الإسلام > النكاح والأسرة > عشرة النساء والحقوق بين الزوجين والقسم > الاستمتاع بالزوجة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 16 دقيقة قراءةالأصلَ تَحريمُ دُخولِ مَنزلِ الإنسانِ حتَّى يُوجَدَ الإذنُ في ذلكَ منه أو مِمَّنْ أَذِنَ له في الإذنِ في ذلك أو عُرِفَ رضاهُ باطِّرادِ العُرفِ بذلكَ ونَحوِه، ومتَى حَصلَ الشَّكُّ في الرِّضَا ولم يَترجَّحْ شيءٌ ولا وُجدَتْ قَرينةٌ لا يَحلُّ الدُّخولُ ولا الإذنُ، واللهُ أعلَمُ (١).
٥ - الاستِمتاعُ بالزَّوجةِ:
لا خِلافَ بَينَ العُلماءِ على أنَّ مِنْ حَقِّ الزَّوجِ الاستِمتَاعُ بِزَوجتِهِ والنَّظَرُ إِليها ومَسُّ أيِّ جُزءٍ مِنْ بَدَنِها، ولهُ الاستِمتَاعُ بِها في كُلِّ وَقتٍ وَحينٍ، وقَد تَقدَّمَ الكَلامُ علَى ذَلكَ مُفصَّلاً في المُجلَّدِ الرَّابِعِ عَشَرَ مِنْ كِتابِ النِّكاحِ.
٦ - منعُ الزوجِ زوْجتَه مِنْ كلِّ ما يَمنعُ الاستِمتاعِ أو كَمالَه:
للزَّوجِ أنْ يَمنعَ زوْجتَه مِنْ كُلِّ ما يَمنعُ الاستِمتاعَ أو كَمالَه، فيَجوزُ للزَّوجِ أنْ يُجبِرَ زوْجتَه المُسلِمةَ على الغُسلِ مِنْ الحَيضِ والنِّفاسِ؛ لأنَّ ذلكَ يَمنعُ مِنْ الاستِمتاعِ الَّذي هو حَقٌّ له، فجازَ له إجبارُها على ذلكَ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى حَرَّمَ وطْءَ الحائضِ حتَّى تَغتسلَ بقَولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وكانَ للزَّوجِ إذا منَعَه الحَيضُ مِنْ وَطئِها أنْ يُجبِرَها عليهِ ليَصلَ إلى حقِّه منه.
وكذا لهُ أنْ يُجبِرَ الزَّوجةَ الذِّميةَ على الغُسلِ مِنْ الحيضِ والنِّفاسِ؛
(١) «شرح صحيح مسلم» (٨/ ١٨٣، ١٨٤).
لأنه يَمنعُ مِنْ الوطءِ، كما نصَّ على ذلكَ الشَّافعيةُ والمالِكيةُ في قولٍ والحَنابلةُ؛ لأنهُ يَمنعُ الاستِمتاعَ الَّذي هو حَقٌّ لهُ، فمَلَكَ إجبارَها على إزالةِ ما يَمنعُ حقَّه.
وإنْ كانَ الغُسلِ لا يُجزِئُ إلَّا بنيَّةٍ؛ لأنَّ النِّيةَ إنَّما تُشتَرطُ في صحَّةِ الغُسلِ للصَّلاةِ، وأمَّا للوطءِ في حقِّ الزَّوجِ فلا؛ لأنهُ مُتعبَّدٌ بذلكَ فيها مأمورٌ باغتِسالِها قبلَ الوَطءِ، وما كانَ مِنْ العِباداتِ يَفعلُها المُتعبَّدُ في غَيرِه لم يَفتقِرْ في ذلكَ إلى نيَّةِ، كغُسلِ الميِّتِ وغَسلِ الإناءِ سَبعًا مِنْ وُلوغِ الكلبِ فيهِ، ومَن وَضَّأَ غيرَه فلا نيَّةِ على المُوضِّئِ وإنَّما النِّيةُ على المُوضَّأِ، وكذلكَ لو كانَتْ لرَجلٍ زَوجةٌ مُسلِمةٌ فأبَتْ الاغتِسالَ مِنْ الحَيضةِ لجازَ لهُ أنْ يَطأَها إذا أكرَهَها على الاغتِسالِ وإنْ لم يكُن لها فيهِ نِيةٌ، وكانَتْ هي قد خَرجَتْ دُونَه في ذلكَ، ولَزمَها أنْ تَغتسلَ غُسلًا آخَرَ للصَّلاةِ بنيَّةٍ؛ إذ لا يُجزئُها الغُسلُ الَّذي أُكرهَتْ عليهِ إذا لم يكنْ لها فيهِ نيَّةٌ.
ولأنَّ في غُسلِها مِنْ الحَيضِ حَقَّانِ: أحَدُهما: للهِ تعالَى لا يَصحُّ إلَّا بنيَّةٍ، والآخَرُ: للزَّوجِ يَصحُّ بغيرِ نِيةٍ، فكانَ لهُ إجبارُها في حقِّ نَفسِه لا في حقِّ اللهِ تعالَى، فلذلكَ أجزَى بغيرِ نِيةٍ، ألَا تَرى أنهُ يُجبِرُ زوْجتَه المَجنونةَ على الغُسلِ في حَقِّ نَفسِه وإنْ لَم يكنْ عَليها في حَقِّ اللهِ تعالَى غُسلٌ، وغيرُ ذاتِ الزَّوجِ تَغتسلُ في حقِّ اللهِ تعالَى وإنْ لم يكنْ للزَّوجِ عليها حَقٌّ.
وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَذهبِ إلى أنهُ ليسَ لهُ إجبارُها على الغُسلِ مِنْ الحَيضِ.
ولهُ إجبارُ المُسلِمةِ على الغُسلِ مِنْ الجَنابةِ عندَ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ.
وهلْ لهُ إجبارُ الذِّميةِ على الاغتِسالِ مِنْ الجَنابةِ؟ فيهِ قولانِ:
الأولُ: وهو قَولٌ لكلٍّ مِنْ الشَّافِعيةِ والحَنابلةِ: له أنْ يُجبِرَها عليه وإنْ جازَ وَطؤُها معَ بَقائِه؛ لأنَّ نَفسَ المُسلمِ قد تَعافُ وطْءَ مَنْ لا تَغتسلُ مِنْ جنابةٍ، فكانَ له إجبارُها عليه ليَستكمِلَ بهِ الاستِمتاعَ وإنْ كانَ الاستِمتاعُ مُمكِنًا؛ لأنَّ بَقاءَ الغُسلِ عليها يَمنعُه مِنْ كَمالِ الاستِمتاعِ، فإنَّ النَّفسَ تَعافُ وَطءَ مَنْ لا تَغتسلُ مِنْ الجَنابةِ فيَفوتُه بذلكَ بَعضُ حقِّهِ، فكانَ لهُ إجبارُها كما كانَ لهُ في الاغتِسالِ مِنْ الحيضِ.
والقولُ الثَّاني: وهو مَذهبُ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشَّافعيةِ في قولٍ والحَنابلةِ في قَولٍ: لا يُجبِرُها عليهِ؛ لأنهُ قد يَستبيحُ وطءَ الجُنبِ؛ لأنَّ الوطءَ لا يَقفُ عليه، فإنهُ مُباحٌ بدُونِه (١).
قالَ الإمامُ الماوَرْديُّ رحمة الله عليه: قالَ الشَّافعيُّ رحمة الله عليه: «والتَّنظُّف
(١) «البحر الرائق» (٣/ ١١١)، و «شرح فتح القدير» (٣/ ٤٣٧)، و «الفتاوى الهندية» (١/ ٣٤١)، و «البيان والتحصيل» (١/ ١٢٠، ١٢١)، و «الذخيرة» (١/ ٣٧٨)، و «الشامل في فقه الإمام مالك» (١/ ٦٨)، و «شرح مختضر خليل» (١/ ٢٠٨)، و «الحاوي الكبير» (٩/ ٢٢٧، ٢٢٨)، و «البيان» (٩/ ٤٩٧، ٤٩٨)، و «أسنى المطالب» (٣/ ١٦١)، و «المغني» (٧/ ٢٢٤)، و «أحكام أهل الذمة» (٢/ ٨١٨)، و «الفروع» (٥/ ٢٤٩)، و «الإنصاف» (٨/ ٣٥٠)، و «كشاف القناع» (٥/ ٢١٤، ٢١٥)، و «الروض المربع» (٢/ ٣٤٤، ٣٤٥)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٢٦٣).
بالاستِحدادِ وأخْذ الأظْفارِ». قالَ الماوَرديُّ: وأصلُ ما يُؤثِّرُ في الاستِمتاعِ بالزَّوجةِ ضَربانِ: أحَدُهما: ما منَعَ مِنْ أصلِ الاستِمتاعِ، والثَّاني: ما منَعَ مِنْ كَمالِ الاستِمتاعِ.
فأمَّا المانِعُ مِنْ أصلِ الاستِمتاعِ: فهو ما لا يُمكِنُ معهُ الاستِمتاعُ، كالغُسلِ مِنْ الحَيضِ والنِّفاسِ، فللزَّوجِ إجبارُ زُوجَتِه الذِّميةِ عليه.
وأمَّا المانِعُ مِنْ كَمالِ الاستِمتاعِ: فهو ما تَعافُه النُّفوسُ مع القُدرةِ على الاستِمتاعِ، كالغُسلِ مِنْ الجَنابةِ، ففي إجبارِها عليهِ قَولانِ، وإذا استَقرَّ هذا الأصلُ فقدْ قالَ الشَّافعيُّ: «والتَّنظيف بالاستِحدادِ»، وهو أخذُ شَعرِ العانةِ -مأخُوذٌ مِنْ الحَدِيَّةِ الَّتي يُحلَقُ بها-، فإنْ كانَ شَعرُ العانةِ قد طالَ وفَحُشَ وخرَجَ عنِ العادةِ حتَّى لم يُمكِنْ معهُ الاستِمتاعُ أجبَرَ زوْجَتَه على أخذِه، سواءٌ كانَتْ مُسلمةً أو ذمِّيةً، وإنْ لم يَفحُشْ وأمكَنَ مَعهُ الاستِمتاعُ ولكنْ تَعافُه النَّفسُ ففي إجبارِها على أخذِه قولانِ، وإنْ لَم تَعافُه النَّفسُ لَم يُجبِرْها على أخذِه قَولًا واحِدًا.
قالَ أحمَدُ بنُ حَنبَلَ: والسُّنةُ أنْ يَستحِدَّ الأعزَبُ كُلَّ أربعِينَ يومًا، والمُتأهِّلُ كُلَّ عِشرينَ يَومًا، فإنْ قالَه نَقلًا مأثورًا عمِلَ بهِ، وإنْ قالَه اجتِهادًا فليسَ لهذا التَّقديرِ في الاجتِهادِ أصلٌ معَ اختِلافِ الحَلْقِ في سُرعةِ نَباتِ الشَّعرِ في قَومٍ وإبطائِه في آخَرِينَ، واعتِبارُه بالعُرفِ أَولى.
وأمَّا الأظفارُ إذا لَم تَطُلْ إلى حَدِّ تَعافُها النُّفوسُ لم يُجبِرْها على أخذِها، وإنْ عافَتِ النُّفوسُ طُولَها ففي إجبارِها على أخذِها قَولانِ، وهكذا
غَسلُ رأسِها إذا سَهِكَ أو قَمِلَ، وغَسلُ جَسدِها إذا راحَ وأنْتَنَ، ففي إجبارِها عليهِ قَولانِ؛ لأنَّ النُّفوسَ تَعافُه (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وفي إزالةِ الوسَخِ والدَّرَنِ وتَقليمِ الأظفارِ وَجهانِ بناءً على الرِّوايتَينِ في غُسلِ الجَنابةِ، وتَستَوي في هذا المُسلِمةُ والذِّميةُ؛ لاستِوائِهما في حُصولِ النَّفْرةِ ممَّن ذلكَ حالُها، ولهُ إجبارُها على إزالةِ شَعرِ العانةِ إذا خَرَجَ عنِ العادةِ رِوايةً واحِدةً، ذكَرُه القاضي.
وكذلكَ الأظفارُ، وإنْ طالَا قَليلًا بحَيثُ تَعافُه النَّفسُ ففيهِ وَجهانِ، وهل لهُ مَنعُها مِنْ أكلِ ما لهُ رائِحةٌ كَريهةٌ كالبَصلِ والثُّومِ والكُرَّاتِ؟ على وَجهينِ:
أحَدُهما: لهُ مَنعُها مِنْ ذلكَ؛ لأنَّه يَمنعُ القُبلةَ وكَمالَ الاستِمتاعِ.
والثَّاني: ليسَ لهُ مَنعُها منه؛ لأنهُ لا يَمنعُ الوطءَ، ولهُ مَنعُها مِنْ السُّكْرِ وإنْ كانَتْ ذِمِّيةً؛ لأنهُ يَمنعُ الاستِمتاعَ بها، فإنهُ يُزيلُ عَقْلَها ويَجعلُها كالزِّقِّ المَنفوخِ ولا يأمَنُ أنْ تَجنيَ عليهِ.
وإنْ أرادَتْ شُربَ ما يُسكِرُها فلهُ مَنعُ المُسلمةِ؛ لأنهُما يَعتقِدانِ تَحريمَه، وإنْ كانَتْ ذمِّيةً لم يَكُنْ لهُ مَنعُها منه، نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنها تَعتقِدُ إباحتَه في دِينِها، ولهُ إجبارُها على غَسلِ فَمِها منهُ ومِن سائِرِ النَّجاساتِ ليَتمكَّنَ مِنْ الاستِمتاعِ بفِيها، ويَتخرَّجُ أنْ يَملكَ منْعَها منهُ؛ لمَا فيهِ مِنْ الرَّائحةِ الكَريهةِ، وهو كالثُّومِ.
(١) «الحاوي الكبير» (٩/ ٢٢٨)، و «البيان» (٩/ ٤٩٨).
وهكذا الحُكمُ لو تَزوَّجَ مُسلِمةً تَعتقدُ إباحةَ يَسيرِ النَّبيذِ، هل له منْعُها منهُ؟ على وَجهينِ، ومَذهبُ الشَّافعيِّ على نَحوٍ مِنْ هذا الفَصلِ كُلِّه (١).
واتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ للزَّوجِ إجبارُ زوْجتِه على إزالَةِ الوسَخِ وشَعرِ الإبطِ والعانةِ والظُّفْرِ، وعلى اجتِنابِ تَناوُلِ المُؤذِياتِ لَحمِ الخِنزيرِ والخَمرِ، وكذا النَّبيذُ وغَيرُه ممَّا يُسكِرُ وإنْ لَم تَسكَرْ به وإنْ استَحلَّتْهُ المُسلمةُ -أي اعتَقدَتْ حِلَّه-، وعلى غَسلِ ما تَنجَّسَ مِنْ أعضائِها ليَتمكَّنَ مِنْ الاستِمتاعِ بها، بخِلافِ ما تَنجَّسَ مِنْ ثِيابها ولم يَظهرْ فيهِ لَونٌ أو رِيحٌ كَريهٌ.
ولهُ مَنعُها مِنْ لِبسِ جِلدِ مَيتةٍ قَبْلِ الدِّباغِ ولبسِ ثَوبٍ كَريهٍ -أي له رِيحٌ كَريهٌ- كأكلِ ما لهُ رِيحٌ كَريهٌ (٢).
واختلفَ الفُقهاءُ هل لهُ أنْ يَمنعَها مِنْ أكلِ ما لهُ رائحةٌ كَريهةٌ أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمَالكيةُ والشَّافعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ له أنْ يَمنعَها مِنْ أكلِ ما لهُ رائِحةٌ كَريهةٌ وما يَتأذَّى مِنْ رائحَتِه؛ لأنهُ يَمنعُ كَمالَ الاستِمتاعِ.
قالَ الحَنفيةُ: لهُ جَبْرُها على التَّطيُّبِ والاستِحدادِ، ولهُ أنْ يَمنعَها مِنْ أكلِ ما يتَأذَّى مِنْ رائحتِهِ ومِن الغَزْلِ، وعلى هذا له أنْ يَمنعَها مِنْ التَّزيُّنِ بما
(١) «المغني» (٧/ ٢٢٤).
(٢) «البحر الرائق» (٣/ ١١١)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ١٨٧)، و «البيان» (٩/ ٤٩٨)، و «أسنى المطالب» (٣/ ١٦١)، و «كشاف القناع» (٥/ ٢١٥).
ارجع إلى عشرة النساء والحقوق بين الزوجين والقسم للاطلاع على جميع المسائل.