الإسلام > النكاح والأسرة > حكم النفقة > الموضع الثاني: هل تجب للمطلقة الثلاث النفقة؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 22 دقيقة قراءةقَيسٍ أنْ تَعتدَّ في بَيتِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ؟ فقالَ: تلكَ المَرأةُ فَتنَتِ الناسَ واستَطالَتْ على أحمائِها بلِسانِها، فأمَرَها رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ تَعتدَّ في بَيتِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ وكانَ رَجلًا مَكفوفَ البَصرِ.
وعن ابنِ شِهابٍ قالَ: حدَّثَني أبو سَلمةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ أنَّ فاطِمةَ بنتَ قَيسٍ أخبَرَتْه أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «اعتَدِّي في بيتِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ»، فأنكَرَ الناسُ عليها ما كانَتْ تُحدِّثُ بهِ مِنْ خُروجِها قبلَ أنْ تَحِلَّ.
فهذا أبو سَلمةَ يُخبِرُ أيْضًا أنَّ الناسَ قد كانُوا أنكَرُوا ذلكَ على فاطِمةَ وفيهِم أصحابُ رَسولِ اللهِ ﷺ ومَن لَحِقَ بهم مِنْ التَّابعينَ، فقدْ أنكَرَ عُمرُ وأُسامةُ وسَعيدُ بنُ المُسيبِ مع مَنْ سَمَّيْنا معهُم في حَديثِ فاطمةَ بنتِ قَيسٍ هذا ولم يَعملُوا به، وذلكَ مِنْ عُمرَ بنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه بحَضرةِ أصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ، فلَم يُنكِرْه عليهِ مِنهم مُنكِرٌ، فدَلَّ تَركُهم النَّكيرَ في ذلكَ عليه أنَّ مَذهبَهُم فيه كمَذهبِه (١).
الموضِعُ الثاني: هل تَجبُ للمُطلَّقةِ الثَّلاثِ النَّفقةُ؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في المُطلَّقةِ البائِنةِ والثَّلاثِ هل تَجبُ لها النَّفقةُ في مُدةِ العدَّةِ أم لا تَجبُ لها النَّفقةُ؟
(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ٢٠٩، ٢١٠)، و «التجريد» للقدوري (١٠/ ٥٣٩٥، ٥٣٩٦)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٢٢، ٢٤)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٧١)، و «الحاوي الكبير» (١١/ ٢٤٦، ٢٤٨)، و «البيان» (١١/ ٥٠، ٥١)، و «شرح صحيح مسلم» (١٠/ ٩٥، ٩٦)، و «النجم الوهاج» (٨/ ١٦٥)، و «مغني المحتاج» (٥/ ١١٠)، و «تحفة المحتاج» (١٠/ ٦٣).
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنه يَجبُ لها النَّفقةُ والسُّكنى؛ لقَولِه تعالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، وفي قِراءةِ عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رضي الله عنه «أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ وَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ مِنْ وُجْدِكُمْ»، ولا اختِلافَ بينَ القِراءتَينِ، لكنَّ إحداهُما تَفسيرُ الأخرَى، كقَولِه ﷿: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وقِراءةِ ابنِ مَسعودٍ رضي الله عنه «أَيْمَانَهُمَا»، وليسَ ذلكَ اختِلافَ القَراءةِ، بل قِراءتُه تَفسيرُ القِراءةِ الظاهرةِ، كذا هذا.
ولأنَّ الأمرَ بالإسكانِ أمرٌ بالإنفاقِ؛ لأنها إذا كانَتْ مَحبوسةً مَمنوعةً عن الخُروجِ لا تَقدرُ على اكتِسابِ النَّفقةِ، فلو لم تَكنْ نَفقتُها على الزَّوجِ ولا مالَ لها لَهلكَتْ أو ضاقَ الأمرُ عليها وعَسُرَ، وهذا لا يَجوزُ، وقَولُه تعالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧] مِنْ غيرِ فَصلٍ بينَ ما قبلَ الطلاقِ وبعدَه في العدَّةِ، ولأن النَّفقةَ إنما وجَبَتْ قبلَ الطَّلاقِ؛ لكَونِها مَحبوسةً عن الخُروجِ والبُروزِ لحَقِّ الزوجِ، وقد بَقيَ ذلكَ الاحتباسُ بعدَ الطلاقِ في حالةِ العدَّةِ، وتَأبَّدَ بانضِمامِ حَقِّ الشَّرعِ إليه؛ لأنَّ الحَبسَ قبلَ الطلاقِ كانَ حَقًّا للزَّوجِ على الخُلوصِ، وبعدَ الطَّلاقِ تَعلَّقَ به حقُّ الشرعِ، حتَّى لا يُباحُ لها الخُروجُ وإنْ أَذِنَ الزَّوجُ لها بالخُروجِ، فلمَّا وجَبَتْ به النَّفقةُ قبلَ التأكُّدِ فلَأنْ تَجبَ بعدَ التأكُّدِ أَولى.
وأمَّا قَولُه تعالَى: ﴿فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] ففيها أمرٌ بالإنفاقِ على الحامِلِ، وإنه لا يَنفي وُجوبَ الإنفاقِ على غيرِ الحامِلِ،
ولا يُوجِبُه أيضًا، فيَكونُ مَسكوتًا مَوقوفًا على قيامِ الدَّليلِ، وقد قامَ دَليلُ الوُجوبِ وهو ما ذكَرْنا.
وأما حَديثُ فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ فقدْ رَدَّه عُمرُ رضي الله عنه، فعن حمَّادٍ عن الشَّعبيِّ عن فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ «أنَّ زوْجَها طلَّقَها ثلاثًا فأتَتِ النبيَّ ﷺ فقالَ: لا نَفقةَ ولا سُكنى، قالَ فأخبَرْتُ بذلكَ النخَعيَّ فقالَ: قالَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ وأُخبِرَ بذلكَ: لسْنَا بتارِكي آيةً مِنْ كِتابِ اللهِ تعالَى وقولَ رَسولِ اللهِ ﷺ لقَولِ امرَأةٍ لعَلَّها أُوهِمَتْ، سَمعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «لها السُّكنى والنَّفقةُ» (١).
وعنِ الأعمَشِ عن عُمارةَ بنِ عُميرٍ عن الأسوَدِ أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ وعبدَ اللهِ بنَ مَسعودٍ قالا في المُطلَّقةِ ثلاثًا: «لها السُّكنى والنَّفقةُ» (٢).
ثمَّ قد قيلَ في تَأويلِه أنها كانَتْ تَبذُو على أحمائِها -أي: تَفحشُ عليهِم باللِّسانِ، مِنْ قَولِهم: بَذوتُ على فُلانٍ، أي: فَحشتُ عليهِ- أي: كانَتْ تُطيلُ لِسانَها عليهِم بالفُحشِ، فنقَلَها رَسولُ اللهِ إلى بَيتِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ، ولم يَجعلْ لها نَفقةً ولا سُكنَى؛ لأنها صارَتْ كالناشِزةِ إذا كانَ سَببُ الخُروجِ منها، وهكذا نَقولُ فيمَن خرَجَتْ مِنْ بيتِ زَوجِها في عدَّتِها، أو كانَ منها سَببٌ أوجَبَ الخُروجَ أنها لا تَستحقُّ النَّفقةَ ما دامَتْ في بَيتِ غيرِ الزَّوجِ، وقيلَ: إنَّ زوْجَها كانَ غائبًا فلَم يَقْضِ لها بالنَّفقةِ والسُّكنى على الزوجِ لغَيبتِه؛ إذ لا يَجوزُ القَضاءُ على الغائبِ مِنْ غيرِ أنْ يكونَ عنه خَصمٌ حاضِرٌ.
(١) رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣/ ٦٨).
(٢) رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣/ ٦٨).
ولأنَّ النَّفقة تَجبُ بالاحتِباسِ، وقد بَقيَ بعدَ الطَّلاقِ الثلاثِ والبائنِ، فتَبقَى النَّفقةُ، وسَواءٌ كانَتِ المُعتدةُ عن طَلاقٍ كَبيرةً أو صَغيرةً، مُسلمةً أو كِتابيةً؛ لأنَّ ما ذكَرْنا مِنْ الدَّلائلِ لا يُوجبُ الفَصلَ (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ المُطلَّقةَ ثلاثًا والبائنةَ لا نَفقةَ لها؛ لقَولِه تعالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، فخَصَّ الحاملَ بالأمرِ بالإنفاقِ عليها، فلو وجَبَ الإنفاقُ على غيرِ الحامِلِ لَبطَلَ التَّخصيصُ، فدلَّ ذلك على أنها إنْ كانَتْ حائلًا لا نَفقةَ لها؛ لأنَّ اللهَ تعالَى جعَلَ نَفقةَ المَبتوتةِ مَشروطةً بالحَملِ، فدَلَّ على سُقوطِها بعَدمِ الحَملِ.
ولأنَّ النَّفقةَ لو كانَتْ تَجبُ كما تَجبُ السُّكنى لَمَا كانَ لاختِصاصِ النَّفقةِ للحاملِ معنًى، فلمَّا وقَعَ الاختِصاصُ وجَبَ أنه لا نَفقةَ للمَرأةِ إذا لم تكنْ حامِلًا.
ولأنَّ اللهَ ﷾ لمَّا ذكَرَ السُّكنى أطلَقَها لكُلِّ مُطلَّقةٍ، فلمَّا ذكَرَ النَّفقة قيَّدَها بالحَملِ، فدَلَّ على أنَّ المُطلَّقةَ البائنَ لا نَفقةَ لها.
ولِما رَواهُ مُسلمٌ عن الشَّعبيِّ قالَ: دخَلْتُ على فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ فسَألتُها عن قَضاءِ رَسولِ اللهِ ﷺ عليها، فقالَتْ: «طلَّقَها زَوجُها البتَّةَ فقالَتْ:
(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ٢٠٩، ٢١٠)، و «التجريد» للقدوري (١٠/ ٥٣٩٥، ٥٣٩٦).
فخاصَمتُه إلى رَسولِ اللهِ ﷺ في السُّكنى والنَّفقةِ، قالَتْ: فلَم يَجعَلْ لي سُكنَى ولا نَفقةً، وأمَرَني أنْ أعتَدَّ في بيتِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ» (١).
وفي رِوايةٍ عن الشَّعبيِّ عن فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ عن النبيِّ ﷺ في المُطلَّقةِ ثَلاثًا قالَ: «ليسَ لها سُكنَى ولا نَفقةٌ» (٢).
وعن أبي بَكرِ بنِ أبي الجَهمِ قالَ: سَمعتُ فاطِمةَ بنتَ قَيسٍ تَقولُ: «أرسَلَ إليَّ زَوجِي أبو عَمرِو بنُ حَفصِ بنِ المُغيرةِ عيَّاشَ بنَ أبي رَبيعةَ بطَلاقِي وأرسَلَ معَه بخَمسةِ آصُعِ تَمرٍ وخَمسةِ آصُعِ شَعيرٍ، فقُلتُ: أمَا ليَ نَفقةٌ إلا هذا؟ ولا أعتَدُّ في مَنزلِكُم، قالَ: لا، قالَتْ: فشَدَدتُ عليَّ ثِيابِي وأتَيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: كَمْ طَلَّقكِ؟ قلتُ: ثَلاثًا، قالَ: صَدَقَ، ليسَ لكِ نَفقةٌ، اعتَدِّي في بَيتِ ابنِ عَمِّكِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ فإنَّه ضَريرُ البَصرِ تُلقِي ثَوبَكِ عِندَهُ» (٣).
ورَوى عامرٌ أنه قالَ: «قَدِمتُ المَدينةَ فأتَيتُ فاطِمةَ بنتَ قَيسٍ فحَدَّثتْني أنَّ زوْجَها طلَّقَها على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ، فبعَثَه رَسولُ اللهِ ﷺ في سَريَّةٍ، قالَتْ: فقالَ لي أخوهُ: أخرُجِي مِنْ الدارِ، فقلتُ: إنَّ لي نَفقةً وسُكنَى حتى يَحلَّ الأجَلُ، قالَ: لا، قالَتْ: فأتَيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ فقلتُ: إنَّ فُلانًا طلَّقَني، وإنَّ أخاهُ أخرَجَني ومنَعَني السُّكنى
(١) أخرجه مسلم (١٤٨٠).
(٢) أخرجه مسلم (١٤٨٠).
(٣) أخرجه مسلم (١٤٨٠).
والنَّفقةَ، فأرسَلَ إليه فقالَ: ما لكَ ولابنةِ آلِ قَيسٍ، قالَ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ أخي طلَّقَها ثلاثًا جَميعًا، قالَتْ: فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: انظُرِي يا ابنَةَ آلِ قَيسٍ إنما النَّفقةُ والسُّكنى للمَرأةِ على زَوجِها ما كانَتْ له عليها رَجعةٌ، فإذا لم يَكنْ له عليها رَجعةٌ فلا نَفقةَ ولا سُكنَى، أُخرجِي فانزِلي على فُلانةَ، ثمَّ قالَ: إنه يُتحدَّثُ إليها، انزِلي على ابنِ أمِّ مَكتومٍ فإنه أعمَى» (١).
ولأنها زوجيةٌ بانَتْ، فوجَبَ أنْ تَسقطَ النَّفقةُ بزَوالِها كالمُتوفَّى عنها زَوجُها، ولأنه بائنٌ، فوجَبَ أنْ تَسقطَ نَفقتُها كغيرِ المَدخولِ بها، ولأنَّ النَّفقةَ في مُقابلةِ التَّمكينِ، فإذا زالَ التَّمكينُ سقَطَتِ النَّفقةُ، ولأنه يَملكُ الاستمتاعَ بزَوجتِه كما يَملكُ رِقَّ أمَتِه، فلمَّا سقَطَتْ نَفقةُ الأمَةِ بزَوالِ مِلكِه عن رِقِّها وجَبَ أنْ تَسقطَ نَفقةُ الزَّوجةِ بزَوالِ مِلكِه عن الاستِمتاعِ بها (٢).
قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: واختَلفُوا في سُكنَى المَبتوتةِ ونَفقتِها إذا لم تَكنْ حامِلًا على ثَلاثةِ أقوالٍ:
أحَدُها: أنَّ لها السُّكنى والنَّفقةَ، وهو قَولُ الكُوفيِّينَ.
(١) حَدِيثٌ صَحيحٌ: رواه الإمام أحمد في «مسنده» (٢٧١٤٥، ٢٧٣٨٩)، والنسائي (٣٤٠٣).
(٢) «الموطأ» (٥/ ٥٨٠، ٥٨١)، و «المدونة الكبرى» (٥/ ٤٧١)، و «التمهيد» (١٩/ ١٤١)، و «الاستذكار» (٦/ ١٦٥)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٢٣)، و «شرح صحيح البخاري» (٧/ ٤٩٦)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (٤/ ٢٨٧)، و «الحاوي الكبير» (١١/ ٤٦٥، ٤٦٦)، و «المهذب» (٢/ ١٦٤)، و «البيان» (١١/ ٢٣٠، ٢٣١)، و «شرح صحيح مسلم» (١٠/ ٩٥)، و «المغني» (٨/ ١٨٥، ١٨٧).
والقَولُ الثاني: أنه لا سُكنَى لها ولا نَفقةَ، وهو قَولُ أحمَدَ وداودَ وأبي ثَورٍ وإسحاقَ وجَماعةٍ.
الثالِثُ: أنَّ لها السُّكنى ولا نَفقةَ لها، وهو قَولُ مالِكٍ والشافِعيِّ وجَماعةٍ.
وسَببُ اختِلافِهم: اختِلافُ الرِّوايةِ في حَديثِ فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ، ومُعارَضةُ ظاهِرِ الكِتابِ له، فاستَدلَّ مَنْ لم يُوجِبْ لها نَفقةً ولا سُكنَى بما رُويَ في حَديثِ فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ أنها قالَتْ: «طلَّقَني زَوجِي ثَلاثًا على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ، فأتَيتُ النبيَّ ﷺ فلَم يَجعلْ لي سُكنَى ولا نَفقةً» خرَّجَه مُسلمٌ، وفي بَعضِ الرِّواياتِ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «إنما السُّكنى والنَّفقةُ لمَن لزَوجِها عليها الرَّجعةُ»، وهذا قَولٌ مَرويٌّ عن عليٍّ وابنِ عبَّاسٍ وجابرِ بنِ عَبدِ اللهِ.
وأما الذينَ أوجَبُوا لها السُّكنى دونَ النَّفقةِ فإنهُم احتَجُّوا بما رَواهُ مالكٌ في مُوطَّئِه مِنْ حَديثِ فاطِمةَ المَذكورةِ، وفيه: فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «ليسَ لكِ عليهِ نَفقةٌ، وأمَرَها أنْ تَعتدَّ في بَيتِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ»، ولم يَذكرْ فيها إسقاطَ السُّكنى، فبَقيَ على عُمومِه في قولِه تعالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، وعلَّلُوا أمْرَه عليه الصلاة والسلام بأنْ تَعتدَّ في بيتِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ بأنه كانَ في لِسانِها بَذاءٌ.
وأما الذينَ أوجَبُوا لها السُّكنى والنَّفقةَ فصارُوا إلى وُجوبِ السُّكنى لها بعُمومِ قولِه تعالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]،
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب النفقات
باب الحال التي تجب فيها النفقة على الزوج
باب الحال التي تجبُ فيها النَّفَقةُ على الزَّوجِ
١٣٩٣ - مسألة؛ قال، رَحِمَه اللَّه: (وَإذَا تزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ مِثلُهَا يُوطَأُ، فلم تَمْنَعْهُ نَفْسَهَا، وَلَا مَنَعَهُ أَوْليَاوُهَا، لَزِمَتْه النَّفَقَةُ)
وجملةُ ذلك أنَّ المرأةَ تَسْتَحِقُّ النَّفقةَ على زَوْجِها بشَرْطينِ؛ أحدهما، أنَّ تكونَ كبيرةً يُمْكِنُ وطؤُها، فإن كانتْ صغيرةً لا تَحْتَمِلُ الوَطْءَ، فلا نفقةَ لها. وبهذا قال الحسنُ، وبكرُ بن عبد اللَّه الْمُزَنِيُّ، والنَّخَعِيِّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْيِ. وهو المَنْصوصُ عن الشافعيِّ. وقال في موضعٍ: لو قيل: لها النَّفَقةُ. كان مَذْهَبًا، وهذا قولُ الثَّوْرِيِّ؛ لأنَّ تَعَذُّرَ الوَطْءِ لم يكُنْ بفِعْلِها، فلم يَمْنَعْ وُجُوبَ النَّفقةِ لها، كالمَرَضِ. ولَنا، أنَّ النَّفقةَ تحبُ بالتَّمْكِينِ من الاسْتِمْتاعِ، ولا يُتَصَوَّرُ ذلك مع تَعَذُّرِ الاسْتِمْتاعِ، فلم تَجِبْ نفقَتُها، كما لو مَنَعَه أولياؤُها من تَسْلِيمِ نَفْسِها، وبهذا يَبْطُلُ ما ذكَرُوه، ويفارِقُ المَرِيضةَ، فإنَّ الاسْتِمْتاعَ بها مُمْكِنٌ، وإنَّما نَقْصَ بالمَرَضِ، ولأنَّ مَنْ لا تُمَكِّنُ الزَّوجَ من نَفْسِها، لا يَلْزَمُ الزَّوْجَ نَفَقَتُها، فهذه أَوْلَى؛ لأنَّ تلك يُمْكِنُ الزَّوْجَ قَهْرُها، والاسْتِمْتاعُ منها كُرْهًا، وهذه لا يُمْكِنُ ذلك فيها بحالٍ. الشَّرْط الثاني، أن تَبْذُلَ التَّمْكِينَ التَّامَّ من نَفْسِها لزَوْجِها، فأمَّا إن مَنَعَتْ نفسَها، أو مَنَعَها أولياؤُها، أو تَساكَتَا بعدَ العَقْدِ، فلم تَبْذُلْ ولم يَطْلُبْ، فلا نَفقةَ لها، وإن أقامَا زَمَنًا، فإنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- تزَوَّجَ عائشةَ، ودَخَلَتْ عليه بعدَ سَنَتَيْنِ، ولم يُنْفِقْ إلَّا بعدَ دُخُولِه، ولم يَلْتَزِمْ نفقَتها لما مَضَى
ارجع إلى حكم النفقة للاطلاع على جميع المسائل.