الإسلام > النكاح والأسرة > حكم النفقة > إذا أرادت الأم أخذ الأجرة على إرضاع ولدها وهي في عصمة الزوج
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 8 دقيقة قراءةإلا أنَّ الحَنفية قالُوا: هذا في الحُكمِ، وأما في الفَتوَى فتُفتَى بأنها تُرضِعُه؛ لقَولِه تعالَى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]، قيلَ في بَعضِ تَأويلاتِ الآيةِ: أي لا تُضارَّ بوَلدِها بأنْ تَرميَه على الزَّوجِ بعدَ ما عرَفَها وأَلِفَها ولا تُرضِعُه فيَتضرَّرَ الولدُ، ومتَى تَضررَ الولدُ تَضررَ الوالِدُ؛ لأنه يَتألَّمُ قَلبُه بذلكَ، وقد قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، أي: لا يُضارَّ المَولودُ له بسَببِ الإضرارِ بوَلدِه، كذا قيلَ في بَعضِ وُجوهِ التأويلِ، ولأنَّ النكاحَ عَقدُ سَكنٍ وازدِواجٍ، وذلكَ لا يَحصلُ إلا باجتِماعِهما على مَصالحِ النكاحِ.
ولكنَّها إنْ أبَتْ لا تُجبَرُ عليه؛ لِما قُلنا، إلا إذا كانَ لا يُوجَدُ مَنْ يُرضعُه، فحِينئذٍ تُجبَرُ على إرضاعِه؛ إذ لو لم تُجبَرْ عليهِ لَهلَكَ الولدُ (١).
إذَا أرادَتِ الأمُّ أخْذَ الأُجرةِ على إرضاعِ وَلدِها وهيَ في عِصمةِ الزَّوجِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أرادَتِ الأمُّ أخْذَ الأُجرةِ على إرضاعِ وَلدِها وهيَ في عِصمةِ الزَّوجِ، هل لها ذلكَ أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ -وهو مُقتضَى مَذهبِ المالِكيةِ كما تَقدَّمَ- والشافِعيةُ في وَجهٍ إلى أنه لا يَجوزُ لها أخْذُ الأجرةِ على الإرضاعِ؛ لأنَّ الإرضاعَ وإنْ لم يَكنْ مُستحَقًّا عليها في الحُكمِ فهو مُستحَقٌّ في الفتَوى، ولا يَجوزُ أخذُ الأَجرِ على أمرٍ مُستحَقٍّ؛ لأنه يَكونُ رشوةً، ولأنها قد استَحقَتْ نَفقةَ النكاحِ وأُجرةَ الرَّضاعِ، وأُجرةُ الرَّضاعِ بمَنزلةِ النَّفقة، فلا تَستحِقُّ نَفقتَينِ، ولأنَّ أجْرَ الرَّضاعِ يَجبُ لحِفظِ الصَّبيِ وغَسلِه، وهو مِنْ نَظافةِ البَيتِ، ومَنفعةُ البَيتِ
(١) «المبسوط» (٥/ ٢٠٩)، و «بدائع الصنائع» (٤/ ٤٠، ٤١)، و «المهذب» (٢/ ١٦٨).
تَحصلُ للزَّوجينِ، فلا يَجوزُ لها أنْ تَأخذَ عِوضًا عن مَنفعةٍ تَحصلُ لها، حتى لو استَأجرَها على إرضاعِ وَلدِه مِنْ غَيرِها جازَ؛ لأنَّ ذلكَ غيرُ واجبٍ عليها، فلا يَكونُ أخذُ الأجرةِ على فِعلٍ واجِبٍ عليها، وكذا ليسَ في حِفظِه مَنفعةٌ تَعودُ إليها؛ لأنه لا يَجبُ عليها أنْ تُسكِنَه معها.
وكذلكَ إذا كانَتْ مُعتدَّةً مِنْ طَلاقٍ رَجعيٍّ لا يَحلُّ لها أنْ تَأخذَ الأجرةَ كما لا يَجوزُ في صُلبِ النكاحِ؛ لأنَّ النكاحَ بعدَ الطَّلاقِ الرَّجعيِّ قائمٌ مِنْ كلِّ وَجهٍ.
ولأنَّ أوقاتَ الرَّضاعِ مُستحَقةٌ لاستِمتاعِ الزَّوجِ ببَدلٍ وهو النَّفقة، فلا يَجوزُ أنْ تَأخذَ بَدلًا آخَرَ، وإنْ أبَتْ أنْ تُرضِعَ لم تُكرَهْ على ذلكَ؛ لأنَّ المُستحَقَّ عليها بالنكاحِ تَسليمُ النَّفسِ إلى الزوجِ للاستِمتاعِ، وما سِوَى ذلكَ مِنْ الأعمالِ تُؤمَرُ به تَديُّنًا ولا تُجبَرُ عليهِ في الحُكمِ، نحوَ كَنسِ البَيتِ وغَسلِ الثِّيابِ والطبخِ والخَبزِ، فكذلكَ إرضاعُ الولدِ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ إلى أنه يَجوزُ أخذُ الأجرةِ؛ لأنه عَملٌ يَجوزُ أخذُ الأجرةِ عليهِ بعدَ البَينونةِ، فجازَ أخذُ الأجرةِ عليه قبلَ البَينونةِ كالنَّسجِ، وتَقدَّمَ كلامُ الإمامِ ابنِ قُدامةَ بالتَّفصيلِ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأما حُقوقُ الزَّوجِ على الزَّوجةِ بالرَّضاعِ وخِدمةِ البَيتِ على اختِلافٍ بينَهُم في ذلكَ؛ وذلكَ أنَّ قَومًا أَوجَبُوا عليها
(١) «المبسوط» (٥/ ٢٠٩)، و «بدائع الصنائع» (٤/ ٤٠، ٤١)، و «المهذب» (٢/ ١٦٨).
(٢) «المهذب» (٢/ ١٦٨)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٢٨٦، ٢٨٧)، و «مغني المحتاج» (٥/ ١٨٦، ١٨٧)، و «تحفة المحتاج» (١٠/ ٢٣٦، ٢٣٧)، و «المغني» (٨/ ٢٠٠، ٢٠١).
الرَّضاعَ على الإطلاقِ، وقَومٌ لم يُوجِبوا ذلكَ عليها بإطلاقٍ، وقَومٌ أوجَبُوا ذلكَ على الدَّنيئةِ ولم يُوجِبوا ذلكَ على الشَّريفةِ إلا أنْ يكونَ الطِّفلُ لا يَقبلُ إلا ثَدْيَها، وهو مَشهورُ قَولِ مالكٍ.
وسَببُ اختِلافِهم: هل آيةُ الرَّضاعِ مُتضمِّنةٌ حُكمَ الرَّضاعِ -أعنِي إيجابَه-؟ أو مُتضمِّنةٌ أمْرَه فقطْ؟ فمَن قالَ: «أَمْرهُ» قالَ: لا يَجبُ عليها الرَّضاعُ؛ إذْ لا دَليلَ هُنا على الوُجوبِ، ومَن قالَ: «تَتضمَّنُ الأمرَ بالرَّضاعِ وإيجابَه وأنها مِنْ الأخبارِ التي مَفهومُها مَفهومُ الأمرِ» قالَ: يَجبُ عليها الإرضاعُ.
وأما مَنْ فرَّقَ بينَ الدَّنيئةِ والشريفةِ فاعتبَرَ في ذلك العُرفَ والعادةَ.
وأما المُطلَّقةُ فلا رَضاعَ عليها إلا أنْ لا يَقبلَ ثَدْيَ غيرِها، فعلَيها الإرضاعُ وعلى الزَّوجُ أجرُ الرَّضاعِ، هذا إجماعٌ؛ لقَولِه ﷾: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] (١).
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٤٢، ٤٣).
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في النفقة بالنكاح والملك والقرابة]
[فصل نفقة الرقيق والدابة والقريب وخادمه والحضانة وما يتعلق بها]
(فَصْلٌ) إنَّمَا تَجِبُ نَفَقَةُ رَقِيقِهِ وَدَابَّتِهِ، إنْ لَمْ يَكُنْ مَرْعَى، وَإِلَّا بِيعَ: كَتَكْلِيفِهِ مِنْ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ،
ــ
منح الجليل
فَصْلٌ نَفَقَةُ الرَّقِيقِ وَالدَّابَّةِ وَالْقَرِيبِ وَخَادِمِهِ وَالْحَضَانَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا
ارجع إلى حكم النفقة للاطلاع على جميع المسائل.