الإسلام > النكاح والأسرة > حكم النفقة
مسائلُ فقهيةٌ في حكم النفقة على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةوعندَ المالِكيةِ: النَّفقةُ: ما به قوامٌ مُعتادٌ حالَ الآدَميِّ دونَ سَرفٍ (١).
وعرَّفَها الحَنابلةُ بأنها: كِفايةُ مَنْ يَمونُه خُبزًا وأُدمًا وكِسوةً ومَسكنًا وتَوابعَها، أي: تَوابعَ الخُبزِ والأُدمِ والمَسكنِ، كثَمنِ الماءِ والمِشطِ والسُّترةِ ودُهنِ المِصباحِ والغِطاءِ (٢).
والنَّفقةُ قِسمانِ:
١ - نَفقةٌ تَجبُ للإنسانِ على نَفسِه إذا قدَرَ عليها، وعليهِ أنْ يُقدِّمَها على نَفقةِ غيرِه.
٢ - ونَفقةٌ تَجبُ على الإنسانِ لغَيرِه.
حُكمُ النَّفقةِ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ النَّفقةَ واجِبةٌ، وأنَّ أسبابُ وُجوبِها ثَلاثةٌ:
١ - النكاحُ، ٢ - القَرابةُ، ٣ - المِلكُ.
أولاً: نَفقةُ الزَّوجةِ (النِّكاحِ):
تَجبُ النَّفقةُ للزَّوجةِ مُعاوَضةً للتَّمكينِ مِنْ الاستِمتاعِ بلا خِلافٍ بينَ فُقهاءِ الأمَّةِ، والدليلُ على وُجوبِها الكِتابُ والسُّنةُ والإجماعُ والمَعقولُ.
أمَّا الكتابُ: فقَولُ اللهِ تعالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]، ومَعنى:
(١) «المختصر الفقهي» (٧/ ١٢١)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ١٨٣)، و «حاشية الصاوي» (٦/ ١٣٣).
(٢) «كشاف القناع» (٥/ ٥٤٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٦٤٩).
(قُدِرَ عَلَيه) أي: ضُيِّقَ عليهِ، ومنه قولُه سُبحانَه: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦] أي: يُوسعُ على مَنْ يَشاءُ ويُضيِّقُ على مَنْ يَشاءُ، وقالَ اللهُ تعالَى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [لقمان: ٥٠].
وقَولُه تعالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. و (المَولُودُ لهُ): هو الزَّوجُ، وإنما نَصَّ على وُجوبِ نَفقةِ الزوجةِ حالَ الوِلادةِ ليَدلَّ على أنَّ النَّفقةَ تَجبُ لها حالَ اشتِغالِها عن الاستِمتاعِ بالنِّفاسِ؛ لئلَّا يَتوهَّمَ مُتوهِّمٌ أنها لا تَجبُ لها.
وقَولُه تعالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء: ٣]، أي: إنْ خِفتُم أنْ لا تَعدِلوا بينَ النساءِ فاقتِصُروا على واحِدةٍ أو ما مَلكَتْ أيمانُكُم، فذلكَ أدنَى أنْ لا تَكثرَ عِيالُكم ولا تَلزمَكم المُؤنُ الكَثيرةُ، فدَلَّ على وُجوبِ مُؤنةِ العِيالِ.
وقَولُه تعالَى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤].
وأمَّا السُّنةُ: فما رَوى جابرٌ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ خطَبَ الناسَ فقالَ: «فاتَّقوا اللهَ في النِّساءِ، فإنكُم أخَذتُموهنَّ بأمانِ اللهِ واستَحلَلتُم فُروجَهنَّ بكَلمةِ اللهِ، ولكُم عَليهنَّ أنْ لا يُوطِئنَ فُرُشَكم أحدًا تَكرهونَه، فإنْ
فَعَلنَ ذلكَ فاضرِبوهنَّ ضَربًا غيرَ مُبَرِّحٍ، ولهنَّ عَليكمْ رِزقُهنَّ وكِسوتُهنَّ بالمَعروفِ» (١).
وقالَ النبيُّ ﷺ: «ألَا إنَّ لكمْ على نِسائِكم حَقًّا ولنِسائِكم عليكُم حقًّا، فأمَّا حَقُّكم على نِسائِكم فلا يُوطِئنَ فُرُشَكم مَنْ تَكرهونَ ولا يَأذنَّ في بُيوتِكم لمَن تَكرهونَ، ألَا وحَقُّهنَّ عَليكُم أنْ تُحسِنوا إليهنَّ في كِسوتِهنَّ وطَعامِهنَّ» (٢).
وعن حَكيمِ بنِ مُعاويةَ القُشيريِّ عن أبيهِ عنِ النبيِّ ﷺ سَألَه رَجلٌ: «ما حَقُّ المَرأةِ على الزوجِ؟ قالَ: تُطعمُها إذا طَعِمتَ وتَكسوها إذا اكتَسَيتَ، ولا تَضربِ الوَجهَ ولا تُقبِّحْ، ولا تَهجرْ إلا في البَيتِ».
وفي لَفظٍ: «أطعِموهنَّ ممَّا تَأكلونَ، وأكسُوهنَّ ممَّا تَكتسونَ، ولا تَضربوهنَّ ولا تُقبِّحوهنَّ» (٣).
وعن عائِشةَ رضي الله عنها أنَّ هِندَ بنتَ عُتبةَ قالَتْ: «يا رَسولَ اللهِ إنَّ أبا سُفيانَ رَجلٌ شَحيحٌ وليسَ يُعطينِي ما يَكفيني ووَلَدي إلا ما أخَذتُ منهُ وهو لا يَعلمُ، فقالَ: خُذِي ما يَكفيكِ ووَلدَكِ بالمَعروفِ» (٤)، وفي هذا دَليلٌ على وُجوبِ نَفقةِ الزوجةِ على زَوجِها، وأنَّ ذلكَ مُقدَّرٌ بكِفايتِها، وأنَّ نَفقةَ وَلدِه
(١) أخرجه مسلم (١٢١٨).
(٢) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه الترمذي (١١٦٣)، وابن ماجه (١٨٥١).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢١٤٣، ٢١٤٤)، وأحمد (٢٠٠٧٢، ٢٠٠٣٦).
(٤) أخرجه البخاري (٥٠٤٩)، ومسلم (١٧١٤).
عليه دُونَها مُقدَّرٌ بكِفايتِهم، وأنَّ ذلكَ بالمَعروفِ، وأنَّ لها أنْ تَأخذَ ذلكَ بنَفسِها مِنْ غيرِ عِلمِه إذا لم يُعطِها إياهُ.
وعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ النبيُّ ﷺ: «أفضَلُ الصَّدقةِ ما ترَكَ غِنًى، واليَدُ العُليَا خَيرٌ مِنْ اليَدِ السُّفلَى، وابدَأْ بمَن تَعولُ، تَقولُ المَرأةُ: إمَّا أنْ تُطعِمَني وإمَّا أنْ تُطلِّقَني، ويَقولُ العَبدُ: أطعِمنِي واستَعملْني، ويَقولُ الابنُ: أطعِمنِي، إلى مَنْ تَدَعُني؟» (١).
وأما الإجماعُ: فقدْ نقَلَ عَددٌ مِنْ العُلماءِ الإجماعَ على وُجوبِ نَفقةِ الزَّوجةِ.
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: وقد اتَّفقَ أهلُ العِلمِ على وُجوبِ نَفقاتِ الزَّوجاتِ إذا كانُوا جَميعًا بالِغينَ، إلا الناشِزَ مِنهنَّ المُمتنِعةَ (٢).
وقالَ أيضًا: وقد أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ للزَّوجةِ نَفقتَها وكِسوتَها بالمَعروفِ (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه: واتَّفقُوا أنَّ الحُرَّ الذي يَقدرُ على المالِ البالغَ العاقِلَ غيرَ المَحجورِ عليه فعَليهِ نَفقةُ زَوجتِه التي تزوَّجَها زَواجًا صَحيحًا إذا دخَلَ بها وهي ممَّن تُوطَأُ وهي غيرُ ناشِزٍ، وسَواءٌ كانَ لها مالٌ أو لم يَكنْ (٤).
(١) أخرجه البخاري (٥٠٤٠).
(٢) «الإشراف» (٥/ ١٥٤).
(٣) «الإشراف» (٥/ ١٥٧)، و «الإجماع» (٤٣٠).
(٤) «مراتب الإجماع» (٧٩).
وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفقُوا على وُجوبِ نَفقةِ الرَّجلِ على مَنْ تَلزمُه نَفقتُه، كالزَّوجةِ والوَلدِ الصغيرِ والأبِ (١).
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: أما وُجوبُها -أي النَّفقةِ- فقدْ دَلَّ عليه الكِتابُ والسُّنةُ والإجماعُ والمَعقولُ …
وأما الإجماعُ فلِأنَّ الأمَّةَ أجمَعَتْ على هذا (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: واتَّفقوا على أنَّ مِنْ حُقوقِ الزوجةِ على الزوجِ النَّفقةَ والكِسوةَ (٣).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وُجوبُ نَفقةِ الزوجةِ وكِسوتِها، وذلكَ ثابتٌ بالإجماعِ (٤).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: اتَّفقَ أهلُ العِلمِ على وُجوبِ نَفقاتِ الزَّوجاتِ على أزواجِهنَّ إذا كانوا بالِغينَ، إلا الناشِزَ مِنهنَّ، ذكَرَه ابنُ المُنذِرِ وغيرُه، وفيه ضَربٌ مِنْ العِبرةِ وهو أنَّ المرأةَ مَحبوسةٌ على الزوجِ يَمنعُها مِنْ التصرُّفِ والاكتِسابِ، فلا بُدَّ مِنْ أنْ يُنفِقَ عليها كالعَبدِ مع سيِّدِه (٥).
(١) «الإفصاح» (٢/ ٢٠٧).
(٢) «بدائع الصنائع» (٤/ ١٤، ١٥).
(٣) «بداية المجتهد» (٢/ ٤٠).
(٤) «شرح صحيح مسلم» (٨/ ١٨٤).
(٥) «المغني» (٨/ ١٥٦).
ارجع إلى النكاح والأسرة للاطلاع على جميع الأبواب.