الإسلام > النكاح والأسرة > حكم النفقة > خامسا: الخادم إن كانت ممن تخدم
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةخامِسًا: الخَادمُ إنْ كانَتْ ممَّن تُخدَمُ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربعَةِ على أنَّ المَرأةَ إذا كانَتْ ممَّن لا تَخدِمُ نفْسَها لكَونِها مِنْ ذَوي الأقدارِ أو كانَتْ مَريضةً وجَبَ لهَا خادِمٌ، حرًّا كانَ أو عبْدًا، وعَليهِ أُجرَتُه ونَفقتُه؛ لقَولِه ﷿: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، ومِن العِشرَةِ بالمَعروفِ أنْ يُقيمَ لها مَنْ يَخدُمُها، ولأنَّه ممَّا تَحتاجُ إلَيهِ فأشبَهَ النَّفقةَ؛ لأنَّه لا بُدَّ لها مِنْ خادِمٍ واحِدٍ يَقومُ بخِدمتِها ويَلي أُمورَ بيتِها حتَّى تَتفرَّغَ المرأةَ لحَوائجِ الزَّوجِ، فكانَ ذلكَ مِنْ حَوائجِ المَرأةِ مَنفعةً تَعودُ إلى الزَّوجِ، فيَكونُ ذلكَ على الزَّوجِ، ألَا ترَى أنَّه كما يُفرَضُ للقاضِي كفايةٌ في مالِ بيَتِ المالِ يُفرَضُ خادِمٌ لهُ أيضًا، كذَا هَهُنا.
واختَلفُوا هل يَجبُ لها أكثَرُ مِنْ خادِمٍ؟ أم لا يَجبُ إلَّا خادِمٌ واحِدٌ؟
فذهَبَ الإمامُ أبُو يُوسفَ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنَّه يَجبُ لها خادِمَانِ ولا يَجبُ أكثَرُ مِنْ ذلكَ، ورُويَ عنهُ رِوايةٌ أخرَى أنَّ المرأةَ إذا كانَتْ يَجلُّ مِقدارُها عَنْ خِدمةِ خادمٍ واحِدٍ وتَحتاجُ إلى أكثَرَ مِنْ ذلكَ يَجبُ لأكثَرَ مِنْ ذلكَ بالمَعروفِ، وبه أخَذَ الطَّحاويُّ، وجه ظاهِرِ قولِ أبي يُوسفَ أنَّ خِدمةَ امرأةٍ لا تَقومُ بخادِمٍ واحدٍ، بل تَقعُ الحاجةُ إلى خادمَينِ يَكونُ أحَدُهما مُعِينًا للآخَرِ، فأحَدُهما يَخدمُها في مَنزلِها، والثاني تُرسلُه إلى زَوجِها يَطلبُ منه النَّفقةَ ويَبتاعُ لها ما يَصلحُ لها وتُرسلُه إلى أبوَيها ويَقضي حَوائجَها (١).
(١) «بدائع الصنائع» (٤/ ٢٤)، و «الهداية» (٢/ ٤١)، و «المحيط البرهاني» (٤/ ١٩٥، ١٩٦)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٥٩)، و «الاختيار» (٤/ ٤)، و «الأم» (٥/ ٨٧)، و «الحاوي الكبير» (١١/ ٤١٩)، و «المهذب» (٢/ ١٦٢)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٢٤٥، ٢٤٦)، و «مغني المحتاج» (٥/ ١٦٠، ١٦١)، و «تحفة المحتاج» (١٠/ ١٦٧، ١٦٩)، و «الإفصاح» (٢/ ٢٠٧، ٢٠٨)، و «المغني» (٦/ ١٨٠)، و «المبدع» (٨/ ١٩٠)، و «الإنصاف» (٩/ ٣٥٩)، و «كشاف القناع» (٥/ ٥٤٤، ٥٤٥).
وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ إلَى أنَّ الزَّوجةَ إذا لَم يكْفِها خادِمٌ واحِدٌ وكانَ حالُهُ تَحتملُ أخدَمَها خِدمةَ مِثلِها، كابنةِ الخَليفةِ والمَلكِ وشبهِهِما ممَّن لا يَكفيها خادمٌ واحدٌ، وأنَّ ذلكَ هو المُعاشَرةُ بالمَعروفِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، ولأنه لمَّا وجَبَ إخدامُها بالواحِدِ لحاجتِها، كذلكَ إنِ احتاجَتْ إلى الزِّيادةِ عليها، ولأنه نَوعٌ مِنْ المُؤنةِ يَلزمُه لها، فكانَ الواجِبُ منه قدْرَ كِفايتِها؛ لأنَّ مِثلَ بناتِ المُلوكِ اللَّائي لهُنَّ خِدمةٌ كَثيرةٌ لا يَكفيها خادِمٌ واحدٌ؛ لأنها تَحتاجُ مِنْ غَسلِ ثِيابِها وإصلاحِ مَضجعِها وغيرِ ذلكَ إلى ما لا يَقومُ به الواحِدُ.
واعلَمْ أنه إذا عجَزَ عن الإخدامِ لم تُطلَّقْ عليه لذلكَ على المَشهورِ، وإذا تَنازعَا في كَونِها أهلًا للإخدامِ أو ليسَتْ أهلًا فهَلِ البيِّنةُ عليها أو عليهِ؟ قَولانِ (١).
(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٦٤، ٦٥)، رقم (١٤٠٩)، و «تفسير القرطبي» (٥/ ٩٧، ٩٨)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٢٣٢)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٤٨٢)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٤٠٧، ٤٠٨)، و «حاشية الصاوي» (٦/ ١٣٧).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ في المَذهبِ -وهو قَولُ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ- وبَعضُ المالِكيةِ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَجبُ لها أكثَرُ مِنْ خادِمٍ واحدٍ؛ لأنَّ المُستحَقَّ خِدمتُها في نفسِها، وذلكَ يَحصلُ بخادمٍ واحِدٍ.
ولأنَّ الزوجَ لو قامَ بخِدمتِها بنفسِه لا يَلزمُه نَفقةُ خادمٍ أصلًا، وخادمٌ واحِدٌ يَقومُ مَقامَه، فلا يَلزمُه غيرُه؛ لأنه إذا قامَ مَقامَه صارَ كأنَّه خدَمَ بنَفسِه، ولأنَّ الخادمَ الواحِدَ لا بُدَّ منه، والزِّيادةُ على ذلكَ ليسَ له حَدٌّ مَعلومٌ يُقدَّرُ به، فلا يكونُ اعتبارُ الخادمَينِ أَولى مِنْ الثَّلاثةِ والأربَعةِ، فيُقدَّرُ بالأقلِ وهو الواحدُ.
هذا إذا كانَ الزوجُ مُوسِرًا اتِّفاقًا، واختَلفُوا فيما لو كانَ الزوجُ مُعسِرًا هل يَجبُ لها أم لا؟
فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ فيما رَواهُ الحسَنُ عنه -وهو الأصَحُّ- أنه ليسَ عليهِ نَفقةُ خادمٍ إذا كانَ مُعسرًا وإنْ كانَ لها خادمٌ؛ لأنَّ الواجِبَ على الزوجِ المُعسِرِ مِنْ النَّفقةِ أدنَى الكِفايةِ، وقد تَكتفي المرأةُ بخِدمةِ نفسِها، فلا يَلزمُه نَفقةُ الخادمِ وإنْ كانَ لها خادمٌ.
وذهَبَ الإمامُ مُحمدٌ وأبو حَنيفةَ في رِوايةٍ والشافِعيةُ إلى أنه يَجبُ لها خادِمٌ إنْ كانَتْ ممَّن لا يَخدمُ مثلُها، وعليه نَفقتُه وإنْ كانَ مُعسرًا، وإلا فلا؛ لأنه لمَّا كانَ لها خادمٌ عُلِمَ أنها لا تَرضَى بالخدمةِ بنَفسِها، فكانَ على الزَّوجِ
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب النكاح
الباب الرابع في حقوق الزوجية حقوق الزوجة على زوجها
وَالرَّابِعُ: حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَقْتُولِ فِي زَوْجَتِهِ، وَحُكْمُ الْمَفْقُودِ فِي أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ فِي مَالِهِ - أَعْنِي: يُعَمَّرَ وَحِينَئِذٍ يُورَثُ - وَهَذِهِ الْأَقَاوِيلُ كُلُّهَا مَبْنَاهَا عَلَى تَجْوِيزِ النَّظَرِ بِحَسَبِ الْأَصْلَحِ فِي الشَّرْعِ، وَهُوَ الَّذِي يُعْرَفُ بِالْقِيَاسِ الْمُرْسَلِ، وَبَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِيهِ اخْتِلَافٌ - أَعْنِي: بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِالْقِيَاسِ -.
الْفَصْلُ الرَّابِعُ خِيَارُ الْعِتْقِ
الْفَصْلُ الرَّابِعُ: فِي خِيَارِ الْعِتْقِ - وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْأَمَةَ إِذَا عُتِقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ، وَاخْتَلَفُوا إِذَا عُتِقَتْ تَحْتَ الْحُرِّ هَلْ لَهَا خِيَارٌ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَاللَّيْثُ: لَا خِيَارَ لَهَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ: لَهَا الْخِيَارُ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: تَعَارُضُ النَّقْلِ فِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ، وَاحْتِمَالُ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْخِيَارِ أَنْ يَكُونَ الجَبْرُ الَّذِي كَانَ فِي إِنْكَاحِهَا بِإِطْلَاقٍ إِذَا كَانَتْ أَمَةً، أَوِ الْجَبْرُ عَلَى تَزْوِيجِهَا مِنْ عَبْدٍ، فَمَنْ قَالَ: الْعِلَّةُ الْجَبْرُ عَلَى النِّكَاحِ بِإِطْلَاقٍ قَالَ: تُخَيَّرُ تَحْتَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ، وَمَنْ قَالَ: الْجَبْرُ عَلَى تَزْوِيجِ الْعَبْدِ فَقَطْ قَالَ: تُخَيَّرُ تَحْتَ الْعَبْدِ فَقَطْ. وَأَمَّا اخْتِلَافُ النَّقْلِ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا أَسْوَدَ.
ارجع إلى حكم النفقة للاطلاع على جميع المسائل.