خدمة الزوجة لزوجها وإتيانها بخادم

الإسلام > النكاح والأسرة > عشرة النساء والحقوق بين الزوجين والقسم > خدمة الزوجة لزوجها وإتيانها بخادم

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 26 دقيقة قراءة

خدمة الزوجة لزوجها وإتيانها بخادم - الأقوال والأدلة

وقالَ الشَّافعيةُ: لا يَجبُ عليهِ التَّسويةُ بينَهنَّ في التَّبَرُّعاتِ الماليَّةِ ولا في الكِسوةِ، ويَجوزُ أنْ يُؤثِرَ بعضَ نِسائِه بالتَّبرعِ دونَ بعضٍ وإنِ استَوحَشنَ بذلكَ، والأَولى التَّسويةُ في ذلكَ وفي سائِرِ الاستِمتاعاتِ (١).

وقالَ الحَنابلةُ: لا يَجبُ على الزَّوجِ التَّسويةُ بينَ نِسائِه في النَّفقةِ والكسوَةِ إذا قامَ بالواجِبِ لكلِّ واحِدةٍ مِنهنَّ، قالَ أحمدُ في الرَّجلِ لهُ امرأتانِ: لهُ أنْ يُفضِّلَ إحداهُما على الأُخرى في النَّفقةِ والشَّهواتِ والكُسَى إذا كانَتِ الأُخرى في كِفايةٍ، ويَشتري لهذهِ أرفَعَ مِنْ ثَوبِ هذهِ وتكونُ تلكَ في كِفايةٍ؛ وهذا لأنَّ التَّسويةَ في هذا كلِّهِ تَشُقُّ، فلو وجَبَ لم يُمكِنْه القِيامُ بهِ إلَّا بحرَجٍ، فسقَطَ وجوبُه كالتَّسويةِ في الوَطءِ (٢).

خِدمةُ الزَّوجةِ لزَوجِها وإتيانُها بخادِمٍ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في المَرأةِ هل يَجبُ عليهَا أنْ تَخدمَ زوْجَها في البَيتِ وأنْ تَعجِنَ وتَطبخَ؟ أم لا يَجبُ عليها ويَجبُ عليهِ أنْ يُخدِمَها بأنْ يأتيَ لها بخادِمٍ يَخدمُها في بَيتِها؟

فبَعضُهم أوجَبَهُ دِيانةً لا قَضاءً كالحنفيَّةِ، وبَعضُهم أوجَبَهُ مُطلَقًا كابنِ تَيميةَ وبَعضِ المالِكيةِ، وبَعضُهم اعتبَرَ حالَها؛ فإنْ كانَتْ مِنْ قَومٍ لا تَخدمُ نساؤُهُم وكانَ زَوجُها مُوسِرًا فلا يَجبُ عليها الخِدمةُ، وإنْ كانَتْ مِنْ قَومٍ

(١) «مغني المحتاج» (٤/ ٤١٢)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ١٨٩)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٤٣٩)، و «تحفة الحبيب على شرح الخطيب» (٤/ ٢٣٢).
(٢) «المغني» (٧/ ٢٣٢)، و «الإنصاف» (٨/ ٣٦٤).

تَخدمُ نِساؤُهم فيَجبُ عليها الخِدمةُ، كما هوَ مَذهبُ المالِكيةِ، وبَعضُهم قالَ: لا يَجبُ عليها الخِدمةُ مُطلقًا كالشَّافعيةِ والحَنابلةِ وبَعضِ المالِكيةِ.

وهذا بَيانُ مَذاهبِهم بالتَّفصيلِ.

فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه يَجبُ على المرأةِ خِدمةُ زَوجِها دِيانةً لا قَضاءً، فلو جاءَ الزَّوجُ بطَعامٍ يَحتاجُ إلى الطَّبخِ والخَبْزِ فأبَتِ المرأةُ الطَّبخَ والخَبْزَ -يعني بأنْ تَطبخَ وتَخبِزَ- لا تُجبَرُ على ذلكَ قَضاءً وإنْ كانَ يَلزمُها دِيانةً، ويُؤمَرُ الزَّوجُ أنْ يأتي لها بطَعامٍ مُهيَّأٍ أو يأتيَها بمَن يَكفيها عمَلَ ذلكَ، ولو استأجَرَها للطَّبخِ والخَبْزِ لم يَجُزْ، ولا يَجوزُ لها أخذُ الأجرَةِ على ذلكَ؛ لأنها لو أخَذَتِ الأجرَةَ لأخَذَتْها على عمَلٍ واجِبٍ عليهَا في الفَتوى، فكانَ في معنى الرَّشوةِ، فلا يَحلُّ لها الأخذُ.

وذكَرَ الفَقيهُ أبو اللَّيثِ أنَّ هذا إذا كانَ بها عِلَّةٌ لا تَقدرُ على الطَّبخِ والخَبْزِ، أو كانَتْ مِنْ بناتِ الأشرافِ، فأمَّا إذا كانَتْ تقدِرُ على ذلكَ وهيَ ممَّن تَخدِمُ بنَفسِها تُجبَرُ على ذلكَ ولا يجبُ عليهِ أنْ يأتيَها بمَن يَفعلُه.

وهذا شامِلٌ لبنَاتٍ الأشرافِ أيضًا، وأمَّا وُجوبُه دِيانةً فلِأنَّهُ قسَمَ الأعمالَ بينَ عَليٍّ وفاطِمةَ، فجعَلَ أعمالَ الخارجِ على عليٍّ، وأعمالَ الدَّاخلِ على فاطمةَ، مع أنها سيِّدةُ نساءِ العالَمينَ رضيَ اللهُ تعالَى عَنها، وأبوها أَفضلُ الخلقِ أجمَعينَ (١).

(١) «بدائع الصنائع» (٤/ ٢٤)، و «البحر الرائق» (٤/ ١٩٩)، و «حاشية ابن عابدين» (٦/ ٦٢)، و «درر الحكام» (١/ ٤٣٣).

وقالَ المالِكيَّةُ: يجبُ على الزَّوجِ إخدامُ أهلِهِ إذا كانَ مُتَّسِعَ الحالِ، فيأتي لزَوْجتِه مَنْ يَخدمُها إنْ كانَتْ أهلًا لذلكَ؛ بأنْ تَكونَ مِنْ ذواتِ القَدْرِ اللَّاتي خِدمتُهنَّ في البَيتِ الأمرُ والنَّهيُ، أو يَكونُ هو ذا قدْرِ تُزْرِي خِدمةُ زوْجتِهِ بهِ، فإنها أهلٌ للإخدامِ بهذا المَعنى، ومثلُ الأهلِ ما إذا لم يَكنْ واحدٌ مِنهُما أهلًا إلَّا أنَّ في صَداقِها ثمَنُ خادمٍ، فإنها إذا طلَبَتْ ذلكَ تُجابُ لهُ، وسواءٌ كانَ الخادِمُ أنثى أو ذكرًا لا يَقدرُ على استِمتاعٍ.

وإذا اشتُرطَ الإخدامُ في صُلبِ العَقدِ لم يَضُرَّ إنْ كانَتْ أهلًا وإنْ كانَ أهلَهُ وإلَّا فُسِخَ قبْلَ البِناءِ، ويَصحُّ بعدَهُ ويُلغَى الشَّرطُ.

وإلَّا تَكُنْ أهلًا لِلإخدامِ بأنْ لم تَكُنْ مِنْ أشرافِ النَّاسِ بل مِنْ لَفيفِهم، أو كانَتْ أهلًا لِلإخدامِ بأن كانت غَنيَّةً وذاتَ قدْرٍ وكانَ هوَ فَقيرًا فعلَيها الخِدمةُ الباطِنةُ؛ لأنَّ الفَرضَ أنهُ فَقيرٌ، مِنْ عَجْنٍ وكَنْسٍ وفَرْشٍ وطَبْخٍ لهُ في جَميعِ ذلكَ لا لضُيوفِه فيما يَظهرُ، واستِقاءٍ بالدَّارِ أو خارِجَها ولو مِنْ بحرٍ في نساءٍ عادتُهنَّ ذلكَ وغَسلِ ثيابِهِ.

بخِلافِ الخِدمةِ الظَّاهِرةِ مثلَ النَّسجِ والغَزْلِ لهُ والخِياطةِ والتَّطريزِ لهُ ونَحوِها ممَّا هو مِنْ التَّكسُّبِ فلا يَلزمُها عَملُه لهُ ولو مِنْ قَومٍ عادتُهم ذلكَ؛ لأنَّه مِنْ التَّكسُّبِ للنَّفقةِ وهي واجِبةٌ عليهِ لها لا عليها لهُ (١).

(١) «عقد الجواهر الثمينة» (٢/ ٥٩٧)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٢٣٢، ٢٣٣)، و «شرح الزرقاني على مختصر خليل» (٤/ ٤٤١، ٤٤٢)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ١٨٦، ١٨٧)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٢٠٢٦).

وقالَ ابنُ العرَبيِّ المالِكيُّ رحمة الله عليه: هذا أمرٌ دائِرٌ على العُرفِ والعادةِ الَّذي هو أصلٌ مِنْ أصولِ الشَّريعةِ؛ فإنَّ نِساءَ الأعْرابِ وسكَّانِ الباديةِ يَخدمُنَّ أزواجُهنَّ حتَّى في استِعذابِ الماءِ وسِياسةِ الدَّوابِّ، ونِساءُ الحَواضِرُ يَخدمُ المُقِلُّ مِنهم زوْجَهُ فيما خَفَّ ويُعينُها، وأمَّا أهلُ الثَّروةِ فيُخدمونَ أزواجَهم ويَترفَّهنَ مَعهم إذا كانَ لهُم مَنصِبٌ في ذلكَ، وإنْ كانَ أمرًا مُشكلًا شرَطَتْ عليهِ الزَّوجةُ ذلكَ، فتُشهِدُ عليهِ أنَّه قد عرَفَ أنها ممَّن لا تَخدمُ نفْسَها فالتَزمَ إخدامَها، فيَنفذُ ذلكَ عليهِ وتَنقطعُ الدَّعوَى فيهِ، وهذا هوَ القولُ الصَّحيحُ (١).

وذهَبَ أبو بكر بنُ أبي شَيبةَ وأبو إسحاقَ الجَوزَجانِيُّ وشَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ إلى وُجوبِ خِدمةِ المرأةِ لزَوجِها؛ لقِصَّةِ عليٍّ وفاطمةَ، فإنَّ النَّبيَّ قضَى على ابنَتِه فاطِمةَ بخِدمةِ البَيتِ، وعلى عَليٍّ ما كانَ خارِجًا مِنْ البَيتِ، رواهُ الجَوزَجانِيُّ مِنْ طُرُقٍ.

قالَ الجوزَجانِيُّ رحمة الله عليه: وقد قالَ النَّبيُّ : «لَو كُنْتُ آمِرًا أحَدًا أنَّ يَسجدَ لأحَدٍ لأمَرْتُ المرأةَ أنْ تَسجدَ لزَوجِها، ولو أنَّ رجلًا أمَرَ امرأتَهُ أنْ تَنقلَ مِنْ جَبلٍ أسوَدَ إلى جبَلٍ أحمَرَ أو مِنْ جبَلٍ أحمَرَ إلى جَبلٍ أسوَدَ كانَ عليها أنْ تَفعلَ»، ورَواهُ بإسنادِه.

قالَ: فهذهِ طاعتُهُ فيما لا مَنفعةَ فيهِ، فكيفَ بمُؤونةِ مَعاشِهِ؟! وقد كانَ النَّبيُّ يأمُرُ نِساءَهُ بخِدمتِه، فقالَ: يا عائِشةُ اسقِينا، يا عائِشةُ

(١) «أحكام القرآن» لابن العربي (٣/ ١٤٣).

أَطعِمِينا، يا عائِشةُ هَلُمِّي الشَّفرةَ واشحَذِيها بحَجرٍ، وقد رُويَ أنَّ فاطِمةَ أتَتْ رَسولَ اللهِ تَشكو إليه ما تَلْقَى مِنْ الرَّحَى، وسألَتْهُ خادِمًا يَكفِيها ذلكَ (١).

قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: وتَجبُ خِدمةُ زَوجِها بالمَعروفِ مِنْ مِثلِها لمِثلِه، ويَتنوَّعُ ذلكَ بتَنوِّعِ الأحوالِ، فخِدمةُ البدَويَّةِ ليسَتْ كخدمَةِ القرَويَّةِ، وخِدمةُ القويَّةِ ليسَتْ كخِدمةِ الضَّعيفةِ، وقالَهُ الجوزَجانِيُّ مِنْ أصحابِنا وأبو بكر بنُ أبي شَيبةَ (٢).

وذهَبَ بَعضُ المالكيَّةِ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجبُ على المَرأةِ أنْ تَخدِمَ زوْجَها في عَجْنٍ وخَبْزٍ وطَبْخٍ ونحوِه ككَنْسِ الدَّارِ ومَلْءِ الماءِ مِنْ البئرِ وطَحنٍ؛ لأنَّ المَعقودَ عليهِ مِنْ جِهتِها الاستِمتاعُ، فلا يَلزمُها غيرُه كسقْيِ دوابِّهِ وحصادِ زَرعِه، فلا يَملكُ غَيرَه مِنْ منافِعِها، ويَلزمُه أنْ يأتيَها بمَن يَخدمُها ويَقومُ لها بهذهِ الخدمةِ.

فأمَّا قَسمُ النَّبيِّ بَينَ عليٍّ وفاطِمةَ فعلى ما تَليقُ بهِ الأخلاقُ المَرضِيَّةُ ومَجرى العادةِ لا على سَبيلِ الإيجابِ، كما قد رُويَ عَنْ أسماءَ بِنتِ أبي بكرٍ أنها كانَتْ تَقومُ بفَرسِ الزُّبيرِ وتَلتقِطُ لهُ النَّوى وتَحمِلُه على رَأسِها، ولَم يَكنْ ذلكَ واجِبًا عليها، ولهذا لا يجبُ

(١) «المغني» (٧/ ٢٢٥)، و «كشاف القناع» (٥/ ٢٢١)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٢٦٣، ٢٦٤)، و «منار السبيل» (٣/ ٥٦).
(٢) «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٥٦١).

على الزَّوجِ القِيامُ بمِصالحِ خارجِ البَيتِ، ولا الزِّيادةُ على ما يَجبُ لها مِنْ النَّفقةِ والكِسوةِ.

ولكنَّ الأَولَى لها فِعلُ ما جرَتِ العادةُ بقِيامِها بهِ؛ لأنه العادةُ ولا تَصلحُ الحالُ إلَّا بهِ ولا تَنتظِمُ المَعيشةُ بدونِه (١).

قالَ الشَّافعيةُ: يَجبُ على الزَّوجِ إخدامُ مَنْ لا يَليقُ بها خِدمةُ نَفسِها؛ لأنهُ مِنْ المُعاشَرةِ بالمَعروفُ، والاعتِبارُ في ذلكَ بحالِ المَرأةِ في بَيتِ أبيها، فلو ارتَفعَتْ بالانتِقالِ إلى الزَّوجِ بحَيثُ صارَ يليقُ بحالِها الإخدامُ .. لم يَجبْ على الصَّحيحِ، وقالَ الإمامُ: يجبُ إذا كانَتْ مِنْ أهلِ الأمصارِ دونَ البوادِي.

والواجِبُ خادِمٌ واحِدٌ ولو كانَ الزَّوجُ مُوسِرًا على الصَّحيحِ؛ لحُصولِ المَقصودِ.

وسواءٌ في وُجوبِ الإخدامِ مُوسِرٌ ومُعسِرٌ وعَبدٌ كسائرِ المُؤَنِ، وتَثبتُ في ذمَّتِه إلى أنْ يُوسِرَ.

وقيلَ: إنَّما يجبُ الإخدامُ على المُوسِرِ؛ لأنَّ النَّبيَّ لَم يُوجِبْ لفاطِمةَ على عليٍّ خادِمًا؛ لأنَّه كانَ مُعسِرًا (٢).

(١) «المغني» (٧/ ٢٢٥)، و «كشاف القناع» (٥/ ٢٢١)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٢٦٣، ٢٦٤)، و «منار السبيل» (٣/ ٥٦).
(٢) «النجم الوهاج» (٨/ ٢٤٦، ٢٤٧)، و «مغني المحتاج» (٥/ ١٦٠)، و «الديباج» (٣/ ٦٢٣، ٦٢٤).

قالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ رحمة الله عليه: قالَ ابنُ حَبيبٍ: إنَّ الزَّوجَ إذا كانَ مُعسِرًا وإنْ كانَتْ الزَّوجةُ ذاتَ قَدرٍ وشرَفٍ فإنَّ عليها الخِدمةُ الباطِنةُ كالعَجنِ والطَّبخِ والكَنسِ وما شاكَلَهُ، وهكذا أوضَحَ لي ابنُ الماجشونِ وأصبَغُ.

قالَ ابنُ حَبيبٍ: وكذلكَ حكَمَ النَّبيِّ عليه السلام على فاطِمةَ بالخِدمةِ الباطِنةِ مِنْ خدمةِ البَيتِ، وحكَمَ على عليٍّ بالخِدمةِ الظَّاهرةِ، وقالَ بعضُ شُيوخي: لا نَعرفُ في شيءٍ من الأخبارِ الثَّابتةِ أنَّ النَّبيَّ قضَى على فاطِمةَ بالخِدمةِ الباطِنةِ، وإنَّما كانَ نِكاحُهم على المُتعارَفِ بينَهم مِنْ الإجمالِ وحُسنِ العِشرةِ، وأمَّا أنْ تُجبَرَ المرأةُ على شيءٍ مِنْ الخِدمةِ فليسَ لها أصلٌ في السنَّةِ، بلِ الإجماعُ مُنعقِدٌ على أنَّ على الزَّوجِ مَؤونةُ الزَّوجةِ كلُّها.

وقالَ الطَّحاويُّ (١): لم يَختلِفوا أنَّ المرأةَ ليسَ عليها أنْ تَخدمَ نفْسَها، وأنَّ على الزَّوجِ أنْ يَكفيَها ذلكَ، وأنَّهُ لو كانَ معَها خادمٌ لم يكُنْ للزَّوجِ إخراجُ الخادمِ مِنْ بَيتهِ، فوجَبَ أنْ تَلزمَه نَفقةُ الخادمِ على حسبِ حاجتِها إليهِ.

وذكَرَ ابنُ الحكَمِ عن مالِكٍ أنهُ ليسَ على المرأةِ خِدمةُ زوجِها.

وقالَ الطَّبريُّ: في حَديثِ فاطمةَ الإبانةُ عن أنَّ كلَّ مَنْ كانَتْ به طاقةٌ مِنْ النِّساءِ على خِدمةِ نَفسِها في خَبْزٍ أو طَحينٍ وغَيرِ ذلكَ ممَّا تُعانيهِ المرأةُ في بيتِها أو لا يحتاجُ فيه إلى الخُروجِ أنَّ ذلكَ مَوضوعٌ عن زَوجِها إذا كانَ مَعروفًا لها أنَّ مثلَها تَلِي ذلكَ بنَفسِها، وأنَّ زوْجَها غيرُ مأخوذٍ بأنْ يكفِيَها

(١) «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٣٧١).

ذلكَ كما هوَ مأخوذٌ في حالِ عَجزِها عنهُ إمَّا بمرَضٍ أو زَمانةٍ؛ وذلكَ أنَّ فاطِمةَ إذ شكَتْ ما تلقَى في يَدِها مِنْ الطَّحنِ والعَجينِ إلى أبيها، وسألَتْه خادِمًا لعَونِها على ذلكَ لم يأمُرْ زوْجَها عَليًّا بأنْ يَكفيَها ذلكَ، ولا ألزَمَه وضْعَ مَؤونةِ ذلكَ عنها إمَّا بإخدامِها أو باستِئجارِ مَنْ يَقومُ بذلكَ، بل قد رُويَ عنهُ عليه السلام أنهُ قالَ لها: «يا بُنيَّةُ اصبِري، فإنَّ خيْرَ النِّساءَ الَّتس نفَعَتْ أهلَها»، وفي هذا القَولِ مِنْ النَّبيِّ عليه السلام دليلٌ بيِّنٌ أنَّ فاطِمةَ معَ قيامِها بخِدمِة نَفسِها كانت تَكفِي عليًّا بعضَ مُؤَنِه مِنْ الخِدمةِ، ولو كانَتْ كفايةُ ذلكَ علَى عليٍّ لَكانَ قد تَقدَّمَ عليه السلام إلى عليٍّ في كِفايتِها ذلكَ كما تَقدَّمَ إليهِ إذْ أرادَ الابتِناءَ بها أنْ يَسوقَ إليها صَداقَها حينَ قالَ لهُ: «أينَ دِرعُكَ الحُطميَّةُ؟»، وغيرُ جائزٍ أنْ يُعلِّمَ النبيُّ أمَّتَه الجميلَ مِنْ مَحاسِنِ الأخلاقِ ويَتركَ تَعليمَهم الفُروضَ التي ألزَمَهُم اللهُ، ولا شَكَّ أنَّ سَوْقَ الصَّداقِ إلى المَرأةِ في حالِ إرادتِه الابتِناءَ بها غيرُ فَرضٍ إذا رَضِيَتْ بتأخيرِه عن زَوجِها.

فإنْ قيلَ: فإنكَ تُلزِمُ الرَّجلَ إذا كانَ ذا سعَةٍ كفايةَ زوْجَتِه الخِدمةَ إذا كانَتِ المرأةُ ممَّن لا يخدمُ مِثلها.

قيلَ: حُكمُ مَنْ كانَ كذلكَ مِنْ النِّساءِ حُكمُ ذواتِ الزَّمانةِ والعاهةِ مِنهنَّ اللواتي لا يَقدرْنَ على خِدمةٍ، ولا خِلافَ بينَ أهلِ العِلمِ أنَّ على الرَّجلِ كفايةَ مَنْ كانَ مِنهنَّ كذلكَ، فلذلكَ ألزَمْنَا الرَّجلَ كفايةَ التي لا تَخدمُ نفْسَها مَئونةَ الخِدمةِ التي لا تَصلحُ لها، وألزَمْناهُ مَئونةَ خادِمٍ إذا كانَ في سَعةٍ،

وبَنحوِ الذي قُلنا نزَلَ القُرآنُ، وذلكَ قولُه: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ﴾ [الطلاق: ٧] الآية، وعَليهِ عُلماءُ الأمَّةِ مُجمِعةٌ.

وقالَ غيرُه: وشَذَّ أهلُ الظَّاهرِ عنِ الجَماعةِ فقالُوا: ليسَ عليهِ أنْ يُخدِمَها إنْ كانَ مُوسِرًا أو كانَتْ ممَّن لا يَخدم مِثلها، وحُجَّةُ الجَماعةِ قولُه: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، وإذا احتاجَتْ إلى مَنْ يَخدمُها فلمْ يَفعلْ لم يُعاشِرْها بالمُعروفِ.

وقالَ مالِكٌ واللَّيثُ ومُحمَّدُ بنُ الحَسنِ: يفرضُ لها ولخادِمينِ إذا كانَتْ خطيرةً.

وقالَ الكُوفيُّونَ والشَّافعيُّ: يفرضَ لها ولخادِمِها النَّفقة.

وقولُه: «باب خادِم المَرأةِ» فإنَّ عامةَ الفُقهاءِ مُتفِقونَ أنَّ الرَّجلَ إذا أعسَرَ عن نَفقةِ الخادمِ أنهُ لا يُفرَّقُ بينَه وبينَ امرأتهِ وإنْ كانَتْ ذاتَ قَدرٍ؛ لأنَّ عليًّا لم يُلزِمْه النبيُّ عليه السلام إخدامَ فاطِمةَ في عُسرِتِه، ولا أمَرَه أنْ يكفِيَها ما شكَتْ مِنْ الرَّحَى.

قالَ المُهلَّبُ: وفي هذا الحَديثِ مِنْ الفِقهِ أنَّ المرأةَ الرَّفيعةَ القَدرِ يجملُ بها الامتِهانُ في المَشاقِ مِنْ خِدمةِ زَوجِها مثلَ الطَّحنِ وشبَهِه؛ لأنَّه لا أرفَعَ مَنزلةً مِنْ بنتِ رَسولِ اللهِ ، ولكنَّهم كانوا يُؤثِرونَ الآخِرةَ ولا يَترفَّهونَ عن خِدمتِهم احتِسابًا للهِ وتَواضعًا في عبادَتِه (١).

(١) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٧/ ٥٣٩، ٥٤١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطلاق
فصل في أحكام العدة

انْقَضَتْ تَجَدَّدَ وُجُوبُ عِدَّةٍ أُخْرَى بِالْعِتْقِ فَكَانَ عَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ بِهَا.

وَذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ فِي نَوَادِرِهِ عَنْ مُحَمَّدٍ إذَا اشْتَرَى الْمُكَاتَبُ امْرَأَتَهُ وَوَلَدَهُ مِنْهَا وَمَاتَ وَتَرَكَ وَفَاءً مِنْ دُيُونٍ لَهُ أَوْ مَالٍ فَعِدَّتُهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ فِي شَهْرَيْنِ وَخَمْسَةِ أَيَّامٍ لِأَنِّي لَا أَعْلَمُ يُؤَدَّى الْمَالُ فَيُحْكَمُ بِعِتْقِهِ أَوْ يَنْوِي فَيُحْكَمُ بِعَجْزِهِ فَوَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْعِدَّتَيْنِ، وَلَوْ تَزَوَّجَ الْمُكَاتَبُ بِنْتَ مَوْلَاهُ ثُمَّ مَاتَ الْمَوْلَى وَمَاتَ الْمُكَاتَبُ وَتَرَكَ وَفَاءً فَعَلَيْهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ عِنْدَنَا لَا يَفْسُدُ بِمَوْتِ الْمَوْلَى، فَإِذَا مَاتَ الْمُكَاتَبُ عَنْ مَنْكُوحَتِهِ الْحُرَّةِ وَجَبَتْ عَلَيْهَا عِدَّةُ الْحَرَائِرِ، وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً فَعَلَيْهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ إنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ مَاتَ عَاجِزًا فَمَلَكَتْهُ قَبْلَ مَوْتِهِ وَانْفَسَخَ النِّكَاحُ وَوَجَبَتْ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ بِالْفُرْقَةِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ إنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا وَإِلَّا فَلَا.

فَصْلٌ فِي أَحْكَامُ الْعِدَّةِ

(فَصْلٌ) :

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 382 - 390

ارجع إلى عشرة النساء والحقوق بين الزوجين والقسم للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 39%
البدر بعد 8 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل