِ المَهرَ كامِلًا لها.

وإنْ طلَّقَها بعْدَ أنْ وَطئَها فلها الصَّداقُ فقطْ وتَندَرجُ تَحتَ المَهرِ؛ إذْ لا يُمكِنُ الوَطءُ إلَّا بزَوالِها، فهي مِنْ لَواحِقِ الوَطءِ، وإزالةُ البَكارةِ بالأصبعِ حَرامٌ، فيُؤدَّبُ الزَّوجُ عليهِ (٢).

(١) «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٣٥٧، ٣٥٨).
(٢) «شرح مختصر خليل» (٨/ ٤١)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٢٨١)، و «حاشية العدوي» (٢/ ١١٤)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (١٠/ ١٤٤).

وقالَ الحَطَّابُ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: مَنْ دفَعَ امرَأةً فَسقطَتْ عُذرَتُها فعَليهِ ما نقَصَها بذلكَ مِنْ صَداقِها عِنْدَ الأزواجِ وعليهِ الأدبُ، وكذا لو أزالَها بأُصبُعِه، والأدبُ هُنا أشَدُّ، وسَواءٌ فعَلَ ذلكَ رَجلٌ أو غُلامٌ أو امرأةٌ.

هذا في غَيرِ الزَّوجِ، وأمَّا الزَّوجُ فحُكمُه في الدَّفعةِ مِثلُ غَيرِه، عليهِ ما نَقَصَها عندَ غَيرِه وإنْ فارَقَها ولم يُمسِكْها.

وإنْ فعَلَ بها ذلكَ بأُصبُعِه فاختُلفَ، هلْ يَجبُ عليهِ بذلكَ الصَّداقُ؟ أو لا يَجبُ عَليهِ بذلكَ الصَّداقُ وإنِّما يَجبُ عليهِ ما شانَها عندَ غيرِه مِنْ الأزواجِ إنْ طلَّقَها ولَم يُمسِكْها؟ قولانِ …

وقالَ في «التَّوضيح»: إنْ أصابَها بأُصبُعِه وطلَّقَها فإنْ كانَتْ ثيِّبًا فلا شيءَ لها، وإنْ كانَتْ بِكرًا وافتَضَّها بهِ فقيلَ: يَلزمُه كلُّ المَهرِ، وقيلَ: يَلزمُه ما شانَها مع نِصفِه، وقيلَ: إنْ رُئِيَ أنها لا تَتزوَّجُ بعْدَ ذلكَ إلَّا بمَهرٍ فكالأوَّلِ، وإلَّا فكالثَّاني، ومالَ أصبَغُ إلى الثَّاني، واستَحسنَه اللَّخميُّ. انتهى باختِصارٍ منهُ ومِن ابنِ عَرفةَ.

قالَ في «النَّوادِر»: ولا أدَبَ عليهِ، ولو فعَلَ بها ذلكَ غَيرُ زَوجِها فعَليهِ الأدبُ وما شانَها، وتَقدَّمَ هذا في كلامِ «العُتبيَّة» (١).

وقالَ الشَّافعيةُ: لا يَستَقرُّ المَهرُ بإزالةِ البَكارةِ بغَيرِ آلةِ الجِماعِ، فإنْ

(١) «مواهب الجليل» (٥/ ١٦٥، ١٦٦).

طلَّقَها بعْدَ إزالةِ البكارةِ بغَيرِ آلةٍ وجَبَ لها الشَّطرُ دُونَ أرشِ البَكارةِ، فإنْ فسَخَ النِّكاحَ ولَم يَجبْ لها مَهرٌ وجَبَ أرشُ البكارةِ (١).

وسُئلَ الإمامُ ابنُ حَجَرٍ الهَيتميُّ عَنْ رَجلٍ أزالَ بكارةَ زَوجتِه بغَيرِ ذكَرِه ثمَّ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ، فهل يَلزمُه شيءٌ غَيرُ نصفِ مَهرِها لتَفويتِ البكارةِ عليها؟

فأجابَ رحمة الله عليه بقولِه: لا يَلزمُه شيءٌ لإزالةِ البكارةِ؛ لأنهُ يَستحِقُّها، لَكنَّه يُعزَّرُ؛ لكَونِه أذاها بإزالتِها بغَيرِ الذَّكَرِ، واللهُ أعلمُ (٢).

وأمَّا الحَنابلةُ: فقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: إذا دفَعَ زَوجتَه فأذهَبَ عُذرتَها ثمَّ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ فليسَ عليهِ إلَّا نِصفُ صَداقِها.

وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ: عليهِ الصَّداقُ كامِلًا؛ لأنهُ أذهَبَ عُذرتَها في نِكاحٍ صَحيحٍ، فكانَ عَليهِ المَهرُ كامِلًا كما لو وَطِئَها.

ولنا: قَولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وهذهِ مُطلَّقةٌ قبْلَ المَسيسِ فأشبَهَ ما لو لم يَدفَعْها، ولأنهُ أتلَفَ ما يَستحِقُّ إتلافَهُ بالعَقدِ، فلم يَضمنْهُ لغَيرِه كما لو أتلَفَ عُذرةَ أمَتِه.

ويَتخرَّجُ أنْ يَجبَ لها الصَّداقُ كامِلًا؛ لأنَّ أحمَدَ قالَ: إنْ فعَلَ ذلكَ

(١) «مغني المحتاج» (٤/ ٣٦٩)، و «نهاية الزين» ص (٣١٥).
(٢) «الفتاوى الفقهية الكبرى» (٤/ ٢٢٠).

أجنَبيٌّ عليهِ الصَّداقُ، ففيمَا إذا فعَلَه الزَّوجُ أَولَى، فإنَّ ما يَجبُ بهِ الصَّداقُ ابتِداءً أحَقُّ بتَقريرِ المَهرِ، ونَصَّ أحمَدُ في مَنْ أخَذَ امرَأتَه وقبَضَ عليها، وفي مَنْ نظَرَ إليها وهي عُريانةٌ: عليهِ الصَّداقُ كامِلًا، فهذا أَولَى.

فصلٌ: وإنْ دفَعَ امرَأةً أجنبيَّةً فأذهَبَ عُذرتَها أو فعَلَ ذلكَ بإصبعِه أو غَيرِها:

فقالَ أحمَدُ: لها صَداقُ نِسائِها، وقالَ: إنْ تزوَّجَ امرأةً عَذراءَ فدفَعَها هوَ وأخوهُ فأذهَبَا عُذرتَها ثمَّ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ فعلى الزَّوجِ نِصفُ الصَّداقِ وعلى الأخِ نِصفُ العَقدِ، ورُويَ ذلكَ عن عَليٍّ وابنِه الحسَنِ وعبدِ اللهِ بنِ مَعقِلٍ وعَبدِ المَلكِ بنِ مَروانَ.

وقالَ الشَّافعيُّ: ليسَ عليهِ إلَّا أرشُ بَكارتِها؛ لأنهُ إتلافُ جُزءٍ لم يَرِدِ الشَّرعُ بتَقديرِ عِوضِه، فرُجعَ في دِيَتِه إلى الحُكومةِ كسائِرِ ما لم يُقدَّرْ عليهِ؛ لأنهُ إذا لَم يَكمُلْ بهِ الصَّداقُ في حقِّ الزَّوجِ ففي حقِّ الأجنبيِّ أَولَى.

ولنا: ما رَوى سَعيدٌ قالَ: حدَّثَنا هُشَيمٌ حدَّثَنا مُغيرةُ عن إبراهيمَ أنَّ رَجلًا كانَتْ عِندَه يَتيمةٌ فخافَتِ امرأتُه أنْ يَتزوَّجَها، فاستَعانَتْ بنِسوةٍ فضَبَطْنَها لها، فأفسَدَتْ عُذرَتَها وقالَتْ لِزَوجِها: إنها فَجَرَتْ، فأخبَرَ عَليًّا رضي الله عنه بذلكَ، فأرسَلَ عَليٌّ إلى امرأتِه والنِّسوةِ، فلمَّا أتَينَهُ لم يَلبَثْنَ أنِ اعتَرفنَ بما صَنَعْنَ، فقالَ للحسَنِ بنِ عليٍّ: اقضِ فيها يا حَسَنُ، فقالَ: الحَدُّ على مَنْ قذَفَها والعَقْرُ عليها وعلى المُمسكاتِ، فقالَ عليٌّ: لو كُلِّفَتِ الإبلُ طَحنًا لَطحَنَتْ، وما يَطحَنُ يومئذٍ بَعيرٌ.

وقالَ: حدَّثَنا هُشَيمٌ قالَ: حدَّثَنا إسماعيلُ بنُ سالِمٍ حدَّثَنا الشَّعبيُّ أنَّ جَواريَ أربَعًا قالَتْ إحداهُنَّ: هيَ رَجلٌ، وقالَتِ الأُخرى: هيَ امرَأةٌ، وقالَتِ الثَّالثةُ: هيَ أبو الَّتي زَعمَتْ أنها رَجلٌ، وقالَتِ الرَّابعةُ: هي أبو الَّتي زَعمَتْ أنها امرَأةٌ، فخَطبَتِ الَّتي زَعمَتْ أنها أبو الرَّجلِ إلى الَّتي زَعمَتْ أنها أبو المَرأةِ، فزَوَّجُوها إيِّاها، فعَمدَتْ إليها فأفَسدَتْها بأُصبُعِها، فرُفِعَ ذلكَ إلى عَبدِ المَلكِ بنِ مَروانَ فجعَلَ الصَّداقَ بَينَهنَّ أرباعًا وألغَى حِصَّةَ الَّتي أَمكنَتْ مِنْ نَفسِها، فبلَغَ عبدَ اللهِ بنَ مَعقِلٍ فقالَ: لو وُلِّيتُ أنا لَجَعلْتُ الصَّداقَ على الَّتي أفسَدَتِ الجارِيةَ وحْدَها، وهذِه قَصَصٌ تَنتشرُ فلَم تُنكَرْ فكانَتْ إجماعًا، ولأنَّ إتلافَ العُذرةِ مُستَحَقٌّ بعَقدِ النِّكاحِ، فإذا أتلفَهُ أجنَبيٌّ وجَبَ المَهرُ كمَنفعةِ البُضعِ (١).

(١) «المغني» (٧/ ١٩٤)، و «الفروع» (٥/ ٢٢٥)، و «المبدع» (٧/ ١٧٤، ١٧٥)، و «الإنصاف» (٨/ ٣٠٩، ٣١٠)، و «كشاف القناع» (٥/ ١٨١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب النكاح
١١٢٢ - مسألة؛ قال: (وإذن الثيب الكلام، وإذن البكر الصمات)

قال: "لا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ" . مُتَّفَقٌ عليه . وقال: "الأيِّمُ أحَقُّ بنَفْسِها مِنْ وَلِيِّهَا" . ورَوَى ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: "لَيْسَ لِلْوَلِىِّ مَعَ الثَّيِّبِ أمْرٌ" . رَواهما النَّسَائِىُّ وأبو دَاودَ . ولأنَّها رَشِيدةٌ عالمةٌ بالمَقْصودِ من النِّكاحِ مُخْتَبرةٌ، فلم يَجُزْ إجْبارُها عليه، كالرَّجُلِ. القسم الثانى، الثَّيِّبُ الصغيرةُ، وفى تزْوِيجِها وَجْهان؛ أحدهما، لا يجوزُ تَزْوِيجُها، وهو ظاهرُ قولِ الْخِرَقِىِّ. واخْتِيارُ ابن حامدِ، وابنِ بَطَّةَ، والقاضى، ومَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لعُمُومِ الأخْبارِ، ولأنَّ الإجْبارَ يَخْتَلِفُ بالبَكارَةِ والثُّيُوبةِ، لا بالصِّغَرِ والكِبَرِ، وهذه ثَيِّبٌ، ولأنَّ فى تَأْخِيرِها فائِدَةً، وهو أن تَبْلُغَ فتَخْتارَ لِنَفْسِها ويُعْتَبَرَ إذْنُها، فوَجَبَ التَّأْخيرُ، بخِلافِ البِكْرِ. الوَجْه الثانى، أن لأَبِيها تَزْوِيجَها، ولا يَسْتَأْمِرُها. اختاره أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ. وهو قولُ مالكٍ، وأبى حنيفةَ؛ لأنَّها صغيرةٌ، فجاز إجْبارُها كالبِكْرِ والغُلامِ. يُحَقِّقُ ذلك أنَّها لا تَزِيدُ بالثُّيُوبةِ على ما حصل للغُلامِ بالذُّكُورِيَّةِ، ثم الغُلامُ يُجْبَرُ إذا كان صغيرًا، فكذا هذه، والأخبارُ محمولةٌ على الكبيرةِ، فإنه جَعَلَها أحَقَّ بنَفْسِها من وَلِيِّها، والصغيرةُ لا حَقَّ لها. ويتَخَرّجُ وَجْهٌ ثالثٌ، وهو أنَّ ابْنةَ تِسْعِ سِنِين يُزَوِّجُها وَلِيُّها بإذْنِها، ومَن دُونَ ذلك، على ما ذكَرْنا من الخِلافِ؛ لما ذكرنا فى البِكْرِ. واللَّه أعلم.

١١٢٢ - مسألة؛ قال: (وَإِذْنُ الثَّيِّبِ الْكَلَامُ، وإذْنُ البِكْرِ الصُّمَاتُ)

أمَّا الثَّيِّبُ، فلا نعلمُ بين أهلِ العلمِ خِلافًا فى أنَّ إذْنَها الكلامُ؛ للخَبَرِ، ولأنَّ اللسانَ

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 69 - 76

ارجع إلى تفسير مهر المثل للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل