الإسلام > النكاح والأسرة > حكم النفقة > الحالة الثانية: أن تكون الأم في عصمة الزوج
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 10 دقيقة قراءةوقالَ الشافِعيُّ في أحَدِ قَوليهِ: هو أحَقُّ، وإنْ وجَدَ الأبُ مَنْ يُرضِعُ ولَدَه بأقلَّ مِنْ ذلكَ أو يَتبرعَ بالرَّضاعِ فإنهُ يُجبَرُ على أنْ يُعطيَها أُجرةَ مثلِها، وعن الشافِعيِّ قَولٌ آخَرُ كمَذهبِ أبي حَنيفةَ (١).
الحَالةُ الثانيةُ: أنْ تَكونَ الأمُّ في عِصمةِ الزَّوجِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو كانَتِ الأمُّ في عِصمةِ الزَّوجِ هل يَجبُ عليها إرضاعُ الصَّغيرِ؟ أم يَجبُ على الأبِ الاستِرضاعُ لوَلدِه؟
فذهَبَ المالِكيةُ إلى أنه يَجبُ على الأمِّ إرضاعُ وَلدُها، إلا أنْ يكونَ مِثلُها لا يُرضِعُ لشَرفٍ وعِزٍّ وعُلوِّ قَدرٍ، أو لسُقمٍ وقلَّةِ لَبنٍ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، ولا يَجوزُ أنْ يكونَ المُرادُ به الخبَرَ؛ لأنه لا فائِدةَ فيه، فثبَتَ أنَّ المُرادَ به الأمرُ.
ولأنَّ اللهَ تعالَى أمَرَ الوالِداتِ الزَّوجاتِ بإرضاعِ أولادِهنَّ، وأوجَبَ لهُنَّ على الأزواجِ النَّفقةَ والكِسوةَ، والزَّوجيةُ قائِمةٌ، فلَم يَجمعْ لها النَّفقةِ والأجرةِ، فلو كانَ الرَّضاعُ على الأبِ لَذكَرَه مع ما ذكَرَ مِنْ رِزقِهنَّ وكِسوتِهنَّ، ولم يُوجِبْ ذلك على الوالِداتِ.
ولأنَّ العُرفَ جارٍ بذلكَ في غالِبِ أمورِ النَّاسِ أنَّ المَرأةَ تَلي رَضاعَ وَلدِها بنَفسِها مِنْ غيرِ أنْ يُكلَّفَ زوجُها أجرةً، وما يَجري العُرفُ به فهو كالمَشروطِ، ولأنه لو كانَ لا يَقبلُ مِنْ الرَّضاعِ غيرَها لَلزِمَها إرضاعُه، وما يُستحقُّ على الإنسانِ الجَبْرُ عليهِ لا يَستحقُّ عليهِ أجرةً، عَكسُه الأجنبيةُ.
(١) «الإفصاح» (٢/ ٢٠٩، ٢١٠)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ٢٠٦).
ودَليلُنا على أنه إذا كانَ مثلُها لا يُرضِعُ لشَرفٍ وعِزٍّ وعُلوِّ قَدرٍ أنَّ العُرفَ جارٍ بأنَّ مِثلَها لا يُرضِعُ، ففي تَكليفِها خِلافَ العُرفِ مِنْ حَدِّ ما دَخلَا عليهِ إضرارٌ بها، فلَم يَلزمْ (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه يَجبُ على الأبِ استِرضاعُ وَلدِه، ولا يَجبُ على الأمِّ إرضاعُ وَلدِها الصغيرِ، وليسَ للأبِ أنْ يُجبِرَها على إرضاعِه، سَواءٌ كانَتِ الأمُّ شَريفةً أم دَنيئةً، وسَواءٌ كانَتْ في عِصمةِ الأبِ أم بائِنةً منه، إلا إذا تَعيَّنتْ بأنْ لم يَجدِ الأبُ مَنْ تُرضعُه غيرَها، أو لم يَقبلِ الطِّفلُ ثَديَ غيرِها، أو لم يَكنْ للأبِ ولا للطِّفلِ مالٌ، فيَجبُ عليها حِينئذٍ إرضاعُ وَلدِها.
واستَدلُّوا على ذلكَ بقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، دلَّ على أنها مُخيَّرةٌ إنْ شاءَتْ أرضَعَتْ، وإنْ شاءَتْ لم تُرضِعْ، وقالَ سُبحانَه: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦)﴾ [الطلاق: ٦]، وإنْ كانَ الرَّضاعُ مُستحَقًّا لَمَا استَحقَّتْ عليهِ أجرًا.
ولأنه لا يَخلو مِنْ أنْ تُجبَرَ على رَضاعِه لحُرمةِ الوَلدِ أو لحُرمةِ الزَّوجِ أو لهُما.
ولا يَجوزُ أنْ يَكونَ لحُرمةِ الوَلدِ؛ لأنها لا تُجبَرُ عليهِ إذا كانَتْ مُطلَّقةً ثَلاثًا بإجماعٍ، وحُرمةُ الوَلدِ مَوجودةٌ.
(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٧١، ٧٢)، رقم (١٤١٨)، و «شرح صحيح البخاري» (٧/ ٥٣٦)، و «تهذيب المدونة» (١/ ٣٩٢)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (٤/ ٢٨٨)، و «البيان والتحصيل» (٥/ ٣٨١)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ٢٠٩).
ولا يَجوزُ أنْ يَكونَ لحُرمةِ الزَّوجِ؛ لأنه لو أرادَ أنْ يَستخدمَها في حَقِّ نَفسِه لم يَكنْ له ذلكَ، فلَئلَّا يَكونَ له ذلك في حَقِّ غيرِه أَولى، فصَحَّ أنها لا تُجبَرُ عليهِ أصلًا.
ولا يَجوزُ أنْ يَكونَ لهُما؛ لأنَّ ما لا مُناسَبةَ فيه لا يُثبتُ الحُكمَ بانضِمامِ بَعضِه إلى بَعضٍ، ولأنه لو كانَ لهُما لَثبَتَ الحُكمُ به بعدَ الفُرقةِ، والآيةُ مَحمولةٌ على حالِ الإنفاقِ وعَدمِ التعاسُرِ.
ولأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، ولأنَّ الإرضاعَ إنفاقٌ على الوَلدِ، ونَفقةُ الوَلدِ يَختصُّ بها الوالِدُ لا يُشارِكُه فيها الأمُّ، كنَفقتِه بعدَ الاستِغناءِ، فكَمَا لا تَجبُ عليها نَفقتُه بعدَ الاستِغناءِ لا تَجبُ عليها قبلَه وهو إرضاعُه (١).
إلا أنَّ الشافِعيةَ قالُوا: يَجبُ على الأمِّ إرضاعِ وَلدِها اللِّبَأَ -وهو بهَمزٍ وقَصرٍ: اللَّبنُ النازِلُ أوَّلَ الوِلادةِ-؛ لأنَّ الولَدَ لا يَعيشُ بدُونِه غالِبًا، أو أنه لا يَقوَى وتَشتدُّ بِنيتُه إلا به، ولها أنْ تَأخذَ الأجرةَ إنْ كانَ لمِثلِه أجرةٌ، ولا يَلزمُها التَّبرعُ بإرضاعِه كما لا يَلزمُ بَذلُ الطعامِ للمُضطرِّ إلا بالبَدلِ (٢).
(١) «المبسوط» (٥/ ٢٠٩)، و «أحكام القرآن» للجصاص (٥/ ٣٦٠)، و «بدائع الصنائع» (٤/ ٤٠، ٤١)، و «المهذب» (٢/ ١٦٨)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٢٨٦، ٢٨٧)، و «مغني المحتاج» (٥/ ١٨٦، ١٨٧)، و «تحفة المحتاج» (١٠/ ٢٣٦، ٢٣٧)، و «الإفصاح» (٢/ ١١٠)، و «المغني» (٨/ ١٩٩، ٢٠٠)، و «الكافي» (٣/ ٣٨٠).
(٢) «النجم الوهاج» (٨/ ٢٨٥)، و «مغني المحتاج» (٥/ ١٨٦)، و «تحفة المحتاج» (١٠/ ٢٣٥).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الطلاق
الجملة الثانية في أركان الطلاق
الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ فِي أَرْكَانِ الطَّلَاقِ
الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ وَشُرُوطِهِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي أَنْوَاعِ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ الْمُطْلَقَةِ
الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ وَفِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ:
الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ وَشُرُوطِهِ.
الْبَابُ الثَّانِي: فِي تَفْصِيلِ مَنْ يَجُوزُ طَلَاقُهُ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ.
الْبَابُ الثَّالِثُ: فِي تَفْصِيلِ مَنْ يَقَعُ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ مِنَ النِّسَاءِ مِمَّنْ لَا يَقَعُ.
الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ وَشُرُوطِهِ وَهَذَا الْبَابُ فِيهِ فَصْلَانِ:
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي أَنْوَاعِ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ الْمُطْلَقَةِ.
الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي أَنْوَاعِ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ الْمُقَيَّدَةِ.
ارجع إلى حكم النفقة للاطلاع على جميع المسائل.