هل النفقة تعتبر بحال الزوجين أم بحال الزوج أم بحالها؟

الإسلام > النكاح والأسرة > حكم النفقة > هل النفقة تعتبر بحال الزوجين أم بحال الزوج أم بحالها؟

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

هل النفقة تعتبر بحال الزوجين أم بحال الزوج أم بحالها؟ - الأقوال والأدلة

وسَببُ اختِلافِهم: تَردُّدُ حَملِ النَّفقةِ في هذا البابِ على الإطعامِ في الكفَّارةِ أو على الكِسوةِ؟ وذلكَ أنهُم اتَّفقُوا أنَّ الكِسوةَ غيرُ مَحدودةٍ وأنَّ الإطعامَ مَحدودٌ (١).

هلِ النَّفقةُ تُعتبَرُ بحالِ الزَّوجينِ أم بحَالِ الزوجِ أم بِحالِها؟

اختَلفَ الفُقهاءُ في النَّفقةِ هل تُعتبرُ بحالِ الزَّوجينِ جَميعًا؟ أم بحالِ الزَّوجِ؟ أم بِحالِ الزوجةِ؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ في المُفتَى به عندَهُم والمالِكيةُ في المَشهورِ والحَنابلةُ إلى أنَّ المُعتبَرَ حالُ الزَّوجينِ جَميعًا، فيَجبُ على الزَّوجِ المُوسرِ لزَوجتِه المُوسرةِ نَفقةُ المُوسِرينَ، وعلى المُعسرِ لزَوجتِه المُعسرةِ نَفقةُ المُعسرينَ، وعلى المُوسرِ للفَقيرةِ نَفقةُ المُتوسِّطينَ، وعلى الفقيرِ للمُوسرةِ أقلُّ الكِفايةِ.

قالَ الحَنفيةُ: تُعتبَرُ النَّفقةُ بحالِهما جَميعًا، مُوسِرًا كانَ الزَّوجُ أو مُعسِرًا، فإذا كانَا مُوسِرينِ تَجبُ نَفقةُ اليَسارِ، وإنْ كانَا مُعسِرينِ فنَفقةُ الإعسارِ، وإنْ كانَتْ مُعسِرةً والزَّوجُ مُوسرًا فنَفقتُها دونَ نَفقةِ المُوسِراتِ وفَوقَ نَفقةِ المُعسراتِ، وإنْ كانَ مُعسرًا وهي مُوسِرةٌ فنَفقةُ الإعسارِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] الآيَة (٢).

(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٤١).
(٢) «الجوهرة النيرة» (٥/ ٤٩، ٥٠)، و «اللباب» (٢/ ١٦٢)، و «مجمع الأنهر» (٢/ ١٧٦)، و «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٥٨٤).

وقالَ القاضي عبدُ الوَهابِ المالِكيُّ رحمة الله عليه: الاعتبارُ في نَفقاتِ الزَّوجاتِ بحالِ الزَّوجينِ معًا، يَفرضُ لها كِفايتَها على ما يَرَى مِنْ قَدرِها وقَدرِه في العُسرِ واليُسرِ، وليسَتْ بقَدرٍ مَحدودٍ (١).

قالَ الموَّاقُ رحمة الله عليه: قالَ اللَّخميُّ: المُعتبَرُ في النَّفقةِ حالُ الزَّوجينِ وحالُ بَلدِهما وزَمنُها وسِعرُها، وقالَ ابنُ عَرفةَ: نَقلُ ابنِ عبدِ السَّلامِ اعتبارَ حالِ الزَّوجِ فقطْ لا أعرِفُه (٢).

وجاءَ في «أسهَل المَداركِ شَرح إرشَادِ السَّالكِ في مَذهبِ الإمامِ مالِكٍ»: قالَ رحمة الله عليه: «وهي مُعتبَرةٌ بحالِها، فيَجتهدُ الحاكِمُ بفَرضِ كِفايتِها ممَّا لا غِنى لها عنه».

يعَني كما أشارَ بذَلكَ خَليلٌ قولُه: يَجبُ لمُمكِّنةٍ مُطيقةٍ للوَطءِ على بالغٍ وليسَ أحَدُهما مُشرِفًا قُوتٌ وإدامٌ وكِسوةٌ ومَسكنٌ بالعادةِ بقَدرِ وُسعِه وحالِها والبلدِ والسَّفرِ وإنْ أَكُولةً، وتَزدادُ المُرضِعُ ما تَقوَى به، إلا المَريضةَ وقَليلةَ الأكلِ فلا يَلزمُه إلا ما تَأكلُ على الأصوَبِ. اه

قولُه: «وهيَ مُعتبَرةٌ بحالِها» هذا غيرُ مَشهورٍ، والمَشهورُ في المَذهبِ أنه يُعتبَرُ في تَقديرِ النَّفقةِ بحالِ الزَّوجينِ معًا كما هو مَنصوصٌ (٣).

قالَ الدُّسوقيُّ رحمة الله عليه: واعلَمْ أنَّ اعتِبارَ حالِهما لا بُدَّ منه، سواءٌ تَساويَا غِنًى أو فَقرًا، أو كانَ أحَدُهما غَنيًّا والآخَرُ فَقيرًا، لكنَّ اعتِبارَ حالِهما عندَ

(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٦٢).
(٢) «التاج والإكليل» (٣/ ٢٢٩).
(٣) «أسهل المدارك» (٢/ ٩٦).

تَساوِيهما فَقرًا أو غِنًى ظاهِرٌ، وأمَّا عندَ اختِلافِهما فاللَّازمُ حالَةٌ وُسطَى بينَ الحالَتينِ وحِينئذٍ فنَفقةُ الفَقيرِ على الغَنيةِ أزيَدُ مِنْ نَفقتِه على الفَقيرةِ، كما أنَّ نَفقةَ الغَنيِّ على الفَقيرةِ أقَلُّ مِنْ نَفقتِه على الغَنيةِ، هذا هو المُعتمَدُ، خِلافًا لِما ذكَرَه عبق تَبعًا لعج مِنْ أنَّ اعتِبارَ حالِهما إذا تَساويَا، فإذا زادَ حالُها اعتُبِرَ وُسعُه فقطْ، وإنْ نقَصَتْ حَالتُها عن حَالتِه اعتُبِرتْ حالةٌ وُسطَى بينَ الحالَتينِ، كذا قالَ شَيخُنا العَدويُّ (١).

وقالَ الحَنابلةُ: نَفقتُها مُعتبَرةٌ بحالٍ الزَّوجينِ جَميعًا، فإنْ كانَا مُوسِرينِ فلَها عليهِ نَفقةُ المُوسِرينَ، وإنْ كانَا مُعسِرينِ فعَليهِ نَفقةُ المُعسِرينَ، وإنْ كانَا مُتوسِّطينِ فلها عَليه نُفقةُ المُتوسِّطينَ، وإنْ كانَ أحَدُهما مُوسرًا والآخَرُ مُعسرًا فعَليه نَفقةُ المُتوسِّطينَ أيُّهما كانَ المُوسرَ، وإنما اعتُبِرَ بحالِهما رِعايةً لكلٍّ مِنْ الجانبَينِ (٢).

وذهَبَ الحَنفيةُ في ظاهِرِ الرِّوايةِ وبَعضُ المالِكيةِ والشافِعيةُ إلى أنَّ المُعتبَرَ حالُ الزَّوجِ وحْدَه؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]، فأمَرَ الأزواجَ بالنَّفقةِ على قَدرِ وُسعِهم ومِلكِهم دونَ اعتِبارٍ لحالِ غيرِهم.

وقولِه تعالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فأوجَبَ اللهُ الإنفاقَ على الزوجةِ بالمَعروفِ، وذلكَ يكونُ بما يُناسِبُ

(١) «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٣/ ٤٧٩).
(٢) «المغني» (٥/ ٥٤١)، و «كشاف القناع» (٥/ ٥٤١)، و «الإفصاح» (٢/ ٢٠٧).

حالَه، فإذا كانَا مُوسِرينِ فتَجبُ نَفقةُ اليَسارِ، وإنْ كانَا مُعسِرينِ فنَفقةُ الإعسارِ، وإنْ كانَا مُختلِفينِ فيُعتبَرُ حالُ الزَّوجِ (١).

وحكَى الإمامُ ابنُ قُدامةَ قَولًا عن أبي حَنيفةَ ومالِكٍ أن النَّفقةَ تُعتبَرُ بحالِ المَرأةِ على قَدرِ كِفايتِها؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، والمَعروفُ الكِفايةُ، ولأنه سوَّى بينَ النَّفقةِ والكِسوةِ على قَدرِ حالِها، فكذلكَ النَّفقةُ، وقالَ النبيُّ لهِندَ: «خُذِي ما يَكفيكِ ووَلدَكِ بالمَعروفِ»، فاعتبَرَ كِفايتَها دونَ حالِ زَوجِها، ولأنَّ نَفقتَها واجبةٌ لدَفعِ حاجتِها، فكانَ الاعتبارُ بما تَندفعُ به حاجَتُها دونَ حالِ مَنْ وجَبَتْ عليهِ كنفقةِ المَماليكِ، ولأنه واجِبٌ للمَرأةِ على زوجِها بحُكمِ الزَّوجيةِ لم يُقدَّرْ، فكانَ مُعتبَرًا بها كمَهرِها (٢).

لكنْ ما حَكاهُ ابنُ قُدامةَ عنهُما غيرُ صَحيحٍ، والصَّحيحُ مِنْ مَذهبِهما أنه يُعتبَرُ بحالِ الزَّوجينِ كما تقدَّمَ.

(١) «الاختيار» (٤/ ٤)، و «اللباب» (٢/ ١٦٢)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٤٠٣)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٢٢٨، ٢٢٩)، و «مغني المحتاج» (٥/ ١٥٠)، و «تحفة المحتاج» (١٠/ ١٤٣، ١٤٤)، و «نهاية المحتاج» (٧/ ٢١٦، ٢١٧)، و «الديباج» (٣/ ٦١٣)، و «الإفصاح» (٢/ ٢٠٧).
(٢) «المغني» (٨/ ١٥٦، ١٥٧).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب النفقات
باب الحال التي تجب فيها النفقة على الزوج

باب الحال التي تجبُ فيها النَّفَقةُ على الزَّوجِ

١٣٩٣ - مسألة؛ قال، رَحِمَه اللَّه: (وَإذَا تزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ مِثلُهَا يُوطَأُ، فلم تَمْنَعْهُ نَفْسَهَا، وَلَا مَنَعَهُ أَوْليَاوُهَا، لَزِمَتْه النَّفَقَةُ)

وجملةُ ذلك أنَّ المرأةَ تَسْتَحِقُّ النَّفقةَ على زَوْجِها بشَرْطينِ؛ أحدهما، أنَّ تكونَ كبيرةً يُمْكِنُ وطؤُها، فإن كانتْ صغيرةً لا تَحْتَمِلُ الوَطْءَ، فلا نفقةَ لها. وبهذا قال الحسنُ، وبكرُ بن عبد اللَّه الْمُزَنِيُّ، والنَّخَعِيِّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْيِ. وهو المَنْصوصُ عن الشافعيِّ. وقال في موضعٍ: لو قيل: لها النَّفَقةُ. كان مَذْهَبًا، وهذا قولُ الثَّوْرِيِّ؛ لأنَّ تَعَذُّرَ الوَطْءِ لم يكُنْ بفِعْلِها، فلم يَمْنَعْ وُجُوبَ النَّفقةِ لها، كالمَرَضِ. ولَنا، أنَّ النَّفقةَ تحبُ بالتَّمْكِينِ من الاسْتِمْتاعِ، ولا يُتَصَوَّرُ ذلك مع تَعَذُّرِ الاسْتِمْتاعِ، فلم تَجِبْ نفقَتُها، كما لو مَنَعَه أولياؤُها من تَسْلِيمِ نَفْسِها، وبهذا يَبْطُلُ ما ذكَرُوه، ويفارِقُ المَرِيضةَ، فإنَّ الاسْتِمْتاعَ بها مُمْكِنٌ، وإنَّما نَقْصَ بالمَرَضِ، ولأنَّ مَنْ لا تُمَكِّنُ الزَّوجَ من نَفْسِها، لا يَلْزَمُ الزَّوْجَ نَفَقَتُها، فهذه أَوْلَى؛ لأنَّ تلك يُمْكِنُ الزَّوْجَ قَهْرُها، والاسْتِمْتاعُ منها كُرْهًا، وهذه لا يُمْكِنُ ذلك فيها بحالٍ. الشَّرْط الثاني، أن تَبْذُلَ التَّمْكِينَ التَّامَّ من نَفْسِها لزَوْجِها، فأمَّا إن مَنَعَتْ نفسَها، أو مَنَعَها أولياؤُها، أو تَساكَتَا بعدَ العَقْدِ، فلم تَبْذُلْ ولم يَطْلُبْ، فلا نَفقةَ لها، وإن أقامَا زَمَنًا، فإنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- تزَوَّجَ عائشةَ، ودَخَلَتْ عليه بعدَ سَنَتَيْنِ، ولم يُنْفِقْ إلَّا بعدَ دُخُولِه، ولم يَلْتَزِمْ نفقَتها لما مَضَى

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 377 - 380

ارجع إلى حكم النفقة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل