مدة القسم

الإسلام > النكاح والأسرة > عشرة النساء والحقوق بين الزوجين والقسم > مدة القسم

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

مدة القسم - الأقوال والأدلة

وقالَ الحَنابلةُ: فإنْ شَقَّ على المَريضِ القَسْمُ استَأذنَ أزواجَهُ في أنْ يكونَ عِنْدَ إحداهُنَّ، كما فعَلَ النَّبيُّ ، فعَن عائِشةَ أنَّ رَسولَ اللهِ بعَثَ إلى النِّساءِ -تَعنِي في مرَضِه- فاجتَمَعْنَ فقالَ: «إنِّي لا أستَطيعُ أنْ أدُورَ بينَكُنَّ، فإنْ رَأيتُنَّ أنْ تَأْذَنَّ لي فأكُونَ عندَ عائِشةَ فَعلْتُنَّ، فأَذِنَّ لهُ» (١).

فإنْ لم يَأذَنَّ لهُ أنْ يُقيمَ عِنْدَ إحداهُنَّ أقامَ عِنْدَ إحداهُنَّ بالقُرعةِ، أو اعتَزلَهُنَّ جَميعًا إنْ أحَبَّ ذلكَ؛ تَعديلًا بَينَهنَّ (٢).

مُدَّةُ القَسْمِ:

نصَّ الفُقهاءُ على أنَّ أقَلَّ زَمانِ القَسْمِ لَيلةٌ بكَمالِها، ويَكونُ اليومُ تَبَعًا لها، فلو أرادَ أنْ يَقسِمَ لإحدَى نِسائِه ليلةً بلا يَومٍ والأُخرى يَومًا بلا لَيلةٍ لم يَجُزْ؛ لأنَ ليلَ القَسْمِ مَقصودٍ ونَهارَه تَبَعٌ، ولا يَجوزُ بَعضُ ليلةٍ؛ لمَا فيهِ مِنْ تَشويشِ العَيشِ وعُسرِ ضَبطِ أجزاءِ اللَّيلِ (٣).

ولا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ الأفضلَ أنْ يكونَ لَيلةً ليلةً؛ اقتِداءً برَسولِ اللهِ ، ولِيَقرُبَ عَهدُه بهنَّ كُلِّهنَّ، ولا خِلافَ بينَهم أنهُنَّ إذا رَضِينَ بمُدَّةٍ طويلةٍ جازَ.

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢١٣٧)، وأحمد (٢٥٨٨٣).
(٢) «المغني» (٧/ ٢٣٠)، و «كشاف القناع» (٥/ ٢٢٦)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٣٢١)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٢٧٧).
(٣) «الحاوي الكبير» (٩/ ٥٨٢)، و «شرح صحيح مسلم» (٨/ ١٠٣)، و «روضة الطالبين» (٥/ ٢١٤، ٢١٥).

إلَّا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا، هل يَجوزُ أنْ يَزيدَ عن لَيلةٍ ليلةٍ بغيرِ رِضاهنَّ أم لا يَجوزُ؟

فذهَبَ المالكيَّةُ والشَّافعيةُ في وجهٍ -وهو اختِيارُ ابنِ المُنذِرِ- والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنهُ لا يَجوزُ الزِّيادةُ في القَسْمِ بَينَ الزَّوجاتِ عن لَيلةٍ ليلةٍ لِكلِّ امرأةٍ إلَّا برِضاهُنَّ؛ لأنَّ النَّبيَّ إنَّما قَسَمَ ليلةً وليلةً، ولأنَّ التَّسويةَ واجِبةٌ، وإنَّما جُوِّزَتِ البداءَةُ بواحِدةٍ لتَعذُّرِ الجَمعِ، فإذا باتَ عندَ واحدةٍ ليلةً تَعيَّنتِ اللَّيلةُ الثَّانيةُ حقًّا للأُخرى، فلَم يَجُزْ جَعلُها للأُولَى بغيرِ رضاها، ولأنهُ تأخيرٌ لحُقوقِ بَعضِهنَّ، فلَم يَجُزْ بغيرِ رضاهُنَّ كالزِّيادةِ على الثَّلاثِ، ولأنهُ إذا كانَ لهُ أربَعُ نِسوةٍ فجعَلَ لكلِّ واحدةٍ ثلاثًا حصَلَ تأخيرُ الأخيرةِ في تِسعٍ لَيالٍ، وذلكَ كَثيرٌ فلَم يَجُزْ، كما لو كانَ له امرأتانِ فأرادَ أنْ يَجعلَ لكلِّ واحدةٍ تِسعًا.

