المبيت عند زوجته

الإسلام > النكاح والأسرة > عشرة النساء والحقوق بين الزوجين والقسم > المبيت عند زوجته

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

المبيت عند زوجته - الأقوال والأدلة

١ - المَبيتُ عندَ زَوجَتِه:

اختَلفَ الفُقهاءُ في الرَّجلِ إذا كانَ مُتزوِّجًا مِنْ امرأةٍ واحدةٍ، هل يَجبُ عليهِ أنْ يَبِيتَ عندَها أم لا يَجبُ؟ وما هو مِقدارُ المَبيتِ؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ في الصَّحيحِ والمالِكيةُ في المَذهبِ والشَّافعيةُ وأحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّهُ لا يَجبُ عليهِ أنْ يَبِيتَ عندَها، بلْ يُستحبَّ أنْ يَبيتَ عندَها ويَصطحِبَها بالمَعروفِ ويُحصِنَها؛ لأنهُ مِنْ المُعاشَرةِ بالمَعروفِ، ولأنَّ ترْكَه قد يُؤدِّي إلى الفُجورِ، والأفضلُ أنْ لا يُخلِّيَها كلَّ أربَعِ ليالٍ عن ليلةٍ؛ اعتِبارًا بمَن له أربَعُ زَوجاتٍ.

قالَ الحَنفيةُ: الرَّجلُ إذا لمْ يَكنْ لهُ إلَّا امرأةٌ واحدةٌ فتَشاغلَ عنها بالعِبادةِ أو السَّرارِي فظاهِرُ المَذهبِ أنْ لا يَتعيَّنَ مِقدارٌ؛ لأنَّ القَسْمَ معنًى نِسبيٌّ وإيجابُه طَلبُ إيجادِه، وهو يَتوقَّفُ على وُجودِ المُنتسبينَ، فلا يُطلَبُ قبْلَ تَصوُّرِه، بل يُؤمَرُ استِحبابًا أنْ يَبيتَ معها ويَصحَبَها أحيانًا مِنْ غَيرِ تَوقيتٍ.

واختارَ الطَّحاويُّ رِوايةَ الحَسنِ عن أبي حَنيفةَ أنَّ لها يَومًا وليلةً مِنْ كلِّ أربَعِ ليالٍ وباقيها له؛ لأنَّ لهُ أنْ يُسقِطَ حقَّها في الثَّلاثِ بتَزوُّجِ ثلاثِ حَرائِرَ، فإنْ كانَتِ الزَّوجةُ أمَةً فلها يَومٌ ولَيلةٌ في كُلِّ سَبعٍ.

وما رَواهُ الحسَنَ هو قولُ الإمامِ أوَّلًا ثمَّ رجَعَ عنهُ وقالَ: ليسَ بشيءٍ؛ لأنهُ لو تَزوَّجَ أربَعًا فطالَبْنَه بالواجِبِ يَكونُ لكلِّ واحِدةٍ ليلةٌ مِنْ الأربَعِ، فلو جَعلْنا هذا حقًّا لِكلِّ واحِدةٍ لَكانَ لا يَتفرَّغُ لأفعالِه.

فلَمْ يُؤقِّتْ لها وَقتًا، وإنِّما يَجعَلُ لها ليلةً مِنْ الأيَّامِ بقَدرِ ما يُحسِنُ مِنْ ذلك (١).

وقالَ المالكيَّةُ في المَذهبِ: لا يَجبُ على الرَّجلِ إذا كانَ عندَه زَوجةٌ واحِدةٌ أنْ يَبيتَ عندَها، بلْ يُندَبُ، بشَرطِ أنْ لا يَقصِدَ الإضرارَ بعَدمِ المَبيتِ، وإذا شَكَتِ الوِحدةَ ضُمَّتْ إلى جَماعةٍ، إلَّا أنْ يَكونَ تَزوَّجَها على ذلكَ، وسَكَّنَها بينَ قَومٍ صالِحينَ.

واختارَ جَمعٌ كابنِ عَرَفةَ والحَطَّابِ وغَيرِهما وُجوبَ المَبيتِ عندَها أو يُحضِرَ لها مُؤنِسةً؛ لأنَّ ترْكَها وحْدَها ضَررٌ بها، ولا سِيِّما إذا كانَ المَحلُّ يُتوقَّعُ منهُ الفَسادُ أو الخَوفُ مِنْ نحوِ اللُّصوصِ (٢).

وقالَ الشَّافعيةُ: مَنْ كانَتْ له زَوجةٌ واحِدةٌ لا يَجبُ عليهِ أنْ يَبيتَ عندَها، ولا إثمَ عليهِ؛ لأنَّ المَبيتَ حَقُّه فجازَ لهُ تَركُه كسُكنَى الدَّارِ المُستأجَرةِ، ولأنَّ في داعِيَةِ الطَّبعِ ما يُغنِي عنْ إيجابِه.

ولكنْ يُستحبُّ أنْ يَبيتَ عندَها ويُحصِنَها؛ لأنهُ مِنَ المُعاشَرةِ بالمَعروفِ، ولأنَّ ترْكَه قدْ يُؤدِّي إلى الفُجورِ.

(١) «شرح فتح القدير» (٣/ ٤٣٥)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٧١)، و «البحر الرائق» (٣/ ٢٣٦، ٢٣٧)، و «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٢٠٣).
(٢) «مواهب الجليل» (٥/ ٢١٩)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٧)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ٤)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٠٥)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٩٠)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ٣٤).

وأَولَى دَرجاتِ الواحِدةِ أنْ لا يُخلِّيَها كلَّ أربَعِ لَيالٍ عنْ ليلةٍ؛ اعتِبارًا بمَن له أربَعُ زَوجاتٍ، والأَولَى أنْ يَنامَا في فِراشٍ واحدٍ إذا لم يَكنْ لأحَدِهما عُذرٌ في الانفِرادِ، سِيَّما إذا عرفَ حِرصَها على ذلكَ (١).

وذهَبَ الحَنابلةُ -وهي رِوايةُ الحسَنِ عن أبي حَنيفةَ- إلى أنَّه يَجبُ عليهِ أنْ يَبيتَ عندَها لَيلةً مِنْ كلِّ أربَعٍ.

قالَ الحَنابلةُ: ويَجبُ على الزَّوجِ أنْ يَبيتَ في المَضجَعِ لَيلةً مِنْ كُلِّ أربَعِ لَيالٍ عندَ الحُرَّةِ؛ لمَا رَوى كَعبُ بنُ سَوَّارٍ أنَّه كانَ جالِسًا عندَ عُمرَ بنِ الخَطَّابِ فجاءَتِ امرأةٌ فقالَتْ: يا أميرَ المُؤمنينَ ما رأيْتُ رَجلًا قَطُّ أفضَلَ مِنْ زَوجِي، واللَّهِ إنه لَيَبيتُ ليلَهُ قائِمًا ويَظلُّ نهارَه صائِمًا، فاستَغفرَ لها وأثنَى عليهَا، واستَحْيَتِ المرأةُ وقامَتْ راجِعةً، فقالَ كَعبٌ: يا أميرَ المُؤمنينَ هَلَّا أَعْدَيْتَ المرأةَ على زَوجِها، فقالَ: وما ذاكَ؟ فقالَ: إنها جاءَتْ تَشكوهُ؛ إذا كانَ هذا حالُه في العِبادةِ متى يَتفرَّغُ لها، فبعَثَ عُمرُ إلى زَوجِها، وقالَ لكَعبٍ: اقْضِ بَينَهما، فإنَّكَ فَهمْتَ مِنْ أمرِهما ما لم أفهَمْه، قالَ: فإنِّي أرَى أنهَا امرأةٌ عليها ثلاثُ نِسوةٍ وهي رابعَتُهنَّ، فأقضِي له بثلاثةِ أيَّامٍ ولَياليهنَّ يَتعبَّدُ فيهنَّ، ولها يَومٌ ولَيلةٌ، فقالَ عُمرُ: واللَّهِ ما رَأيُكَ الأوَّلُ بأَعجَبَ إليَّ مِنْ الآخَرِ، اذهَبْ فأنتَ قاضٍ على البَصرةِ، وفي لفظٍ قالَ:

(١) «روضة الطالبين» (٥/ ٢٠٨)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٣٩٩)، و «الديباج» (٣/ ٣٥٦)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٤١٢)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ١٨٩).

نِعمَ القاضي أنتَ» (١)، وهذهِ قَضيَّةٌ اشتَهرَتْ ولم تُنكَرْ فكانَتْ كالإجماعِ.

يُؤيِّدُه قَولُه لعَبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ: «إنَّ لِجَسدِكَ عليكَ حقًّا، ولزَوجِكَ عليكَ حقًّا» مُتفَقٌ عليهِ.

ولأنهُ لو لم يَكنْ حقًّا لم تَستحِقَّ فسْخَ النِّكاحِ لتَعذُّرِه بالجَبِّ والعُنَّةِ وامتِناعِه بالإيلاءِ، ولأنهُ لو لم يَكنْ حقًّا للمرأةِ لَمَلَكَ الزَّوجُ تَخصيصَ إحدَى زَوجتَيه به كالزِّيادةِ في النَّفقةِ على قَدرِ الواجِبِ.

ومَحلُّ وُجوبِ ما ذُكرَ للحُرَّةِ إنْ طَلبَتْ ذلك منهُ؛ لأنَّ الحَقَّ لها، فلا يَجبُ بدونِ الطَّلبِ.

وللزَّوجِ الانفِرادُ في البقيَّةِ بنَفسِه أو معَ سَريَّتِه، وإذا كانَ لهُ زَوجتانِ كانَ لهُ الانفرادُ في لَيلتَينِ أو ثلاثٌ، فلهُ الانفِرادُ في لَيلةٍ.

قالَ الإمامُ أحمَدُ: لا يَبيتُ وحْدَه، ما أُحبُّ ذلكَ، إلَّا أنْ يَضطَرَّ.

وقالَ المِرْداويُّ رحمة الله عليه: وقالَ القاضي وابنُ عَقيلٍ: يَلزمُه مِنْ البَيتوتةِ ما يَزولُ مَعهُ ضَررُ الوَحشةِ ويَحصلُ مِنه الأُنسُ المَقصودُ بالزَّوجيَّةِ بلا تَوقيتٍ، فيَجتهدُ الحاكمُ.

قُلتُ: وهوَ الصَّوابُ.

وعنهُ: لا يَلزمُ المَبيتُ إنْ لم يَقصدْ بتَركِه ضَررًا (٢).

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه عبد الرزاق في «المصنف» (٧/ ١٤٩)، رقم (١٢٥٨٧)، وابن سعد في «الطبقات» (٧/ ٩٢).
(٢) «الإنصاف» (٨/ ٣٥٣)، ويُنظَر: «المغني» (٧/ ٢٣٠، ٢٣١)، و «الكافي» (٣/ ١٢٦)، و «المبدع» (٧/ ١٩٦)، و «كشاف القناع» (٥/ ٢١٦، ٢١٧)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٣١١، ٣١٢)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٢٦٦)، و «منار السبيل» (٣/ ٥٩).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب النكاح]
[فصل القسم للزوجات في المبيت والنشوز]

(فَصْلٌ)

إنَّمَا يَجِبُ الْقَسْمُ لِلزَّوْجَاتِ فِي الْمَبِيتِ

ــ

منح الجليل

فَصْلٌ الْقَسْمُ لِلزَّوْجَاتِ فِي الْمَبِيتِ وَالنُّشُوز

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 242 - 245

ارجع إلى عشرة النساء والحقوق بين الزوجين والقسم للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر