كيفية القسم للبكر وللثيب إذا كانت زوجة جديدة

الإسلام > النكاح والأسرة > عشرة النساء والحقوق بين الزوجين والقسم > كيفية القسم للبكر وللثيب إذا كانت زوجة جديدة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 24 دقيقة قراءة

كيفية القسم للبكر وللثيب إذا كانت زوجة جديدة - الأقوال والأدلة

المصنَّفَ في تَعليقِه على التَّنبيهِ، وقَضيَّةُ كَلامِ جَماعةٍ تَحريمُ ذلكَ، وصرَّحَ بهِ القاضي أبو الطَّيِّبِ، وصوَّبَه الأَذرَعيُّ وقالَ: إنهُ مُقتَضى نَصِّه في الأمِّ؛ لِمَا في ذلكَ مِنْ سُوءِ العِشرةِ وطَرحِ الحَياءِ. اه.

ويُمكِنُ الجَمعُ بَينَهما بأنْ يكونَ مَحلُّ التَّحريمِ إذا كانَتْ إحداهُما تَرى عَورةَ الأُخرَى.

ولَو طلَبَ الزَّوجُ ذلكَ وامتَنعَتْ لم يَلزمْها الإجابةُ، ولا تَصيرُ ناشِزةً بالامتِناعِ، قالَهُ الشِّيخانِ معَ قَولِهِما بكَراهةِ الوطءِ في هذهِ الحالَةِ (١).

وقالَ الحَنابلةُ: إنْ رَضيَتَا بنَومِه بَينَهما في لِحافٍ واحدٍ يَجوزُ، وإنْ رَضيتَا بأنْ يُجامِعَ واحِدةً بحَيثُ تَراهُ الأُخرى لم يَجُزْ؛ لأنَّ فيهِ دَناءةً وسُخفًا وسُقوطَ مُروءةٍ، فلَم يُبَحْ برِضاهُما، ورُبَّما كانَ وَسيلةً إلى وُقوعِ الرَّائِيةِ في الفاحِشةِ؛ لأنها قد تَثورُ شَهوتُها بذلكَ، قالَ أحمَدُ في الَّذي يُجامِعُ امرَأتَه والأُخرَى تَسمَعُ قالَ: كانُوا يَكرَهونَ الرِّجْسَ، وهو الصَّوتُ الخَفِيُّ (٢).

كَيفيةُ القَسْمِ للبِكرِ وللثيِّبِ إذا كانَتْ زَوجةً جَديدةً:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو تَزوَّجَ الرَّجلُ امرَأةً أُخرَى غيرَ زَوجتِه، سَواءٌ كانَتْ بِكرًا أم ثيِّبًا، هلْ تَختَصُّ الجَديدةُ بزيادةِ مَبيتٍ عندَ الزِّفافِ أم لا؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا

(١) «مغني المحتاج» (٤/ ٤١٥)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ١٩٥).
(٢) «المغني» (٧/ ٢٢٩)، و «الكافي» (٣/ ١٢٦)، و «المبدع» (٧/ ٢٠٢)، و «الإنصاف» (٨/ ٣٥٩، ٣٦٠)، و «كشاف القناع» (٥/ ٢٢٢)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٢٧٠).

جدَّدَ نِكاحَه فتَزوَّجَ امرأةً أُخرَى وكانَ لهُ زَوجاتٌ يَقسِمُ بَينَهنَّ وجَبَ عليهِ أنْ يَخُصَّ المُستجِدَّةَ إنْ كانَتْ بِكرًا بسَبعِ لَيالٍ، وإنْ كانَتْ ثَيبًا بثَلاثِ لَيالٍ، يُقيمُ فيهنَّ عندَها لا يَقضِي باقي نِسائِه، ولا تُحسَبُ به مِنْ قَسْمِها، فإذا انقضَتْ شارَكَتْهنَّ حِينئذٍ في القَسْمِ، وتَصيرُ الجَديدةُ آخِرَهنَّ نَوبةً، وأجازَ بَعضُ المالِكيَّةِ أنْ يَبدأَ بالجَديدةِ.

واستَدلَّ الجُمهورُ على ذلكَ بما رَوى أبو قِلابةَ عن أنَسٍ قالَ: «مِنْ السُّنةِ إذا تَزوَّجَ الرَّجلُ البِكرَ على الثيِّبِ أقامَ عندَها سَبعًا وقسَمَ، وإذا تَزوَّجَ الثيِّبَ على البِكرِ أقامَ عِندَها ثلاثًا ثمَّ قسَمَ»، قالَ أبو قِلابةَ: ولو شِئتُ لقُلتُ: إنَّ أنَسًا رَفَعَه إلى النَّبيِّ » (١).

ولِمَا رُويَ أنَّ النَّبيَّ لمَّا تزوَّجَ أمَّ سلَمةَ رضي الله عنها ودخَلَ عليها أقامَ عِندَها ثلاثًا، فأرادَ أنْ يَخرُجَ أخَذَتْ بثَوبِه، فقالَ رَسولُ اللهِ: «إنَّهُ ليسَ بكِ على أهلِكِ هَوانٌ، إن شِئتِ سَبَّعتُ لكِ، وإنْ سَبَّعتُ لكِ سَبَّعتُ لنِسائِي»، وفي رِوايةٍ: «إنْ شِئتِ زِدتُكِ وحاسَبتُكِ بهِ، للبِكرِ سَبعٌ وللثَّيِّبِ ثلاثٌ»، وفي رِوايةٍ: «ليسَ بكِ على أهلِكِ هَوانٌ، إنْ شِئتِ سبَّعْتُ عندَكِ، وإنْ شِئتِ ثَلَّثتُ ثمَّ دُرْتُ، قالَتْ: ثَلِّثْ» (٢).

ففي هذهِ الأحاديثِ دَليلٌ على أنَّ الرَّجلَ إذا تزوَّجَ البِكرَ أنَّ عليهِ أنْ يُقيمَ عندَها سَبعًا والثَّيِّب ثلاثًا، ولا يَحتسِبُ عليهِ بها نَساؤُه اللَّاتي عندَهُ قَبْلَها.

(١) رواه البخاري (٤٩١٥، ٤٩١٦)، ومسلم (١٤٦١).
(٢) رواه مسلم (١٤٦٠).

وقَولُ النَّبيِّ : «ليسَ بكِ على أهلِكِ هَوانٌ» يَدلُّ أنهُ رأَى منها أنها استَقلَّتِ الثَّلاثَ الَّتي هي حقُّ الثَّيِّبِ، فآنَسَها بقَولِه: «ليسَ بكِ على أهلِكِ هَوانٌ»، أي: ليسَ أَقسِمُ ثَلاثًا لهَوانِكِ عِندِي، وإنَّما أَقسمُها لكِ لأنهُ حقُّ الثِّيبِ، وخَيَّرَها بَينَ أعلَى حُقوقِ النِّساءِ وأَشرَفِها عِندَهنَّ وهي السَّبعُ وبَينَ الثَّلاثِ، على شَرطِ إنِ اختارَتِ السَّبعَ قَسَمَ لِكلِّ ثَيِّبٍ مِثلَها، وإنِ اختارَتِ الثَّلاثَ الَّتي هي حَقُّها لم يَقسِمْ لغيرِها مثلَها، فرَأَتْ أنَّ الثَّلاثَ الَّتي هي حقُّها أفضلُ لها، إذْ لا يَقسِمُ لغيرِها مِثلَها، ولسُرعةِ رُجوعِه إليها، فاختارَتْها وطابَتْ نَفسُها عليها، ورأَتْ أنها أرجَحُ عندَها مِنْ أنْ يُسبِّعَ عندَها على أنْ يُسبِّعَ عندَ غَيرِها، وفي هذا ضَربٌ مِنْ اللُّطفِ والرِّفقِ بمَن يُخشَى منهُ كراهةُ قَبولِ الحقِّ حتَّى يَتبيَّنَ لهُ فَضلُه ويَختارَ الرُّجوعَ إليهِ.

ولأنهُ لمَّا ذكَرَ السَّبعَ قرَنَها بالقضاءِ فقالَ: «سَبَّعْتُ عندَكِ وسَبَّعْتُ عندَهنَّ»، ولمَّا ذكَرَ الثَّلاثَ لم يَقرِنْها بالقضاءِ؛ لأنَّ الدَّورانَ عليهنَّ يَقتضي ابتداءَ قَسْمٍ لا قضاءً.

وقولُ أنسٍ رضي الله عنه: «السُّنةُ للبِكرِ سَبعًا وللثَّيِّبِ ثِلاثًا» (١) دلَّ على استِحقاقِ هذهِ المُدَّةِ مِنْ غَيرِ قَضاءٍ مِنْ وَجهَينِ:

أحَدُهما: فَرقُه فيهِ بَينَ البِكرِ والثيِّبِ.

والثَّاني: حَصرُه بعَددٍ وما يَقضي لا يَفتَرِقانِ فيهِ ولا يَنحصرُ جَريانُ العادةِ فيما تَختصُّ بهِ المُستجِدَّةُ عُرفًا وشَرعًا تَجعلُه حُكمًا مُستحَقًّا، ولأنهُ

(١) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٦٩٥٩).

لمَّا خُصَّتِ المُستجِدَّةُ بوَليمةِ العُرسِ إكرامًا وإيناسًا ولم يَكنْ ذلكَ مَيلًا خُصَّتْ بهذهِ المُدَّةِ لهذا المَعنى، ولأنَّ للمُستجِدَّةِ حِشمةً لا تَرتَفعُ إلَّا بمُكاثَرةِ الاجتِماعِ ومُطاوَلةِ الإيناسِ، ولذلكَ وقَعَ الفَرْقُ في أنْ خُصَّتِ البِكرُ بسَبعٍ والثَّيبُ بثَلاثٍ؛ لأنَّ الثَّيِّبَ لاختِبارِ الرِّجالِ أسرَعُ أُنْسَةً مِنْ البِكرِ الَّتي هي أكثرُ انقِباضًا وأقلُّ اختِبارًا (١).

وقالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: اختَلفُوا في المقامِ عِندَها، هل هو مِنْ حُقوقِها أو مِنْ حُقوقِ الزَّوجِ على نِسائِه غَيرِها؟ فقالَتْ طائِفةٌ: هو حقٌّ للمرأةِ، إنْ شاءَتْ طلَبَتْه، وإنْ شاءَتْ تَركَتْه، وقالَ آخرُونَ: هو حقٌّ للزَّوجِ

(١) «شرح صحيح البخاري» (٧/ ٣٣٧، ٣٤١)، و «التمهيد» (١٧/ ٢٤٦، ٢٤٩)، و «الاستذكار» (٥/ ٤٣٩، ٤٤١)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣٦٩)، رقم (١٢٠٤)، و «الذخيرة» (٤/ ٤٦١)، و «القوانين الفقهية» (١/ ١٤١)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٤٢)، و «شرح الزرقاني» (٣/ ١٧٦، ١٧٧)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٧)، و «مواهب الجليل» (٥/ ٢٢١)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٩٠)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٠٦)، و «الحاوي الكبير» (٩/ ٥٨٧)، و «المهذب» (٢/ ٦٨)، و «البيان» (٩/ ٥١٩، ٥٢٠)، و «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٠/ ٤٤، ٤٥)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٤٠٨)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٤١٩)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٢٠٥، ٢٠٩)، و «الديباج» (٣٦٢)، و «الإفصاح» (٢/ ١٥٩، ١٦٠)، و «اختلاف العلماء» للمروزي ص (١٧١)، و «المغني» (٧/ ٢٤٠)، و «الكافي» (٣/ ١٣٤)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٤٤٧، ٤٤٨)، و «المبدع» (٧/ ٢١١)، و «الإنصاف» (٨/ ٣٤٧)، و «كشاف القناع» (٥/ ٢٣٥، ٢٣٦)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٣٢٦، ٣٢٧)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٢٨٣، ٢٨٤)، و «منار السبيل» (٣/ ٦٥).

على نِسائِه، إنْ شاءَ أقامَ عِندَها، وإنْ شاءَ لم يُقِمْ وسَوَّى بَينَها وبَينَ سائِرِ نِسائِه، وكِلا القَولَينِ قد رُوِيَ أيضًا عَنْ مالِكٍ رحمة الله عليه، وظاهِرُ الحَديثِ يَشهَدُ لقَولِ مَنْ جعَلَه مِنْ حقِّ المرأَةِ؛ لقَولِه: «للبِكرِ سَبعٌ وللثَّيبِ ثَلاثٌ»، ويُوجِبُ عليهِ في البِكرِ على كلِّ حالٍ أنْ يُقيمَ عندَها سَبعًا، وعندَ الثيِّبِ ثلاثًا على عُمومِ الآثارِ، وهو قَولُ جَماعةٍ أيضًا مِنْ فُقهاءِ الأمصارِ، وهو أمرٌ مَعمولٌ بهِ عندَهم، وحَسبُكَ بقَولِ أنَسٍ: «مَضتِ السُّنَّةُ بذلكَ»، وباللهِ التَّوفيقُ (١).

وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: واختَلفَ العُلماءُ في أنَّ هذا الحقَّ للزَّوجِ أو للزَوجةِ الجَديدةِ، ومَذهبُنا ومَذهبُ الجُمهورِ أنهُ حقٌّ لها، وقالَ بَعضُ المالِكيةِ: حقٌّ له على بَقيَّةِ نِسائِه.

واختَلفُوا في اختِصاصِه بِمَنْ لهُ زَوجاتٌ غَيرُ الجَديدةِ، قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ: جُمهورُ العُلماءِ على أنَّ ذلكَ حقٌّ للمَرأةِ بسَببِ الزِّفافِ، سواءٌ كانَ عندَه زَوجةٌ أم لا؛ لعُمومِ الحَديثِ: «إذا تَزوَّجَ البِكرَ أقامَ عِندَها سَبعًا، وإذا تَزوَّجَ الثيِّبَ أقامَ عِندَها ثلاثًا»، لم يَخُصَّ مَنْ لم يَكنْ لهُ زَوجةٌ.

وقالَتْ طائِفةٌ: الحَديثُ فيمَن لهُ زَوجةٌ أو زَوجاتٌ غيرُ هذهِ؛ لأنَّ مَنْ لا زَوجةَ له فهو مُقيمٌ مع هذهِ كلَّ دَهرِه مُؤنِسٌ لها مُتمتِّعٌ بها مُستمتِعةٌ بهِ بلا قاطِعٍ، بخِلافِ مَنْ لهُ زَوجاتٌ؛ فإنهُ جُعِلتْ هذهِ الأيَّامُ للجَديدةِ تَأنيسًا لها مُتَّصلًا لتَستقِرَّ عِشرتُها لهُ وتَذهبَ حِشمتُها ووحشَتُها منهُ، ويَقضِي كلُّ

(١) «التمهيد» (١٧/ ٢٤٩).

واحدٍ مِنهُما لَذَّتُه مِنْ صاحِبِه، ولا يَنقطِعُ بالدَّورانِ على غَيرِها، ورَجَّحَ القاضي عِياضٌ هذا القَولَ، وبهِ جَزَمَ البَغويُّ مِنْ أصحابِنا في فَتاويهِ فقالَ: إنَّما يَثبتُ هذا الحقُّ للجَديدةِ إذا كانَ عِندَه أُخرَى يَبيتُ عِندَها، فإنْ لم تَكنْ أُخرى أو كانَ لا يَبيتُ عِندَها لمْ يَثبتْ للجَديدةِ حقُّ الزِّفافِ، كما لا يَلزمُه أنْ يَبيتَ عندَ زَوجاتِه ابتِداءً، والأوَّلُ أقوَى وهو المُختارُ؛ لعُمومِ الحَديثِ.

واختَلفُوا في أنَّ هذا المقامَ عندَ البِكرِ والثيِّبِ إذا كانَ لهُ زَوجةٌ أُخرى واجِبٌ أم مُستحَبٌّ، فمَذهبُ الشَّافعيِّ وأصحابِه ومُوافقِيهمْ أنهُ واجِبٌ، وهيَ رِوايةُ ابنِ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ، ورَوى عنهُ ابنُ عبدِ الحكَمِ أنهُ على الاستِحبابِ (١).

وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا تَزوَّجَ المرأةَ بِكرًا كانَتْ أو ثيِّبًا ولهُ امرأةٌ غيرُها لم يُقِمْ عِندَها إلَّا كما يُقيمُ عندَ الَّتي كانَتْ عِندَه، ويَقْسِمُ بَينَهما سواءً، ولا يُفضِّلُها بشيءٍ، فإنْ أقامَ معَ البِكرِ سَبعًا ومعَ الثيِّبِ ثلاثًا قَضى نِساءَه مُدَّةَ مقامِه معها، فلا فَرْقَ بينَ البِكرِ والثيِّبِ، ولا بَينَ الجَديدةِ والقَديمةِ، ولا بَينَ المُسلِمةِ والكِتابيَّةِ في القَسْمِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)[النساء: ٣]، معناهُ: أنْ لا تَجُوروا، وقولِه تعالَى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ [النساء: ١٢٩]، وقَولِه : «مَنْ كانَتْ

(١) «شرح صحيح مسلم» (١٠/ ٤٤، ٤٥).

لهُ امرَأتانِ فمالَ معَ إحداهُما على الأُخرَى جاءَ يومَ القِيامةِ وأحَدُ شِقَّيْهِ ساقِطٌ»، وفي رِوايةٍ: «جاءَ يومَ القِيامةِ وشِقُّهُ مائِلٌ» (١). أي مَفلُوجٌ.

وعن عائِشةَ رضي الله عنها قالَتْ: «كانَ رَسولُ اللهِ يَقْسِمُ فيَعْدلُ، ويَقولُ: اللَّهمَّ هذا قَسْمِي فيما أَملِكُ، فلا تَلُمْني فيما تَملِكُ ولا أَملِكُ»، يَعني القَلبَ» (٢).

وهذهِ النُّصوصُ عامَّةٌ في النِّساءِ، فيُسوِّي بَينَ الجَديدةِ والقديمةِ، والبِكرِ والثَّيِّبِ، والصَّحيحةِ والمَريضةِ والرَّتقاءِ والمَجنونةِ الَّتي لا يَخافُ منها، والحائِضِ والنُّفساءِ، والحامِلِ والحائِلِ، والصَّغيرةِ الَّتي يُمكِنُ وَطؤُها، والمُحرِمةِ والمُولِي منها والمُظاهِرِ منها.

ولأنَّ اجتِماعَ الزَّوجاتِ عِندَه سَببٌ لوُجوبِ التَّسويةِ بينَهنَّ، فلا يكونُ سَببًا لتَفضيلِ بَعضِهنَّ على بَعضٍ، ولو جازَ تَفضيلُ البَعضِ لَكانَتِ القديمةُ أَولى؛ لِمَا وقَعَ لها مِنَ الكَسرِ والوَحشةِ وإدخالِ الغَيظِ والغَيرةِ بسَببِ إدخالِ الضَّرةِ عليها، والمُرادُ مِنْ الحَديثِ التَّفضيلُ بالبُداءةِ بالجَديدةِ دُونَ الزِّيادةِ، وليسَ في حَديثِ أمِّ سلَمةَ ما يَدلُّ على أنها إذا طَلبتِ الزِّيادةَ يَسقطُ حقُّها، بلْ هو نصٌّ على التَّسويةِ ابتِداءً، ألَا تَرى أنَّه يُروَى في بَعضِ طُرقِه: «إنْ شِئتِ ثَلَّثْتُ لكِ وثَلَّثْتُ لهنَّ»، فعُلمَ بهذا أنَّ التَّسويَةَ في السَّبعِ لا لطَلبِها الزَّيادةَ.

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢١٣٣)، وابن ماجه (١٩٦٩)، والإمام أحمد (٨٥٤٩، ١٠٠٩٢)، وابن حبان في «صحيحه» (٤٢٠٧).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٢١٣٤)، والترمذي (١١٤٠)، والنسائي (٣٩٤٣)، وابن ماجه (١٩٧١).

ولأنَّ القَسْمَ مِنْ حُقوقِ النِّكاحِ كالنَّفقةِ، فهُنَّ فيهِ سَواءٌ، لا تَفاوُتَ في ذلكَ بَينَ البِكرِ والثيِّبِ والجَديدةِ والقَديمةِ، كما لا تَفاوُتَ بَينَ المُسلمةِ والكِتابيَّةِ والبالِغةِ والمُراهِقةِ والمَجنونةِ والعاقِلةِ والمَريضةِ والصَّحيحةِ؛ للمُساواةِ بَينَهنَّ في سَببِ هذا الحقِّ وهو الحِلُّ الثَّابتُ بالنِّكاحِ.

وأمَّا قَولُ النَّبيِّ لأُمِّ سلَمةَ رضي الله عنها: «إنْ شِئتِ سَبَّعتُ لكِ، وإنْ سَبَّعتُ لكِ سبَّعتُ لنِسائِي»، أي: أَعدِلُ بَينكِ وبَينَهنَّ فأجعَلُ لكلِّ واحدةٍ مِنهنَّ سَبعًا كما أَقمْتُ عِندكِ سَبعًا، كانَ كذلكَ أيضًا إذا جعَلَ لها ثَلاثًا جعَلَ لِكلِّ واحدةٍ مِنهنَّ كذلكَ أيضًا.

ومعنَى قَولِهِ : «للبِكرِ سَبعًا وللثيِّبِ ثلاثًا» فالمُرادُ التَّفضيلُ في البُداءةِ بالجَديدةِ دونَ الزِّيادةِ، ولا شكَّ أنَّ الأحاديثَ مُحتمِلةٌ، فلم تَكنْ قَطعيَّةَ الدَّلالةِ، فوجَبَ تَقديمُ الدَّليلِ القَطعيِّ والأحاديثِ المُطلَقةِ.

ويَحتَملُ «ثمَّ أَدورُ بالثَّلاثِ عليهِنَّ جَميعًا»؛ لأنهُ لو كانَتِ الثَّلاثُ حقًّا لها دُونَ سائرِ النِّساءِ لَكانَ إذا أقامَ عِندَها سَبعًا كانَتْ ثلاثٌ مِنهنَّ غَيرُ مَحسوبةٍ عليها، ولَوجَبَ أنْ يَكونَ لسائرِ النِّساءِ أربَعٌ أربَعٌ، فلمَّا كانَ الَّذي للنَّساءِ إذا أقامَ عِندَها سَبعًا سَبعًا لِكلِّ واحِدةٍ مِنهنَّ كانَ كذلكَ إذا أقامَ عندَها ثَلاثًا لكلِّ واحِدةٍ مِنهنَّ ثَلاثٌ ثَلاثٌ، هذا هو النَّظَرَ الصَّحيحُ معَ استِقامةِ تأويلِ هذهِ الآثارِ عليهِ (١).

(١) «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٢٩٥، ٢٩٦)، و «شرح معاني الآثار» (٣/ ٢٩)، و «الهداية» (١/ ٢٢٢)، و «العناية» (٥/ ١٢٠، ١٢١)، و «شرح فتح القدير» (٣/ ٤٣٤)، و «تبييين الحقائق» (٢/ ١٧٩، ١٨٠)، و «البحر الرائق» (٣/ ٢٣٥)، و «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٢٠٦)، و «اللباب» (٢/ ٥٩).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب النكاح]
[فصل القسم للزوجات في المبيت والنشوز]

(فَصْلٌ)

إنَّمَا يَجِبُ الْقَسْمُ لِلزَّوْجَاتِ فِي الْمَبِيتِ

ــ

منح الجليل

فَصْلٌ الْقَسْمُ لِلزَّوْجَاتِ فِي الْمَبِيتِ وَالنُّشُوز

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 339 - 346

ارجع إلى عشرة النساء والحقوق بين الزوجين والقسم للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 39%
البدر بعد 8 يوم
اللهم صل على محمد