إذا رضيت الأم بأن ترضع ولدها بأجر مثلها

الإسلام > النكاح والأسرة > حكم النفقة > إذا رضيت الأم بأن ترضع ولدها بأجر مثلها

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

إذا رضيت الأم بأن ترضع ولدها بأجر مثلها - الأقوال والأدلة

إذا رَضيَتِ الأمُّ بأنْ تُرضعَ ولَدَها بأجرِ مِثلِها:

نَصَّ الحَنفيةُ والشافِعيةُ على أنَّ الأمَّ إذا كانَتْ مُطلَّقةً ورَضيَتْ بأنْ تُرضعَه بأجرِ مثلِها لم يَكنْ للأبِ أنْ يَسترضعَ غيرَها؛ لأمرِ اللهِ إياهُ بإعطاءِ الأجرِ إذا أرضَعَتْ، ولقَولِه تعالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أي: الوالِداتُ أحَقُّ برَضاعِ أولادِهنَّ.

وإنْ طلَبَتْ أكثَرَ مِنْ أُجرةِ المِثلِ لم يُلزمِ الزَّوجُ بذلكَ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦)[الطلاق: ٦]، ولأنَّ ما يُوجَدُ بأكثرِ مِنْ عِوضِ المِثلِ كالمَعدومِ، ولأنَّ في إلزامِ الأبِ بما تَلتمسُه الأمُّ إضرارًا بالأبِ، وقد قالَ اللهُ : ﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أي: لا يُضارَّ الأبُ بالتِزامِ الزيادةِ على ما تَلتمسُه الأجنَبيةُ، كذا ذُكرَ في بَعضِ التَّأويلاتِ، ولكنْ تُرضِعُه عندَ الأمِّ ولا يُفرَّقُ بينَهُما؛ لِما فيه مِنْ إلحاقِ الضَّررِ بالأمِّ وهذا عندَ الحَنفيةِ، وقالَ الشافِعيةُ: جازَ انتِزاعُه منها وتَسليمُه إلى غَيرِها (١).

واختَلفُوا فيما إنْ طلَبَتْ أجرةَ المِثلِ وللأبِ مَنْ يُرضعُه بغَيرِ عِوضٍ أو بُدونِ أجرةِ المثلِ، ففيه قَولانِ عندَ الشافِعيةِ:

أحَدُهما: أنَّ الأمَّ أحَقُّ بأجرةِ المِثلِ؛ لأنَّ الرَّضاعَ لحَقِّ الولدِ، ولأنَّ لبَنَ الأمِّ أصلَحُ له وأنفَعُ، وقد رَضيتْ بعِوضِ المِثلِ، فكانَتْ أحَقَّ.

والثَّاني: أنَّ الأبَ أحَقُّ؛ لأنَّ الرَّضاعَ في حَقِّ الصَّغيرِ كالنَّفقةِ في حَقِّ الكَبيرِ، ولو وجَدَ الكَبيرُ مَنْ يَتبرعُ بنَفقتِه لم يَستحقَّ على الأبِ النَّفقةَ،

(١) «المبسوط» (٥/ ٢٠٩)، و «بدائع الصنائع» (٤/ ٤٠، ٤١)، و «المهذب» (٢/ ١٦٨).

فكَذلكَ إذا وُجدَ مَنْ يَتبرعُ بإرضاعِه لم تُستحقَّ على الأبِ أجرةُ الرَّضاعِ، وإنِ ادَّعَتِ المرأةُ أنَّ الأبَ لا يَجدُ غيرَها فالقَولُ قولُ الأبِ؛ لأنها تدَّعي استِحقاقَ أجرةِ المِثلِ والأصلُ عَدمُه (١).

وأما الحَنابلةُ فقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: الأمُّ إذا طلبَتْ إرضاعَه بأجرِ مِثلِها فهيَ أحَقُّ به، سَواءٌ كانَتْ في حالِ الزَّوجيةِ أو بعدَها، وسواءٌ وجَدَ الأبُ مُرضِعةً مُتبرعةً أو لم يَجدْ.

وقالَ أصحابُ الشافِعيِّ: إنْ كانَتْ في حِبالِ الزوجِ فلزَوجِها منعُها مِنْ إرضاعِه؛ لأنه يُفوِّتُ حَقَّ الاستمتاعِ بها في بَعضِ الأحيانِ، وإنِ استَأجرَها على رَضاعِه لم يَجزْ؛ لأنَّ المَنافعَ حَقٌّ له، فلا يَجوزُ أنْ يَستأجرَ منها ما هوَ أو بَعضُه حَقٌّ له، وإنْ أرضَعَتِ الوَلدَ فهل لها أجرُ المِثلِ على وَجهينِ.

وإنْ كانَتْ مُطلَّقةً وطلَبَتْ أجْرَ المثلِ فأرادَ انتِزاعَه منها ليُسلِّمَه إلى مَنْ تُرضعُه بأجرِ المثلِ أو أكثرَ لم يَكنْ له ذلكَ، وإنْ وجَدَ مُتبرعةً أو مَنْ تُرضِعُه بدونِ أجرِ المِثلِ له انتِزاعُه منها في ظاهِرِ المَذهبِ؛ لأنه لا يَلزمُه التزامُ المُؤنةِ مع دَفعِ حاجةِ الولدِ بدُونِها.

وقالَ أبو حَنيفةَ: إنْ طلبَتِ الأجرَ لم يَلزمِ الأبَ بَذلُه لها، ولا يَسقطُ حَقُّها مِنْ الحَضانةِ، وتَأتي المُرضِعةُ تُرضعُه عندَها؛ لأنه أمكَنَ الجَمعُ بينَ الحقَّينِ، فلمْ يَجُزِ الإخلالُ بأحدِهما.

(١) «المهذب» (٢/ ١٦٨)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٢٨٦، ٢٨٧)، و «مغني المحتاج» (٥/ ١٨٦، ١٨٧)، و «تحفة المحتاج» (١٠/ ٢٣٦، ٢٣٧).

ولنا على الأوَّلِ ما تقدَّمَ، وعلى جَوازِ الاستِئجارِ أنه عَقدُ إجارةٍ يَجوزُ مِنْ غيرِ الزَّوجِ إذا أَذِنَ فيه، فجازَ مع الزوجِ كإجارةِ نَفسِها للخِياطةِ أو الخِدمةِ، وقَولُهم: «إنَّ المَنافعَ مَملوكةٌ له» غيرُ صَحيحٍ؛ فإنه لو ملَكَ مَنفعةَ الحَضانةِ لَملَكَ إجبارَها عليها ولم تَجُزْ إجارةُ نفسِها لغيرِها بإذنِه ولَكانَتِ الأجرةُ له، وإنما امتَنعَتْ إجارةُ نفسِها لأجنَبيٍّ بغيرِ إذنِه لِما فيه مِنْ تَفويتِ الاستِمتاعِ في بَعضِ الأوقاتِ، ولهذا جازَتْ بإذنِه، وإذا استأجَرَها فقدْ أَذِنَ لها في إجارةِ نفسِها، فصَحَّ كما يَصحُّ مِنْ الأجنَبيِّ.

وأما الدَّليلُ على وُجوبِ تَقديمِ الأمِّ إذا طلَبَتْ أجْرَ مثلِها على المُتبرعةِ فقَولُه تعالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقَولُه سُبحانَه: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، ولأنَّ الأمَّ أحنَى وأشفَقُ، ولَبنُها أمرَأُ مِنْ لَبنِ غيرِها، فكانَتْ أحَقَّ به مِنْ غيرِها كما لو طلَبَتِ الأجنَبيةُ رَضاعُه بأجرِ مثلِها، ولأنَّ في رَضاعِ غيرِها تَفويتًا لحَقِّ الأمِّ مِنْ الحَضانةِ وإضرارًا بالوَلدِ، ولا يَجوزُ تَفويتُ حَقِّ الحَضانةِ الواجِبِ والإضرارُ بالولَدِ لغَرضِ إسقاطِ حَقٍّ أوجَبَه اللهُ تعالَى على الأبِ، وقولُ أبي حَنيفةَ يُفضِي إلى تَفويتِ حَقِّ الوَلدِ مِنْ لَبنِ أمِّه وتَفويتِ حقِّ الأمِّ في إرضاعِه لبَنَها، فلمْ يَجُزْ ذلكَ كما لو تَبرعَتْ برَضاعِه.

فأما إنْ طلَبَتِ الأمُّ أكثرَ مِنْ أجرِ مثلِها ووجَدَ الأبُ مَنْ تُرضِعُه بأجرِ مثلِها أو مُتبرعةً جازَ انتِزاعُه منها؛ لأنها أسقَطَتْ حقَّها باشتطِاطِها وطلبِها ما ليسَ لها، فدخَلَتْ في عُمومِ قولِه: ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦)[الطلاق: ٦]، وإنْ

لم يَجِدْ مُرضِعةً إلا بمثلِ تلكَ الأجرةِ فالأمُّ أحَقُّ؛ لأنهُما تَساوتَا في الأجرِ، فكانَتِ الأمُّ أحَقَّ كما لو طلَبَتْ كلُّ واحدةٍ منهُما أجْرَ مثلِها.

فَصلٌ: وإنْ طلبَتْ ذاتُ الزَّوجِ الأجنَبيِّ إرضاعَ ولَدِها بأجرةِ مثلِها بإذنِ زَوجِها ثبَتَ حقُّها وكانَتْ أحَقَّ به مِنْ غيرِها؛ لأنَّ الأمَّ إنما مُنِعتْ مِنْ الإرضاعِ لحَقِّ الزوجِ، فإذا أَذِنَ فيه زالَ المانعُ، فصارَتْ كغيرِ ذاتِ الزوجِ، وإنْ منَعَها الزَّوجُ سقَطَ حقُّها؛ لتَعذُّرِ وُصولِها إلى ذلكَ.

فَصلٌ: وإنْ أرضَعَتِ المَرأةُ ولَدَها وهي في حِبالِ والِدِه فاحتاجَتْ إلى زِيادةِ نَفقةٍ لَزمَه؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، ولأنها تَستحقُّ عليهِ قدْرَ كِفايتِها، فإذا زادَتْ حاجَتُها زادَتْ كِفايتُها، واللهُ أعلَمُ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واختَلفُوا فيما إذا طلبَتِ المَبتوتةُ أجرةَ مثلِها في إرضاعِ وَلدِها:

فقالَ أبو حَنيفةَ: إنْ كانَ ثَمَّ مُتطوِّعٌ أو مَنْ تُرضِعُه بدونِ أجرةِ المثلِ كانَ للأبِ أنْ يَسترضعَ غيرَها، بشَرطِ أنْ يكونَ الصَّغيرُ عندَ الأمِّ؛ لأنَّ الحَضانةَ لها.

وعن مالِكٍ رِوايتانِ: أحَدُهما كمَذهبِ أبي حَنيفةَ، والأخرَى: أنَّ الأمَّ أَولى بكُلِّ حالٍ.

(١) «المغني» (٨/ ٢٠٠، ٢٠١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المجموع شرح المهذب · النووي · كتاب النكاح
باب ما يصح به النكاح

قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:

بَابُ مَا يصح به النكاح

لا يصح النكاح إلا بولي فان عقدت المرأة لم يصح، وقال أبو ثور: إن عقدت بإذن الولى صح، ووجهه أنها من أهل التصرف، وإنما منعت من النكاح لحق الولى، فإذا أذن زال المنع كالعبد إذا أذن له المولى في النكاح، وهذا خطأ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رفعه (لا تنكح المرأة المرأة، ولا تنكح المرأة نفسها) ولانها غير مأمونة على البضع لنقصان عقلها، وسرعة انخداعها، فلم يجز تفويضه إليها كالمبذر في المال، ويخالف العبد فانه منع لحق المولى، فانه ينقض قيمته بالنكاح، ويستحق كسبه في المهر والنفقة فزال المنع باذنه، فان عقد النكاح بغير

ولى وحكم به الحاكم ففيه وجهان.

(أحدهما)

وهو قول أبى سعيد الاصطخرى: أنه ينقض حكمه، لان مخالف لنص الخبر: وهو ما رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (أَيُّمَا امْرَأَةٍ نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل: فنكاحها باطل، فان اشتجروا فالسلطان ولى من لا ولى له فان أصابها فلها مهرها بما استحل من فرجها) .

(والثانى)

لا ينقض، وهو الصحيح، لانه مختلف فيه فلم ينقض فيه حكم الحاكم كالشفعة للجار.

وأما الخبر فليس بنص لانه محتمل للتأويل، فهو كالخبر في شفعة الجار، فان وطئها الزوج قبل الحكم بصحته لم يجب الحد.

وقال أبو بكر الصيرفى: إن كان الزوج شافعيا يعتقد تحريمه وجب عليه الحد كما لو وطئ إمرأة في فراشه وهو يعلم أنها أجنبية، والمذهب الاول لانه وطئ مختلف في إباحته فلم يجب به الحد، كالوطئ في النكاح بغير شهود، ويخالف من وطئ امرأة في فراشه وهو يعلم أنها أجنبية لانه لا شبهة له في وطئها، وان طلقها لم يقع الطلاق.

وقال أبو إسحاق: يقع لانه نكاح مختلف في صحته، فوقع

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 482 - 485

ارجع إلى حكم النفقة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 40%
البدر بعد 8 يوم
أستغفر الله