ولأنَّ للتَّأخيرِ آفاتً فلا يَجوزُ معَ إمكانِ التَّعجيلِ بغَيرِ رضَا المُستَحِقِّ كتأخيرِ الدَّينِ الحالِّ، والتَّحديدُ بالثَّلاثِ تَحكُّمٌ لا يُسمَعُ مِنْ غَيرِ دَليلٍ، وكَونُه في حدِّ القِلَّةِ لا يُوجِبُ جَوازَ تأخيرِ الحقِّ كالدُّيونِ الحالَّةِ وسائرِ الحُقوقِ.

وإذا رَضِينَ بالقَسْمِ أكثرَ مِنْ لَيلةٍ جازَ؛ لأنَّ الحقَّ لا يَعدُوهنَّ.

قالَ المالكيَّةُ: إذا كانَ نساؤُهُ في بلادٍ بَعيدةٍ فلا بأسَ بقِسمةِ الجُمعةِ والشَّهرِ على حَسبِ ما يُمكِنُه، بحَيثُ لا يَنالُه ضررٌ لقِلَّةِ المُدَّةِ، ولهُ أنْ يُقيمَ عندَ إحداهُنَّ لتَجْرٍ أو صَنعةٍ (١).

(١) «التاج والإكليل» (٣/ ٩)، و «مواهب الجليل» (٥/ ٢٢٤)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ٦)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٩٣)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٠٨).

وقالَ الحَنابلةُ: وإنْ كانَتْ نِساؤُه بمَحالٍّ مُتباعِدةٍ قَسَمَ بحَسبِ ما يُمكِنُه معَ التَّساوي بَينَهنَّ إلَّا برِضاهُنَّ (١).

وذهَبَ الشَّافعيةُ في المَذهبِ والقاضي مِنْ الحَنابلةِ إلى أنهُ يَجوزُ لَيلتَينِ لَيلتَينِ وثَلاثًا ثلاثًا بغَيرِ رِضاهُنَّ؛ لأنهُ مُدَّةٌ قَريبةٌ، ولا يَجوزُ أكثَرَ مِنْ ثلاثةٍ إلَّا برِضاهُنَّ وإنْ تَفرَّقْنَ في البلادِ؛ لئلَّا يُؤدِّي إلى المُهاجَرةِ، ولإيحاشِ الباقِياتِ بطُولِ المقامِ عندَ الضَّرَّةِ، وقد يَموتُ في المُدَّةِ الطَّويلةِ فيَفُوتُ حقُّهنَّ، فإذا رَضِينَ بالزِّيادةِ عن ثَلاثةٍ فيَجوزُ قَطعًا.

وفي وجهٍ للشَّافعيةِ -وقيلَ قَول- أنهُ يَجوزُ الزِّيادةُ عنِ الثَّلاثِ، فعَن صاحِبِ «التَّقرِيب»: لا تَجوزُ الزِّيادةُ على سَبعةٍ؛ لأنها مدَّةٌ مُستحَقَّةٌ في زِفافِ البِكرِ، وعنِ الشَّيخِ أبي مُحمَّدٍ وغَيرِه: ما لم يَبلُغْ أربَعةَ أشهُرٍ مُدَّةَ تَربُّصِ المُولِي.

وقيلَ: لا تَقديرَ، بل هو إلى اختِيارِه، ولا يَجوزُ على هذا إلى خَمْسِ سِنينَ (٢).

(١) «المغني» (٧/ ٢٣٦)، و «كشاف القناع» (٥/ ٢٢٤، ٢٢٥)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٣١٩)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٢٧٥).
(٢) «روضة الطالبين» (٥/ ٢١٤، ٢١٥)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٤٠٦)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٤١٧، ٤١٨)، و «الديباج» (٣/ ٣٦١)، و «المغني» (٧/ ٢٣٦).

وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الاختِيارَ في مِقدارِ الدَّورِ إلى الزَّوجِ؛ لأنَّ المُستحَقَّ هو التَّسويةُ دونَ طَريقِه، إنْ شاءَ يَومًا يَومًا، وإنْ شاءَ يَومَينِ يَومَينِ، أو ثَلاثًا ثلاثًا، أو أربَعًا أربعًا.

قالَ السَّرخسيُّ رحمة الله عليه: إذا كانَ لِلرَّجُلِ الحُرِّ أو المَملُوكِ امرأتَانِ حُرَّتانِ فإنَّهُ يَكونُ عِنْدَ كلِّ واحِدَةٍ مِنهُما يَومًا ولَيلةً، وإنْ شاءَ أنْ يَجعلَ لِكلِّ واحدةٍ مِنهُما ثَلاثةَ أيامٍ فَعَلَ؛ لأنَّ المُستَحَقَّ عَليهِ التَّسويَةُ، فأمَّا في مِقدارِ الدَّورِ فالاختِيارُ إِليهِ (١).

إلَّا أنَّ الإمامَ ابنَ الهُمامِ رحمة الله عليه قالَ: هذا الإطلاقُ لا يُمكِنُ اعتِبارُه على صِرافَتِه، فإنهُ لو أرادَ أنْ يَدورَ سَنةً سَنةً ما يُظَنُّ إطلاقُ ذلكَ لهُ، بل يَنبَغي أنْ لا يُطلَقَ لهُ مِقدارُ مُدَّةِ الإيلاءِ وهوَ أربعةُ أشهُرٍ، وإذا كانَ وُجوبُه للتَّأنِيسِ ودَفعِ الوَحشةِ وجَبَ أنْ تُعتبَرَ المدَّةُ القَريبةِ، وأظنُّ أكثرَ مِنْ جُمعةٍ مُضارَّةٌ، إلَّا أنْ تَرْضَيَا بهِ (٢).

لكنْ تَعقَّبهُ ابنُ نُجيمٍ رحمة الله عليه، حَيثُ قالَ: والظَّاهِرُ الإطلاقُ؛ لأنهُ لا مُضارَّةَ حيثُ كانَ على وَجهِ القَسْمِ؛ لأنها مُطمئنَّةٌ بمَجيءِ نَوبتِها، والحقُّ لهُ في البداءَةِ بمَن شاءَ (٣).

وقالَ الحَصكَفيُّ رحمة الله عليه: ويُقيمُ عندَ كلِّ واحِدةٍ مِنهنَّ يَومًا وليلةً، وإنْ

(١) «المبسوط» (٥/ ٢١٧).
(٢) «شرح فتح القدير» (٣/ ٤٣٤).
(٣) «البحر الرائق» (٣/ ٢٣٥).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب النكاح]
[فصل القسم للزوجات في المبيت والنشوز]

(فَصْلٌ)

إنَّمَا يَجِبُ الْقَسْمُ لِلزَّوْجَاتِ فِي الْمَبِيتِ

ــ

منح الجليل

فَصْلٌ الْقَسْمُ لِلزَّوْجَاتِ فِي الْمَبِيتِ وَالنُّشُوز

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 362 - 365

ارجع إلى عشرة النساء والحقوق بين الزوجين والقسم للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله