الإسلام > النكاح والأسرة > حبس المرأة نفسها عن الزوج حتى تقبض المهر > الحالة الثانية: أن يكون المهر مؤجلا
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 10 دقيقة قراءةالحَالةُ الثانيةُ: أنْ يَكونَ المَهرُ مُؤجَّلاً:
إذا كانَ المهرُ مؤجَّلًا فهذا لا يخلو مِنْ ضروبٍ:
الضَّربُ الأولُ: أنْ يَكونَ اشترطَ تأجيلَه إلى أجَلٍ مَعلومٍ واشترطَ الدخولَ:
اتفقَ فقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الرَّجلَ إذا تزوَّجَ امرأةً على مهرٍ مؤجَّلٍ أجَلًا معلومًا واشتَرطَ عليها الدخولَ صحَّ؛ لأنَّ كلَّ عقدٍ صحَّ بعينٍ وبدَينٍ صحَّ أنْ يكونَ معجَّلًا ومؤجَّلًا كالبيع، وإذا كانَ الصداقُ مُؤجَّلًا فعَليها تسليمُ نفسِها ولا يجوزُ لها أنْ تَحبسَ نفسَها عن الزوج بعدَ ذلكَ؛ لأنها رَضيَتْ بالتأخيرِ، فليسَ لها حَبسُ نفسِها؛ لأنه لمَّا شرَطَ الدخولَ لم يَرْضَ بتأخيرِ حقِّه في الاستمتاعِ.
الضَّربُ الثَّاني: أنْ يكونَ المَهرُ مؤجَّلًا إلى أجَلٍ مَعلومٍ ولم يَشترطِ الدُّخولَ:
اختَلفَ الفقهاءُ فيما لو عقَدَ الرجلُ على امرأةٍ وسمَّى لها مهرًا مَعلومًا إلى أجلٍ معلومٍ، هل يَحقُّ لها أنْ تَحبسَ نفسَها حتى تقبضَه في الأجَلِ؟ أم لا يَجوزُ لها أنْ تحبسَ نفسَها؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَجوزُ لها في هذه الحالةِ أنْ تَحبسَ نفسَها عن الزوج؛ لأنَّ المرأةَ بالتأجيلِ رَضيَتْ بإسقاطِ حقِّ نفسِها، فلا يَسقطُ حقُّ الزوجِ،
كالبائع إذا أجَّلَ الثمنَ أنه يَسقطُ حقُّ حبسِ المبيعِ، بخِلافِ ما إذا كانَ التأجيلُ إلى مُدةٍ مَجهولةٍ جَهالةً متفاحِشةً؛ لأنَّ التأجيلَ ثمَّةَ لم يَصحَّ، فلم يَثبتِ الأجلُ فبقي المهرُ حالًّا.
ولأنَّ المهرَ إذا كان مُؤجَّلًا تأجيلًا صَحيحًا فمِن حُكمِه أنْ يَتأخرَ تسليمُه عن تَسليمِ النفسِ؛ لأنَّ تَقديمَ تسليمِه ثبَتَ حقًّا لها؛ لأنه ثبَتَ تَحقيقًا للمُعاوَضةِ المُقتضيةِ للمُساواةِ حقًّا لها، فإذا أجَّلَتْه فقدْ أسقَطَتْ حقَّ نفسِها فلا يَسقطُ حقُّ زوجِها؛ لانعدامِ الإسقاطِ منه والرِّضا بالسقوطِ، لهذا المعنَى سقَطَ حقُّ البائِع في الحَبسِ بتأجيلِ الثمنِ، كذا هذا.
وذهَبَ الإمامُ أبو يُوسفَ إلى أنه يَجوزُ لها أنْ تَمنعَ نفسَها عنه، سواءٌ كانَتِ المدَّةُ قصيرةً أو طويلةً بعدَ أنْ كانت مَعلومةً أو مَجهولةً جَهالةً متقارِبةً كجَهالةِ الحَصادِ والدياسِ؛ لأنَّ مِنْ حُكمِ المهرِ أنْ يتقدَّمَ تسليمُه على تسليمِ النفسِ بكلِّ حالٍ؛ لأنه لو كانَ مُعينًا أو غيرَ مُعينٍ وجَبَ تقديمُه فلمَّا قبلَ الزَّوجُ التأجيلَ كانَ ذلكَ رضًا بتأخيرِ حقِّه في القبضِ، بخلافِ البائعِ إذا أجَّلَ الثمنَ أنه ليسَ له أنْ يَحبسَ المبيعَ، ويَبطلُ حقُّه في الحَبسِ بتأجيلِ الثَّمنِ؛ لأنه ليسَ مِنْ حُكمِ الثمنِ تَقديمُ تسليمِه على تسليمِ المبيعِ لا مَحالةَ، ألَا تَرى أنَّ الثمنَ إذا كانَ عَينًا يُسلَّمانِ معًا، فلم يكنْ قبولُ المُشتري التأجيلَ رضًا منه بإسقاطِ حقِّه في القبضِ (١).
(١) المصادر السابقة.
الضَّربُ الثالثُ: إذا كانَ الأجَلُ مَعلومًا وحَلَّ الأجلُ:
اختَلفَ الفقهاءُ فيما لو تَزوجَ المرأةَ على مَهرٍ مؤجَّلٍ أجَلًا مَعلومًا وقد حَلَّ الأجلُ، هل لها أنْ تَحبسَ نفسَها بعدَ ذلك أم لا؟
فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ والشافعيةُ في الأصحِّ والحَنابلةُ إلى أنَّ المهرَ إذا كانَ مُؤجلًا أجَلًا مَعلومًا فحَلَّ الأجلُ فليسَ لها أنْ تَمنعَ نفسَها لتَستوفِيَ المهرَ؛ لأنَّ حَقَّ الحَبسِ قد سقَطَ بالتأجيلِ، والساقِطُ لا يَحتملُ العودَ كالثمن في المبيعِ؛ لأنَّ التسليمَ قد وجَبَ عليها واستَقرَّ قبلَ قبضِه، فلم يكنْ لها أنْ تَمتنعَ منه؛ لأنها رَضِيَت أولًا بكونِه في ذمَّته، ووجَبَ عليها التَّسليمُ قبلَ القبضِ، فلم تَرتفعْ بحُلولِ الحقِّ.
وذهَبَ الإمامُ أبو يُوسفَ والشافِعيةُ في مُقابلِ الأصحِّ إلى أنَّ لها أنْ تَحبسَ نفسَها؛ لاستحقاقِها المُطالبةَ بعدَ الحُلولِ كما في الابتِداءِ، ولأنها عندَ أبي يُوسفُ لها أنْ تَمنعَ نفسَها قبلَ حُلولِ الأجلِ فبعدَه أَولى (١).
(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٨٩)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٢٨٥، ٢٨٦)، و «الهداية» (١/ ٢١١)، و «تبيين الحقائق» (٢/ ١٥٥)، و «شرح فتح القدير» (٣/ ٣٧٠)، و «العناية» (٥/ ٣٤، ٣٥)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٤٣، ٣٤٥)، و «البحر الرائق» (٣/ ١٨٩)، و «مختصر الوقاية» (١/ ٣٧١)، و «الدر المختار» (٣/ ١٤٣، ١٤٥)، و «الحاوي الكبير» (٩/ ٥٣١)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٣٠٥)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٣٦٥)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٣٩٠)، و «الديباج» (٣/ ٣١٣)، و «المغني» (٧/ ٢٠٠).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل أن لا يكون مجهولا جهالة تزيد على جهالة مهر المثل
الْإِعْتَاقِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِالْإِعْتَاقِ فَمَا لَمْ يُعْتِقْ لَا يَعْتِقْ بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الزَّوَاجَ هُنَاكَ كَانَ عَلَى الْعِتْقِ لَا عَلَى الْإِعْتَاقِ ثُمَّ إذَا أَعْتَقَهُ فَعَتَقَ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ ذَكَرَ كَلِمَةً عَنْهَا أَوْ لَمْ يَذْكُرْ فَإِنْ كَانَ لَمْ يَذْكُرْ ثَبَتَ الْوَلَاءُ مِنْهُ لَا مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ مِنْهُ لَا مِنْهَا، وَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا إنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَهْرٌ آخَرُ مُسَمًّى وَهُوَ مَالٌ، وَإِنْ كَانَ فَلَهَا ذَلِكَ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ لَيْسَ بِمَالٍ، بَلْ هُوَ إبْطَالُ الْمَالِيَّةِ، سَوَاءٌ كَانَ الْعَبْدُ أَجْنَبِيًّا أَوْ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا، وَإِنْ ذَكَرَ كَلِمَةً عَنْهَا ثَبَتَ الْوَلَاءُ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ مِنْهَا لِأَنَّهُ أَعْتَقَ عَنْهَا، وَيَصِيرُ الْعَبْدُ مِلْكًا لَهَا بِمُقْتَضَى الْإِعْتَاقِ، ثُمَّ إنْ كَانَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا عَتَقَ عَلَيْهَا كَمَا مَلَكَتْهُ فَتَمْلِكُهُ فَيَعْتِقُ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا يَصِيرُ الزَّوْجُ وَكِيلًا عَنْهَا فِي الْإِعْتَاقِ، وَمِنْهَا إذَا أَعْتَقَ كَمَا وَعَدَ فَإِنْ أَبَى لَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ مَالِكٌ إلَّا أَنَّهُ يُنْظَرُ إنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مُسَمًّى هُوَ مَالٌ فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا؛ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ تَسْمِيَةَ الْإِعْتَاقِ مَهْرًا لَمْ يَصِحَّ وَلَمْ يُوجَدْ تَسْمِيَةُ شَيْءٍ آخَرَ هُوَ مَالٌ فَتَعَيَّنَ مَهْرُ الْمِثْلِ مُوجَبًا.
ارجع إلى حبس المرأة نفسها عن الزوج حتى تقبض المهر للاطلاع على جميع المسائل.