الإسلام > النكاح والأسرة > حكم النفقة > هل نفقة الأقارب تجب دينا في الذمة إذا لم ينفق عليه؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةذكَرْنا في الزَّوجةِ … وتَجبُ نَفقةُ مَنْ لا حِرفةَ له ولو كانَ صَحيحًا مُكلَّفًا ولو كانَ مِنْ غيرِ الوالدَينِ؛ لقَولِه ﷺ لهِندَ: «خُذِي ما يَكفيكِ وولَدَكِ بالمَعروفِ» ولم يَستثْنِ منهُم بالغًا ولا صَحيحًا، ولأنه فَقيرٌ يَستحقُّ النَّفقةَ على قَريبِه، أشبَهَ الزَّمِنَ.
فإنْ كانَ له حِرفةٌ لم تَجبْ نَفقتُه، قالَ في «المُبدِع»: بغَيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ الحِرفةَ تُعينُه، ونَفقةُ القَريبِ لا تَجبُ إلا مع الفَقرِ، ولا بُدَّ أنْ تَكونَ الحِرفةُ يَحصلُ بها غِناهُ، وإلا وجَبَ الإكمالُ (١).
هل نَفقةُ الأقاربِ تَجبُ دَينًا في الذِّمةِ إذا لم يُنفقْ عليهِ؟
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ مَنْ وجَبَتْ عليه نَفقةُ إنسانٍ ولم يُنفقْ عليهِ ولم يَحكمِ القاضي بوُجوبِها أنها تَسقطُ ولا تَصيرُ دَينًا في ذِمتِه؛ لأنَّ النَّفقةَ إنما شُرعَتْ سَدًّا لخَلَّةِ المُحتاجِ، فإذا تحيَّلَ في النَّفقةِ مُدةً ولم يَأخذْها ممَّن وجَبَتْ عليه ثم قامَ ليَطلبَها بعدَ مُضيِّ زَمانِها فلا شَيءَ له عن الماضِي، وسقَطَتْ عن المُوسرِ بها في ذلكَ الزَّمنِ؛ لسُقوطِها بذَهابِ وَقتِها؛ لأنَّ الخَلَّةَ قد استَدَّتْ وزالَ سَببُ وُجوبِها، وهذا بخِلافِ نَفقةِ الزَّوجةِ؛ لأنها بمَعنَى المُعاوَضةِ، فلا تَسقطُ بمُضيِّ زَمانِها.
إلا أنهُم اختَلفُوا فيما لو فرَضَها القاضِي ولم يُنفقْ عليهِ، هل تَثبتُ دَينًا في ذِمتِه أم لا؟
(١) «كشاف القناع» (٥/ ٥٦٧، ٥٦٨).
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ هذهِ النَّفقةَ تَجبُ على وَجهٍ لا تَصيرُ دَينًا في الذِّمةِ أصلًا؛ سَواءٌ فرَضَها القاضِي أو لا، بخِلافِ نَفقةِ الزَّوجاتِ، فإنها تَصيرُ دَينًا في الذِّمةِ بفَرضِ القاضِي أو بالتَّراضي، حتى لو فرَضَ القاضِي للقَريبِ نَفقةَ شَهرٍ فمَضَى الشهرُ ولم يَأخذْ ليسَ له أنْ يُطالبَه بها، بل تَسقطُ.
والمُسقِطُ لها بعدَ الوُجوبِ هو مُضيُّ الزَّمانِ مِنْ غيرِ قَبضٍ ولا استِدانةٍ، حتى لو فرَضَ القاضِي نَفقةَ شَهرٍ للقَريبِ فلَم يَقبضْ ولا استَدانَ عليه حتَّى مضَتِ المدَّةُ سقَطَتِ النَّفقةُ؛ لأنَّ هذهِ النَّفقةَ تَجبُ صِلةً مَحضةً، فلا يَتأكَّدُ وُجوبُها إلا بالقَبضِ أو ما يَقومُ مَقامَه (١).
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ نَفقةَ القَريبِ إذا وجَبَتْ بقَضاءِ القاضِي فإنها لا تَسقطُ ويَرجعُ بها عليهِ.
قالَ المالِكيةُ: النَّفقةُ إنْ كانَ قد حكَمَ بها حاكِمٌ بأنْ تَجمَّدتْ في الماضِي فرفَعَ مُستحِقُّها لحاكِمٍ لا يَرَى السُّقوطَ بمُضيِّ الزَّمنِ فحكَمَ بلُزومِها فإنها لا تَسقطُ عن المُوسرِ بمُضيِّ الزَّمنِ؛ لأنها صارَتْ بقَضيةِ الحاكمِ كالدَّينِ، وليسَ المُرادُ أنه فرَضَها وقدَّرَها في الزَّمنِ المُستقبَلِ؛ لأنَّ حُكمَ الحاكِمِ لا يَدخلُ في المُستقبلاتِ؛ إذ لا يَجوزُ للحاكِمِ أنْ يَفرضَ شَيئًا واحِدًا على الدَّوامِ قبلَ وَقتِه؛ لأنه يَختلفُ باختِلافِ الأوقاتِ.
وكذلكَ لا تَسقطُ النَّفقةُ عن المُوسرِ منهُما -أي مِنْ الأبِ أو الابنِ- إذا أنفَقَ عليهِ شَخصٌ غيرَ مُتبرعٍ قاصِدًا الرُّجوعَ على مَنْ وجَبَتْ عليهِ؛ لأنه قامَ
(١) «بدائع الصنائع» (٤/ ٣٨).
عنه بواجِبٍ، فيَرجعُ بها، بخِلافِ ما إذا أنفَقَ عليه مُتبرعًا فإنه لا يَرجعُ.
وقيلَ: إنَّ الرُّجوعَ هُنا يكونُ فيما إذا أنفَقَ غيرَ مُتبرعٍ على الوَلدِ الصَّغيرِ خاصَّةً والأبُ مُوسرٌ، فيَرجعُ على أبيه؛ لأنَّ وُجودَ الأبِ مُوسرًا كالمالِ، وأما إذا كانَ الأبُ مُعسرًا فلا يَرجعُ، أو أنفَقَ على الأبِ فلا يَرجعُ على ابنِه الصَّغيرِ إلا بقَضاءِ القاضِي، ورجَّحَ هذا الدِّرديرُ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: تَسقطُ النَّفقةُ بمُضيِّ الزَّمانِ وإنْ تَعدَّى المُنفِقُ بالمَنعِ؛ لأنها وجَبَتْ لدَفعِ الحالَةِ الناجِزةِ، ولا تَصيرُ دَينًا؛ لأنها مِنْ بابِ المُواساةِ، فإذا اندفَعَتِ الحاجةُ مِنْ غيرِ جِهةِ القَريبِ .. حصَلَ المَقصودُ، ولا يَثبتُ في ذمَّةِ القَريبِ شَيءٌ وإنْ تعدَّى بامتِناعِ الإنفاقِ عليهِ.
ولا تَثبتُ في ذمَّتِه إلا بفَرضِ قاضٍ أو إذنِه في اقتِراضٍ لغَيبةٍ أو مَنعٍ، فإنها تَصيرُ دَينًا بذلكَ.
وللقَريبِ أخذُ نَفقتِه مِنْ مالِ قَريبِه عندَ الامتناعِ، وله الاستِقراضُ إنْ لم يَجدْ له مالًا وعجَزَ القاضِي، ويَرجعُ إنْ أشهَدَ كجَدِّ الطفلِ المُحتاجِ وأبوهُ غائِبٌ مَثلًا وللأبِ والجَدِّ أخذُ النَّفقةِ مِنْ مالِ فَرعِهما الصَّغيرِ أو المَجنونِ بحُكمِ الوِلايةِ، ولهُمَا إجبارُه لِما يُطيقُه مِنْ الأعمالِ (٢).
(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٥٠٤)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٢٥٥، ٢٥٦)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ٢٠٤)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٤٣٣، ٤٣٤).
(٢) «النجم الوهاج» (٨/ ٢٨٣، ٢٨٤)، و «مغني المحتاج» (٥/ ١٨٥، ١٨٦)، و «الديباج» (٣/ ٦٤٥).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب النفقات)
(باب النفقة على الأقارب من كتاب النفقة ومن ثلاثة كتب)
(باب النفقة على الأقارب من كتاب النفقة ومن ثلاثة كتب)
(مسألة)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " فِي كِتَابِ اللَّهَ تَعَالَى وَرَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَيَانٌ أَنَّ عَلَى الْأَبِ أَنْ يَقُومَ بِالْمُؤْنَةِ فِي إِصْلَاحِ صِغَارِ وَلَدِهِ مِنْ رَضَاعٍ وَنَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ وَخِدْمَةٍ دُونَ أُمِّهِ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: نَفَقَةُ الْأَوْلَادِ عَلَى الْآبَاءِ بِدَلِيلِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْعِبْرَةِ.
فَأَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} البقرة: ٢٣٣ فَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: عَلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ الْأَوْلَادِ عَلَى الْآبَاءِ دُونَ الْأُمَّهَاتِ، وَدَلَّتْ عَلَى أَنَّ اشْتِغَالَ الْأُمِّ بِتَرْبِيَةِ وَلَدِهَا لَا يُوجِبُ سُقُوطَ نَفَقَتِهَا وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} الطلاق: ٦ ، يَعْنِي الْمُطَلَّقَاتِ إِذَا أَرْضَعْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَجَبَتْ لَهُنَّ أُجْرَةُ الرَّضَاعَةِ، فَلَمَّا لَزِمَتْ أُجْرَةُ الرَّضَاعِ كَانَ لُزُومُ النَّفَقَةِ أَحَقَّ. وَقَالَ تَعَالَى: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ} الإسراء: ٣١ ، فَلَوْلَا وُجُوبُ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ مَا قَتَلَهُ خَشْيَةَ الْإِمْلَاقِ مِنَ النَّفَقَةِ.
ارجع إلى حكم النفقة للاطلاع على جميع المسائل.