إذا أنفقت المرأة على نفسها

الإسلام > النكاح والأسرة > حكم النفقة > إذا أنفقت المرأة على نفسها

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

إذا أنفقت المرأة على نفسها - الأقوال والأدلة

وإنْ غابَ الزَّوجُ بعدَ تَمكينِها مِنْ نَفسِها فالنَّفقةُ واجِبةٌ عليه في غَيبتِه، سَواءٌ سلمها أو لا؛ إذ المانعُ منه (١).

وقالَ المالِكيةُ: الزَّوجُ إذا غابَ عن زَوجتِه فرفَعَتْ أمْرَها فطلَبَتْ نَفقتَها فإنَّ الحاكِمَ أو جَماعةَ المُسلمينَ عند عَدمِه يَفرضُ لها ذلكَ على قَدرِ وُسعِه وحالِها في مالِه الحاضِرِ أو الغائبِ المَرجوِّ، وكذلكَ يَفرضُ لها نَفقتَها في دَينِه الذي على الناسِ بعدَ إقرارِ المَدينِ، وكذلكَ يَفرضُ لها في وَديعتِه التي أودَعَها الناسَ.

وسَواءٌ كانَ مَدخولًا بها أو لا، لكنْ لا يَفرضُ لها ذلكَ إلا بعدَ يَمينِها أنه ما ترَكَ لها نَفقةً ولا أرسَلَ بها إليها ولا أسقَطَتْها عنه، وتُباعُ في ذلكَ عُروضُه وأملاكُه بعدَ تَأجيلِه في الأملاكِ كما لو قُيِّمَ عليهِ بحَقٍّ (٢).

وقد تَقدَّمَ كلامُ الحَنفيةِ في المَسألةِ السابقةِ بالتَّفصيلِ.

إذا أنفَقَتِ المرأةُ على نَفسِها:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو امتَنعَ الزَّوجُ مِنْ النَّفقةِ أو غابَ الزَّوجُ وأنفَقَتِ الزَّوجةُ على نفسِها أو استَدانَتْ وأنفَقتْ على نفسِها، هل لها حَقُّ الرُّجوعِ عليه مُطلَقًا؟ أم لا يَحقُّ لها الرُّجوعُ إلا إذا حكَمَ بها حاكِمٌ؟ أم إذا أنفَقَتْ

(١) «المغني» (٥/ ٤٧١)، و «المبدع» (٨/ ٢٠٠، ٢٠١)، و «الإنصاف» (٩/ ٣٧٧)، و «كشاف القناع» (٥/ ٥٥٣، ٥٥٥).
(٢) «التاج والإكليل» (٣/ ٢٤٧)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ١٩٩)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٤٩٦، ٤٦٧)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٤٢٥، ٤٢٦).

وهو مَليءٌ تَرجعُ عليهِ أو وهوَ مُعسِرٌ لا تَرجعٌ عليهِ؟ للفُقهاءِ في ذلكَ ثَلاثةُ أقولٍ.

فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الزوجَ إذا لم يُنفِقْ على زَوجتِه مُدةً مِنْ الزَّمنِ وطالَبَتْهُ بما أنفَقَتْ على نَفسِها مِنْ مالِها أو ما استَدانتْه فلا شيءَ لها، إلَّا أنْ يكونَ القاضي فرَضَ لها النَّفقةَ، أو صالحَتِ الزَّوجَ على مِقدارِها، فيَقضي لها بنَفقةِ ما مضى؛ لأنَّ النَّفقةَ صِلَةٌ وليسَتْ بعِوضٍ، فلا يَستحكمُ الوُجوبُ فيها إلَّا بالقضاءِ؛ لأنها نَفقةٌ تَجبُ يَومًا فيَومًا، فسقَطَ بتَأخيرِها إذا لم يَفرضْها الحاكمُ كنَفقةِ الأقاربِ، ولأنَّ نَفقةَ الماضي قد استُغنيَ عنها بمُضيِّ وَقتِها، فتَسقطُ كنَفقةِ الأقاربِ.

أمَّا إذا فرَضَ القاضي لها النَّفقةَ فلم يُنفِقْ عليها حتَّى مضَتْ مُدةٌ كانَ لها المُطالَبةُ بذلكَ؛ لأنها تَصيرُ دَينًا في ذِمتِه، وكذا إذا فرَضَها الزوجُ على نَفسِه باصطِلاحِها؛ لأنَّ فرْضَه آكَدُ مِنْ فَرضِ الحاكِمِ؛ لأنَّ وِلايتَه على نَفسِه أقوَى مِنْ وِلايةِ القاضِي عليه، وإذا صارَتْ دَينًا بالقَضاءِ أو بالاصطِلاحِ لم تَسقطْ بطُولِ الزمانِ، إلا إذا ماتَ أحدُهُما أو وقَعَتِ الفُرقةُ حِينئذٍ تَسقطُ.

