خامسا: الإباحة

الإسلام > النكاح والأسرة > مشروعية النكاح > خامسا: الإباحة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

خامسا: الإباحة - الأقوال والأدلة

ولم تَحتَجْ للنكاحِ، فإنهُ يَحرمُ عليها النِّكاحُ؛ للوَعيدِ الشَّديدِ في ذلكَ (١).

وقالَ الحَنابلةُ: يَحرمُ النِّكاحُ بدارِ الحَربِ منهُم لغيرِ ضَرورةٍ مِنْ أجلِ الولدِ؛ لئلَّا يُستعبَدَ، فإنِ اضطَرَّ أُبيحَ له نكاحُ مُسلِمةٍ، ولْيَعزلْ عنها، ولا يتزوَّجْ منهُم.

فأمَّا إنْ كانَ في جيشِ المُسلمينَ فمُباحٌ له أنْ يتزوَّجْ، وقد رُويَ عن سعيدِ بنِ أبي هِلالٍ أنَّه بلَغَه «أنَّ رسولَ اللهِ زوَّجَ أبا بكرٍ أسماءَ ابنةَ عُميسٍ وهُم تحتَ الرَّاياتِ» أخرَجَه سعيدٌ، ولأنَّ الكفَّارَ لا يدَ لهُم عليهِ، فأشبَهَ مَنْ في دارِ الإسلامِ.

وأمَّا الأسيرُ فظاهِرُ كَلامِ أحمدَ أنَّه لا يَحلُّ له التزوُّجُ ما دامَ أسيرًا (٢).

خامسًا: الإباحَةُ:

ذكَرَ الفُقهاءُ أنَّ النكاحَ قد يكونُ مُباحًا في حالاتٍ:

قالَ الحَنفيةُ: يكونُ النِّكاحُ مُباحًا إنْ خافَ العجزَ عنِ الإيفاءِ بمَواجِبِه، قالَ ابنُ عابدينَ رحمة الله عليه: أي خَوفًا غيرَ راجِحٍ، وإلَّا كانَ مَكروهًا تَحريمًا؛ لأنَّ عدمَ الجَورِ مِنْ مَواجِبِه، والظَّاهرُ أنهُ إذا لم يَقصدْ إقامةَ السُّنةِ بل قصَدَ مُجرَّدَ التوصُّلِ إلى قَضاءِ الشَّهوةِ ولم يَخَفْ شَيئًا لم يُثَبْ عليهِ؛ إذْ لا ثوابَ

(١) «مغني المحتاج» (٤/ ٢١٢)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٤٧٨)، و «الديباج» (٣/ ١٦٧).
(٢) «المغني» (٩/ ٢٣٤)، و «كشاف القناع» (٥/ ٦)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ١٠٠)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٣١).

إلَّا بالنِّيةِ، فيكونُ مُباحًا أيضًا، كالوطءِ لقَضاءِ الشَّهوةِ، لكنْ لمَّا قيلَ له : إنَّ أحَدَنا يَقضِي شَهوتَه فكيفَ يُثابُ؟ فقالَ ما مَعناهُ: «أرَأيْتَ لو وضَعَها في مُحرَّمٍ أمَا كانَ يُعاقَبُ»، فيُفيدُ الثَّوابَ مُطلَقًا، إلَّا أنْ يُقالَ: المُرادُ في الحَديثِ قَضاءُ الشَّهوةِ لأجْلِ تَحصينِ النَّفسِ، وقد صرَّحَ في «الأشْبَاه» بأنَّ النِّكاحَ سُنةٌ مؤكَّدةٌ، فيَحتاجُ إلى النِّيةِ، وأشارَ بالفاءِ إلى تَوقُّفِ كونِه سُنةً على النِّيةِ، ثمَّ قالَ: وأمَّا المُباحاتُ فتَختلفُ صِفتُها باعتبارِ ما قُصدَتْ لأجْلِه، فإذا قصَدَ بها التَّقوِّي على الطَّاعاتِ أو التوصُّلَ إليها كانَتْ عِبادةً، كالأكلِ والنَّومِ واكتسابِ المالِ والوَطءِ. اه.

ثمَّ رأيتُ في «الفَتح» قالَ: وقدْ ذكَرْنا أنهُ إذا لم يَقترنْ بنِيةٍ كانَ مُباحًا؛ لأنَّ المَقصودَ منهُ حِينئذٍ مُجرَّدُ قضاءِ الشَّهوةِ، ومَبنَى العبادةِ على خِلافِه.

وأقولُ: بل فيهِ فَضلٌ مِنْ جهةِ أنهُ كانَ مُتمكِّنًا مِنْ قَضائِها بغيرِ الطَّريقِ المَشروعِ، فالعُدولُ إليهِ معَ ما يَعلمُه مِنْ أنهُ قد يَستلزمُ أثقالًا فيهِ قَصدُ تَركِ المَعصيةِ. اه (١).

وقالَ المالِكيةُ: يُباحُ النكاحُ لمَن لا يُولَدُ له ولا أربَ له في النِّساءِ، بأنْ يكونَ غيرَ راغِبٍ في النِّساءِ، ولمْ يَقطعْه عن مَندوبٍ، والمرأةُ مُساوِيةٌ للرَّجلِ في هذهِ الأقسامِ.

قالَ اللَّخميُّ رحمة الله عليه: إذا كانَ لا أربَ لهُ في النِّساءِ ولا يَرجو نَسلًا لأنَّه

(١) «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٧، ٨)، و «البحر الرائق» (٣/ ٨٥).

حَصورٌ أو خَصيٌّ ومَجبوبٌ أو شَيخٌ فانٍ أو عَقيمٌ قد عَلمَ ذلكَ مِنْ نَفسِه كانَ مُباحًا. انتهى.

قالَ الحطَّابُ رحمة الله عليه: ويُقيَّدُ هذا بما إذا لم يَقطعْه عن عِبادتِه كما سَيأتي، وأنْ تَعلمَ المرأةُ منهُ كَونَه حَصورًا أو خَصيًّا أو مَجبوبًا؛ لأنهُ سَيأتي أنهُ يَحرمُ عليهِ إذا كانَ يَضرُّ بالمرأةِ لعَدمِ الوطءِ.

وأمَّا العُقمُ فالظَّاهرُ أنهُ لا يَجبُ إخبارُها بهِ؛ لأنَّه ليسَ بعَيبٍ يُوجِبُ الخِيارَ، ولأنهُ لا يقطعُ به، فلعلَّهُ يُولَدُ له مِنْ هذهِ وإنْ لم يُولَدْ له مِنْ غيرِها، واللهُ أعلَمُ (١).

وقالَ الشَّافعيةُ: إنْ لم يَحتَجْ إلى النكاحِ لعَدمِ تَوقانِه للوطءِ خِلقةً أو لِعارضٍ إلَّا أنهُ يَجدُ أُهبةَ النكاحِ فلا يُكرهُ له؛ لقُدرتِه عليهِ، ومَقاصدُ النكاحِ لا تَنحصرُ في الجِماعِ، لكنَّ التَّخلِّي للعِبادةِ وللعِلمِ في هذهِ الحالةِ أفضَلُ له مِنْ النكاحِ (٢).

قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: ما الأفضَلُ مِنْ النِّكاحِ وتَركِه؟ فقالَ أصحابُنا: النَّاسُ فيهِ أربعَةُ أقسامٍ:

(١) «مواهب الجليل» (٥/ ٢٣)، و «شرح ميارة» (١/ ٢٤٤)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٣).
(٢) «البيان» (٩/ ١١٣)، و «شرح صحيح مسلم» (٩/ ١٧٤)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢١٢)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٤٧٤، ٤٧٧)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٢١١، ٢١٢)، و «الديباج» (٣/ ١٦٦).

قِسمٌ تَتوقُ إليه نَفسُه ويَجدُ المُؤَنَ، فيُستحبُّ له النكاحُ.

وقِسمٌ لا تَتوقُ ولا يَجدُ المُؤنَ، فيُكرهُ له.

وقِسمٌ تَتوقُ ولا يَجدُ المُؤنَ، فيُكرهُ له، وهذا مَأمورٌ بالصَّومِ لدَفعِ التوَقانِ.

وقِسمٌ يَجدُ المُؤنَ ولا تَتوقُ، فمَذهبُ الشَّافعيِّ وجُمهورِ أصحابِنا أنَّ ترْكَ النكاحِ لهذا والتِّخلِّي للعِبادةِ أفضَلُ، ولا يُقالُ: النكاحُ مَكروهٌ، بلْ تَركُه أفضَلُ، ومذهَبُ أبي حَنيفةَ وبعضِ أصحابِ الشَّافعيِّ وبعضِ أصحابِ مالكٍ أنَّ النكاحَ لهُ أفضَلُ، واللهُ أعلَمُ (١).

وقالَ الحَنابلةُ في المَذهبِ: يُباحُ النكاحُ لِمَنْ لا شَهوةَ له أصلًا، وهو مَنْ لم تَتُقْ نَفسُه إليه خِلقةً كالعنِّينِ والمريضِ والكبيرِ؛ لأنَّ العِلةَ الَّتي يجبُ النكاحُ لها أو يُستحبُّ -وهو خَوفُ الزِّنا أو وُجودُ الشَّهوةِ- مَفقودةٌ فيهِ، ولأنَّ المَقصودَ مِنْ النكاحِ الولَدُ، وهو فيمَن لا شَهوةَ له غيرُ مَوجودٍ، فلا يَنصرفُ إليهِ الخِطابُ به، إلَّا أنْ يكونَ مُباحًا في حقِّه كسائرِ المُباحاتِ؛ لعَدمِ مَنعِ الشَّرعِ منه، وتَخلِّيه إذنْ لنَوافلِ العبادةِ أفضَلُ؛ لمَنعِ مَنْ يتزوَّجُها مِنْ التَّحصينِ بغيرِه ويَضرُّها بحَبسِها على نَفسِه، ويُعرِّضُ نفْسَه لواجِباتٍ وحُقوقٍ لعلَّهُ لا يَقومُ بها، ويَشتغلُ عنِ العِلمِ والعِبادةِ بما لا فائِدةَ فيه.

(١) «شرح صحيح مسلم» (٩/ ١٧٤).

وقيلَ: يُستحبُّ لهُ النكاحُ؛ لعُمومِ الأخبارِ، وقيلَ: يُكرهُ لهُ النِّكاحُ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: فأمَّا حُكمُ النكاحِ فقالَ قَومٌ: هو مَندوبٌ إليهِ، وهُم الجُمهورُ، وقالَ أهلُ الظِّاهرِ: هوَ واجِبٌ، وقالَ المُتأخِّرةُ مِنْ المالِكيةِ: هو في حَقِّ بعضِ النَّاسِ واجِبٌ، وفي حَقِّ بعضِهم مَندوبٌ إليهِ، وفي حَقِّ بعضِهم مُباحٌ، وذلكَ بحَسبِ ما يخافُ على نَفسِه مِنْ العنَتِ.

وسَببُ اختِلافِهم: هل تُحمَلُ صِيغةُ الأمرِ به في قولِه تعالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] وفي قولِه عليه الصلاة والسلام: «تَناكَحُوا فإني مُكاثِرٌ بكُم الأُممَ» (٢) وما أشبَهَ ذلكَ مِنْ الأخبارِ الوارِدةِ في ذلكَ على الوُجوبِ أم على النَّدبِ أم على الإباحةِ؟

فأمَّا مَنْ قالَ: «إنَّه في حَقِّ بعضِ النَّاسِ واجِبٌ، وفي حَقِّ بعضِهم مَندوبٌ إليهِ، وفي حَقِّ بعضِهم مُباحٌ» فهو التِفاتٌ إلى المَصلحةِ، وهذا النَّوعُ مِنْ القياسِ هو الَّذي يُسمَّى المُرسَلَ، وهو الَّذي ليسَ له أصلٌ مُعينٌ يَستندُ إليهِ، وقدْ أنكَرَه كثيرٌ مِنْ العُلماءِ، والظَّاهرُ مِنْ مَذهبِ مالكٍ القولُ بهِ (٣).

(١) «المغني» (٧/ ٥)، و «المبدع» (٧/ ٥)، و «الإنصاف» (٨/ ٨)، و «كشاف القناع» (٥/ ٥)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٩٩)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٦)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٣١).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه ابن ماجه (١٨٤٦).
(٣) «بداية المجتهد» (٢/ ٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الطلاق)
(باب إباحة الطلاق ووجهه وتفريعه

(كِتَابُ الطَّلَاقِ)

(بَابُ إِبَاحَةِ الطَّلَاقِ وَوَجْهِهِ وَتَفْرِيَعِهِ

(مِنَ الْجَامِعِ مِنْ كِتَابِ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ وَمِنْ إِبَاحَةِ الطَّلَاقِ وَمِنْ جِمَاعِ عِشْرَةِ النِّسَاءِ وَغَيْرِ ذلك)

(مسألة:)

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} وَقَدْ قُرِئَتْ لِقَبْلِ عِدَّتِهِنَّ (قَالَ) وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ) .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْأَصْلُ فِي إِبَاحَةِ الطَّلَاقِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ.

أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} الطلاق: ١ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ خِطَابًا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَهُوَ عَامُّ الْحُكْمِ فِيهِ وَفِي جَمِيعِ أُمَّتِهِ.

فَهُوَ مِنَ الْخَاصِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ.

فَرَوَى قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ طَلَّقَ رَسُولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حَفْصَةَ فَأَتَتْ أَهْلَهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فطلقوهن} فَقِيلَ لَهُ: رَاجِعْهَا فَإِنَّهَا صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ وَهِيَ مِنْ أَزْوَاجِكَ فِي الْجَنَّةِ.

وقَوْله تَعَالَى: {لِعِدَّتِهِنَّ} أَيْ فِي طُهْرِهِنَّ إِذَا لَمْ يُجَامَعْنَ فِيهِ.

وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ يَقْرَأُ فَطَلِّقُوهُنَ لِقَبْلِ عِدَّتِهِنَّ.

قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ وَقَالَ تَعَالَى: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} البقرة: ٢٢٩ وَفِي قَوْلِهِ {الطلاق مرتان} تَأْوِيلَانِ:

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 33 - 37

ارجع إلى مشروعية النكاح للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 40%
البدر بعد 8 يوم
أستغفر الله