الإسلام > النكاح والأسرة > حكم النفقة > على من تجب النفقة عند اجتماع الأصول والحواشي؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 15 دقيقة قراءةولا أعمَيَينِ»، فيَاللهِ العَجبُ أينَ شَرطُ اللهِ ورَسولِه في بَرِّ الوالدَينِ وصِلةِ الرَّحمِ أنْ يَكونَ أحَدُهم زَمِنًا أو أعمَى؟ وليسَتْ صِلةُ الرَّحمِ ولا بِرُّ الوالدَينِ مَوقوفةً على ذلكَ شَرعًا ولا لُغةً ولا عُرفًا، وباللهِ التَّوفيقُ (١).
على مَنْ تَجبُ النَّفقةُ عندَ اجتِماعِ الأصولِ والحَواشِي؟
قالَ الحَنفيةُ: إذا اجتَمعَ الأصولُ معَ الحَواشِي فلا يَخلو مِنْ حالتَينِ:
الحالةُ الأُولى: أنْ يكونَ أحَدُ الصِّنفَينِ وارِثًا والآخَرُ غيْرَ وارِثٍ، فيُعتبَرُ الأصولُ وحْدَهم؛ تَرجيحًا للجُزئيَّةِ، ولا مشارَكةَ في الإرثِ حتَّى يُعتبَرَ، فيُقدَّمُ الأصلُ سَواءٌ كانَ هوَ الوارِثَ أو كانَ الوارِثُ الصِّنفَ الآخرَ.
مثالُ الأولِ: لو له جَدٌّ لأبٍ وأخٌ شَقيقٌ فالنَّفقةُ على الجَدِّ.
ومثالُ الثَّاني: لو له جَدٌّ لأمٍّ وعَمٌّ فالنَّفقةُ على الجَدِّ.
لتَرجُّحِه في المِثالَينِ بالجُزئيةِ مع عَدمِ الاشتِراكِ في الإرثِ؛ لأنه هو الوارِثُ في الأولِ، والوارِثُ هو العَمُّ في الثاني.
ولو وُجدَ جَدٌّ لأمٍّ مع الجَدِّ لأبٍ تقدَّمَ عليه الجَدُّ لأبٍ؛ لتَرجُّحِه بالإرثِ مع تَساوِيهما في الجُزئيةِ.
الحالَةُ الثانيةُ: أنْ يَكونَ كلٌّ في الصِّنفينِ -الأصولِ والحَواشِي- وارِثًا، فيُعتبَرُ في هذهِ الحالَةِ الإرثُ، أي مِقدارُ الإرثِ، فتَجبُ على كلِّ واحِدٍ منهُم النَّفقةُ بمِقدارِ إرثِه.
(١) «زاد المعاد» (٥/ ٥٤٩، ٥٥١).
فلو اجتَمعَ لشَخصٍ يَحتاجُ إلى النَّفقةِ أمٌّ وأخٌ عَصَبيٌّ -أو ابنُ أخٍ كذلكَ، أو عمٌّ كذلكَ- على الأمِّ الثُّلثُ وعلى العَصبةِ الثُّلثانِ؛ لأنَّ تَوزيعَ المِيراثِ ونَصيبَ كلِّ واحِدٍ منهُما يَكونُ هكذا.
ولو وُجدَ أمٌّ مع الجَدِّ لأمٍّ قُدِّمتْ عليه؛ لتَرجحِها بالإرثِ وبالقُربِ.
وكذلكَ لو وُجدَ في الأمثِلةِ الأخيرةِ مع الأمِّ جَدٌّ لأمٍّ نُقدِّمُها عليهِ؛ لِما قُلنا.
ولو وُجدَ معَها جَدٌّ لأبٍ بأنْ كانَ للفَقيرِ أمٌّ وجَدٌّ لأبٍ وأخٌ عَصَبيٌّ أو ابنُ أخٍ أو عَمّ كانَتِ النَّفقةُ على الجَدِّ وحْدَه.
ووَجهُ ذلكَ أنَّ الجَدَّ يَحجُبُ الأخَ وابنَه والعَمَّ؛ لتَنزيلِه حِينئذٍ مَنزلةَ الأبِ، وحَيثُ تَحقَّقَ تنزيلُه مَنزلةَ الأبِ صارَ كما لو كانَ الأبُ مَوجودًا حَقيقةً، وإذا كانَ الأبُ مَوجودًا حَقيقةً لا تُشاركُه الأمُّ في وُجوبِ النَّفقةِ، فكذا إذا كانَ مَوجودًا حُكمًا، فتَجبُ على الجَدِّ فقطْ، بخِلافِ ما لو كانَ للفَقيرِ أمٌّ وجَدٌّ لأبٍ فقطْ؛ فإنَّ الجَدَّ لم يَنزلْ مَنزلةَ الأبِ، فلذا وجَبَتِ النَّفقةُ عليهِما أثلاثًا في ظاهِرِ الرِّوايةِ.
وعندَ الاستِواءِ في المَحرميَّةِ وأهليَّةِ الإرثِ يُرجَّحُ مَنْ كانَ وارثًا حَقيقةً في هذهِ الحالةِ، حتى إذا كانَ له عَمٌّ وخالٌ فالنَّفقةُ على العمِّ؛ لأنهُما استَويَا في المَحرميةِ، ويَترجحُ العمُّ على الخالِ لكَونِه وارثًا حَقيقةً.
ولو كانَ له عمٌّ وخالٌ فالنَّفقةُ على العمِّ؛ لأنهُما تَساويَا في القَرابةِ، والعَمُّ هو الوارِثُ، فيَجبُ عليهِ.
ولو كانَ له خالٌ وابنُ عَمٍّ فالنَّفقةُ على الخالِ دونَ ابنِ العَمِّ؛ لأنهُما لم
يَستويَا في الرَّحمِ المَحرمِ، بل الخالُ هو ذُو الرَّحمِ المَحرمُ، فيَجبُ عليهِ، واستِحقاقُ المِيراثِ للتَّرجيحِ، وذلكَ عندَ الاستِواءِ في سَببِ الاستِحقاقِ.
ولو كانَ له عمَّةٌ وخالةٌ وابنُ عمٍّ فعَلى الخالَةِ الثُّلثُ وعلى العمَّةِ الثُّلثانِ ولا شَيءَ على ابنِ العمِّ؛ لأنه لم يُوجَدْ في حَقِّ ابنِ العمِّ سَببُ الاستِحقاقِ، والعمَّةُ والخالَةُ استَويَا في سَببِ الاستِحقاقِ وفي استِحقاقِ المِيراثِ، فيَكونُ بينَهُما على قَدرِ المِيراثِ.
ولو كانَ له عَمٌّ وعمَّةٌ وخالةٌ فالنَّفقةُ على العمِّ لا غيرَ؛ لأنَّ العمَّ مُساوٍ لهُما في سَببِ الاستِحقاقِ وهو الرَّحمُ المَحرمُ، وفضَلَهما بكَونِه وارثًا؛ إذ المِيراثُ له لا لهُما، فكانَتِ النَّفقةُ عليهِ لا عليهما، وإنْ كانَ العمُّ مُعسرًا فالنَّفقةُ على العمَّةِ والخالَةِ أثلاثًا على قَدرِ مِيراثِهما ويُجعَلُ العمُّ كالمَيتِ.
والأصلُ في هذا أنَّ كلَّ مَنْ كانَ يَحوزُ جَميعَ المِيراثِ وهو مُعسرٌ يُجعلُ كالمَيتِ، وإذا جُعلَ كالمَيتِ كانَتِ النَّفقةُ على الباقينَ على قَدرِ مَواريثِهم، وكلُّ مَنْ كانَ يَحوزُ بعضَ المِيراثِ لا يُجعَلُ كالمَيتِ، فكانَتِ النَّفقةُ على قَدرِ مَواريثِ مَنْ يَرثُ معَه (١).
ومَذهبُ الحَنابلةِ عندَ اجتِماعِ الأقاربِ مِنْ جِهتَي الأصولِ والحَواشِي فالمُعتبَرُ الإرثُ، فتَجبُ النَّفقةُ على كلٍّ مِنهُم بمِقدارِ إرثِ كلِّ واحدٍ فيهِم.
فإنْ كانَ للفَقيرِ ولو حَمْلًا وارثٌ غيرَ أبٍ فنَفقتُه عليهِم على قَدرِ إرثِهم
(١) «تحفة الفقهاء» (٢/ ١٦٧)، و «بدائع الصنائع» (٤/ ٣٣، ٣٤)، و «البحر الرائق» (٤/ ٢٢٨)، و «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٦٢٥).
منه؛ لأنَّ اللهَ تعالَى رتَّبَ النَّفقةَ على الإرثِ، فيَجبُ أنْ يُرتَّبَ المِقدارُ عليهِ، فأمٌّ وجدٌّ لأبٍ على الأمِّ الثُّلثِ والباقي على الجَدِّ؛ لأنهُما يَرثانِه كذلكَ.
فإنْ كانَ هُناكَ جدَّةٌ وأخٌ شَقيقٌ أو لأبٍ على الجَدَّةِ السُّدسُ والباقي على الأخِ كإرثِهما له.
وإنْ كانَ هناكَ أمٌّ وبنتٌ فالنَّفقةُ بينَهُما أرباعًا كما يَرثانِه فَرضًا ورَدًّا.
وإذا كانَ هناكَ ابنٌ وبنتٌ فالنَّفقةُ بينَهُما أثلاثًا؛ لأنهُم هكذا يَرثونَ.
فإنْ كانَ أحَدُهم مُوسرًا والآخَرُ مُعسرًا فلا شَيءَ على المُعسرِ ويَلزمُ المُوسرَ بقَدرِ إرثِه مِنْ غيرِ زِيادةٍ؛ لأنَّ المُوسرَ منهُما إنما يَجبُ عليه مع يَسارِ الآخَرِ ذلكَ القَدرُ، فلا يَتحمَّلُ عن غيرِه إذا لم يَجدِ الغيرُ ما يَجبُ عليهِ.
وهذا ما لم يَكنْ مِنْ عَمودَي النَّسبِ، فتَجبُ النَّفقةُ كلُّها على المُوسرِ؛ لقوَّةِ القَرابةِ؛ بدَليلِ عَدمِ اشتِراطِ الإرثِ.
وعلى هذا المَعنَى السابقِ حِسابُ النَّفقاتِ، يَعني أنَّ تَرتيبَ النَّفقاتِ على تَرتيبِ المِيراثِ، فكَما أنَّ للجدَّةِ السُّدسُ مِنْ المِيراثِ كذلكَ عليها السدسُ مِنْ النَّفقةِ.
ولو اجتَمعَ بنتٌ وأختٌ لغيرِ أمٍّ، أو بنتٌ وأخٌ، أو ثَلاثُ أخَواتٍ مُتفرِّقاتٍ فالنَّفقةُ بينَهُم على قَدرِ المِيراثِ في ذلكَ، سَواءٌ كانَ رَدًّا أو عَولًا أو لا.
ولو اجتَمعَ أمُّ أمٍّ وأمُّ أبٍ فهُمَا سَواءٌ في النَّفقةِ؛ لاستِوائِهما في المِيراثِ.
إلا أنْ يَكونَ للمُنفَقِ عليه أبٌ، فيَنفردُ بالنَّفقةِ بالمَعروفِ.
ومَن له ابنٌ فَقيرٌ وأخٌ مُوسرٌ فلا نَفقةَ له عليهِما، أمَّا الابنُ فلُعسرتِه، وأما الأخُ فلعَدمِ مِيراثِه.
ومَن له أمٌّ فَقيرةٌ وجدَّةٌ مُوسرةُ فالنَّفقةُ على الجدَّةِ المُوسرةِ وإنْ كانَتْ مَحجوبةً؛ لقوَّةِ القَرابةِ.
وكذا أبٌ فَقيرٌ وجدٌّ مُوسرٌ النَّفقةُ على الجَدِّ.
وأبَوانِ وجدٌّ والأبُ مُعسرٌ على الأمِّ المُوسرةِ ثُلثُ النَّفقةِ؛ لأنها تَرثُ الثلثَ، والباقي على الجَدِّ؛ لأنه يَرثُه كذلكَ لَولا الأبُ،
وإنْ كانَ معَهُم زَوجةٌ فكَذلكَ؛ لأنه لا مَدخلَ لها في وُجوبِ النَّفقةِ، بل نَفقتُها تابِعةٌ لنَفقتِه.
وأبوَانِ وأخَوانِ وجَدٌّ والأبُ مُعسرٌ فلا شَيءَ على الأخوَينِ؛ لأنهُما مَحجوبانِ وليسَا مِنْ عَمودَي النَّسبِ، ويَكونُ على الأمِّ الثُّلثُ مِنْ النَّفقةِ قياسَ القاعِدةِ السابقةِ السُّدسُ فقطْ كالإرثِ؛ لحَجبِ الأخوَينِ لها عن الثُّلثِ وإنْ كانَا مَحجوبينِ بالأبِ، والباقي على الجَدِّ كما لو لم يَكنْ أخَوانِ.
وإنْ لم يَكنْ في المَسألةِ جَدٌّ فالنَّفقةُ كلُّها على الأمِّ وحْدَها دونَ الأبِ؛ لعُسرتِه، ودُونَ الأخوَةِ؛ لحَجبِهم (١).
(١) «المغني» (٨/ ١٧٠، ١٧١، ١٧٥)، و «المبدع» (٨/ ٢١٦، ٢١٧)، و «كشاف القناع» (٥/ ٥٦٦، ٥٦٧).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب النفقات
باب الحال التي تجب فيها النفقة على الزوج
باب الحال التي تجبُ فيها النَّفَقةُ على الزَّوجِ
١٣٩٣ - مسألة؛ قال، رَحِمَه اللَّه: (وَإذَا تزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ مِثلُهَا يُوطَأُ، فلم تَمْنَعْهُ نَفْسَهَا، وَلَا مَنَعَهُ أَوْليَاوُهَا، لَزِمَتْه النَّفَقَةُ)
وجملةُ ذلك أنَّ المرأةَ تَسْتَحِقُّ النَّفقةَ على زَوْجِها بشَرْطينِ؛ أحدهما، أنَّ تكونَ كبيرةً يُمْكِنُ وطؤُها، فإن كانتْ صغيرةً لا تَحْتَمِلُ الوَطْءَ، فلا نفقةَ لها. وبهذا قال الحسنُ، وبكرُ بن عبد اللَّه الْمُزَنِيُّ، والنَّخَعِيِّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْيِ. وهو المَنْصوصُ عن الشافعيِّ. وقال في موضعٍ: لو قيل: لها النَّفَقةُ. كان مَذْهَبًا، وهذا قولُ الثَّوْرِيِّ؛ لأنَّ تَعَذُّرَ الوَطْءِ لم يكُنْ بفِعْلِها، فلم يَمْنَعْ وُجُوبَ النَّفقةِ لها، كالمَرَضِ. ولَنا، أنَّ النَّفقةَ تحبُ بالتَّمْكِينِ من الاسْتِمْتاعِ، ولا يُتَصَوَّرُ ذلك مع تَعَذُّرِ الاسْتِمْتاعِ، فلم تَجِبْ نفقَتُها، كما لو مَنَعَه أولياؤُها من تَسْلِيمِ نَفْسِها، وبهذا يَبْطُلُ ما ذكَرُوه، ويفارِقُ المَرِيضةَ، فإنَّ الاسْتِمْتاعَ بها مُمْكِنٌ، وإنَّما نَقْصَ بالمَرَضِ، ولأنَّ مَنْ لا تُمَكِّنُ الزَّوجَ من نَفْسِها، لا يَلْزَمُ الزَّوْجَ نَفَقَتُها، فهذه أَوْلَى؛ لأنَّ تلك يُمْكِنُ الزَّوْجَ قَهْرُها، والاسْتِمْتاعُ منها كُرْهًا، وهذه لا يُمْكِنُ ذلك فيها بحالٍ. الشَّرْط الثاني، أن تَبْذُلَ التَّمْكِينَ التَّامَّ من نَفْسِها لزَوْجِها، فأمَّا إن مَنَعَتْ نفسَها، أو مَنَعَها أولياؤُها، أو تَساكَتَا بعدَ العَقْدِ، فلم تَبْذُلْ ولم يَطْلُبْ، فلا نَفقةَ لها، وإن أقامَا زَمَنًا، فإنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- تزَوَّجَ عائشةَ، ودَخَلَتْ عليه بعدَ سَنَتَيْنِ، ولم يُنْفِقْ إلَّا بعدَ دُخُولِه، ولم يَلْتَزِمْ نفقَتها لما مَضَى
ارجع إلى حكم النفقة للاطلاع على جميع المسائل.