الإسلام > النكاح والأسرة > عشرة النساء والحقوق بين الزوجين والقسم
مسائلُ فقهيةٌ في عشرة النساء والحقوق بين الزوجين والقسم على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةكتاب عِشرةِ النِّساءِ والحُقوق بيْنَ الزوجَين والقَسْمِ
العِشرةُ بيْنَ الزَّوجَينِ: هي ما يكونُ بَينَ الزَّوجَينِ مِنْ الأُلفةِ والانضِمامِ، وقد أمَرَ اللهُ ﷾ ورَسولُه ﷺ بالمُعاشَرةِ الحَسَنةِ بَينَ الزَّوجَينِ، فقالَ تعالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، فكانَ مِنْ عِشرتِها بالمَعروفِ تأدِيَةُ حَقِّها والتَّعديلُ بينَها وبَينَ غَيرِها في قَسْمِها.
والنِّكاحُ عَقدٌ مِنْ العُقودِ الَّتي تَنشأُ بَينَ المُتعاقَدينِ، وكلُّ عَقدٍ مِنْ العُقودِ يَترتَّبُ عليه واجِباتٌ مِنْ قِبَلِ كلِّ طَرفٍ؛ عملًا بمَبدأِ التَّساوي والتَّكافؤِ، فلكُلِّ واحدٍ مِنْ العاقدَينِ -الزَّوجِ والزَّوجةِ- حُقوقٌ، وفي المُقابِلِ عليه واجِباتٌ بمُقتَضى العَقدِ، وقَد بَيَّنَ ذلكَ القُرآنُ الكَريمُ في قَولِه تعالَى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فيَجبُ على كلِّ واحدٍ مِنْ الزَّوجَينِ أنْ يُؤدِّي ما عليه مِنْ الحَقِّ لصاحِبِه بالمَعروفِ ولا يُمطِلَه بهِ، ولا يُظهِرُ الكَراهةَ بل ببِشْرٍ وطَلاقةٍ، ولا يُتبِعُه أذًى ولا مِنَّةً؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، وهذا مِنْ المَعروفِ، ويُستحبُّ لكُلِّ واحدٍ مِنهُما تَحسينُ الخُلُقِ معَ صاحبِه والرِّفقُ بهِ واحتِمالُ أذاهُ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى:
﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٣٦] إلى قولِه: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦]، قِيلَ: هو كُلُّ واحدٍ مِنْ الزَّوجَينِ.
وقالَ النَّبيُّ ﷺ: «استَوصُوا بالنِّساءِ، فإنَّ المرأةَ خُلقَتْ مِنْ ضِلعٍ، وإنَّ أعوَجَ شيءٍ في الضِّلعِ أعلاهُ، إنْ ذهَبْتَ تُقِيمُه كَسرْتَه، وإنْ تَركْتَه لم يَزلْ أعوَجَ، استَوصُوا بالنِّساءِ خَيرًا» (١).
فالنَّبيُّ ﷺ حَثَّ على مُلاطَفةِ النِّساءِ والإحسانِ إليهنَّ والصَّبْرِ على عِوَجِ أخلاقِهنَّ واحتمالِ ضَعفِ عُقولِهنَّ وكراهةِ طلاقِهنَّ بلا سَببٍ، وأنَّه لا يُطمَعُ باستِقامَتِها.
وقالَ النَّبيُّ ﷺ: «اتَّقُوا اللهَ في النِّساءِ، فإنَّكُم أَخذتُموهُنَّ بأمانةِ اللهِ، واستَحلَلتُم فُروجَهُنَّ بكَلمةِ اللهِ، وإنَّ لَكُمْ عَليهنَّ أنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكم أحَدًا تَكرهُونَه، فإنْ فَعلْنَ فاضربُوهنَّ ضَربًا غيرَ مُبرِّحٍ، ولَهنَّ عَليكُم رِزقُهنَّ وكِسوَتُهنَّ بالمَعروفِ» (٢).
قالَ الإمامُ الشَّافعيُّ رحمة الله عليه: قالَ اللهُ تبارك وتعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، قالَ الشَّافعيُّ: وجِماعُ المَعروفِ بَينَ الزَّوجَينِ كَفُّ المَكروهِ وإعفاءُ صاحِبِ الحَقِّ مِنْ المُؤنَةِ في طَلبِه، لا بإظهارِ الكَراهيَةِ في تأدِيتِه، فأيُّهما مَطَلَ بتأخيرِهِ فمَطْلُ الغَنيِّ ظُلمٌ.
(١) رواه البخاري (٣١٥٣، ٤٨٩٠)، ومسلم (١٤٦٨).
(٢) رواه مسلم (١٢١٨).
قالَ الماوَرْديُّ رحمة الله عليه: اعلَمْ أنَّ اللَّهَ تعالَى أوجَبَ للزَّوجةِ على زَوجِها حَقًّا حظَرَ عليهِ النُّشوزَ عنهُ، كما أوجَبَ له عليها مِنْ ذلكَ حَقًّا حظَرَ عليها النُّشوزَ عنهُ، قالَ اللَّهُ تعالَى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، إشارةً إلى ما أوجَبَه لها مِنْ كُسوةٍ ونَفقةٍ وقَسْمٍ، قالَ تعالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، فكانَ مِنْ عِشرَتِها بالمَعروفِ تأدِيَةُ حَقِّها والتَّعديلُ بَينَها وبَينَ غَيرِها في قَسْمِها، قالَ تعالَى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩]، وقالَ تعالَى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فبَيَّنَ اللَّهُ تعالَى أنَّ لهنَّ حَقًّا وأنَّ عليهنَّ حَقًّا، ولمْ يُرِدْ بقَولِه: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] في تَجانُسِ الحَقَّينِ وتَماثُلِهما، وإنَّما أرادَ في وُجوبِهما ولُزومِهما، فكانَ مِنْ حَقِّها عليهِ وُجوبُ السُّكنَى والنَّفقةِ والكُسوةِ.
ثمَّ فسَّرَ الشَّافعيُّ قَولَه: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ فقالَ: «وجِماعُ المَعروفِ بَينَ الزَّوجَينِ كَفُّ المَكروهِ وإعفاءُ صاحبِ الحَقِّ مِنْ المُؤنةِ في طَلبِه»، وهذا صحيحٌ؛ لأنهُ ليسَ فِعلُ المَكروهِ مِنْ المَعروفِ المأمُورِ بهِ بَينَ الزَّوجَينِ، ولا إلزامُ المُؤنةِ في استِيفاءِ الحَقِّ مَعروفٌ.
ثمَّ قالَ: «لا بإظهارِ الكَراهيَةِ في تأدِيتِه»، وهذا صحيحٌ؛ لأنَّ تأدِيةَ الحقِّ بالكَراهِيةِ وعُبوس الوَجهِ وغَليظ الكَلامِ ليسَ مِنَ المَعروفِ.
ثمَّ قالَ: «فأيُّهما مطَلَ فمَطْلُ الغَنيِّ ظُلمٌ»، وهذا صَحيحٌ؛ لأنَّ القادِرَ على أداءِ الحَقِّ ظالمٌ بتَأخيرِه، قالَ النَّبيُّ ﷺ: «مَطْلُ الغَنيِّ ظُلمٌ».
ثمَّ يَدلُّ على ما ذكَرْناهُ مِنْ طَريقِ السُّنةِ ما رَوى مُوسى بنُ عُقبةَ عن صَدَقةَ بنِ يَسارٍ عَنِ ابنِ عُمرَ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «أيُّها النَّاسُ إنَّ النِّساءَ عِنْدَكُمْ عِوانٌ، أَخذتُموهُنَّ بأمانةِ اللَّهِ واستَحلَلتُم فُروجَهُنَّ بكَلمةِ اللَّهِ، فلَكُم عَليهنَّ حَقٌّ ولَهنَّ عَليكُم حَقٌّ، ومِن حَقِّكُم عَليهنَّ ألَّا يُوطِئْنَ فُرُشَكم أحَدًا ولا يَعصِينَكُم في مَعروفٍ، فإذا فَعلْنَ ذلك فلهُنَّ رِزقُهنَّ وكِسوتُهنَّ بالمَعروفِ»، فكانَ القَسْمُ مِنْ جُملةِ المَعروفِ الَّذي لهُنَّ.
وروَى أبو هُريرةَ عنِ النَّبيِّ ﷺ أنهُ قالَ: «مَنْ كانَ له امرأتانِ فمالَ إلى إحْداهما جاءَ يَومَ القيامةِ وشِقُّهُ مائِلٌ».
ورُويَ عنِ النَّبيِّ ﷺ أنهُ قالَ: «كُلُّكم راعٍ وكلُّكم مَسؤولٌ عَنْ رَعيَّتِه، فالرَّجلُ راعٍ لأهلِه وهو مَسؤولٌ عَنهُم».
ورُويَ عنِ النَّبيِّ ﷺ أنهُ كانَ يَقسِمُ بينَ نِسائِه ويَقولُ: «اللَّهمَّ هذا قَسمِي فيما أَملِكُ، فلا تُؤاخذْني فيما لا أملِكُ»، يَعني قَلبَه.
ورُويَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا مَرِضَ طِيفَ به على نِسائِه مَحمولًا، فلمَّا ثَقُلَ أشفَقْنَ عليه فحَلَلْنَه مِنْ القَسْمِ، ليُقيمَ عندَ عائِشةَ رضي الله عنها؛ لمَيلِه إليها، فتُوفِّيَ عندَها ﷺ، فلذلكَ قالَتْ عائِشةُ رضي الله عنها: «تُوفِّيَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ بيْنَ سَحْرِي ونَحْرِي وفي يَومِي، ولمْ أَظلِمْ فيه أحَدًا»، فدَلَّ هذا على وُجوبِ القَسْمِ وتَغليظِ حُكمِه (١).
(١) «الحاوي الكبير» (٩/ ٥٦٨، ٥٦٩)، ويُنظَر: «شرح صحيح مسلم» (١٠/ ٥٧)، و «المغني» (٧/ ٢٢٣).
ارجع إلى النكاح والأسرة للاطلاع على جميع الأبواب.