حق الزوجة في الوطء

الإسلام > النكاح والأسرة > عشرة النساء والحقوق بين الزوجين والقسم > حق الزوجة في الوطء

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 33 دقيقة قراءة

حق الزوجة في الوطء - الأقوال والأدلة

٢ - حقُّ الزَّوجَةِ في الوَطءِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ وَطءِ الزَّوجةِ، هل يَجبُ على الزَّوجِ أنْ يَطأَ زَوْجتَه أم لا؟ وهَل هُناكَ مُدَّةٌ مُقدَّرةٌ يَجبُ عليه أنْ يُجامِعَها فيها؟ أم يَكفي مرَّةً في العُمرِ؟ أم يَجبُ بقَدرِ استِطاعتِه وحاجتِها لذلكَ؟ على تَفصيلٍ بَينَ العُلماءِ.

قالَ الحَنفيةُ: للزَّوجةِ أنْ تُطالِبَ زوْجَها بالوَطءِ؛ لأنَّ حِلَّهُ لها حَقُّها كما أنَّ حِلَّها له حَقُّه، وإذا طالبَتْهُ يَجبُ على الزَّوجِ ويُجبَرُ عليه في الحُكمِ مرَّةً واحدةً، والزِّيادةُ على ذلكَ تَجبُ فيما بَينَه وبَينَ اللهِ تعالَى، مِنْ بابِ حُسنِ المُعاشَرةِ واستِدامةِ النِّكاحِ، وهلْ تَجبُ عليهِ في الحُكمِ؟ قَولانِ في المَذهبِ.

ولا يُمكِنُ أنْ يُقالَ: كُلَّما طَلبَتْ أنْ يَطأَها يَلزمُه؛ لأنهُ مَوقوفٌ على شَهوتِه لها.

وللزَّوجِ أنْ يُطالِبَها بالوَطءِ متى شاءَ، إلَّا عِنْدَ اعتِراضِ أسبابٍ مانِعةٍ مِنْ الوَطءِ كالحَيضِ والنِّفاسِ والظِّهارِ والإحرامِ وغَيرِ ذلكَ (١).

وذهَبَ المالكيَّةُ إلى أنَّ الوَطءَ واجبٌ على الزَّوجِ للمَرأةِ إذا انتَفَى

(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٣٣١)، و «البحر الرائق» (٣/ ٢٥٣).

العُذرُ، وإذا شَكَتْ قِلَّةَ الوَطءِ يُقضَى لها في كُلِّ أربَعِ لَيالٍ بلَيلةٍ؛ لأنَّ لهُ أنْ يَتزوَّجَ أربَعًا، كما أنَّ الصَّحيحَ إذا شَكَا الزَّوجُ قِلَّةَ الجِماعِ أنْ يُقضَى له عليها بما تُطيقُه كالأجيرِ على الرَّاجِحِ، خِلافًا لمَن قالَ: يُقضَى بأربَعِ مَرَّاتٍ في اليَومِ واللَّيلةِ؛ لاختِلافِ أحوالِ النَّاسِ، فقدْ لا تُطيقُ المرأةُ ذلكَ.

وإذا كانَ الزَّوجُ يُكثِرُ الوَطءَ وتَضرَّرتِ المرأةُ فحُكمُها حُكمُ الأجيرِ، تُمكِّنُ نَفسَها ما قَدرَتْ.

وطَلبُ المرأةِ الوَطءَ عندَ الحاكِمِ لا يُناقِضُ الحَياءَ المَمدوحَ ولا المُروءةَ المُستحسَنةَ؛ لأنهُ مَقصودُ النِّكاحِ، فإذا عَقَدتْه عَلِمَ الكلُّ أنهُ له، فإذا تَعذَّرَ جازَ طَلبُه دِينًا وحُسنَ مُروءةٍ (١).

وذهَبَ الشَّافعيةُ إلى أنَّ الجِماعَ لا يَجبُ على الرَّجلِ، قالَ الإمامُ الشَّافعيُّ: الجِماعُ مَوضِعُ تَلذُّذٍ، فلا يُجبَرُ عليه أحَدٌ (٢).

لأنَّ الجِماعَ إنَّما هو مِنْ دَواعِي الشَّهوةِ وخُلوصِ المَحبَّةِ الَّتي لا يَقدرُ على تَكلُّفِها بالتَّصنُّعِ لها، وكما لا يُجبَرُ على جِماعِها فكذلكَ لا يُجبَرُ على مُضاجَعتِها ولا على تَقبيلِها ومُحادثتِها ولا على النَّومِ معها في فِراشٍ واحدٍ؛ لأنَّ كلَّه مِنْ دَواعي الشَّهوةِ والمحبَّةِ الَّتي لا يَقدرُ على تكلُّفِها (٣).

(١) «مواهب الجليل» (٥/ ٢١٩، ٢٢٠)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ٣٤)، و «القوانين الفقهية» (١/ ١٤١)، و «حاشية العدوي» (٢/ ٨٤).
(٢) «الأم» (٥/ ١٨٩).
(٣) «الحاوي الكبير» (٩/ ٥٧٢، ٥٧٣).

ولكنْ يَنبغي أنْ لا يُعطِّلَها مِنْ الجِماعِ؛ تَحصينًا لها، ولئلَّا يُؤدِّيَ إلى فَسادِها أو إضرارِها.

ويُستحبُّ ألَّا يُخلِّيَ الزَّوجةَ عن لَيلةٍ مِنْ كلِّ أربَعٍ؛ اعتِبارًا بذِي أربعِ زَوجاتٍ (١).

وقالَ الإمامُ الغَزاليُّ رحمة الله عليه: ويَنبغي أنْ يَأتيَها في كلِّ أربَعِ لَيالٍ مرَّةً فهو أعدَلُ إذْ عَددُ النِّساءِ أربعَةٌ، فجازَ التَّأخيرُ إلى هذا الحَدِّ، نَعمْ يَنبغي أنْ يَزيدَ أو ينقصَ بحَسبِ حاجتِها في التَّحصينِ، فإنَّ تَحصينَها واجِبٌ عليه، وإنْ كانَ لا يَثبتُ المُطالَبةُ بالوَطءِ فذلكَ لعُسرِ المُطالَبةِ والوفاءِ بها (٢).

وقالَ الإمامُ عزُّ الدِّينِ بنُ عبدِ السَّلامِ رحمة الله عليه: تَخييرُ الرِّجالِ بينَ الجِماعِ وتَركِه وفِعلُ الأصلَحِ للزَّوجَينِ أفضَلُ.

فإنْ قيلَ: لمَ خُيِّرَ الرَّجلُ في الاستِمتاعِ وأُجبِرَتِ المرأةُ؟

قُلنا: لو خُيِّرَ النِّساءُ لَعَجزَ الرِّجالُ عن إجابتِهنَّ، إذْ لا تُطاوعُهم القُوَى على إجابتِهنَّ، ولا يَتأتَّى لهُم ذلكَ في كثيرٍ مِنْ الأحوالِ لضَعفِ القُوى وعَدمِ الاستِنشارِ، والمرأةُ يُمكِنُها التَّمكينُ في كلِّ وقتٍ وحينٍ (٣).

وذهَبَ الحَنابلةُ إلى أنهُ يَجبُ على الزَّوجِ أنْ يَطأَ زوْجتَه؛ لقَولِ النَّبيِّ

(١) «الديباج» (٣/ ٣٥٦)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٣٩٨)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٤١٢)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ١٨٩).
(٢) «إحياء علوم الدين» (٢/ ٥٠).
(٣) «قواعد الأحكام» (١/ ٢٠٩).

لعَبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العَاصِ رضي الله عنه: «وإنَّ لزَوجِكَ عليكَ حقًّا» (١)، ولأنهُ حقُّ يَجبُ بالاتِّفاقِ إذا حلَفَ على تَركِه (الإيلاء) فيَجبُ قبْلَ أنْ يَحلفَ كسائِرِ الحُقوقِ الواجِبةِ، يُحقِّقُ هذا أنهُ لو لم يَكنْ واجِبًا لم يَصرْ باليَمينِ على تَركِه واجِبًا كسائِرِ ما لا يَجبُ، ولأنَّ النِّكاحَ شُرعَ لمَصلحةِ الزَّوجَينِ ودَفعِ الضَّررِ عنهُما، وهوَ مُفْضٍ إلى رَفعِ ضَررِ الشَّهوةِ عنِ المرأةِ كإفضائِه إلى رَفعِ ذلكَ عنِ الرَّجلِ، فيَجبُ تَعليلُه بذلكَ، ويكونُ الوطءُ حقًّا لهُما جَميعًا، ولأنهُ لو لم يكنْ لها فيهِ حقٌّ لَمَا وجَبَ استِئذانُها في العَزلِ كالأمَةَ.

ويَجبُ مرَّةً كلَّ أربَعةِ أشهرٍ إنْ لم يَكنْ له عُذرٌ وقَدرَ وطَلبَتْه؛ لأنَّ اللهَ تعالَى قَدَّرَ ذلكَ بأربَعةِ أشهرٍ في حَقِّ المُؤلي، فكذلكَ في حقِّ غَيرِه؛ لأنَّ اليَمينَ لا تُوجِبُ ما حَلفَ عليه، فدلَّ أنَّ الوَطءَ واجبٌ بدُونِها.

فإنْ أبَى وأصَرَّ على تَركِ الوَطءِ كلَّ أربعةِ أشهرٍ ولم يَكنْ لهُما عُذرٌ وطَلبَتِ الفُرقةَ فَرَّقَ الحاكِمُ بينَهُما، نَصَّ عليهِ في رِوايةِ ابنِ مَنصورٍ في

رَجلٍ تَزوَّجَ امرأةً ولمْ يَدخُلْ بها يقولُ: «غدًا أدخُلُ بها غدًا أدخلُ بها» إلى شَهرٍ، هلْ يُجبَرُ على الدُّخولِ؟ قالَ: أذهَبُ إلى أربَعةِ أشهرٍ إنْ دخَلَ بها وإلَّا فُرِّقَ بينَهما، فجعَلَه كالمُؤلي، ولا يَصحُّ الفَسخُ هُنا إلَّا بحُكمِ حاكِمٍ؛ لأنه مُختلَفٌ فيهِ.

(١) رواه البخاري (٤٩٠٣)، ومسلم (١١٥٩).

وإنْ سافَرَ فوقَ نِصفِ سَنةٍ في غَيرِ أمرٍ واجبٍ كحَجٍّ وغَزوٍ واجبَينِ أو طَلبِ رِزقٍ يَحتاجُ إليهِ وطَلبَتْ قُدومَه لَزمَه، فإنْ أبَى بلا عُذرٍ فُرِّقَ بينَهما بطلَبِها، قِيلَ للإمامِ أحمَدَ: كَمْ يَغيبُ الرَّجلُ عن زَوجَتِه؟ قالَ: ستَّةَ أشهرٍ، يُكتَبُ إليه، فإنْ أبَى أنْ يَرجعَ فَرَّقَ الحاكِمُ بينَهُما، وإنَّما صارَ إلى تَقديرِه بهَذا لحَديثِ عُمرَ، رواهُ أبو حَفصٍ بإسنادِهِ عن زَيدِ بنِ أسْلَمَ قالَ: بَينَما عُمرُ بنُ الخَطَّابِ يَحرسُ بالمَدينةِ فمَرَّ بامرأةٍ وهيَ تقولُ:

تَطاوَلَ هذا الَّليلُ واسْوَدَّ جانِبُهْ … وطالَ عَليَّ أنْ لا خَليلَ أُلاعِبُهْ

وَواللهِ لولا خَشيةُ اللهِ وَحدَهُ … لَحُرِّكَ مِنْ هذا السَّريرِ جَوانِبُهْ

فسَألَ عنها عُمرُ فقيلَ لهُ: هذهِ فُلانةُ زَوجُها غائِبٌ في سَبيلِ اللهِ، فأرسَلَ إليها امرأةً تَكونُ معَها، وبعَثَ إلى زَوجِها فأقْفَلَه، ثمَّ دَخلَ على حَفصةَ فقالَ: يا بُنيَّةُ كمْ تَصبِرُ المَرأةُ عن زَوجِها؟ فقالتْ: سُبحانَ اللهِ! مِثلُكَ يَسألُ مِثلي عن هذا؟ فقالَ: لولا أنِّي أُريدُ النَّظرَ للمُسلمينَ ما سَألتُكِ، قالَتْ: خَمسةَ أشهرٍ أو ستَّةَ أشهرٍ، فوَقَّتَ للنَّاسِ في مَغازيهِم ستَّةَ أشهرِ يَسيرونَ شهرًا ويُقيمونَ أربَعةً ويَسيرونَ شَهرًا راجِعينَ.

وسُئلَ أحمَدُ: كم للرَّجلِ أنْ يَغيبَ عن أهلِه؟ قالَ: يُروى ستَّةُ أشهرٍ، وقدْ يَغيبُ الرَّجلُ أكثَرَ مِنْ ذلكَ لأمرٍ لا بُدَّ له.

ولو سافَرَ عنها لعُذرٍ وحاجَةٍ سقَطَ حقُّها في الوطءِ والقَسْمِ وإنْ طالَ سَفرُه، بدَليلِ أنهُ لا يُفسخُ نكاحُ المَفقودِ إذا ترَكَ لامرأتِه نَفقتَها أو وُجدَ لهُ مالٌ يُنفَقُ عليها منه أو مَنْ يُقرِضُها عليه …

وقيلَ: لا يُفرَّقُ بَينَهما بسَببِ عَدمِ الوَطءِ، وهوَ قَولُ أكثَرِ الفُقهاءِ؛ لأنهُ لو ضُربَتْ لهُ المدَّةُ لذلكَ وفُرِّقَ بَينَهما لم يَكنْ للإيلاءِ أثَرٌ، ولا خِلافَ في اعتبارِه.

وعن أحمَدَ ما يَدلُّ على أنَّ الوَطءَ غيرُ واجِبٍ، فيكونُ هذا كلُّهُ غيرَ واجِبِ؛ لأنهُ حقٌّ له، فلم يُجبَرْ عليه كسائِرِ حُقوقِه (١).

وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: وَطؤُها واجِبٌ عليهِ عِنْدَ أكثَرِ العُلماءِ، وقد قيلَ: إنهُ لا يَجبُ؛ اكتِفاءً بالباعِثَ الطَّبيعيِّ، والصَّوابُ أنهُ واجبٌ كما دَلَّ عليهِ الكِتابُ والسُّنةُ والأصولُ، وقد قالَ النَّبيُّ لعَبدِ اللهِ بنِ عمرٍو رضي الله عنه لمَّا رَآهُ يُكثِرُ الصَّومَ والصَّلاةَ رضي الله عنه: «إنَّ لزَوجِكَ عليكَ حقًّا» (٢).

ثمَّ قيلَ: يَجبُ عليهِ وَطؤُها كلَّ أربعةِ أشهرٍ مرَّةً، وقيلَ: يَجبُ وَطؤُها بالمَعروفِ على قَدرِ قُوَّتِه وحاجتِها كما تَجبُ النَّفقةُ بالمَعروفِ كذلكَ، وهذا أشبَهُ (٣).

وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: ويَجبُ على الزَّوجِ وَطءُ امرأتِه

(١) «المغني» (٧/ ٢٣١)، و «المبدع» (٧/ ١٩٨، ١٩٩)، و «الإنصاف» (٨/ ٣٥٤، ٣٥٦)، و «كشاف القناع» (٥/ ٢١٧، ٢١٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٣١١، ٣١٣)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٢٦٥، ٢٦٦)، و «منار السبيل» (٣/ ٦٠).
(٢) رواه البخاري (٤٩٠٣)، ومسلم (١١٥٩).
(٣) «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٣٨٣، ٣٨٤).

بقَدرِ كِفايتِها ما لم يُنهِكْ بَدنَه أو تَشغَلْه عن مَعيشتِه غيْرَ مُقدَّرٍ بأربعةِ أشهُرٍ كالأمَةِ، فإنْ تَنازَعَا فيَنبغي أنْ يَفرضَه الحاكِمُ كالنَّفقةِ وكوَطئِه إذا زادَ …

وحُصولُ الضَّررِ للزَّوجةِ بتَركِ الوَطءِ مُقتَضٍ للفَسخِ بكلِّ حالٍ، سَواءٌ كانَ بقَصدٍ مِنَ الزَّوجِ أو بغَيرِ قَصدٍ ولو معَ قُدرتِه وعَجزِه كالنَّفقةِ، وأَولَى للفَسخِ بتَعذُّرِه في الإيلاءِ إجماعًا (١).

وقالَ أيضًا: مِنْ الفُقهاءِ مَنْ لا يُوجِبُ عليهِ الوَطءَ وقَسْمَ الابتِداءِ، بل يَكتفِي بالباعِثِ الطَّبيعيِّ كمَذهبِ أبي حَنيفةَ والشَّافعيِّ وروايةِ أحمَدَ، فإنَّ الصَّحيحَ مِنْ وُجوهٍ كَثيرةٍ أنه يَجبُ عليه الوَطءُ كما دلَّ عليه الكِتابُ والسُّنةُ وآثارُ الصَّحابةِ والاعتِبارُ، وهل يَتقدَّرُ الوَطءُ الواجبُ بمرَّةٍ في كلِّ أربعةِ أشهرٍ اعتِبارًا بالإيلاءِ؟ أو يَجبُ أنْ يَطأَها بالمَعروفِ كما يُنْفِقُ عليها بالمَعروفِ؟ فيهِ خِلافٌ في مَذهبِ أحمَدَ وغَيرِه.

والصَّحيحُ الَّذي يَدلُّ عليه أكثرُ نُصوصِ أحمَدَ وعليهِ أكثَرُ السَّلفِ أنَّ ما يُوجِبُه العَقدُ لكُلِّ واحدٍ مِنَ الزَّوجَينِ على الآخَرِ كالنَّفقةِ والاستِمتاعِ والمَبيتِ للمرأةِ وكالاستِمتاعِ للزَّوجِ ليسَ بمُقدَّرٍ، بل المَرجِعُ في ذلكَ إلى العُرفِ، كما دلَّ عليهِ الكِتابُ في مِثلِ قَولِه تعالَى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، والسُّنةُ في مِثلِ قَولِه لهِندَ: «خُذِي ما يَكفيكِ ووَلدَكِ بالمَعروفِ»، وإذا تَنازَعَ الزَّوجانِ فيهِ فرَضَ الحاكِمُ ذلكَ

(١) «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٥٦٢).

باجتِهادِه كما فَرضَتِ الصَّحابةُ مِقدارَ الوَطءِ للزَّوجِ بمرَّاتٍ مَعدودةٍ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رحمة الله عليه: اختَلفَ الفُقهاءُ هل يَجبُ على الزَّوجِ مُجامَعةُ امرأتِه؟

فقالَتْ طائِفةٌ: لا يَجبُ عليه ذلك، فإنهُ حقٌّ له، فإنْ شاءَ استَوفاهُ وإنْ شاءَ ترَكَه، بمَنزلةِ مَنِ استأجَرَ دارًا إنْ شاءَ سَكَنَها وإنْ شاءَ ترَكَها.

وهذا مِنْ أضعَفِ الأقوالِ، والقُرآنُ والسُّنةُ والعُرفُ والقِياسُ يَردُّه، أمَّا القُرآنُ: فإنَّ اللهَ قالَ: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فأخبَرَ أنَّ للمرأةِ مِنْ الحَقِّ مَثلُ الَّذي عليها، فإذا كانَ الجِماعُ حقًّا للزَّوجِ عليها فهو حقُّ على الزَّوجِ بنَصِّ القُرآنِ.

وأيضًا فإنَّهُ أمَرَ الأزواجَ أنْ يُعاشِرُوا الزَّوجاتِ بالمَعروفِ، ومِن ضِدِّ المَعروفِ أنْ يَكونَ عِندَه شابَّةٌ شَهوتُها تَعدِلُ شَهوةَ الرَّجلِ أو تَزيدُ عليها بأضعافٍ مُضاعَفةٍ ولا يُذيقُها لذَّةَ الوَطءِ مرَّةً واحِدةً، ومَن زعَمَ أنَّ هذا مِنْ المَعروفِ كَفاهُ طَبْعُه رَدًّا عليهِ، واللهُ إنَّما أباحَ للأزواجِ إمساكَ نِسائِهم على هذا الوَجهِ لا على غَيرِه، فقالَ تعالَى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩].

وقالَتْ طائِفةٌ: يَجبُ عليهِ وَطؤُها في العُمرِ مرَّةً واحِدةً؛ ليَستقِرَّ لها بذلكَ الصَّداقُ، وهذا مِنْ جِنسِ القَولِ الأولِ، وهذا باطِلٌ مِنْ وَجهٍ آخَرَ،

(١) «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ١٧٣، ١٧٤).

فإنَّ المَقصودَ إنَّما هو المُعاشَرةُ بالمَعروفِ، والصَّداقُ دخَلَ في العَقدِ تَعظيمًا لحُرمتِه وفَرْقًا بَينَه وبَينَ السِّفاحِ، فوُجوبُ المَقصودِ بالنِّكاحِ أَقوى مِنْ وُجوبِ الصَّداقِ.

وقالَتْ طائِفةٌ ثالِثةٌ: يَجبُ عليه أنْ يَطأَها في كُلِّ أربعَةِ أشهرٍ مَرَّةً، واحتَجُّوا على ذلكَ بأنَّ اللهَ أباحَ للمُولي تَربُّصَ أربَعةِ أشهرٍ، وخَيَّرَ المَرأةَ بعْدَ ذلكَ إنْ شاءَتْ أنْ تُقيمَ عندَه وإنْ شاءَتْ أنْ تُفارِقَه، فلو كانَ لها حقٌّ في الوَطءِ أكثرُ مِنْ ذلكَ لم يَجعلْ للزَّوجِ ترَكَه في تِلكَ المُدَّةِ، وهذا القَولُ وإنْ كانَ أقرَبَ مِنَ القَولينِ الَّلذَينِ قبْلَه فليسَ أيضًا بصَحيحٍ، فإنهُ غَيرُ المَعروفِ الَّذي لها وعليها، وأمَّا جَعْلُ مُدَّةِ الإيلاءِ أربعةَ أشهرٍ فنَظرًا منهُ سُبحانَه للأزواجِ، فإنَّ الرَّجلَ قد يَحتاجُ إلى تَركِ وَطءِ امرأتِه مُدَّةً لعارِضٍ مِنْ سَفرٍ أو تأديبٍ أو راحةِ نَفْسٍ أو اشتِغالٍ بمُهمٍّ، فجعَلَ اللهُ له أجَلًا أربعةَ أشهرٍ، ولا يَلزمُ مِنْ ذلكَ أنْ يكونَ الوَطءُ مُؤقَّتًا في كلِّ أربعةِ أشهرٍ مرَّةً.

وقالَتْ طائِفةٌ أُخرى: بل يَجبُ عليهِ أنْ يَطأَها بالمَعروفِ كما يُنفقُ عليها ويَكسُوها ويُعاشِرُها بالمَعروفِ، بل هذا عُمدَةُ المُعاشَرةِ ومَقصودُها، وقدْ أمَرَ اللهُ أنْ يُعاشِرَها بالمَعروفِ، فالوَطءُ داخِلٌ في هذه المُعاشَرةِ، ولا بُدَّ قالوا: وعليه أنْ يُشبِعَها وَطئًا إذا أمكَنَه ذلكَ، كما عليه أنْ يُشبِعَها قُوتًا، وكانَ شَيخُنا رحمة الله عليه يُرجِّحُ هذا القولَ ويَختارُه.

وقد حَضَّ النَّبيُّ على استِعمالِ هذا الدَّواءِ ورَغَّبِ فيهِ

وعلَّقَ عليهِ الأجرَ وجعَلَه صَدقةً لفاعِلِه، فقالَ: «وفي بُضعِ أحَدِكُم صَدقةٌ». ومِن تَراجِمِ النَّسائيِّ على هذا «التَّرغيبُ في المُباضَعةِ» ثمَّ ذكَرَ هذا الحَديثَ، ففي هذا كَمالُ الَّلذةِ وكَمالُ الإحسانِ إلى الحَبيبةِ وحُصولُ الأجرِ وثَوابُ الصَّدقةِ وفَرحُ النَّفسِ وذَهابُ أفكارِها الرَّديئةِ عنها وخِفَّةُ الرُّوحُ وذَهابُ كَثافتِها وغِلَظِها وخِفةُ الجِسمِ واعتِدالُ المِزاجِ وجَلبُ الصِّحةِ ودَفعُ الموادِّ الرَّديئةِ، فإنْ صادَفَ ذلكَ وَجهًا حَسنًا وخُلُقًا دَمِثًا وعِشقًا وافِرًا ورَغبةً تامَّةً واحتِسابًا للثَّوابِ، فذلكَ الَّلذةُ الَّتي لا يُعادِلُها شيءٌ، ولا سِيَّما إذا وافقَتْ كَمالَها، فإنها لا تَكمُلُ حتَّى يَأخذَ كلُّ جُزءٍ مِنْ البَدنِ بقِسطِه مِنْ الَّلذةِ، فتَلتَذُّ العَينُ بالنَّظرِ إلى المَحبوبِ، والأُذنُ بسَماعِ كَلامِه، والأنفُ بشَمِّ رائحتِه، والفمُ بتقبيلِه، واليَدُ بلَمسِه، وتَعتكِفُ كلُّ جارِحةٍ على ما تَطلبُه مِنْ لَذَّتِها وتُقابلُه مِنْ المَحبوبِ، فإنْ فُقدَ مِنْ ذلك شيءٌ لم تَزلِ النَّفسُ مُتطلِّعةً إليه مُتقاضِيةً له، فلا تَسكنُ كلَّ السُّكونِ، ولذلكَ تُسمَّى المرأةُ سَكَنًا؛ لسُكونِ النَّفسِ إليها، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم: ٢١].

ولذلكَ فُضِّلَ جِماعُ النَّهارِ على جِماعِ الَّليلِ، ولسَببٍ آخَرَ طَبيعيٍّ وهو أنَّ الَّليلَ وَقتٌ تَبْرُدُ فيه الحَواسُّ وتَطلُبُ حَظَّها مِنْ السُّكونِ، والنَّهارُ مَحلُّ انتِشارِ الحَركاتِ كما قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧)[الفرقان: ٤٧]، وقالَ اللهُ تعالَى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [يونس: ٦٧]، وتَمامُ النِّعمةِ في ذلكَ

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل الجمع في الوطء بملك اليمين

عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله عنهم (وَجْهُ) قَوْلِهِ: إنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي النِّكَاحِ، وَالنِّكَاحُ قَدْ زَالَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِوُجُودِ الْمُزِيلِ لَهُ - وَهُوَ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ أَوْ الْبَائِنُ - وَلِهَذَا لَوْ وَطِئَهَا بَعْدَ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ مَعَ الْعِلْمِ بِالْحُرْمَةِ لَزِمَهُ الْحَدُّ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ الْجَمْعُ فِي النِّكَاحِ فَلَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ، وَلَنَا أَنَّ مِلْكَ الْحَبْسِ بِالْعَقْدِ قَائِمٌ، فَإِنَّ الزَّوْجَ يَمْلِكُ مَنْعَهَا مِنْ الْخُرُوجِ وَالْبُرُوزِ، وَحُرْمَةُ التَّزَوُّجِ بِزَوْجٍ آخَرَ ثَابِتَةٌ وَالْفِرَاشُ قَائِمٌ حَتَّى لَوْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ إلَى سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ، وَقَدْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا يَثْبُتُ النَّسَبُ، فَلَوْ جَازَ النِّكَاحُ لَكَانَ النِّكَاحُ جَمْعًا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ النَّصِّ، وَلِأَنَّ هَذِهِ أَحْكَامُ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ وَسِيلَةً إلَى أَحْكَامِ النِّكَاحِ فَكَانَ النِّكَاحُ قَائِمًا مِنْ وَجْهٍ بِبَقَاءِ بَعْضِ أَحْكَامِهِ، وَالثَّابِتُ مِنْ وَجْهٍ مُلْحَقٌ بِالثَّابِتِ مِنْ وَجْهٍ فِي بَابِ الْحُرْمَةِ احْتِيَاطًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ أُلْحِقَتْ الْأُمُّ وَالْبِنْتُ مِنْ وَجْهٍ بِالرَّضَاعَةِ بِالْأُمِّ وَالْبِنْتِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِالْقَرَابَةِ، وَأُلْحِقَتْ الْمَنْكُوحَةُ مِنْ وَجْهٍ - وَهِيَ الْمُعْتَدَّةُ - بِالْمَنْكُوحَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فِي حُرْمَةِ النِّكَاحِ كَذَا هَذَا؛ وَلِأَنَّ الْجَمْعَ قَبْلَ الطَّلَاقِ إنَّمَا حُرِّمَ؛ لِكَوْنِهِ مُفْضِيًا إلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ، لِأَنَّهُ يُوَرِّثُ الضَّغِينَةَ، وَإِنَّهَا تُفْضِي إلَى الْقَطِيعَةِ،…

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب العتق
باب وطء المدبرة وحكم ولدها

بَابُ وَطْءِ الْمُدَبَّرةِ وَحُكْمُ وَلَدِهَا

مَسْأَلَةٌ

قَالَ الشافعي رضي الله عنه: (وَيَطَأُ السَّيِّدُ مُدَبَّرتَهُ) .

وَهَذَا صَحِيحٌ. يَجُوزُ لِسَيِّدِ الْمُدَبَّرةِ أَنْ يَطَأَهَا لِمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ دَبَّرَ جَارِيَتَيْنِ لَهُ، فَكَانَ يَطَؤُهُمَا وَهُمَا مُدَبَّرتَانِ. وَلِأَنَّ أَحْكَامَ الرِّقِّ عَلَى الْمُدَبَّرةِ جَارِيَةٌ، فَجَرَى عَلَيْهَا فِي حُكْمِ الِاسْتِمْتَاعِ مَجْرَى الرِّقِّ.

وَلِأَنَّهُ مَالِكٌ لِمَنَافِعِهَا، وَالِاسْتِمْتَاعُ مِنْ مَنَافِعِهَا كَالِاسْتِخْدَامِ، وَلِأَنَّ سَبَبَ الْعِتْقِ فِي أُمِّ الْوَلَدِ أَقْوَى مِنْهُ فِي الْمُدَبَّرةِ، وَلَمْ يَمْنَعِ الْإِيلَادُ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ فكان التدبير أولى.

فإن قيل: فهلا كان كَالْمُكَاتَبَةِ فِي مَنْعِهِ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، قِيلَ: لِوُقُوعِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُكَاتَبَةَ قَدْ مَلَكَتْ مَنَافِعَهَا، فَلَمْ يُمْلَكْ عَلَيْهَا الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا وَالْمُدَبَّرةُ بِخِلَافِهَا فِي الْمَنَافِعِ، فَكَانَتْ بِخِلَافِهَا فِي الِاسْتِمْتَاعِ.

وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُكَاتَبَةَ فِي حُكْمِ الْخَارِجَةِ عَنْ مِلْكِهِ، لِأَنَّهَا تَمْلِكُ أَرْشَ من جَنَى عَلَيْهَا، وَالْمُدَبَّرةُ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ، لِأَنَّهُ الْمَالِكَ لِأَرْشِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا. فَلِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ مَا افْتَرَقَا فَجَازَ اسْتِمْتَاعُهُ بِالْمُدَبَّرةِ وَلَمْ يَجُزِ اسْتِمْتَاعُهُ بِالْمُكَاتَبَةِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 246 - 255

ارجع إلى عشرة النساء والحقوق بين الزوجين والقسم للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 39%
البدر بعد 8 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله