د- الموطوءة بشبهة

الإسلام > النكاح والأسرة > تفسير مهر المثل > د- الموطوءة بشبهة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

د- الموطوءة بشبهة - الأقوال والأدلة

مَسائلِ الفُروعِ المُختلَفِ فيها، ومَن اعتَقدَ حُرمتَه أَثِمَ وأُدِّبَ، وإنْ أتَتْ بوَلَدٍ منهُ لَحِقَه نَسبُه في الحالَينِ.

فَصلٌ: فأمَّا الأنكِحةُ الباطِلةُ كنِكاحِ المَرأةِ المُزوَّجةِ أو المُعتدَّةِ أو شَبَهِه، فإذا عَلِمَا الحِلَّ والتَّحريمَ فهُمَا زَانيانِ وعلَيهما الحَدُّ، ولا يَلحقُ النَّسبُ فيهِ (١).

د- المَوطوءةُ بشُبهَةٍ:

لا خِلافَ بيْنَ فُقهاءِ المُسلمِينَ على أنَّ المَوطوءةَ بشُبهةٍ يَجبُ لَها المَهرُ، كمَن وَطئَ امرَأةً يَظنُّها زَوجتَه، أو أمَةً يَظنُّها مِلكَه.

قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: وقَد أجمَعُوا أنَّ المَوطوءةَ بشُبهةٍ يَجبُ لها المَهرُ (٢).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ويَجبُ المَهرُ للمَنكوحةِ نِكاحًا صَحيحًا والمَوطوءةِ في نِكاحٍ فاسِدٍ والمَوطوءةِ بشُبهةٍ بغَيرِ خِلافٍ نَعلمُه (٣).

والواجِبُ هو مَهرُ المِثلِ عِنْدَ عامَّةِ الفُقهاءِ.

قالَ في «الشَّرْح الكَبير»: المَوطوءةُ بشُبهةٍ يَجبُ لها مَهرُ المِثلِ بغَيرِ خِلافٍ عَلِمناه (٤).

(١) «المغني» (٧/ ٩، ١٠).
(٢) «الاستذكار» (٦/ ١٦٢)، ويُنظَر: «الإقناع في مسائل الإجماع» (٣/ ١٢٢٢)، رقم (٢٢٣٦)، و «تفسير القرطبي» (٣/ ١٢٢).
(٣) «المغني» (٧/ ٢٠٩).
(٤) الشرح «الكبير» (٨/ ٩٨)، و «المبدع» (٧/ ١٧٣).

وقالَ البُهوتِيُّ رحمة الله عليه: ويَجبُ مَهرُ المِثلِ للمَوطوءةِ بشُبهةٍ، كمَن وَطئَ امرأةً ليسَتْ زَوجةً لهُ ولا مَملوكةً، قالَ في «الشَّرْح» و «المُبدِع»: بغَيرِ خِلافٍ عَلِمناهُ كبَدلِ مُتلَفٍ (١).

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشَّافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّه إذا وَطئَ مِرارًا بشُبهةٍ واحدَةٍ أو في نِكاحٍ فاسِدٍ واتَّحدَتِ الشُّبهةُ وجَبَ مَهرٌ واحِدٌ؛ لأنَّ ذلكَ بمَنزلةِ إتلافٍ واحِدٍ، ولا يَتعدَّدُ المَهرُ أيضًا بتَعدُّدِ الوَطءِ في نِكاحٍ فاسِدٍ؛ لدُخولِها على أنْ تَستحِقَّ مَهرًا واحِدًا.

وأمَّا إنْ تَعدَّدَتِ الشُّبهةُ بأنْ وَطئَ بِشُبهةٍ ثمَّ زالَتْ ثمَّ وَطئَ بشُبهةٍ أُخرى وجَبَ مَهرانِ (٢).

قال المالِكيَّةُ: اتَّحدَ صَداقُ المِثلِ في وَطءِ الشُّبهةِ مِرارًا إنِ اتَّحدَتِ الشُّبهةُ، كالغالِطِ بأجنبيَّةٍ غَيرِ عالِمةٍ مِرارًا يَظنُّها زَوجتَه أو أمَتَه، مرَّةً أو أكثَرَ، كما لو كانَ لهُ أربعُ زَوجاتٍ ووَطئَ أجنبيَّةً حُرَّةً مَرَّةُ يَظنُّها زَوجتَه أمَّ كلثومٍ، وفي الثَّانيةِ يَظنُّها زَوجتَهُ عائِشةَ، وفي الثَّالثةِ يَظنُّها زَوجتَه فاطمةَ، وفي الرَّابعةِ يَظنُّها زَوجتَه زينبَ، فلا يَتعدَّدُ؛ لأنهُ نَوعٌ واحِدٌ؛ لأنَّ ما كانَ بالتَّزويجِ فهوَ نوعٌ ولو تَعدَّدَ المَحَلُّ.

(١) «كشاف القناع» (٥/ ١٨٩)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٢٧٩)، و «الروض المربع» (٢/ ٣٣٣، ٣٣٤)، و «الإنصاف» (٨/ ٣٠٦)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٢٢٣).
(٢) «عقد الجواهر الثمينة» (٢/ ٤٨١)، و «الذخيرة» (٤/ ٣٧٠، ٣٧١)، و «روضة الطالبين» (٥/ ١٤٨)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٢٢٥).

وهذا إذا كانَتْ غيْرَ عالِمةٍ بأنهُ أجنبيٌّ، بأنْ كانَتْ نائِمةً أو اعتَقدَتْ أنَّه زَوجُها، فإنَّ عليهِ مَهرًا واحِدًا، ولو كانَتْ عالِمةً حُدَّتْ ولا شيءَ لها، كانَ هوَ غالِطًا أو عالِمًا؛ لأنَّها زانيةٌ.

وإنْ لم تَتَّحدِ الشُّبهةُ بل تَعدَّدَتْ فإنَّه يَلزمُه لِكلِّ وَطءٍ صَداقٌ، كما إذا ظَنَّها في المَرَّةِ الأُولَى زَوجَتَه وفي الثَّانيةِ أمَتَه، فيَتعدَّدُ المَهرُ عليهِ بتَعدُّدِ الظُّنونِ (١).

وقالَ الشَّافِعيةُ: لا يَتعدَّدُ المَهرُ بتَعدُّدِ الوَطءِ في شُبهةٍ واحِدةٍ، فإذا وَطئَ مِرارًا بشُبهةٍ واحِدةٍ أو في نِكاحٍ فاسِدٍ لم يَجبْ إلَّا مَهرٌ واحِدٌ.

ولو وَطئَ بشُبهةٍ فزالَتْ تِلكَ الشُّبهةُ ثمَّ وَطئَ بشُبهةٍ أُخرى وجَبَ مَهرانِ، كأنْ وَطئَ امرأةً مرَّةً بنِكاحٍ فاسِدٍ ففُرِّقَ بيْنَهما، ثمَّ مرَّةً أُخرى بنِكاحٍ آخرَ فاسِدٍ، أو وَطئَها يَظنُّها زَوجَتَه ثمَّ عَلِمَ الواقِعَ ثمَّ ظنَّها مَرَّةً أُخرى زَوجَتَه فوَطئَها، أو وَطئَها مرَّةً يَظنُّها زَوجَتَه ومرَّةً أُخرى يَظنُّها زَوجَتَه الأُخرى، فيَتعدَّدُ المَهرُ؛ لتَعدُّدِ سَببِه، لكنْ يُعتبَرُ أكمَلُ الأحوالِ في الوَطآتِ؛ لأنهُ لو لَم يُوجَدْ إلَّا الوَطأةُ الواقِعةُ في تلكَ الحالَةِ لَوجَبَ ذلكَ المهرُ، فالوَطآتُ الباقيةُ إذا لم تَقْتَضِ زِيادةً لا تُوجِبُ نُقصانًا (٢).

(١) «عقد الجواهر الثمينة» (٢/ ٤٨١)، و «الذخيرة» (٤/ ٣٧٠، ٣٧١)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٢٧٧، ٢٧٨)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ١٦٧، ١٦٨)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٥/ ١٢٤، ١٢٦).
(٢) «روضة الطالبين» (٥/ ١٤٨)، و «أسنى المطالب» (٣/ ٢١٠).

وقالَ الحَنابلةُ: لا يَتعدَّدُ المَهرُ بتَعدُّدِ وَطءٍ في شُبهةٍ واحِدةٍ، مثلَ أنِ اشتَبهَتِ المَوطوءةُ عليهِ بزَوجتِه ودامَتْ تلكَ الشُّبهةُ حتَّى وَطئَ مِرارًا، فعَليهِ مَهرٌ واحِدٌ؛ لأنَّ ذلكَ بمَنزلةِ إتلافٍ واحِدٍ.

ولا يَتعدَّدُ المَهرُ أيضًا بتَعدُّدِ الوَطءِ في نِكاحٍ فاسِدٍ؛ لدُخولِها على أنْ تَستحِقَّ مَهرًا واحِدًا.

ويَتعدَّدُ المَهرُ في وَطءِ شُبهةٍ بتَعدُّدِ الشُّبهةِ، كأنْ وَطئَها ظانًّا أنَّها زَوجَتُه خَديجة، ثمَّ وَطئَها ظانًّا أنها زَوجتُه زَينب، ثمَّ وَطئَها ظانًّا أنها سَرِيَّتُه، فيَجبُ لها ثلاثةُ مُهورٍ، فإنِ اتَّحدَتِ الشُّبهةُ وتَعدَّدَ الوَطءُ فمَهرٌ واحِدٌ.

ولا مَهرَ بوَطئِها -أي المُشتبِهةُ- في دُبُرٍ، ولا في اللِّواطِ بالذَّكَرِ؛ لأنهُ غَيرُ مَضمونٍ على أحَدٍ؛ لأنَّ الشَّرعَ لم يَرِدْ ببَدلِه، ولا هُو إتلافٌ لشيءٍ، فأشبَهَ القُبلةَ والوَطءَ دُونَ الفَرجِ (١).

قالَ الإمامُ القَرَافِيُّ رحمة الله عليه: لو اتَّحدَتِ الشُّبهةُ واختَلفَتْ أحوالُ المَوطوءةِ بالغِنى والفَقرِ والصحَّةِ والسَّقَمِ ممَّا يُوجِبُ اختِلافَ صَداقِ المِثلِ في تلكَ الأحوالِ فهلْ يُخيِّرُها في صَداقِ المِثلِ بيْنَ الوَطأةِ الأُولى أو الأخيرةِ أَوْ الوُسْطَى؛ لأنَّ ذلكَ قَدْ يَزيدُ لها في صَداقِها أو يُحتمُ عليها الحالةَ المُقارِنةَ للوَطأةِ الأُولى، ولَم أرَ فيهِ نَقلًا للأصحابِ، وظاهِرُ أقوالِهم تَعيينُ الحالةِ الأُولى كيفَ كانَتْ.

(١) «المبدع» (٧/ ١٧٤)، و «الإنصاف» (٨/ ٣٠٩)، و «كشاف القناع» (٥/ ١٧٩، ١٨٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٢٨٠)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٢٢٥).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 102 - 105

ارجع إلى تفسير مهر المثل للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.6 / 29.5
الإضاءة 42%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله