الإسلام > النكاح والأسرة > مشروعية النكاح > ثانيا: الندب
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةثانيًا: النَّدبُ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ إلى أنَّ مَنْ كانَ ذا شَهوةٍ ولا يَخافُ الوُقوعَ في الزِّنا استُحبَّ له النكاحُ.
قالَ الحَنفيةُ: النكاحُ حالةَ الاعتِدالِ سُنةٌ مُؤكَّدةٌ مَرغوبةٌ؛ لِما تَقدَّمَ مِنْ النُّصوصِ الوارِدةِ فيه، فبعضُها أمرٌ وأنهُ يقتضِي التَّرغيبَ والتَّأكيدَ على فِعلِه، ولأنَّه ﷺ واظَبَ عليهِ مدَّةَ عُمرِه، وأنهُ آيةُ التَّأكيدِ (١).
وقالَ المالِكيةُ: يُندبُ لِمَنْ احتاجَ له ورَغبَ وتاقَتْ نَفسُه إليهِ إذا كانَ مُستطيعًا ولهُ القُدرةُ على كِفايةِ الزَّوجةِ مِنْ مَهرٍ ونَفقةٍ وكِسوةٍ ولم يَخْشَ العنَتَ، أو رَغبَ فيمَن يَقومُ بشَأنهِ في حالِه ومَنزلِه، رَجَا نَسلًا أو لا (٢).
وقالَ الشَّافعيةُ: يُستحبُّ النكاحُ لِمَنْ تاقَتْ نَفسُه إلاهِ ووجَدَ أُهبَتَه -وهو المَهرُ والنَّفقةُ وما يحتاجُ إليهِ-، لقَولِ النبيِّ ﷺ: «يا مَعشرَ الشَّبابِ مَنْ استَطاعَ منكُم الباءةَ فلْيَتزوَّجْ، فإنهُ أغَضُّ للبصَرِ وأحصَنُ للفَرْجِ، ومَن لم يَستطعْ فعليه بالصَّومِ، فإنهُ له وِجاءٌ» (٣) (٤).
(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٢٨)، و «شرح فتح القدير» (٣/ ١٨٧)، و «الاختيار» (٣/ ١٠٢)، و «تبيين الحقائق» (٢/ ٩٥)، و «العناية» (٤/ ٣١٤، ٣١٥).
(٢) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٤)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ١٦٥)، و «مواهب الجليل» (٥/ ٢٤)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٤/ ٣٩٢).
(٣) رواه البخاري (٤٧٧٨، ٤٧٧٩)، ومسلم (١٤٠٠).
(٤) «البيان» (٩/ ١١٠، ١١١)، و «شرح صحيح مسلم» (٩/ ١٧٤)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٩، ١٠)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢١٠، ٢٢١)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٤٧٠).
وقالَ الحَنابلةُ: يُسَنُّ لِمَنْ له شَهوةٌ ولا يَخافُ الزِّنا؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ: «يا مَعشرَ الشَّبابِ مَنْ استَطاعَ منكُم الباءةَ فلْيَتزوَّجْ، فإنهُ أغَضُّ للبصَرِ وأحصَنُ للفَرْجِ، ومَن لم يَستطعْ فعليه بالصَّومِ، فإنهُ له وِجاءٌ» (١).
علَّلَ أمْرَه بهِ بأنهُ أغَضُّ للبَصرِ وأحصَنُ للفَرْجِ، وخاطَبَ الشَّبابَ؛ لأنهُم أغلَبُ شَهوةً، وذكَرَه ب (أفعَلَ) التَّفضيلِ، فدَلَّ على أنَّ ذلكَ أَولى؛ للأمْنِ مِنْ الوُقوعِ في مَحظورِ النَّظرِ والزِّنا مِنْ تَركِه.
ويُسَنُّ ولو كان فَقيرًا عاجِزًا عنِ الإنفاقِ على الصَّحيحِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يُصبِحُ وما عِندهُم شَيءٌ، ويُمسِي وما عِندهُم شيءٌ؛ ولأنَّه ﷺ «زوَّجَ رَجلًا لم يَقدرْ على خاتَمٍ مِنْ حَديدٍ، ولا وجَدَ إلَّا إزارَهُ، ولمْ يكُنْ له رِداءٌ» أخرَجَه البُخاريُّ.
وقالَ أحمَدُ في رَجلٍ قليلِ الكَسبِ يَضعفُ قَلبُه عنِ التَّزوجِ: اللهُ يَرزقُهم، التَّزوجُ أحصَنُ لهُ.
قالَ المِرْداويُّ رحمة الله عليه: ولا فرْقَ في ذلكَ بينَ الغنيِّ والفَقيرِ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ نصَّ عليهِ، وقيلَ: لا يتزوَّجُ فَقيرٌ إلَّا عندَ الضَّرورةِ، قالَ المِرْداويُّ: وهو الصَّوابُ في هذهِ الأزمِنةِ، واختارُه صاحِبُ «المُبهج» (٢).
(١) رواه البخاري (٤٧٧٨، ٤٧٧٩)، ومسلم (١٤٠٠).
(٢) «الإنصاف» (٨/ ٧).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل ولاية الندب والاستحباب في النكاح
وَدَلَالَةُ الْوَصْفِ أَنَّهُ أَقَرَّ بِالنِّكَاحِ وَالْإِقْرَارُ بِالنِّكَاحِ إقْرَارٌ بِمَنَافِعِ الْبُضْعِ وَإِنَّهَا غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ كَانَ الْمَهْرُ لَهَا لَا لِلْأَبِ بِخِلَافِ الْأَمَةِ فَإِنَّ مَنَافِعَ بُضْعِهَا مَمْلُوكَةٌ فَكَانَ ذَلِكَ إقْرَارًا بِمَا مَلَكَ فَأَبُو حَنِيفَةَ اعْتَبَرَ وِلَايَةَ الْعَقْدِ وَمِلْكَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَهُمَا اعْتَبَرَا وِلَايَةَ الْعَقْدِ فَقَطْ - وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ -.
فَصْلٌ وِلَايَةُ النَّدْبِ وَالِاسْتِحْبَابِ فِي النِّكَاحِ
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا وِلَايَةُ النَّدْبِ وَالِاسْتِحْبَابِ فَهِيَ: الْوِلَايَةُ عَلَى الْحُرَّةِ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ وَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلِ، وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ الْوِلَايَةُ عَلَيْهَا وِلَايَةٌ مُشْتَرَكَةٌ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ هِيَ وِلَايَةٌ مُشْتَرَكَةٌ أَيْضًا لَا فِي الْعِبَارَةِ فَإِنَّهَا لِلْمَوْلَى خَاصَّةً، وَشَرْطُ ثُبُوتِ هَذِهِ الْوِلَايَةِ عَلَى أَصْلِ أَصْحَابِنَا هُوَ رِضَا الْمُوَلَّى عَلَيْهِ لَا غَيْرُ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ هَذَا وَعِبَارَةُ الْوَلِيِّ أَيْضًا، وَعَلَى هَذَا يُبْنَى الْحُرَّةُ الْبَالِغَةُ الْعَاقِلَةُ إذَا زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْ رَجُلٍ أَوْ وَكَّلَتْ رَجُلًا بِالتَّزْوِيجِ فَتَزَوَّجَهَا أَوْ زَوَّجَهَا فُضُولِيٌّ فَأَجَازَتْ جَازَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ وَأَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلِ سَوَاءً زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْ كُفْءٍ أَوْ غَيْرِ كُفْءٍ بِمَهْرٍ وَافِرٍ أَوْ قَاصِرٍ غَيْرَ أَنَّهَا إذَا زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ فَلِلْأَوْلِيَاءِ حَقُّ الِاعْتِرَاضِ.
ارجع إلى مشروعية النكاح للاطلاع على جميع المسائل.