فإذا ماتَ الزوجُ بعدَما قضَى عليهِ بالنَّفقةِ أو مضَتْ شُهورٌ سقَطَتْ، وكذا إذا ماتَتْ الزوجةُ؛ لأنَّ النَّفقةَ صِلَةٌ، والصِّلةُ تَبطلُ بالموتِ، كالهِبةِ تَبطلُ بالمَوتِ قبلَ القَبضِ.

ولو أبرَأتْ زوْجَها مِنْ نَفقتِها في الأوقاتِ المُستقبَلةِ لم تَصحَّ البَراءةُ؛ لأنَّها بَراءةٌ عمَّا سيَجبُ، فلا يَصحُّ.

ولو فرَضَ القاضِي لها النَّفقةَ على الزوجِ وأنفَقَتْ مِنْ مالِها فلها الرُّجوعُ في مالِ الزوجِ ما داما حَيَّينِ، وتَسقطُ بمَوتِ أحَدِهما، إلَّا أنْ يَكونَ ما أنفَقَتْه دَينًا بأمرِ القاضي فإنهُ لا يَسقطُ (١).

وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الزوجَ إذا لم يُنفِقْ على زَوجتِه وأنفقَتْ على نفسِها مِنْ مالِها أو استَدانَتْ لم تَسقطِ النَّفقةُ بذلكَ وكانَتْ هذهِ النَّفقةُ دَينًا في ذمَّتِه، سَواءٌ كانَ ترَكَ الإنفاقَ عليها لعُذرٍ أو لغيرِ عُذرٍ، سَواءٌ حكَمَ بها حاكِمٌ أو لم يَحكمْ بها، وسَواءٌ كانَ حاضِرًا أم غائبًا.

لِما رواهُ نافِعٌ عن ابنِ عُمرَ «أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ رضي الله عنه كتَبَ إلى أُمراءِ الأجنادِ في رِجالٍ غابُوا عن نِسائِهم يَأمرُهم أنْ يَأخذُوهُم أنْ يُنفِقُوا أو يُطلِّقُوا، فإنْ طلَّقُوا بَعَثوا بنَفقةِ ما حَبَسوا» (٢)، ولم يُخالِفْ عُمرَ رضي الله عنه في ذلكَ مِنهم مِخالفٌ.

ولأنها حَقٌّ يَجبُ معَ اليَسارِ والإعسارِ، فلَم يَسقطْ بمُضيِّ الزمانِ كأجرةِ العَقارِ والدُّيونِ.

قالَ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: هذهِ نَفقةٌ وَجبَتْ بالكِتابِ والسُّنةِ والإجماعِ، ولا يَزولُ ما وجَبَ بهذه الحُججِ إلا بمِثلِها، ولأنها عِوضٌ واجِبٌ، فأشبَهَتِ الأجرةَ.

(١) «الجوهرة النيرة» (٥/ ٦٣، ٦٤)، و «الاختيار» (٤/ ٦، ٧)، و «اللباب» (٢/ ١٧٠)، و «المغني» (٨/ ١٦٦)، و «زاد المعاد» (٥/ ٥٠٨)، و «المبدع» (٨/ ١٩٩).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الشافعي في «مسنده» (١/ ٢٦٧)، وعبد الرزاق في «مصنفه» (١٢٣٤٧)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٥٤٨٤).

وفارَقَ نَفقةَ الأقاربِ؛ فإنها صِلةٌ يُعتبَرُ فيها اليَسارُ مِنْ المنفِقِ والإعسارُ ممَّن تَجبُ له، وجَبَتْ لتَزجيةِ الحالِ، فإذا مَضَى زَمنُها استَغنَى عنها، فأشبَهَ ما لو استَغنَى عنها بيَسارِه، وهذهِ بخِلافِ ذلكَ.

إذا ثبَتَ هذا فإنه ترَكَ الإنفاقَ عَليها مع يَسارِه، فعَليهِ النَّفقةُ بكَمالِها، وإنْ ترَكَها لإعسارِه لم يَلزمْه إلا نَفقةُ المُعسِرِ؛ لأنَّ الزائدَ سقَطَ بإعسارِه (١).

وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ الزوجَ إذا كانَ مَليئًا غيرَ مُعسِرٍ فأنفَقَتِ الزوجةُ مِنْ مالِها على نَفسِها فإنَّ هذا الدَّينَ يَثبتُ في ذمَّتِه ويَكونُ دَينًا عليه تُطالِبُه، سَواءٌ كانَ حاضِرًا أم غائبًا، وأما إذا أنفَقتْ على نفسِها في غَيبتِه أو في حَضرتِه وهو مُعسِرٌ فلا شيءَ لها عليهِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]، وهذا مُعسِرٌ لم يُؤتِه شَيئًا فلا يُكلَّفُ بشَيءٍ.

فإذا سقَطتْ فأنفَقتْ على نَفسِها شَيئًا في زَمنِ إعسارِه فإنها لا تَرجعُ عليه بشَيءٍ مِنْ ذلكَ؛ لأنها ساقِطةٌ عنه في هذه الحالةِ، وتُحمَلُ على التَّبرعِ، وسَواءٌ كانَ في حالِ الإنفاقِ حاضِرًا أو غائبًا، والمُرادُ بالسُّقوطِ عَدمُ اللزومِ؛ لانتِفاءِ تَكليفِه حينَ العُسرِ.

(١) «النجم الوهاج» (٨/ ٢٦٦)، و «مغني المحتاج» (٥/ ١٧٤، ١٧٥)، و «تحفة المحتاج» (١٠/ ٢٠٨)، و «نهاية المحتاج» (٧/ ٢٤٥)، و «الديباج» (٣/ ٦٣٥)، و «المغني» (٨/ ١٦٦)، و «زاد المعاد» (٥/ ٥٠٨)، و «المبدع» (٨/ ١٩٩)، و «كشاف القناع» (٥/ ٥٥٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٦٥٨)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٦٢٥)، و «منار السبيل» (٣/ ١٩٣).

وإنما لها إذا لم يَقدرِ الزوجُ على النَّفقةِ أنْ تَرضَى بالمقامِ معَه أو يُفارقَها.

قالَ في «المُدوَّنة»: (قلتُ): أرَأيتَ إنْ كانَتِ المَرأةُ مُوسِرةً وكانَ الزَّوجُ مُوسرًا أو مُعسرًا فكانَتْ تُنفقُ مِنْ مالِها على نَفسِها وعلى زوجِها ثم جاءَتْ تَطلبُ النَّفقةَ؟ (قالَ): لا شَيءَ لها في رأيِي فيما أنفَقَتْ على نَفسِها إذا كانَ الزوجُ في حالِ ما أنفَقتْ مُعسرًا، وإنْ كانَ الزوجُ مُوسرًا فذلكَ دَينٌ عليهِ، وأما ما أنفَقتْ على زَوجِها فذلكَ دَينٌ عليه، مُوسرًا كانَ أو مُعسرًا، إلا أنْ يُرى أنه كانَ منها لزَوجِها على وَجهِ الصِّلةِ …

(قلتُ): أرَأيتَ إنْ أنفَقتِ المَرأةُ وهو غائِبٌ وهو مُعسرٌ في حالِ ما أنفَقتْ، أيَكونُ ذلكَ دَينًا لها عليه أم لا؟ (قالَ): لا يَكونُ ذلكَ دَينًا عليهِ، كذلكَ قالَ مالكٌ، (قلتَ): ولِمَ؟ (قالَ): لأنَّ الرجلَ إذا كانَ مُعسرًا لا يَقدرُ على النَّفقةِ فليسَ لها عليهِ النَّفقةُ، إنما لها أنْ تُقيمَ معَه أو يُطلِّقَها، كذلكَ الحُكمُ فيها.

(قلتُ): أرَأيتَ إنْ أنفَقتْ وهو غائِبٌ مُوسرٌ أتَضرِبُ بنَفقتِها مع الغُرماءِ؟ (قالَ): نعمْ، (قلتُ): أرَأيتَ إنْ أنفَقتْ على نَفسِها وعلى وَلدِها والزوجُ غائبٌ ثم طلَبتْ ذلكَ؟ (قالَ مالِكٌ): ذلكَ لها إنْ كانَ مُوسرًا يومَ أنفَقتْ على نَفسِها وعلى ولدِها إذا كانوا صِغارًا أو جَواريَ أبكارًا، حضَرَ أو لم يَحضرْ، وهو رأيِي، (قلتُ): فهل تَضربُ بما أنفَقتْ على الوَلدِ مع الغُرماءِ؟ (قالَ): لا (١).

(١) «المدونة الكبرى» (٤/ ٢٥٩، ٢٦٠)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٢٤٢، ٢٤٣)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ١٩٥)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٤٩٢)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٤١٩).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل ما يبطل به الخيار

فَصْلٌ مَا يَبْطُلُ بِهِ الْخِيَارُ

فَصْلٌ) :

وَأَمَّا مَا يَبْطُلُ بِهِ، فَهَذَا الْخِيَارُ يَبْطُلُ بِالْإِبْطَالِ نَصًّا، وَدَلَالَةً مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِالنِّكَاحِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي خِيَارِ الْإِدْرَاكِ، وَيَبْطُلُ بِالْقِيَامِ عَنْ الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلُ الْإِعْرَاضِ كَخِيَارِ الْمُخَيَّرَةِ، وَلَا يَبْطُلُ بِالسُّكُوتِ بَلْ يَمْتَدُّ إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ إذَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهَا دَلِيلُ الْإِعْرَاضِ كَخِيَارِ الْمُخَيَّرَةِ؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِرِضَاهَا بِالْمُقَامِ مَعَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّأَمُّلِ؛ لِأَنَّ بِالْعِتْقِ ازْدَادَ الْمِلْكُ عَلَيْهَا، فَتَحْتَاجُ إلَى التَّأَمُّلِ، وَلَا بُدَّ لِلتَّأَمُّلِ مِنْ زَمَانٍ، فَقُدِّرَ ذَلِكَ بِالْمَجْلِسِ كَمَا فِي خِيَارِ الْمُخَيَّرَةِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 366 - 370

ارجع إلى حكم النفقة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر