هل يثبت المهر بنفس العقد أم لا بد من الفرض أو الوطء؟

الإسلام > النكاح والأسرة > حكم الصداق أو المهر في عقد النكاح > هل يثبت المهر بنفس العقد أم لا بد من الفرض أو الوطء؟

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

هل يثبت المهر بنفس العقد أم لا بد من الفرض أو الوطء؟ - الأقوال والأدلة

فمَن طلَبَ النكاحَ بلا مهرٍ فلمْ يَفعلْ ما أحَلَّ اللهُ، وهذا بخلافِ مَنْ اعتَقدَ أنْ لا بدَّ مِنْ مهرٍ لكنْ لم يُقدِّرْه كما قالَ تعالَى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦] إلى قولِه: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧] الآيَة، فهذا نكاحُ المهرِ المَعروفِ وهوَ مهرُ المثلِ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: أما حُكمُه -أي الصَّداق- فإنهم اتَّفقوا على أنه شَرطٌ مِنْ شروطِ الصحةِ، وأنه لا يَجوزُ التواطُؤُ على تركِهِ؛ لقولَه تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، وقولِه تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٥] (٢).

هل يَثبتُ المَهرُ بنَفسِ العَقدِ أم لا بُدَّ مِنْ الفَرضِ أو الوَطءِ؟

اختَلفَ الفقهاءُ في المهرِ، هل يَثبتُ بنفسِ العقدِ ويَجبُ؟ أم لا يَثبتُ إلا بالوطءِ؟

فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ والشافِعيةُ في قولٍ إلى أنَّ المهرَ يَجبُ بنفسِ العقدِ حتَّى يثبتَ لها ولايةُ المُطالَبةِ بالتسليمِ، ولو ماتَتِ المرأةُ قبلَ الدخولِ يُؤخَذُ مهرُ المثلِ مِنَ الزوجِ، ولو ماتَ الزوجُ قبلَ الدخولِ تَستحقُّ مهرَ المثلِ مِنْ تَرِكتِه؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا

(١) «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ١٢٦).
(٢) «بداية المجتهد» (٢/ ١٤).

بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، أَخبَرَ أنه أحَلَّ ما وراءَ ذلكَ بشَرطِ الابتغاءِ بالمالِ دَلَّ أنه لا جوازَ للنكاحِ بدون المالِ، ولأنَّ الأصلَ في الأبضاعِ والنُّفوسِ هو الحُرمةُ، والإباحةُ تَثبتُ بهذا الشرطِ، فعِند عدمِ الشرطِ تَبقى الحُرمةُ على الأصلِ.

ولأنَّ مِلكَ النكاحِ لم يُشرعْ لعَينِه، بل لمِقاصدَ لا حصولَ لها إلا بالدوامِ على النكاحِ والقَرارِ عليه، ولا يَدومُ إلا بوُجوبِ المهرِ بنَفسِ العقدِ، لِمَا يَجري بينَ الزوجَين مِنْ الأسبابِ التي تَحملُ الزوجَ على الطَّلاقِ مِنْ الوحشةِ والخُشونةِ، فلو لم يَجبِ المهرُ بنفس العقدِ لا يُبالي الزوجُ عن إزالةِ هذا المِلكِ بأدنى خُشونةٍ تَحدثُ بينَهما؛ لأنه لا يَشقُّ عليه إزالتُه لمَّا لم يَخَفْ لُزومَ المهرِ، فلا تَحصلُ المَقاصدُ المَطلوبةُ مِنْ النكاحِ، ولأنَّ مَصالحَ النكاحِ ومَقاصدَه لا تَحصلُ إلا بالمُوافَقةِ، ولا تَحصلُ المُوافقةُ إلا إذا كانَتِ المرأةُ عزيزةً مُكرَّمةً عندَ الزوجِ، ولا عزَّةَ إلا بانسدادِ طريقِ الوصولِ إليها إلا بمالٍ له خَطَرٌ عندَه؛ لأنَّ ما ضاقَ طَريقُ إصابتِه يَعزُّ في الأَعيُنِ فيَعزُّ به إمساكُه، وما يَتيسرَ طريقُ إصابتِه يَهونُ في الأَعيُنِ فيَهونُ إمساكُه، ومتى هانَتْ في أَعيُنِ الزوجِ تَلحقُها الوَحشةُ فلا تقعُ المُوافقةُ فلا تَحصلُ مَقاصدُ النكاحِ، ولأنَّ المِلكَ ثابتٌ في جانبِها إمَّا في نفسِها وإمَّا في المتعةِ، وأحكامُ المِلكِ في الحرَّةِ تُشعرُ بالذُّلِّ والهَوانِ، فلا بدَّ وأنْ يُقابلَه مالٌ له خَطَرٌ؛ لِيَنجبِرَ الذلُّ مِنْ حيثُ المعنى.

والدليلُ على صحةِ ما قُلنا: أنها إذا طلَبَتِ الفرضَ مِنَ الزوجِ يَجبُ عليه الفرضُ، حتى لو امتَنَعَ فالقاضي يجبِرُه على ذلكَ، ولو لم يَفعلْ نابَ القاضي مَنابَه في الفرضِ، وهذا دليلُ الوجوبِ قبلَ الفرضِ؛ لأنَّ الفرضَ تقديرٌ، ومِنَ المُحالِ وجوبُ تقديرِ ما ليسَ بواجبٍ.

وكذا لها أنْ تَحبسَ نفسَها حتى يُفرضَ لها المهرُ ويُسلَّمَ إليها بعدَ الفرضِ، وذلكَ كلُّه دليلُ الوُجوبِ بنفسِ العقدِ (١).

وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المهرَ لا يَجبُ بنفسِ العقدِ؛ لأنه لو وجَبَ لَتنصَّفَ بالطلاقِ قبْلَ الوطءِ، وقد دلَّ القرآنُ أنها لا تَستحِقُّ إلا المتعةَ، ولأنَّ المهرَ حقُّها، فإذا رَضيَتْ بأنْ لا يَثبتَ وجَبَ أنْ لا يَثبتَ، كما أنها إذا رَضِيَتْ بأنْ لا يَبقى لا يَبقى، وليسَ لها أنْ تُطالِبَ بمهرٍ؛ لأنه لم يَجبْ لها بالعقدِ مهرٌ، ولكنْ لها أنْ تُطالِبَ بأنْ يَفرِضَ لها مَهرًا إمِّا بمُراضاةِ الزوجَينِ أو بحُكمِ الحاكِمِ، فيَصيرُ المهرُ بعدَ الفرضِ كالمسمَّى في العقدِ، أو أنْ يَدخلَ الزوجُ بها، فيَجبُ لها بالدخولِ مهرٌ (٢).

(١) «المبسوط» (٥/ ٦٢)، و «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٧٤، ٢٧٥)، و «المغني» (٧/ ١٨٣)، و «المبدع» (٧/ ١٦٧، ١٦٨)، و «كشاف القناع» (٥/ ١٧٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٢٧٣)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٢١٧).
(٢) «الحاوي الكبير» (٩/ ٤٧٣)، و «شرح صحيح مسلم» (٩/ ٢١٣)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٣٢٨)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٣٧٦)، و «الديباج» (٣/ ٣٢٤)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ١٠٠).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل أن يكون النكاح صحيحا

دِينَارٍ هِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي الْعَقْدِ، وَالْمَهْرُ اسْمٌ لِلْمَذْكُورِ فِي الْعَقْدِ لِمَا بَيَّنَّا فَيُعْتَبَرُ الْمَذْكُورُ وَلَا تُعْتَبَرُ الْمُوَاضَعَةُ السَّابِقَةُ (وَجْهُ) ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ مَا تَوَاضَعَا عَلَيْهِ وَهُوَ الْأَلْفُ لَمْ يَذْكُرَاهُ فِي الْعَقْدِ، وَمَا ذَكَرَاهُ وَهُوَ الْمِائَةُ دِينَارٍ مَا تَوَاضَعَا عَلَيْهِ فَلَمْ تُوجَدْ التَّسْمِيَةُ فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا وَلَمْ يُسَمِّ لَهَا مَهْرًا هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا إذَا لَمْ يَتَعَاقَدَا فِي السِّرِّ وَالْبَاطِنِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِلْمَهْرِ قَدْرٌ أَوْ جِنْسٌ ثُمَّ يَتَعَاقَدَا عَلَى مَا تَوَاضَعَا وَاتَّفَقَا عَلَيْهِ.

فَأَمَّا إذَا تَعَاقَدَا فِي السِّرِّ عَلَى قَدْرٍ مِنْ الْمَهْرِ أَوْ جِنْسٍ مِنْهُ ثُمَّ اتَّفَقَا وَتَوَاضَعَا فِي السِّرِّ عَلَى أَنْ يُظْهِرَا فِي عَقْدِ الْعَلَانِيَةِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ جِنْسًا آخَرَ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرَا فِي الْمُوَاضَعَةِ السَّابِقَةِ أَنَّ ذَلِكَ سُمْعَةٌ، فَالْمَهْرُ مَا ذَكَرَاهُ فِي الْعَلَانِيَةِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَيَكُونُ ذَلِكَ زِيَادَةً عَلَى الْمَهْرِ الْأَوَّلِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ، فَجَمِيعُهُ يَكُونُ زِيَادَةً عَلَى الْمَهْرِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ فَقَدْرُ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمَهْرِ الْأَوَّلِ يَكُونُ زِيَادَةً.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 474 - 476

ارجع إلى حكم الصداق أو المهر في عقد النكاح للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 39%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده