الإسلام > النكاح والأسرة > حكم النفقة > الحالة الثانية: أن تكون حائلا غير حامل
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةالحالةُ الثانيةُ: أنْ تَكونَ حائِلًا غيرَ حامِلٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المُختلِعةِ غيرِ الحامِلِ، هل لها النَّفقةُ في العدَّةِ أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا نَفقةَ لها كالمُطلَّقةِ ثَلاثًا والبائنِ.
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى وُجوبِ النَّفقةِ لها في العدَّةِ كالمُطلَّقةِ البائنِ.
وهي على نَفسِ الخِلافِ السابقِ في المُطلَّقةِ ثَلاثًا الذي تقدَّمَ في المَسألةِ السابِقةِ.
نَفقةُ الزَّوجةِ الناشِزِ:
ذهَبَ أكثرُ أهلِ العِلمِ إلى أنَّ الزَّوجةَ الناشِزَ لا نَفقةَ لها؛ لفَواتِ التَّسليمِ بمَعنًى مِنْ جَهتِها وهو النُّشوزُ.
والنُّشوزُ في النكاحِ: مَعصيتُها لزَوجِها فيما له عليها ممَّا أوجَبَه له النكاحُ، وأصلُه مِنْ الارتِفاعِ، مَأخوذٌ مِنْ النَّشزِ وهو المَكانُ المرتفِعُ، فكأنَّ الناشِزَ ارتَفعَتْ عن طاعَةِ زَوجِها فسُمِّيتْ ناشِزًا، فمتَى امتَنعتْ مِنْ فِراشِه أو خرَجَتْ مِنْ مَنزلِه بغيرِ إذنِه أو امتَنعَتْ مِنْ الانتقالِ معَه إلى مَسكنِ مثلِها أو مِنْ السَّفرِ معَه فلا نَفقةَ لها ولا سُكنَى في قَولِ عامَّةِ أهلِ العِلمِ.
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: وأجمَعَ عَوامُّ أهلِ العِلمِ على إسقاطِ نَفقةِ الناشِزِ المانِعةِ نفْسَها مِنْ الزَّوجِ، هذا قَولُ الشَّعبيِّ وحمَّادِ بنِ أبي سُليمانَ ومالِكٍ والأوزاعيِّ والشافِعيِّ وأبي ثَورٍ وأصحابِ الرأيِ.
ولا أعلَمُ أحَدًا خالَفَ هَؤلاءِ إلا الحكَمَ فإنه قالَ في امرَأةٍ خرَجَتْ مِنْ بَيتِ زوجِها عاصِيةً: لها نَفقةٌ.
قالَ أبو بَكرٍ: الأولُ أصَحُّ (١)، قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولَعلَّه يَحتجُّ بأنْ نُشوزَها لا يُسقطُ مَهرَها، فكَذلكَ نَفقتُها.
ولنا: إنَّ النَّفقةَ إنما تَجبُ في مُقابلةِ تَمكينِها؛ بدَليلِ أنها لا تَجبُ قبلَ تَسليمِها إليهِ، وإذا منَعَها النَّفقةَ كانَ لها مَنعُه التَّمكينَ، فإذا مَنعتْه التمكينَ كانَ له مَنعُها مِنْ النَّفقةِ كما قبلَ الدُّخولِ، وتُخالِفُ المَهرَ؛ فإنه يَجبُ بمُجرَّدِ العَقدِ، ولذلك لو ماتَ أحَدُهما قبلَ الدُّخولِ وجَبَ المَهرُ دونَ النَّفقةِ.
فأمَّا إذا كانَ لهُ منها وَلدٌ فَعليهِ نَفقةُ وَلدِه؛ لأنها واجِبةٌ له، فلا يَسقطُ حقُّه بمَعصيتِها كالكَبيرِ، وعليه أنْ يُعطيَها إيَّاها إذا كانَتْ هي الحاضِنةَ له أو المُرضِعةَ له، وكذلك أجرُ رَضاعِها يَلزمُه تَسليمُه إليها؛ لأنه أجرٌ ملَكَتْه عليهِ بالإرضاعِ لا في مُقابَلةِ الاستِمتاعِ، ولا يَزولُ بزَوالِه.
وإذا سقَطَتْ نَفقةُ المَرأةِ بنُشوزِها فعادَتْ عن النُّشوزِ والزَّوجُ حاضِرٌ عادَتْ نَفقتُها؛ لزَوالِ المُسقِطِ لها ووُجودِ التمكينِ المُقتضي لها، وإنْ كانَ غائبًا لم تَعُدْ نَفقتُها حتى يَعودَ التَّسليمُ بحُضورِه أو حُضورِ وكيلِه أو حُكمِ الحاكمِ بالوُجوبِ إذا مضَى زَمنُ الإمكانِ (٢).
(١) «الإشراف» (٥/ ١٥٩، ١٦٠)، و «بدائع الصنائع» (٤/ ٢٢)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٥٣).
(٢) «المغني» (٨/ ١٨٩).
وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ رحمة الله عليه: فإنِ انتَقلَتِ الزوجةُ مِنْ مَنزلِ الزوجِ الذي أسكَنَها فيه إلى مَنزلٍ غيرِه بغَيرِ إذنِه، أو خرَجَتْ مِنْ البَلدِ بغيرِ إذنِه .. فهي ناشِزةٌ، وتَسقطُ بذلكَ نَفقتُها، وبه قالَ كافَّةُ أهلِ العِلمِ، إلا الحَكمَ بنَ عُتيبةَ؛ فإنه قالَ: لا تَسقطُ نَفقتُها بذلكَ.
دَليلُنا: أنَّ النَّفقةَ تَجبُ في مُقابلةِ التَّمكينِ مِنْ الاستِمتاعِ، وقد سقَطَ التَّمكينُ مِنْ الاستِمتاعِ، فسقَطَتْ نَفقتُها كما لو لَم تُسلِّمْ نفْسَها.
وإنْ سافَرَتِ المَرأةُ بغَيرِ إذنِ زَوجِها .. سقَطَتْ نَفقتُها؛ لأنها قد منَعَتِ استِمتاعَه بالسَّفرِ، وإنْ سافرَتْ بإذنِه .. نظَرْت:
فإنْ سافَرَ الزوجُ معَها .. لم تَسقطْ نَفقتُها؛ لأنها في قَبضتِه وطاعَتِه، وإنْ سافَرتْ وحْدَها؛ فإنْ كانَتْ في حاجَةِ الزوجِ .. وجَبَتْ عليهِ نَفقتُها؛ لأنها سافَرتْ في شُغلِه ومُرادِه، وإنْ سافرَتْ لحاجَةِ نَفسِها .. فقدْ قالَ الشافِعيُّ في (النَّفقاتِ): (لها النَّفقةُ)، وقالَ في (النكاحِ): (لا نَفقةَ لها)، واختَلفَ أصحابُنا فيها:
فقالَ أبو إسحاقَ: ليسَتْ على قَولينِ، وإنما هيَ على اختلافِ حالَينِ:
فحَيثُ قالَ: (لها النَّفقة) أرادَ: إذا كانَ الزَّوجُ معَها.
وحَيثُ قالَ: (لا نَفقةَ لها) أرادَ: إذا لم يَكنِ الزوجُ معَها.
ومنهُم مَنْ قالَ: فيه قَولانِ:
أحَدُهما: لا نَفقةَ لها، وبه قالَ أبو حَنيفةَ وأحمَدُ؛ لأنها غيرُ مُمكِّنةٍ مِنْ نَفسِها، فلَم تَجبْ لها النَّفقةُ كما لو سافرَتْ بغيرِ إذنِه.
والثَّاني: تَجبُ لها النَّفقةُ؛ لأنها سافرَتْ بإذنِه، فلَم تَسقطْ نَفقتُها كما لو سافرَتْ في حاجَتِه (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البرِّ رحمة الله عليه: ومَن نشَزَتْ عنه امرَأتُه بعدَ دُخولِه بها سقَطَتْ عنه نَفقتُها، إلا أنْ تَكونَ حامِلًا، وخالَفَ ابنُ القاسِمِ جَماعةَ الفُقهاءِ في نَفقةِ الناشزِ فأوجَبَها، وإذا عادَتِ الناشزُ إلى زَوجِها وجَبَتْ في المُستقبلِ نَفقتُها (٢).
وقالَ الصَّاوِي رحمة الله عليه: واختُلفَ في وُجوبِ نَفقةِ الناشِزِ، والذي ذكَرَه المَتيطيُّ ووَقعَ به الحَكمُ -وهو الصَّحيحُ- أنَّ الزَّوجَ إذا كانَ قادِرًا على رَدِّها ولو بالحُكمِ مِنْ الحاكِمِ ولم يَفعلْ فلَها النَّفقةُ، وإنْ غلَبَتْ عليهِ لحَميةِ قَومِها وكانَتْ ممَّن لا تَنفذُ فيهم الأحكامُ فلا نَفقةَ لها (٣).
(١) «البيان» (١١/ ١٩٥).
(٢) «الكافي» (١/ ٢٥٥)، و «تفسير القرطبي» (٥/ ١٧٤).
(٣) «حاشية الصاوي» (٥/ ٢٣١).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل أن لا تكون منكوحة الغير
الطَّوْلِ، فَالتَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ عِنْدَنَا يَقْتَضِي الْوُجُودَ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ إمَّا لَا يَقْتَضِي الْعَدَمَ عِنْدَ عَدَمِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ النساء: ٣ ثُمَّ إذَا تَزَوَّجَ وَاحِدَةً جَازَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَخَافُ الْجَوْرِ فِي نِكَاحِ الْمَثْنَى وَالثُّلَاثِ وَالرُّبَاعِ.
وَقَالَ تَعَالَى فِي الْإِمَاءِ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ النساء: ٢٥ وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحَدِّ عَنْهُنَّ عِنْدَ عَدَمِ الْإِحْصَانِ، وَهُوَ التَّزَوُّجُ، وَهُوَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ ﷿ : ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ النساء: ٢٥ عَلَى أَنَّ الْعَنَتَ يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ الضِّيقُ كَقَوْلِهِ ﷿ : ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ﴾ البقرة: ٢٢٠ أَيْ: لَضَيَّقَ عَلَيْكُمْ، أَيْ: مَنْ يُضَيَّقُ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ وَالْإِسْكَانُ لِتَرْكِ الْحُرَّةِ بِالطَّلَاقِ وَتَزَوُّجِ الْأَمَةِ فَالطَّوْلُ الْمَذْكُورُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْقُدْرَةُ عَلَى الْمَهْرِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْقُدْرَةُ عَلَى الْوَطْءِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ الْوَطْءُ بَلْ حَقِيقَةُ الْوَطْءِ عَلَى مَا عُرِفَ فَكَانَ مَعْنَاهُ فَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ مِنْكُمْ عَلَى وَطْءِ الْمُحْصَنَاتِ - وَهِيَ الْحَرَائِرُ - وَالْقُدْرَةُ عَلَى وَطْءِ الْحُرَّةِ إنَّمَا يَكُونُ فِي النِّكَاحِ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ: إنَّ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى وَطْءِ الْحُرَّةِ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ فِي نِكَاحِهِ حُرَّةٌ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ.
ارجع إلى حكم النفقة للاطلاع على جميع المسائل.