ثالثا: العدل في النفقة

الإسلام > النكاح والأسرة > عشرة النساء والحقوق بين الزوجين والقسم > ثالثا: العدل في النفقة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

ثالثا: العدل في النفقة - الأقوال والأدلة

وفي هذا تَفصيلٌ، وهو أنَّه إنْ ترَكَه لعَدمِ الدَّاعي إليهِ وعَدمِ الانتشارِ فهوَ مَعذورٌ، وإنْ تَركُه معَ الدَّاعي إليهِ ولكنَّ داعيهِ إلى الضَّرَّةِ أقوَى فهذا ممَّا يَدخلُ تحتَ قُدرتِه ومِلكِه، فإنْ أدَّى الواجِبَ عليهِ منهُ لم يَبقَ لها حقٌّ ولم يَلزمْهُ التَّسويةُ، وإنْ ترَكَ الواجِبَ منهُ فلها المُطالَبةُ به (١).

وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وأمَّا مَحبَّةُ القَلبِ فكانَ يُحبُّ عائِشةَ أكثرَ مِنهنَّ، وأجمَعَ المُسلمونَ على أنَّ مَحبَّتَهنَّ لا تَكليفَ فيها، ولا يَلزمُه التَّسويةُ فيهَا؛ لأنهُ لا قُدرةَ لأحَدٍ عليها إلَّا اللهُ ، وإنَّما يُؤمَرُ بالعَدلِ في الأفعالِ (٢).

ثالِثًا: العَدلُ في النَّفقةِ:

اختَلفَ الفقهاءُ في الرَّجلِ إذا كانَ مُتزوِّجًا أكثرَ مِنْ امرأةٍ، هل يَجبُ عليهِ أنْ يُسوِّي ويَعدلَ بَينَهنَّ في النَّفقةِ والكُسوةِ؟ أم لا يَجبُ عليهِ وإنَّما لِكلِّ واحدةٍ مِنهنَّ ما يَليقُ بها ويَجوزُ أنْ يُوسعَ على مَنْ شاءَ مِنهنَّ زيادةً على ما يَليقُ بِمِثلِها؟

فذهَبَ الحَنفيةُ في قَولٍ -وهو ما اختارَهُ الكاسانِيُّ وشَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ- إلى أنهُ يَجبُ على الزَّوجِ أنْ يُسوِّي بينَ نِسائِه في النَّفقةِ والكُسوَةِ.

قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: الرَّجلُ إذا كانَ لهُ أكثرُ مِنْ امرَأةٍ واحِدةٍ فعليهِ العدلُ بَينَهنَّ في حُقوقِهنَّ مِنْ القَسْمِ والنَّفقةِ والكُسوةِ، وهو التَّسويةُ

(١) «زاد المعاد» (٥/ ١٥١).
(٢) «شرح صحيح مسلم» (١٥/ ٢٠٥).

بَينَهنَّ في ذلكَ، حتَّى لو كانَتْ تحتَهُ امرأتانِ حُرَّتانِ أو أمَتانِ يَجبُ عليهِ أنْ يَعدلَ بينَهُما في المَأكولِ والمَشروبِ والمَلبوسِ والسُّكْنَى والبَيتُوتةِ.

والأصلُ فيهِ قولُه تعالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣] عَقِيبَ قَولِه تعالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] أي: إنْ خِفتُم أنْ لا تَعدِلوا في القَسْمِ والنَّفقةِ في نِكاحِ المَثْنَى والثُّلاثِ والرُّباعِ فواحِدةً، ندَبَ إلى نكاحِ الواحِدةِ عندَ خَوفِ تَرْكِ العَدلِ في الزِّيادةِ، وإنَّما يُخافُ على تَركِ الواجِبِ، فدلَّ أنَّ العَدلَ بينَهنَّ في القَسْمِ والنَّفقةِ واجِبٌ، وإليهِ أشارَ في آخرِ الآيةِ بقَولِه: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)[النساء: ٣] أي: تَجُورُوا، والجَورُ حَرامٌ، فكانَ العَدلُ واجِبًا ضَرورةً، ولأنَّ العَدلَ مأمُورٌ بهِ؛ لقَولِه ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] على العُمومِ والإطلاقِ، إلَّا ما خُصَّ أو قُيِّدَ بدَليلٍ (١).

وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: وأمَّا العَدلُ في النَّفقةِ والكُسوةِ فهوَ السُّنةُ أيضًا؛ اقتِداءً بالنَّبيِّ ، فإنَّه كانَ يَعدلُ بينَ أزواجِهِ في النَّفقةِ كما كانَ يَعدلُ في القِسمةِ، معَ تَنازُعِ النَّاسِ في القَسْمِ؛ هل كانَ واجِبًا عليهِ أو مُستحَبًّا له؟ وتَنازَعوا في العَدلِ في النَّفقةِ؛ هل هو واجِبٌ أو مُستحَبٌّ؟ ووَجوبُه أَقوى وأشبَهُ بالكِتابِ والسُّنَّةِ، وهذا العَدلُ مأمورٌ بهِ ما دامَتْ زَوجةً، فإنْ أرادَ أنْ يُطلِّقَ إحداهُما فلهُ ذلكَ، فإنِ اصطَلحَ هوَ والَّتي

(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٣٣٢)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٦٨)، و «مجمع الأنهر» (١/ ٥٤٨).

يُريدُ طلاقَها على أنْ تُقيمَ عندَه بلا قَسْمٍ وهي راضيةٌ بذلكَ جازَ، كمَا قالَ تعالَى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]، وفي الصَّحيحِ عن عائِشةَ قالَتْ: «أُنزِلَتْ هذهِ الآيةُ في المَرأةِ تكونُ عِنْدَ الرَّجلِ فتَطولُ صُحبَتُها فيُريدُ طَلاقَها فتَقولُ: «لا تُطَلِّقْنِي وامسِكنِي وأنتَ في حِلٍّ مِنْ يَومِي»، فنزَلَتْ هذهِ الآيةُ»، وقد كانَ النَّبيُّ أرادَ أنْ يُطلِّقَ سَودَةَ فوهَبَتْ يومَها لعائِشةَ فأمسَكَها بلا قِسْمةٍ، وكذلكَ رافعُ بنُ خَديجٍ جرَى لهُ نحوُ ذلكَ، ويُقالُ إنَّ الآيةَ أُنزِلَتْ فيهِ (١).

وقالَ: ويَجبُ على الزَّوجِ التَّسويةُ بينَ الزَّوجاتِ في النَّفقةِ، وكلامُ القاضي في التَّعليقِ يَدلُ عليهِ، وكذا الكُسوةِ (٢).

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحنفيَّةُ في المُفتَى بهِ والمالِكيةُ في المَشهورِ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنهُ لا يَجبُ على الزَّوجِ أنْ يُسوِّي بينَ نِسائِه في النَّفقةِ والكسوَةِ إذا قامَ بالواجِبِ لِكلِّ واحِدةٍ مِنهنَّ، فيَجوزُ لهُ أنْ يُؤثِرَ بعضَ نِسائِه بالتَّبرعِ دونَ بَعضٍ، وإنْ كانَ الأفضلُ التَّسوية بينَهنَّ.

قالَ الإمامُ ابنُ نُجيمٍ رحمة الله عليه: وفي «البَدائع»: يجبُ عليهِ التَّسويةُ بينَ الحُرَّتَينِ أو الأَمَتَينِ في المَأكولُ والمَشروبِ والمَلبوسِ والسُّكنَى والبَيتوتةِ. اه، وهكذا ذكَرَ الوَلوالِجِيُّ.

(١) «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٢٦٩).
(٢) «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٥٦٣).

والحقُّ أنَّه على قَولِ مَنْ اعتَبَرَ حالَ الرَّجلِ وحْدَه في النَّفقةِ فالتَّسويةُ فيهَا واجِبةٌ أيضًا، وأمَّا على قَولِ المُفتَى بهِ مِنْ اعتِبارِ حالِهِما فلا؛ لأنَّ إحداهُما قد تَكونُ غَنيَّةً والأُخرى فَقيرةً، فلا يَلزمُه التَّسويةُ بَينَهُما مُطلَقًا في النَّفقةِ.

وفي «الغاية»: اتَّفقُوا على التَّسويةِ في النَّفقةِ، قالَ الشَّارحُ: وفيهِ نظرٌ؛ فإنهُ في النَّفقةِ يُعتبَرُ حالُهُما على المُختارِ، فكيفَ يَدَّعِي الاتَّفاقَ فيها علَى التَّسويَةِ؟! ولا يَتأتَّى ذلكَ إلا على قَولِ مَنْ يَعتبِرُ حالَ الرَّجلِ وحْدَه. اه (١).

وقالَ المالكيَّةُ: لا يَجبُ على الزَّوجِ العَدلُ في النَّفقةِ، ولا في الكِسوةِ، وإنَّما لكلُّ واحِدةٍ ما يَليقُ بها على قَدرِ حالِها، ولهُ أنْ يُوسِّعَ على مَنْ شاءَ مِنهنَّ زيادةً على ما يَليقُ بمِثلِها، قالَ ابنُ عَرفةَ: ابنُ رشدٍ: مَذهبٍ مالكٍ وأصحابِه أنَّه إنْ قامَ لكلٍّ بما يَجبُ لها بقَدرِ حالِها فلا حرَجَ عليهِ أنْ يُوسِّعَ على مَنْ شاءَ مِنهنَّ بما شاءَ.

قالَ الحطَّابُ رحمة الله عليه: وقالَ ابنُ نافِعٍ: يَجبُ أنْ يَعدلَ بَينَهنَّ في مالِهِ بعدَ إقامتِهِ لكلِّ واحِدةٍ ما يَجبُ لها، والأولَ أظهَرُ.

قُلتُ: قولُ ابنِ نافِعٍ يَجبُ حكاهُ المُتَيطِيُّ روايةً. اه.

ونُقلَ في «التَّوضِيح» عن اللَّخميِّ بعضُ شيءٍ مِنْ هذا، واللهُ أعلَمُ (٢).

(١) «البحر الرائق» (٣/ ٢٣٤، ٢٣٥)، و «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٢٠٢).
(٢) «مواهب الجليل» (٥/ ٢١٨، ٢١٩)، و «تفسير القرطبي» (١٤/ ٢١٧)، و «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٣/ ٢٠٤)، و «حاشية الصاوي» (٥/ ٢١٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب النفقات)
(باب نفقة المماليك)

(باب نفقة المماليك)

(مَسْأَلَةٌ)

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنِ بَكْرٍ أَوْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ " الْمُزَنِيُّ شَكَّ " عَنْ عَجْلَانَ أَبِي مُحْمَدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ " لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ (قَالَ) فَعَلَى مَالِكِ الْمَمْلُوكِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى الْبَالِغَيْنِ إِذَا شَغَلَهُمَا فِي عَمَلٍ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِمَا وَيَكْسُوَهُمَا بِالْمَعْرُوفِ ".

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: النَّفَقَةُ تَجِبُ بِثَلَاثَةِ أَسْبَابٍ، بِنَسَبٍ، وَزَوْجِيَّةٍ وَمِلْكِ يَمِينٍ، وَقَدْ مَضَى حُكْمُهَا بِالنَّسَبِ وَالزَّوْجِيَّةِ، فَأَمَّا مِلْكُ الْيَمِينِ فَتَجِبُ بِهِ نَفَقَاتُ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ لِمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُقَدَّمِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ، مَا لَا يُطِيقُ فَبَيَّنَ بِهَذَا الخبر ما يجب المملوك مِنَ النَّفَقَةِ وَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ وَلِأَنَّ السَّيِّدَ مَالِكٌ لِتَصَرُّفِ عَبْدِهِ وَكَسْبِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُلْتَزِمًا لِنَفَقَتِهِ وَكِسْوَتِهِ لِمَا يَلْزَمُهُ من حراسة نفسه.

(فيما تجب فيه نفقة المملوك)

(فَصْلٌ)

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب النفقات
باب نفقة المماليك

باب نَفَقةِ المَماليكِ

١٤٠٨ - مسألة؛ قال أبو القاسم: (وعَلَى مُلَّاكِ الْمَمْلُوكِينَ أنْ يُنْفِقُوا عَلَيْهِمْ ويَكْسُوهُمْ بالْمَعْرُوفِ)

وجملةُ ذلك أنَّ نَفقةَ المَمْلُوكِينَ على مُلّاكِهم ثابتةٌ بالسُّنَّةِ والإِجْماعِ؛ أمَّا السُّنَّةُ، فما رَوَى أبُو ذَرٍّ، عن النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: "إخْوانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُم اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فمَنْ كَانَ أخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْه مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فإنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ عَلَيْهِ " . مُتَّفَقٌ عليه . وروَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: "لِلْمَمْلُوكِ طَعامُهُ وكُسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ العَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ" . روَاه الشَّافعىُّ، في "مُسْنَدِه" . وأجْمعَ العلماءُ على

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 378 - 381

ارجع إلى عشرة النساء والحقوق بين الزوجين والقسم للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله