حق الزوجة في عدم العزل

الإسلام > النكاح والأسرة > عشرة النساء والحقوق بين الزوجين والقسم > حق الزوجة في عدم العزل

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 28 دقيقة قراءة

حق الزوجة في عدم العزل - الأقوال والأدلة

فَرحةُ المُحِبِّ برِضاءِ رَبِّه تعالَى بذلكَ واحتِسابِ هذه الَّلذةِ عندَه ورَجاءِ تَثقيلِ ميزانِه، ولذلكَ كانَ أحَبَّ شيءٍ إلى الشَّيطانِ أنْ يُفرِّقَ بينَ الرَّجلِ وبينَ حَبيبِه ليَتوصَّلَ إلى تَعويضِ كلٍّ منهُما عن صاحِبِه بالحَرامِ (١).

٣ - حقُّ الزَّوجةِ في عَدمِ العَزلِ:

العَزْلُ: هو أنْ يُجامِعَ الرَّجلُ فإذا قارَبَ الإنزالَ نَزَعَ وأنزَلَ خارِجَ الفَرْجِ.

واتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربعةِ على جَوازِ العَزلِ، وعلى أنهُ لا يَجوزُ للرَّجلِ أنْ يَعزِلَ عن زَوجتِه الحُرَّةِ إلَّا بإذنِها؛ لمَا رُويَ عن عُمرَ بنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه قالَ: «نَهَى رَسولُ اللَّهِ أنْ يُعزَلَ عنِ الحُرَّةِ إلَّا بإذنِها» (٢)، ولأنَّ لها في الولَدِ حقًّا، وعليها في العَزلِ ضَررٌ، فلَم يَجُزْ إلَّا بإذنها.

وقالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ رحمة الله عليه: ذهَبَ مالِكٌ والشَّافعيُّ وجُمهورُ العُلماءِ إلى أنهُ لا يُعزَلُ عنِ الحُرَّةِ إلَّا بإذنها، فإنْ مَنعَتْ زوْجَها لم يَعزِلْ.

واختَلفُوا في العَزلِ عنِ الزَّوجةِ الأمَةِ، فقالَ مالِكٌ والكُوفيُّونَ: لا يُعزَلُ عنها إلَّا بإذنِ سَيِّدِها، وقالَ الثَّوريُّ: لا يُعزَلُ عنها إلَّا بإذنها، وقالَ الشَّافعيُّ: يُعزَلُ عنها دُونَ إذنها ودُونَ إذنِ مَولاها (٣).

(١) «روضة المحبين» (٢١٥، ٢١٨).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه ابن ماجه (١٩٢٨)، وأحمد (٢١٢).
(٣) «شرح صحيح البخاري» (٧/ ٣٣١).

وقالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: لا خِلافَ بَينَ العُلماءِ في أنَّ الحُرَّةَ لا يُعزَلُ عنها إلَّا بإذنها؛ لأنَّ الجِماعَ مِنْ حقِّها، ولها المُطالَبةُ بهِ، وليسَ الجِماعُ المَعروفُ التَّامُّ إلَّا أنْ لا يَلحقَه العَزلُ (١).

وقالَ ابنُ القَطَّانِ الفاسي رحمة الله عليه: ولا أعلَمُ خِلافًا أنَّ المَرءَ لا يَعزِلُ عن زَوجتِه إلَّا بإذنها (٢).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: العَزلُ مَكروهٌ، ومَعناهُ أنْ يَنزِعَ إذا قَرُبَ الإنزالُ فيُنزِلُ خارِجًا مِنْ الفَرْجِ، رُوِيَتْ كَراهتُه عن عُمرَ وعَليٍّ وابنِ عُمرَ وابنِ مَسعودٍ، ورُويَ ذلكَ عن أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ أيضًا؛ لأنَّ فيهِ تَقليلَ النَّسْلِ وقطْعَ الَّلذةِ عنِ المَوطوءةِ، وقدْ حَثَّ النَّبيُّ على تَعاطِي أسبابِ الولَدِ فقالَ: «تَناكَحُوا تَناسَلُوا تَكثُرُوا»، وقالَ: «سَوداءُ وَلودٌ خَيرٌ مِنْ حَسناءَ عَقيمٍ»، إلَّا أنْ يكونَ لحاجةٍ مثلَ أنْ يكونَ في دارِ الحَربِ فتَدعوهُ حاجتُهِ إلى الوطءِ فيَطأُ ويَعزِلُ، ذكَرَ الخِرَقيُّ هذه الصُّورةَ، أو تَكونُ زَوجتُه أمَةً فيَخشَى الرِّقَّ على ولَدِه.

