عماد القسم الليل

الإسلام > النكاح والأسرة > عشرة النساء والحقوق بين الزوجين والقسم > عماد القسم الليل

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

عماد القسم الليل - الأقوال والأدلة

يُطلِّقَها، ولا تَنازُعَ بينَ أهلِ العلمِ في ذلكَ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: لا نَعلمُ بَينَ أهلِ العِلمِ في وُجوبِ التَّسويةِ بَينَ الزَّوجاتِ في القَسْمِ خِلافًا (٢).

وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: يَجبُ عليهِ العَدلُ بَينَ الزَّوجتَينِ باتِّفاقِ المُسلمِينَ، وفي السُّننِ الأربعةِ عَنْ أبي هُريرةَ عنِ النَّبيِّ قالَ: «مَنْ كانَتْ لهُ امرَأتانِ فمالَ إلى إحداهُما دُونَ الأُخرَى جاءَ يومَ القِيامةِ وأحَدُ شِقَّيهِ مائِلٌ»، فعليهِ أنْ يَعدِلَ في القَسمِ، فإذا باتَ عندَها لَيلةً أو لَيلَتينِ أو ثَلاثًا باتَ عندَ الأُخرى بقَدرِ ذلكَ، ولا يُفضِّلُ إحداهُما في القَسْمِ (٣).

عمادُ القَسمِ اللَّيلُ:

اتَّفقَ فُقهاءُ المُسلمِينَ على أنَّ عِمادَ القَسمِ هوَ اللَّيلُ؛ لأنه سَكَنٌ، قالَ تعالَى: ﴿أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم: ٢١]، فعلَى الزَّوجِ في زَمانِ القَسْمِ أنْ يَأويَ إليها لَيلًا ويَنصرِفَ لنَفسِه نَهارًا؛ لأنَّ اللَّيلَ زَمانُ الدَّعةِ والإيواءِ، والنَّهارُ زَمانُ المَعاشِ والتَّصرُّفِ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١)[النبأ: ١٠، ١١]، ولأنَّ اللَّيلَ زَمانُ الدَّعةِ والإيواءِ فوجَبَ أنْ يكونَ عُمدَةَ القَسْمِ، ولأنَّ السيِّدَ لو زَوَّجَ أمَتَهُ لَزمَه تَمكينُ الزَّوجِ مِنها لَيلًا، وكانَ لهُ استِخدامُها نهارًا، فعُلِمَ أنَّ اللَّيلَ عِمادُ القَسْمِ، فلا يَجوزُ

(١) «الإقناع في مسائل الإجماع» (٣/ ١٢٣٦، ١٢٣٨)، رقم (٢٢٦٢، ٢٢٦٥).
(٢) «المغني» (٧/ ٢٢٩).
(٣) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٣٢/ ٢٦٩).

لهُ في اللَّيلِ أنْ يَخرجَ فيه مِنْ عندِ الَّتي قَسَمَ لها إلَّا مِنْ ضَرورةٍ، فأمَّا النَّهارُ فلهُ أنْ يَتصرَّفَ فيهِ بما شاءَ، ويَدخلَ فيهِ إلى غَيرِها مِنْ نِسائِه مِنْ غَيرِ أنْ يَتعرَّضَ فيهِ لوَطئِها، ولهُ أنْ يُقبِّلَها ويَلمِسَها مِنْ غَيرِ إطالةٍ.

رَوى هِشامُ بنُ عُروةَ عَنْ أبيهِ عن عائِشةَ رضي الله عنها قالَتْ: «قَلَّ يومٌ إلَّا كانَ رَسولُ اللهِ يَدخلُ على نِسائِه، فيَدنُو مِنْ كلِّ امرَأةٍ مِنهنَّ فيُقبِّلُ ويَلمسُ مِنْ غيرِ مَسيسٍ ولا مُباشَرةٍ، ثمَّ يَبيتُ عندَ الَّتي هوَ يُومُها» (١).

قالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفقُوا على أنَّ عِمادَ القَسْمِ اللَّيلُ (٢).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وعِمادُ القَسْمِ اللَّيلُ لا خِلافَ في هذا؛ وذلكَ لأنَّ اللَّيلَ للسَّكَنِ والإيواءِ، يَأوِي فيهِ الإنسانُ إلى مَنزلِه، ويَسكُنُ إلى أهلِه، ويَنامُ في فِراشِه معَ زَوجتِه عادةً، والنَّهارُ للمَعاشِ والخُروجِ والتَّكسُّبِ والاشتِغالِ.

قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦]، وقالَ تعالَى: ﴿وَجَعَلْنَا

(١) «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٦٨)، و «الاختيار» (٣/ ١٤٤)، و «اللباب» (٢/ ٥٨)، و «مختصر الوقاية» (١/ ٣٧٩)، و «درر الحكام» (٤/ ١٧٧)، و «الأم» (٥/ ١٩٠)، و «الحاوي الكبير» (٩/ ٥٧٣)، و «البيان» (٩/ ٥١٢)، و «شرح صحيح مسلم» (١٥/ ٢١٠)، و «أسنى المطالب» (٣/ ٢٣١)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٤٠٣)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٤١٥)، و «المغني» (٧/ ٢٢٣)، و «الكافي» (٣/ ١٢٩)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٤٤٦)، و «كشاف القناع» (٥/ ٢٢٤، ٢٢٥)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٣١٨)، و «منار السبيل» (٣/ ٦١، ٦٢).
(٢) «الإفصاح» (٢/ ١٦٠).

اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١)[النبأ: ١٠، ١١]، وقالَ: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣] (١).

قالَ الحَنفيةُ: وعِمادُ القَسْمِ اللَّيلُ، ولا يُجامِعُ المَرأةَ في غيرِ يَومِها، ولا يَدخلُ باللَّيلِ على الَّتي لا قَسْمَ لها، ولا بَأسَ أنْ يَدخُلَ عليها بالنَّهارِ لحاجَةٍ، ويَعودُها في مَرضِها في لَيلةِ غيرِها، وإنْ ثَقُلَ مَرضُها فلا بأسَ أنْ يُقيمَ عندَها حتَّى تُشفَى أو تَموتَ (٢).

وقالَ المالكيَّةُ: يَحرمُ على الزَّوجِ أنْ يَدخلَ على ضَرَّتِها في يَومِها -النَّهارِ واللَّيلِ- لِمَا فيهِ مِنْ الظُّلمِ، إلَّا لحاجَةٍ، فيَجوزُ غيرُ الاستِمتاعِ كمُناوَلةِ ثَوبٍ وشَبَهِه، ولا يُقيمُ ولو أمكَنَهُ الاستِنابةُ في تلكَ الحاجَةِ على الأشبَهِ بالمَذهبِ، خِلافًا لِمَنْ قالَ: لا يَدخلُ لحاجَةٍ إلَّا إذا تَعسَّرَتِ الاستِنابةُ.

ولا يَجلِسُ ليَتحدَّثَ إلَّا لعُذرٍ لا بُدَّ منهُ كاقتِضاءِ دَينٍ أو تَجْرٍ لها، وهذا إذا كانَتَا ببَلدٍ واحِدٍ أو ببَلدَينِ في حُكمِ الواحِدةِ -أي بأنْ يَرتفِقَ أهلُ كلٍّ بالأُخرى-، وأمَّا إنْ كانَتَا ببَلدَينِ لا في حُكمِ الواحِدةِ فلهُ الدُّخولُ على ضَرَّتِها يَومَها لسَفرِهِ لها ببَلدِها، ووَطِئَها بَقيَّةَ نهارِ الَّتي سافَرَ مِنْ عندِها.

ولا بأسَ أنْ يَتوضَّأَ الرَّجلُ مِنْ ماءِ إحدَى زَوجَتيهِ ويَشربَ الماءَ مِنْ

(١) «المغني» (٧/ ٢٣٣).
(٢) «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٦٨)، و «الاختيار» (٣/ ١٤٤)، و «اللباب» (٢/ ٥٨)، و «مختصر الوقاية» (١/ ٣٧٩)، و «درر الحكام» (٤/ ١٧٧).

بَيتِها ويأكلَ مِنْ طَعامِها الَّذي تُرسِلُه إليهِ في يومِ الأُخرى مِنْ غيرِ تَعمُّدٍ، بل ويَقفُ بِبابِها يَتفقَّدُ مِنْ شأنِها ويُسلِّمُ مِنْ غيرِ دُخولٍ (١).

وقالَ الشَّافعيةُ: عِمادُ القَسْمِ اللَّيلُ، ويَجوزُ أنْ يَخرجَ في نهارِ المَقسومِ لها لطَلبِ المَعيشةِ إلى السُّوقِ ولقَضاءِ الحاجاتِ.

وإنْ دخَلَ إلى غَيرِها في يَومِها؛ فإنْ كانَ لحاجَةٍ مثلَ أنْ يَحملَ إليها نَفقتَها، أو كانَتْ مَريضةً فدخَلَ عليها يَعودُها، أو دخَلَ لزِيارتِها لبُعدِ عَهدِه بها، أو يُكلِّمَها بشيءٍ أو تُكلِّمَه، أو يُدخِلَ إلى بَيتِها شيئًا أو يأخُذَ منهُ شيئًا، ولم يُطِلِ الإقامةَ عندَها .. جازَ، ولا يَلزمُه القَضاءُ لذلكَ؛ لأنَّ المَقصودَ بالقَسْمِ الإيواءُ، وذلكَ يَحصلِ باللَّيلِ دُونَ النَّهارِ، ولا يُجامِعُها؛ لِمَا رُويَ عَنْ عائِشةَ رضي الله عنها أنها قالَتْ: «ما كانَ يومٌ إلَّا كانَ رَسولُ اللهِ يَطوفُ عَلينا جَميعًا، فيُقبِّلُ ويَلمِسُ، فإذا جاءَ إلى الَّتي هيَ يَومُها .. أقامَ عندَها».

وهل له أنْ يَستمتِعَ بالَّتي يَدخلُ إليها في غيرِ يَومِها بغيرِ جِماعٍ؟ فيهِ وَجهانِ، حَكاهُما ابنُ الصبَّاغِ:

أحَدُهما: لا يَجوزُ؛ لأنَّ ذلكَ ممَّا يَحصلُ بهِ السَّكَنُ، فأشبَهَ الجِماعَ.

والثَّاني -وهو المَشهورُ-: أنهُ يَجوزُ؛ لحَديثِ عائِشةَ أمِّ المُؤمِنينَ رضي الله عنها.

(١) «التاج والإكليل» (٣/ ٧)، و «مواهب الجليل» (٥/ ٢٢٤)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ٤)، و «حاشية العدوي» (٢/ ٨٥)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٠٦، ٢٠٧)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٩٠، ٩٢).

فإنْ دخَلَ إليها في يَومِ غَيرِها وأطالَ المَقامَ عِندَها .. لَزمَهُ القَضاءُ كما قُلنا في اللَّيلِ.

وإنْ أرادَ الدُّخولَ إليها في غيرِ يَومِها لغَيرِ حاجةٍ .. لم يَجُزْ؛ لأنَّ الحَقَّ لغَيرِها.

وإنْ دخَلَ إليها في يَومِ غَيرِها ووَطِئَها وانصرَفَ سَريعًا .. ففيهِ وَجهانِ، حَكاهُما الشَّيخُ أبو إسحاقَ:

أحَدُهما: لا يَلزمُه القَضاءُ؛ لأنهُ غيرُ مُستَحقٍّ، ووَقتُه لا يَنضَبطُ.

والثَّاني: يَلزمُه أنْ يَدخلَ إليها في يَومِ المَوطُوءةِ فيطأُها؛ لأنهُ أعدَلُ (١).

وقالَ الحَنابلةُ: يَحرُمُ على مَنْ تَحتَه أكثرُ مِنْ زَوجةٍ دُخولُه في لَيلةِ إِحدى الزَّوجاتِ إلى غَيرِها؛ لأنه ترَكَ الواجبَ عليهِ، إلَّا لضَرورةٍ مِثلَ أنْ تَكونَ غيرُ ذاتِ اللَّيلةِ مُحتضرَةً فيُريدُ أنْ يَحضُرَها أو تُوصي إليهِ، أو ما لا بُدَّ مِنهُ عُرفًا؛ لأنَّ ذلكَ حالُ ضَرورةٍ فأُبيحَ بهِ تركُ الواجِبِ؛ لإمكانِ قَضائِه في وقتٍ آخرَ.

فإنْ لَم يَلبثْ عِندَها لم يَقضِ شَيئًا؛ لأنهُ لا فائِدةَ فيهِ لقلَّتِه، وإنْ لَبِثَ عندَها أو جامَعَ لَزمَه أنْ يَقضيَ لها مثلَ ذلكَ مِنْ حقِّ الأُخرى؛ لأنَّ التَّسويةَ واجِبةٌ ولا تَحصلُ إلَّا بذلكَ، بأنْ يَدخلَ على المَظلومةِ في ليلةِ الأُخرَى

(١) «البيان» (٩/ ٥١٧، ٥١٨)، و «روضة الطالبين» (٥/ ٢١١، ٢١٢)، و «أسنى المطالب» (٣/ ٢٣١)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٤٠٣، ٤٠٥)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٤١٥، ٤١٧)، و «الديباج» (٣/ ٣٥٩، ٣٦٠).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب عشرة النساء والخلع
١٢٢٤ - مسألة؛ قال: (وعماد القسم الليل)

يَوْمِى . وإنَّما قُبِض النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهارًا. ويتْبَعُ اليومُ اللَّيلةَ الماضيةَ؛ لأنَّ النَّهارَ تابعٌ للَّيلِ، ولهذا يكونُ أوَّلُ الشَّهرِ اللَّيلَ، ولو نذَرَ اعْتكافَ شهرٍ دخَلَ مُعتَكَفَه قبلَ غُروبِ شمس الشَّهرِ الذى قبلَه، ويخْرُجُ منه بعدَ غُروبِ شمس آخرِ يومٍ منه، فيَبْدأُ باللَّيلِ، وإن أحبَّ أن يجْعلَ النَّهارَ مُضافًا إلى اللَّيْلِ الذى يتعَقَّبُه جازَ؛ لأنَّ ذلك لا يتَفاوتُ.

فصل: وإن خرجَ من عندِ بعض نِسَائِه فى زَمانِها، فإنْ كان ذلك فى النَّهارِ أو أوَّلَ اللَّيلِ، أو آخرِه الذى جرتِ العادةُ بالانتشارِ فيه، والخروجِ إلى الصَّلاةِ، جازَ؛ فإنَّ المسلمِين يخْرُجونَ لصلاةِ العِشَاءِ، ولصلاةِ الفجرِ قبلَ طُلوعِه، وأمَّا النَّهارُ، فهو للمعاشِ والانْتِشارِ. وإن خرَجَ فى غيرِ ذلك، ولم يلْبَثْ أَنْ عادَ، لم يَقْضِ لها؛ لأنَّه لا فائدةَ فى قَضاءِ ذلك. وإن أقامَ، قَضاهُ لها، سواءٌ كانتْ إقامتُه لعُذْرٍ؛ من شُغلٍ أو حَبْسٍ، أو لغيرِ عُذْرٍ؛ لأنَّ حقَّها قد فاتَ بغَيْبتِه عنها. وإِنْ أحبَّ أن يجْعلَ قضاءَه لذلك غَيبتَه عن الأُخْرَى، مثل مَا غابَ عن هذه، جازَ؛ لأنَّ التَّسويةَ تحْصُلُ بذلك، ولأنَّه إذا جازَ له تَرْكُ الليلةِ بكمالِها فى حقِّ كلِّ واحدةٍ منهما، فبعضُها أوْلَى. ويُسْتحَبُّ أَنْ يقْضِىَ لها فى مثلِ ذلك الوقتِ؛ لأنَّه أبْلَغُ فى المُماثلةِ، والقضاءُ تُعْتَبَرُ المُماثلةُ فيه، كقَضاءِ العباداتِ والحُقوقِ. وإِنْ قَضاهُ فى غيرِه مِنَ اللَّيلِ، مثل إنْ فاتَها فى أَوَّلِ اللَّيلِ، فقَضاه فى آخرِه، أو مِن آخِرِه، فقَضاه فى أوَّلِه، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهمَا

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 327 - 331

ارجع إلى عشرة النساء والحقوق بين الزوجين والقسم للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله