الإسلام > النكاح والأسرة > حكم النفقة > المسألة الرابعة: إذا رضيت بإعساره أو تزوجته وهي عالمة بذلك هل لها الفسخ بعد ذلك أم لا؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 7 دقيقة قراءةمَنْ لم يَثبتْ عُسرُه وهو يُقِرُّ بالمَلاءِ وامتَنعَ مِنْ الإنفاقِ والطَّلاقِ -أي: ولم يَكنْ له مالٌ ظاهِرٌ- فإنه يُعجَّلُ عليهِ الطلاقُ على قَولٍ، ويُسجَنُ حتى يُنفِقَ عليها على آخَرَ، حكاهُما ابنُ عَرفةَ، فإذا سُجنَ ولم يَفعلْ فإنه يُعجَّلُ عليه الطَّلاقُ، كما أنه يُعجَّلُ عليه بلا تلوُّمٍ إذا لم يُجبِ الحاكمَ بشَيءٍ حينَ رفَعَتْه، وأما إذا كانَ له مالٌ ظاهِرٌ أُخذَ منه كَرهًا (١).
المسألةُ الرابِعةُ: إذا رَضِيتْ بإعسارِه أو تزوَّجتْه وهي عالِمَةٌ بذلكَ هل لها الفَسخُ بعدَ ذلكَ أم لا؟
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو تزوَّجتْه وهي عالِمةٌ بعُسرِه، هل يَجوزُ لها فَسخُ النكاحِ بعدَ ذلكَ لعَدمِ قُدرتِه على النَّفقةِ أم لا؟
فذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الزوجةَ إذا عَلِمتْ عندَ العَقدِ عليها بفَقرِه فليسَ لها الفَسخُ ولو أيسَرَ بعدُ ثمَّ أعسَرَ؛ لأنها رَضِيتْ بعَيبِه ودخَلَتْ في العَقدِ عالِمةً به، فلَم تَملكِ الفسخَ كما لو تزوَّجتْ عِنِّينًا عالِمةً بعُنَّتِه أو قالَتْ بعدَ العَقدِ: «قد رَضيتُ به عِنينًا".
قالَ المالِكيةُ: وكذا لو عَلِمتْ عندَ العَقدِ عليها أنَّ زوْجَها مِنْ السؤَّالِ الطائِفينَ على الأبوابِ ودخَلَتْ على ذلكَ راضِيةً فإنه لا يَثبتُ لها حَقُّ في الفَسخِ، ولَزمَها المُقامُ معَه بلا نَفقةٍ، وهي مَحمولةٌ على العِلمِ إنْ كانَ مِنْ السؤَّالِ لشُهرةِ حالِه، وعلى عَدمِه إنْ كانَ فَقيرًا لا يَسألُ.
(١) «مواهب الجليل» (٥/ ٤٤٤)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ١٩٧)، و «حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني» (٢/ ١٧١).
لكنْ إذا دخَلَتْ على أنَّ زوْجَها مِنْ السؤَّالِ ثمَّ بعدَ الدُّخولِ بها ترَكَه فإنه يَثبتُ لها حَقُّ الفَسخِ، وكَذلكَ يَثبتُ لها حَقُّ الفَسخِ إذا كانَ زَوجُها ليسَ مِنْ السؤَّال، إلا أنه كانَ مَشهورًا بالعَطاءِ -أي يَقصدُه الناسُ بالعَطاءِ- ودخَلَتْ عالِمةً بذلكَ ثمَّ انقَطعَ العَطاءُ عنه فلَها الفَسخُ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ والمالِكيةُ في مُقابلِ المَشهورِ إلى أنَّ الزَّوجةَ إنْ رَضيَتْ بالمُقامِ معَه مع عُسرتِه أو تَركِ إنفاقِه في المُستقبَلِ ثم بدَا لها الفَسخُ، أو تَزوَّجتْ مُعسرًا عالِمةً بحالِه راضِيةً بعُسرتِه وتَركِ إنفاقِه أو شرَطَ عليها أنْ لا يُنفقَ عليها ثم عَنَّ لها الفَسخُ فلَها ذلكَ؛ لأنَّ وُجوبَ النَّفقةِ يَتجددُ في كلِّ يَومٍ، فيَتجددُ لها الفَسخُ، ولا يَصحُّ إسقاطُ حقِّها فيما لم يَجبْ لها، كإسقاطِ شُفعتِها قبلَ البَيعِ، ولذلكَ لو أسقَطَتِ النَّفقةَ المُستقبلةَ لم تَسقطْ ولو أسقَطَتْها، أو أسقَطَتِ المَهرَ قبلَ النكاحِ لم يَسقطْ، وإذا لم يَسقطْ وُجوبُها لم يَسقطِ الفَسخُ الثابتُ به.
ولا أثرَ لقَولِها: «رَضيتُ بإعسارِه أبدًا»؛ لأنه وَعدٌ لا يَلزمُ الوفاءُ بهِ.
وإذا رَضيَتْ بالمُقامِ مع ذلكَ لم يَلزمْها التَّمكينُ مِنْ الاستِمتاعِ؛ لأنه لم يُسلَّمْ إليها عِوضُه، فلَم يَلزمْها تَسليمُه كما لو أعسَرَ المُشتَري بثَمنِ المَبيعِ لم يَجبْ تَسليمُه إليهِ، وعليهِ تَخليةُ سَبيلِها لتَكتسبَ لها وتُحصِّلَ ما تُنفقُه على نَفسِها؛ لأنَّ في حَبسِها بغيرِ نَفقةٍ إضرارًا بها، ولو كانَتْ مُوسرةً لم يَكنْ له
(١) «التاج والإكليل» (٣/ ٢٤٥، ٢٤٦)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ١٩٧)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٤٩٤، ٤٩٥)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٤٢١).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب النفقات
١٣٨١ - مسألة؛ قال: (فإذا منعها، ولم تجد ما تأخذه، فاختارت فراقه، فرق الحاكم بينهما)
ولأنَّه إذا ثَبَتَ الفَسْخُ بالعَجْزِ عن الوَطْءِ، والضَّرَرُ فيه أقَلُّ، لأنَّه إنَّما هو فَقْدُ لَذَّةٍ وشَهْوةٍ يقومُ البَدَنُ بدُونِه، فلأَنْ يَثْبُتَ بالعَجْزِ عن النَّفَقةِ التي لا يَقُومُ البَدَنُ إلَّا بها أوْلَى. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه متى ثَبَتَ الإِعْسارُ بالنَّفَقةِ على الإِطْلاقِ، فللمرأةِ المُطالَبةُ بالفَسْخِ، من غيرِ إنْظارٍ. وهذا أحدُ قَوْلَىِ الشافعيِّ. وقال حَمَّادُ بن أبي سليمانَ: يُؤَجَّلُ سنةً قياسًا على العِنِّينِ. وقال عمرُ بن عبد العزيز: اضْرِبُوا له شَهْرًا أو شَهْرينِ. وقال مالكٌ: الشَّهر ونحوه. وقال الشافعيُّ في القولِ الآخَرِ: يُؤَجّلُ ثلاثًا؛ لأنَّه قَرِيبٌ. ولَنا، ظاهرُ حديثِ عمرَ، ولأنَّه معنًى يُثْبِتُ الفَسْخَ، ولم يَرِد الشَّرْعُ بالإِنْظارِ فيه، فوَجَبَ أن يَثْبُتَ الفَسْخُ في الحالِ، كالعَيْبِ، ولأنَّ سَبَبَ الفَسْخِ الإِعْسارُ، وقد وُجِدَ، فلا يَلْزَمُ التَّأْخِيرُ.
ارجع إلى حكم النفقة للاطلاع على جميع المسائل.