أو تكونَ له أمَةٌ فيَحتاجُ إلى وَطئِها وإلى بَيعِها، وقَد رُويَ عن عَليٍّ رضي الله عنه أنه كانَ يَعزِلُ عن إمائِه، فإنْ عزَلَ مِنْ غَيرِ حاجَةٍ كُرِهَ ولَم يَحرُمْ.

ورُويَتِ الرُّخصةُ فيهِ عَنْ عليٍّ وسَعدِ بنِ أبي وَقاصٍ وأبي أيُّوبَ وزَيدِ بنِ ثابتٍ وجابرٍ وابنِ عبَّاسٍ والحَسنِ بنِ عَليٍّ وخَبَّابِ بنِ الأَرتِّ وسَعيدِ بنِ

(١) «التمهيد» (٣/ ١٤٨).
(٢) «الإقناع» (٣/ ١٢٣٨)، رقم (٢٢٦٧).

المُسيّبِ وطاووسٍ وعَطاءٍ والنَّخَعيِّ ومالكٍ والشَّافعيِّ وأصحابِ الرَّأيِ.

ورَوى أبو سَعيدٍ قالَ: ذُكِرَ -يَعني العَزل- عندَ رَسولِ اللهِ قالَ: «ولِمَ يَفعلُ ذلكَ أحَدُكُم؟ -ولمَ يَقُلْ: فَلا يَفعلْ- فإنهُ ليسَ مِنْ نَفسٍ مَخلوقةٍ إلَّا اللهُ خالِقُها». مُتفَقٌ عليه.

وعنه: «أنَّ رَجلًا قالَ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ لي جارِيةً وأنا أَعزِلُ عنها وأنا أكرَهُ أنْ تَحمِلَ، وأنا أُريدُ ما يُريدُ الرِّجالُ، وإنَّ اليَهودَ تُحدِّثُ أنَّ العزلَ المَوءودةُ الصُّغرَى، قالَ: كَذبَتْ يَهودُ، لو أرادَ اللهُ أنْ يَخلُقَه ما استَطعْتَ أنْ تَصرِفَه» رَواهُ أبو داودَ.

فصلٌ: ويَجوزُ العَزلُ عنْ أمَتِه بغَيرِ إذنها، نَصَّ عليهِ أحمَدُ، وهو قولُ مالكٍ وأبي حَنيفةَ والشَّافعيِّ؛ وذلكَ لأنهُ لا حَقَّ لها في الوطءِ ولا في الولَدِ، ولذلكَ لم تَملكِ المُطالَبةَ بالقَسْمِ ولا الفَيئةِ، فلَأنْ لا تَملكَ المَنعَ مِنَ العزلِ أَولى.

ولا يَعزلُ عنْ زَوجتِه الحُرَّةِ إلَّا بإذنها، قالَ القاضي: ظاهرُ كَلامِ أحمَدَ وُجوبُ استِئذانِ الزَّوجةِ في العَزلِ، ويَحتمِلُ أنْ يَكونَ مُستحَبًّا؛ لأنَّ حقَّها في الوَطءِ دُونَ الإنزالِ، بدَليلِ أنهُ يَخرجُ به مِنْ الفَيئةِ والعُنَّةِ.

وللشَّافعيةِ في ذلك وَجهانِ، والأولُ أَولى؛ لِمَا رُويَ عنْ عُمرَ رضي الله عنه قالَ: «نهَى رَسولُ اللهِ أنْ يُعزَلَ عنِ الحُرَّة إلَّا بإذنِها» رَواهُ الإمامُ أحمَدُ في المُسنَدِ وابنُ ماجةَ.

ولأنَّ لها في الوَلدِ حقًّا، وعليها في العَزلِ ضَررٌ، فلمْ يَجُزْ إلَّا بإذنِها.

فأمَّا زوْجتُه الأمَةُ فيَحتملُ جَوازَ العَزلِ عنها بغيرِ إذنها، وهو قولُ الشَّافعيِّ؛ استِدلالًا بمَفهومِ هذا الحَديثِ، وقالَ ابنُ عبَّاسٍ: «تُستَأذنُ الحُرَّةُ ولا تُستَأذنُ الأمَةُ»، ولأنَّ عليه ضَررًا في استِرقاقِ وَلدِه، بخِلافِ الحُرَّةِ، ويَحتملُ أنْ لا يَجوزَ إلَّا بإذنها؛ لأنها زَوجةٌ تَملكُ المُطالَبةَ بالوَطءِ في الفَيئةِ والفَسخَ عندَ تَعذُّرِه بالعُنَّةِ، وتَركُ العَزلِ مِنْ تَمامِه، فلمْ يَجُزْ بغيرِ إذنها كالحُرَّةِ (١).

وقالَ أبو الوَليدِ ابنُ رُشدٍ القُرطُبيُّ رحمة الله عليه: الَّذي عليهِ جُمهورُ العُلماءِ بالأمصارِ مالكٌ وأصحابُه والشَّافعيُّ وأبو حَنيفةَ إباحةُ العَزلِ على حَديثِ أبي سَعيدٍ الخُدريِّ قالَ: خَرَجْنا معَ رَسولِ اللهِ في غَزوةِ بَنِي المُصطلِقِ، فأصَبْنا سَبْيًا مِنْ سَبيِ العَربِ فاشتَهَيْنا النِّساءَ، واشتَدَّتْ علينا العُزبَةُ وأحبَبْنا الفِداءَ، وأرَدْنا أنْ نَعزلَ فقُلنا: نَعزلُ ورَسولُ اللهِ بَينَ أظهُرِنا قبْلَ أنْ نَسألَه، فسَألْناه عَنْ ذلك فقالَ: «ما عليكُم ألَّا تَفعلُوا، ما مِنْ نَسمةٍ كائِنةٍ إلى يَومِ القِيامةِ إلَّا وهي كائِنةٌ»، فالرَّجلُ يَعزلُ عن أمَتِه بغيرِ إذنها، ولا يَعزلُ عَنْ زوْجتِه الحُرَّةِ إلَّا بإذنها، ولا يَعزلُ عَنْ زوْجتِه الأمَةِ إلَّا بإذنِ مَوالِيها، وقد قيلَ: إنهُ لا يَعزلُ عنها إلَّا بإذنها، وقالَ الشَّافعيُّ: لهُ أنْ يَعزلَ عَنْ زوْجتِه الأمَةِ بغيرِ إذنها وبغيرِ إذنِ مَواليها (٢) (٣).

(١) «المغني» (٧/ ٢٢٦، ٢٢٧)، ويُنظَر: «الهداية» (٤/ ٨٧).
(٢) «البيان والتحصيل» (١٨/ ١٥١، ١٥٢).
(٣) وقالَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رحمة الله عليه مُبيِّنًا حُكمَ العزلِ و «اختلاف العلماء» فيه وما احتَجَّ به كلُّ فريقٍ مِنْ العلماءِ، فقالَ رحمة الله عليه: فصلٌ في حُكمِه في العزلِ:
ثبَتَ في الصَّحيحينِ عن أبي سَعيدٍ قالَ: أصَبْنا سَبْيًا فكُنَّا نَعزلُ، فسَألْنا رَسولَ اللهِ =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= فقالَ: «وإنكُم لَتَفعلونَ؟ -قالَها ثلاثًا- ما مِنْ نَسمةٍ كائِنةٍ إلى يومِ القيامةِ إلَّا وهيَ كائِنةٌ».
وفي «السُّننِ» عنهُ أنَّ رَجلًا قالَ: «يا رَسولَ اللهِ إنَّ لي جارِيةً وأنا أعزِلُ عنها وأنا أكرَهُ أنْ تَحملَ، وأنا أُريدُ ما يُريدُ الرِّجالُ، وإنَّ اليَهودَ تُحدِّثُ أنَّ العَزلَ المَوءُودةُ الصُّغرى، قالَ: «كَذبَتْ يَهودُ؛ لو أرادَ اللهُ أنْ يَخلقَه ما استَطعْتَ أنْ تَصرفَه».
وفي «الصَّحيحينِ» عن جابرٍ قالَ: «كنَّا نَعزلُ على عهدِ رَسولِ اللهِ والقُرآنُ يَنزلُ».
وفي «صَحيح مُسلمٍ» عنهُ: «كُنَّا نَعزلُ على عَهدِ رَسولِ اللهِ فبَلَغَ ذلكَ رَسولَ اللهَ فلَمْ يَنهَنا».
وفي «صَحيح مُسلمٍ» أيضًا عنهُ قالَ: سألَ رجلٌ النَّبيَّ فقالَ: إنَّ عندِي جارِيةٌ وأنا أَعزلُ عنها، فقالَ رَسولُ اللهِ : «إنَّ ذلكَ لا يَمنعُ شيئًا أرادَهُ اللهُ»، قالَ: فجاءَ الرَّجلُ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ الجارِيةَ الَّتي كُنْتُ ذَكرتُها لكَ حَملَتْ، فقالَ رسولُ اللهِ : «أنا عبدُ اللهِ ورَسولُه».
وفي «صَحيح مُسلمٍ» أيضًا عن أسامةَ بنِ زيدٍ أنَّ رَجلًا جاءَ إلى رَسولِ اللهِ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إنِّي أَعزلُ عنِ امرأتي، فقالَ لهُ رَسولُ اللهِ : «لِمَ تَفعلُ ذلكَ؟» فقالَ الرَّجلُ: أُشفِقُ على وَلدِها، أو قالَ: على أولادِها، فقالَ رَسولُ اللهِ : «لو كانَ ضارًّا ضَرَّ فارِسَ والرُّومَ». وفي «مُسنَدِ أحمَدَ» و «سُننِ ابنِ ماجةَ» مِنْ حَديثِ عُمرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه قالَ: «نهَى رَسولُ اللهِ أنْ يُعزَلَ عَنْ الحرَّةِ إلا بإذْنها».
وقالَ أبو داودَ: سَمعْتُ أبا عَبدِ اللهِ ذكَرَ حَديثَ ابنَ لَهيعةَ عن جعفرِ بنِ رَبيعةَ عنِ الزُّهريِّ عنِ المُحرّرِ بنِ أبي هُريرةَ عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ : «لا يُعزَلُ عنِ الحرَّةِ إلَّا بإذنها»، فقالَ: ما أَنكَرَهُ.
فهذهِ الأحاديثُ صَريحةٌ في جوازِ العَزلِ، وقد رُويَتِ الرُّخصةُ فيهِ عَنْ عَشرةٍ مِنْ =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= الصَّحابةِ: عليٍّ وسَعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ وأبي أيُّوبَ وزَيدِ بنِ ثابتٍ وجابرٍ وابنِ عبَّاسٍ والحسَنِ بنِ عَليٍّ وخبَّابِ بنِ الأَرتِّ وأبي سَعيدٍ الخُدريِّ وابنِ مَسعودٍ رضي الله عنهم.
(١) قالَ ابنُ حزمٍ: «وجاءَتِ الإباحةُ للعَزلِ صَحيحةً عن جابرٍ وابنِ عبَّاسٍ وسعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ وزيدِ بنِ ثابتٍ وابنِ مَسعودٍ رضي الله عنهم»، وهذا هوَ الصَّحيحُ.
وحرَّمَه جماعةٌ، منهم أبو محمَّدٍ ابنُ حزمٍ وغَيرُه.
وفرَّقَتْ طائفةٌ بينَ أنْ تأذَنَ له الحرَّةُ فيُباحُ، أو لا تأذَنَ فيَحرُمُ، وإنْ كانَتْ زوْجتُه أمَةً أُبيحَ بإذنِ سيِّدِها ولَم يُبَحْ بدُونِ إذنِه، وهذا مَنصوصُ أحمَدَ، ومِن أصحابِه مَنْ قالَ: لا يُباحُ بحالٍ، ومنهُم مَنْ قالَ: يُباحُ بكلِّ حالٍ، ومنهُم مَنْ قالَ: يُباحُ بإذنِ الزَّوجةِ حرَّةً كانَتْ أو أمَةً، ولا يُباحُ بدُونِ إذنها حرَّةً كانَتْ أو أمَةً.
فمَن أباحَهُ مُطلَقًا احتَجَّ بما ذكَرْنا مِنْ الأحادِيثِ، وبأنَّ حقَّ المرأةِ في ذَوقِ العُسيلةِ لا في الإنزالِ.
ومَن حرَّمَه مُطلَقًا احتَجَّ بما رواهُ مُسلمٌ في «صحيحه» مِنْ حَديثِ عائِشةَ رضي الله عنها عَنْ جدامةَ بنتِ وهبٍ أختِ عُكاشةَ قالَتْ: حضَرْتُ رَسولَ اللهِ في أُناسٍ، فسَألوهُ عَنْ العَزلِ فقالَ رسولُ اللهِ : «ذلكَ الوأدُ الخَفِيُّ، وهي: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨)﴾ [التكوير: ٨]» قالُوا: وهذا ناسِخٌ لأخبارِ الإباحةِ؛ فإنَّه ناقِلٌ عنِ الأصلِ، وأحاديثُ الإباحةِ على وفقِ البَراءةِ الأصليَّةِ، وأحكامُ الشَّرعِ ناقِلةٌ عن البَراءةِ الأصليَّةِ، قالُوا: وقولُ جابرٍ رضي الله عنه: «كنَّا نَعزِلُ والقُرآنُ يَنزلُ»، فلَو كانَ شَيئًا ينهى عنهُ لَنهَى عنهُ القُرآنُ.
فيُقالُ: قد نهَى عنهُ مَنْ أُنزلَ عليهِ القُرآنُ بقَولِه: «إنَّه المَوءودةُ الصُّغرَى»، والوأدُ كلُّه حرامٌ.
قالُوا: وقدْ فَهِمَ الحسنُ البَصريُّ النَّهيَ مِنْ حديثِ أبي سَعيدٍ الخُدريِّ رضي الله عنه لمَّا ذُكِرَ العزلُ عندَ رسولِ اللهِ قالَ: «لا عَليكُم ألَّا تَفعلُوا ذاكُم، فإنَّما هوَ القدَرُ»، قالَ ابنُ عَونٍ: فحدَّثتُ به الحسَنَ فقالَ: واللهِ لَكأنَّ هذا زَجرٌ.
قالُوا: ولأنَّ فيهِ قطْعَ النَّسلِ المَطلوبِ مِنْ النكاحِ وسوءَ العِشرةِ وقطْعَ الَّلذةِ عندَ استدعاءِ الطَّبيعةِ لهَا.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

قالُوا: ولهذا كانَ ابنُ عمرَ رضي الله عنه لا يَعزلِ، وقالَ: «لو عَلمْتُ أنَّ أحَدًا مِنْ وَلدِي يَعزلُ لَنكَّلْتُه»، وكانَ عليٌّ يكرَهُ العزلَ، ذكَرَه شعبةُ عن عَاصمٍ عَنْ زرٍّ عنهُ، وصحَّ عنِ ابنِ مَسعودٍ رضي الله عنه أنهُ قالَ في العَزلِ: «هوَ المَوءودةُ الصُّغرى»، وصحَّ عن أبي أُمامةَ أنهُ سُئلَ عنهُ فقالَ: «ما كنتُ أرَى مُسلمًا يَفعلُه»، وقالَ نافعٌ عنِ ابنِ عُمرَ: «ضرَبَ عمرُ على العَزلِ بعضَ بَنِيهِ»، وقالَ يحيَى بنُ سَعيدٍ الأنصاريُّ عن سعيدِ بنِ المُسيبِ قالَ: «كانَ عمرُ وعُثمانُ يَنهَيانِ عنِ العزلِ».
وليسَ في هذا ما يُعارِضُ أحاديثَ الإباحةِ معَ صَراحتِها وصحَّتِها، أمَّا حَديثُ جدامةَ بنتِ وهبٍ فإنهُ وإنْ كانَ رواهُ مُسلمٍ فإنَّ الأحاديثَ الكثيرةَ على خِلافِه، وقد قالَ أبو داودَ: حدَّثَنا مُوسى بنُ إسماعيلَ حدَّثَنا أبانُ حدَّثَنا يَحيى أنَّ مُحمدَ بنَ عبدِ الرَّحمنِ بنِ ثوبانَ حدَّثَه أنَّ رفاعةَ حدَّثَه عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ رضي الله عنه «أنَّ رجلًا قالَ: يا رسولَ اللهِ إنَّ لي جاريةً وأنا أَعزلُ عنها، وأنا أكرَهُ أنْ تَحملَ، وأنا أُريدُ ما يُريدُ الرِّجالُ، وإنَّ اليَهودَ تُحدِّثُ أنَّ العزلَ المَوءُودةُ الصُّغرى قالَ: «كَذبَتْ يَهودُ لو أرادَ اللهُ أنْ يَخلقُه ما استَطعْتَ أنْ تَصرِفُه».
وحَسبُكَ بهذا الإسنادِ صحَّةً؛ فكُلُّهم ثِقاتٌ حفَّاظٌ، وقد أعَلَّه بعضُهُم بأنَّه مُضطَربٌ؛ فإنَّه اختُلفَ فيهِ على يَحيى بنِ أبي كَثيرٍ، فقيلَ عنهُ عن محمَّدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ ثَوبانَ عن جابرِ بنِ عبد اللهِ، ومِن هذهِ الطَّريقِ أخرَجَه التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ، وقيلَ فيهِ: عن أبي مُطيعِ بنِ رفاعةَ، وقيلَ: عن أبي رفاعةَ، وقيلَ: عن أبي سلَمةَ عن أبي هُريرةَ، وهذا لا يَقدحُ في الحديثِ؛ فإنهُ قد يكونُ عندَ يحيى عن مُحمدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ عن جابرٍ، وعندَه عنِ ابنِ ثَوبانَ عن أبي سلَمةَ عن أبي هُريرةَ، وعندَه عنِ ابنِ ثوبانَ عن رفاعةَ عن أبي سَعيدٍ، ويبقَى الاختِلافُ في اسمِ أبي رفاعةَ، هل هوَ أبو رافعٍ أو ابنُ رفاعةَ أو أبو مُطيعٍ، وهذا لا يضُرُّ معَ العلمِ بحالِ رفاعةَ.
ولا ريبَ أنَّ أحاديثَ جابرٍ صَريحةٌ صحيحةٌ في جَوازِ العزلِ، وقد قالَ الشَّافعيُّ رحمة الله عليه: ونحنُ نَروي عن عَددٍ من أصحابِ النبيِّ أنهُم رخَّصُوا في ذلكَ ولم يَرَوا بهِ بأسًا، قالَ البَيهقيُّ: وقد رُوِّينا الرُّخصةَ فيه عن سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ وأبي أيُّوبَ =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

=الأنصاريِّ وزيدِ بنِ ثابتٍ وابنِ عبَّاسٍ وغيرِهم، وهوَ مذهَبُ مالكٍ والشَّافعيِّ وأهلِ الكُوفةِ وجُمهورِ أهلِ العلمِ. وقد أُجيبَ عن حَديثِ جدامةَ بأنهُ على طَريقِ التَّنزيهِ، وضعَّفتْه طائفةٌ وقالُوا: كيفَ يَصحُّ أنْ يكونَ النَّبيُّ كذَّبَ اليهودَ في ذلكَ ثمَّ يخبِرُ به كخَبرهِم؟! هذا مِنْ المُحالِ البيِّنِ، وردَّتْ عليهِ طائفةٌ أخرَى وقالُوا: حديثُ تكذيبِهم فيهِ اضطرابٌ، وحديثُ جدامةَ في الصَّحيحِ.
وجمَعَتْ طائفةٌ أُخرى بينَ الحَديثينِ وقالَتْ: إنَّ اليهودَ كانَتْ تقولُ: «إنَّ العزلَ لا يكونُ معهُ حَملٌ أصلًا» فكذَّبَهم رسولُ اللهِ في ذلكَ، ويَدلُّ عليهِ قولُه : «لَو أرادَ اللهُ أنْ يَخلقُه لَمَا استَطعْتَ أنْ تَصرفَه»، وقولُه: «إنَّه الوأدُ الخَفِيُّ»؛ فإنَّه وإنْ لم يَمنعِ الحَملَ بالكلِّيةِ كتَركِ الوطءِ فهوَ مؤثِّرٌ في تقليلِهِ.
وقالَتْ طائفةٌ أُخرى: الحديثانِ صحيحانِ، ولكنَّ حديثَ التَّحريمِ ناسِخٌ، وهذهِ طريقةُ أبي مُحمدٍ ابنِ حزمٍ وغَيرِه، قالُوا: لأنهُ ناقِلٌ عنِ الأصلِ، والأحكامُ كانَتْ قبلَ التَّحريمِ على الإباحةِ، ودعوَى هؤلاءِ تحتاجُ إلى تاريخٍ مُحقَّقٍ يبيِّنُ تأخُّرَ أحَدِ الحديثَينِ عنِ الآخَرِ، وأنَّى لهُم بهِ، وقدِ اتَّفقَ عمَرُ وعليٌّ رضي الله عنهما على أنها لا تكونُ مَوءودةً حتَّى تَمُرَّ عليها التَّاراتُ السَّبعُ، فروَى القاضي أبو يَعلَى وغيرُه بإسنادِه عن عُبيدِ بنِ رفاعةَ عن أبيهِ قالَ: «جلَسَ إلى عمَرَ عليُّ والزُّبيرُ وسعدٌ رضي الله عنهم في نفَرٍ مِنْ أصحابِ رسولِ اللهِ وتَذاكَرُوا العزلَ فقالُوا: لا بأسَ بهِ، فقالَ رجلٌ: إنهُم يَزعمونَ أنها المَوءُودةُ الصُّغرَى، فقالَ عليٌّ رضي الله عنه: لا تكونُ مَوءودةً حتَّى تَمُرَّ عليها التَّاراتُ السَّبعُ، حتَّى تكونَ مِنْ سُلالةٍ مِنْ طِينٍ ثمَّ تكونُ نُطفةً ثمَّ تكونُ علَقةً ثمَّ تكونُ مُضغةً ثمَّ تكونُ عِظامًا ثمَّ تكونُ لحمًا ثمَّ تكونُ خلْقًا آخَرَ، فقالَ عمَرُ رضي الله عنه: صَدَقتَ أطالَ اللهُ بقاءَكَ»، وبهَذا احتَجَّ مَنْ احتَجَّ على جوازِ الدُّعاءِ للرَّجلِ بطُولِ البقاءِ.
وأمَّا مَنْ جوَّزَه بإذنِ الحرَّةِ فقالَ: للمَرأةِ حقٌّ في الولدِ كما للرَّجلِ حقٌّ فيهِ، ولهَذا كانَتْ =

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل وجوب طاعة الزوج على الزوجة إذا دعاها إلى الفراش

وَاحِدٍ بِأَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا ثَلَاثَ حَرَائِرَ؛ لِأَنَّ لِلْحُرَّةِ لَيْلَتَيْنِ، وَلِلْأَمَةِ لَيْلَةً وَاحِدَةً، فَلَمَّا لَمْ يَتَزَوَّجْ، فَقَدْ جَعَلَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ فَكَانَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ؛ صَرَفَ ذَلِكَ إلَى الزَّوْجَاتِ، وَإِنْ شَاءَ؛ صَرَفَهُ إلَى الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَإِلَى أَشْغَالِ نَفْسِهِ، وَالْإِشْكَالُ عَلَيْهِ مَا نُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَا ذَكَرَهُ الْجَصَّاصُ أَيْضًا، وَاَللَّهُ ﷿ الْمُوَفِّقُ.

فَصْلٌ وُجُوبُ طَاعَةِ الزَّوْجِ عَلَى الزَّوْجَةِ إذَا دَعَاهَا إلَى الْفِرَاشِ

(فَصْلٌ) :

وَمِنْهَا، وُجُوبُ طَاعَةِ الزَّوْجِ عَلَى الزَّوْجَةِ إذَا دَعَاهَا إلَى الْفِرَاشِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ البقرة: ٢٢٨ قِيلَ: لَهَا الْمَهْرُ وَالنَّفَقَةُ، وَعَلَيْهَا أَنْ تُطِيعَهُ فِي نَفْسِهَا، وَتَحْفَظَ غَيْبَتَهُ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ ﷿ أَمَرَ بِتَأْدِيبِهِنَّ بِالْهَجْرِ وَالضَّرْبِ عِنْدَ عَدَمِ طَاعَتِهِنَّ، وَنَهَى عَنْ طَاعَتِهِنَّ بِقَوْلِهِ ﷿ ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا﴾ النساء: ٣٤ ، فَدَلَّ أَنَّ التَّأْدِيبَ كَانَ لِتَرْكِ الطَّاعَةِ، فَيَدُلُّ عَلَى لُزُومِ طَاعَتِهِنَّ الْأَزْوَاجَ.

فَصْلٌ وِلَايَةُ التَّأْدِيبِ لِلزَّوْجِ إذَا لَمْ تُطِعْهُ

(فَصْلٌ) :

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 256 - 263

ارجع إلى عشرة النساء والحقوق بين الزوجين والقسم للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله