عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في غَزْوَةِ تَبُوكَ. قَالَ كعبٌ: لَمْ…

الإسلام > حديث > رياض الصالحين > حديث ٢١

الحديث رقم ٢١ من كتاب «بداية الكتاب» في رياض الصالحين، تحت باب: باب التوبة.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك. قال…

عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في غَزْوَةِ تَبُوكَ. قَالَ كعبٌ: لَمْ أتَخَلَّفْ عَنْ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في غَزْوَةٍ غزاها قط إلا في غزوة تَبُوكَ، غَيْرَ أنّي قَدْ تَخَلَّفْتُ في غَزْوَةِ بَدْرٍ، ولَمْ يُعَاتَبْ أَحَدٌ تَخَلَّفَ عَنْهُ؛ إِنَّمَا خَرَجَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - والمُسْلِمُونَ يُريدُونَ عِيرَ (١) قُرَيْشٍ حَتَّى جَمَعَ الله تَعَالَى بَيْنَهُمْ وبَيْنَ عَدُوِّهمْ عَلَى غَيْر ميعادٍ. ولَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - لَيلَةَ العَقَبَةِ حينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الإِسْلامِ، وما أُحِبُّ أنَّ لي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ، وإنْ كَانَتْ بدرٌ أذْكَرَ في النَّاسِ مِنْهَا.

وكانَ مِنْ خَبَري حينَ تَخَلَّفْتُ عَنْ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في غَزْوَةِ تَبُوكَ أنِّي لم أكُنْ قَطُّ أَقْوى ولا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عنْهُ في تِلكَ الغَزْوَةِ، وَالله ما جَمَعْتُ قَبْلَهَا رَاحِلَتَيْنِ قَطُّ حَتَّى جَمَعْتُهُمَا في تِلْكَ الغَزْوَةِ وَلَمْ يَكُنْ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُريدُ غَزْوَةً إلَاّ وَرَّى (٢) بِغَيرِها حَتَّى كَانَتْ تلْكَ الغَزْوَةُ، فَغَزَاها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في حَرٍّ شَديدٍ، واسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا وَمَفَازًا، وَاستَقْبَلَ عَدَدًا كَثِيرًا، فَجَلَّى للْمُسْلِمينَ أمْرَهُمْ ليتَأهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهمْ فأَخْبرَهُمْ بوَجْهِهِمُ الَّذِي يُريدُ، والمُسلِمونَ مَعَ رسولِ الله كثيرٌ وَلَا يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ «يُريدُ بذلِكَ الدّيوَانَ» (٣) قَالَ كَعْبٌ: فَقَلَّ رَجُلٌ يُريدُ أَنْ يَتَغَيَّبَ إلَاّ ظَنَّ أنَّ ذلِكَ سيخْفَى بِهِ ما لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْيٌ مِنَ الله، وَغَزا رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - تِلْكَ الغَزوَةَ حِينَ طَابَت الثِّمَارُ وَالظِّلالُ، فَأنَا إلَيْهَا أصْعَرُ (٤)، فَتَجَهَّزَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وَالمُسْلِمُونَ مَعَهُ وطَفِقْتُ أغْدُو لكَيْ أتَجَهَّزَ مَعَهُ،

فأرْجِعُ وَلَمْ أقْضِ شَيْئًا، وأقُولُ في نفسي: أنَا قَادرٌ عَلَى ذلِكَ إِذَا أَرَدْتُ، فَلَمْ يَزَلْ يَتَمادى بي حَتَّى اسْتَمَرَّ بالنَّاسِ الْجِدُّ، فأصْبَحَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - غَاديًا والمُسْلِمُونَ مَعَهُ وَلَمْ أقْضِ مِنْ جِهَازي شَيْئًا، ثُمَّ غَدَوْتُ فَرَجَعْتُ وَلَمْ أقْضِ شَيئًا، فَلَمْ يَزَلْ يَتَمَادَى بي حَتَّى أسْرَعُوا وتَفَارَطَ الغَزْوُ، فَهَمَمْتُ أَنْ أرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ، فَيَا لَيْتَني فَعَلْتُ، ثُمَّ لم يُقَدَّرْ ذلِكَ لي، فَطَفِقْتُ إذَا خَرَجْتُ في النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَحْزُنُنِي أنِّي لا أرَى لي أُسْوَةً، إلاّ رَجُلًا مَغْمُوصًا (١) عَلَيْهِ في النِّفَاقِ، أوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَ اللهُ تَعَالَى مِنَ الضُّعَفَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى بَلَغَ تَبُوكَ، فَقَالَ وَهُوَ جَالِسٌ في القَوْمِ بِتَبُوكَ: «ما فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ؟» فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: يا رَسُولَ اللهِ، حَبَسَهُ بُرْدَاهُ والنَّظَرُ في عِطْفَيْهِ (٢). فَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ - رضي الله عنه: بِئْسَ مَا قُلْتَ! واللهِ يا رَسُولَ اللهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إلَاّ خَيْرًا، فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم. فَبَيْنَا هُوَ عَلى ذَلِكَ رَأى رَجُلًا مُبْيِضًا يَزُولُ بِهِ السَّرَابُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ»، فَإذَا هُوَ أبُو خَيْثَمَةَ الأنْصَارِيُّ وَهُوَ الَّذِي تَصَدَّقَ بِصَاعِ التَّمْرِ حِيْنَ لَمَزَهُ المُنَافِقُونَ.

قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ تَوَجَّهَ قَافِلًا مِنْ تَبُوكَ حَضَرَنِي بَثِّي، فَطَفِقْتُ أتَذَكَّرُ الكَذِبَ وأقُولُ: بِمَ أخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ غَدًا؟ وأسْتَعِيْنُ عَلى ذَلِكَ بِكُلِّ ذِي رأْيٍ مِنْ أهْلِي، فَلَمَّا قِيْلَ: إنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قّدْ أظَلَّ قَادِمًا، زَاحَ عَنّي البَاطِلُ حَتَّى عَرَفْتُ أَنِّي لَنْ أَنْجُوَ مِنْهُ بِشَيءٍ أَبَدًا، فَأجْمَعْتُ صدْقَهُ وأَصْبَحَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قَادِمًا، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالمَسْجِدِ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذلِكَ جَاءهُ المُخَلَّفُونَ يَعْتَذِرونَ إِلَيْه ويَحْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضْعًا وَثَمانينَ رَجُلًا، فَقَبِلَ مِنْهُمْ عَلانِيَتَهُمْ وَبَايَعَهُمْ واسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلى الله تَعَالَى، حَتَّى جِئْتُ، فَلَمَّا سَلَّمْتُ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغْضَبِ. ثُمَّ قَالَ: «تَعَالَ»، فَجِئْتُ أمْشي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فقالَ لي: «مَا خَلَّفَكَ؟ ألَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟» قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ الله، إنّي والله لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أهْلِ الدُّنْيَا لَرَأيتُ أنِّي سَأخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ؛ لقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا، ولَكِنِّي والله لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ اليوم حَدِيثَ كَذبٍ تَرْضَى به عنِّي

لَيُوشِكَنَّ الله أن يُسْخِطَكَ عَلَيَّ، وإنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ إنّي لأَرْجُو فِيهِ عُقْبَى الله - عز وجل - والله ما كَانَ لي مِنْ عُذْرٍ، واللهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ.

قَالَ: فقالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم: «أمَّا هَذَا فقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ فيكَ». وَسَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَة فاتَّبَعُوني فَقالُوا لِي: واللهِ مَا عَلِمْنَاكَ أذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هذَا لَقَدْ عَجَزْتَ في أَنْ لا تَكونَ اعتَذَرْتَ إِلَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - بما اعْتَذَرَ إليهِ المُخَلَّفُونَ، فَقَدْ كَانَ كَافِيكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَارُ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - لَكَ.

قَالَ: فَوالله ما زَالُوا يُؤَنِّبُونَنِي حَتَّى أَرَدْتُّ أَنْ أرْجعَ إِلَى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فأُكَذِّبَ نَفْسِي، ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَقِيَ هذَا مَعِيَ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ، لَقِيَهُ مَعَكَ رَجُلانِ قَالَا مِثْلَ مَا قُلْتَ، وَقيلَ لَهُمَا مِثْلَ مَا قيلَ لَكَ، قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هُما؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ الرَّبيع الْعَمْرِيُّ، وهِلَالُ ابنُ أُمَيَّةَ الوَاقِفِيُّ؟ قَالَ: فَذَكَرُوا لِي رَجُلَينِ صَالِحَينِ قَدْ شَهِدَا بَدْرًا فيهِما أُسْوَةٌ، قَالَ: فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُما لِي. ونَهَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - عَنْ كَلامِنا أيُّهَا الثَّلاثَةُ مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، فاجْتَنَبَنَا النَّاسُ - أوْ قَالَ: تَغَيَّرُوا لَنَا - حَتَّى تَنَكَّرَتْ لي في نَفْسي الأَرْض، فَمَا هِيَ بالأرْضِ الَّتي أعْرِفُ، فَلَبِثْنَا عَلَى ذلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً. فَأمّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانا وقَعَدَا في بُيُوتِهِمَا يَبْكيَان. وأمَّا أنَا فَكُنْتُ أشَبَّ الْقَومِ وأجْلَدَهُمْ فَكُنْتُ أخْرُجُ فَأشْهَدُ الصَّلَاةَ مَعَ المُسْلِمِينَ، وأطُوفُ في الأَسْوَاقِ وَلا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ، وَآتِي رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فأُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَهُوَ في مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَأَقُولُ في نَفسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْه برَدِّ السَّلام أَمْ لَا؟ ثُمَّ أُصَلِّي قَريبًا مِنْهُ وَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أقْبَلْتُ عَلَى صَلاتِي نَظَرَ إلَيَّ وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أعْرَضَ عَنِّي، حَتَّى إِذَا طَال ذلِكَ عَلَيَّ مِنْ جَفْوَةِ المُسْلِمينَ مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ جِدارَ حائِط أبي قَتَادَةَ وَهُوَ ابْنُ عَمِّي وأَحَبُّ النَّاس إِلَيَّ، فَسَلَّمْتُ عَلَيهِ فَوَاللهِ مَا رَدَّ عَليَّ السَّلامَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ، أنْشُدُكَ بالله هَلْ تَعْلَمُنِي أُحِبُّ الله وَرَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم -؟ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ فَنَاشَدْتُهُ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ فَنَاشَدْتُهُ، فَقَالَ: اللهُ ورَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَفَاضَتْ عَيْنَايَ، وَتَوَلَّيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ الجِدَارَ، فَبَيْنَا أَنَا أمْشِي في سُوقِ الْمَدِينة إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ نَبَطِ (١) أهْلِ الشَّام مِمّنْ قَدِمَ بالطَّعَامِ يَبيعُهُ بِالمَدِينَةِ يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؟ فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ إلَيَّ حَتَّى جَاءنِي فَدَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ، وَكُنْتُ كَاتبًا.

فَقَرَأْتُهُ فإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ، فإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنا أنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللهُ بدَارِ هَوانٍ وَلَا مَضْيَعَةٍ (١)، فَالْحَقْ بنَا نُوَاسِكَ، فَقُلْتُ حِينَ قَرَأْتُهَا: وَهَذِهِ أَيضًا مِنَ البَلاءِ، فَتَيَمَّمْتُ بهَا التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهَا، حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ مِنَ الْخَمْسينَ وَاسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ إِذَا رسولُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يَأتِيني، فَقالَ: إنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَأمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأتَكَ، فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا أمْ مَاذَا أفْعَلُ؟ فَقالَ: لَا، بَلِ اعْتَزِلْهَا فَلَا تَقْرَبَنَّهَا، وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَيَّ بِمِثْلِ ذلِكَ. فَقُلْتُ لامْرَأتِي: الْحَقِي بِأهْلِكِ (٢) فَكُوني عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ في هَذَا الأمْرِ. فَجَاءتِ امْرَأةُ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ الله، إنَّ هِلَالَ بْنَ أمَيَّةَ شَيْخٌ ضَائِعٌ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ، فَهَلْ تَكْرَهُ أَنْ أخْدُمَهُ؟ قَالَ: «لَا، وَلَكِنْ لَا يَقْرَبَنَّكِ» فَقَالَتْ: إِنَّهُ واللهِ ما بِهِ مِنْ حَرَكَةٍ إِلَى شَيْءٍ، وَوَالله مَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أمْرِهِ مَا كَانَ إِلَى يَومِهِ هَذَا. فَقَالَ لي بَعْضُ أهْلِي: لَو اسْتَأْذَنْتَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - في امْرَأَتِكَ فَقَدْ أَذِن لاِمْرَأةِ هلَال بْنِ أمَيَّةَ أَنْ تَخْدُمَهُ؟ فَقُلْتُ: لَا أسْتَأذِنُ فيها رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وَمَا يُدْرِيني مَاذَا يقُول رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إِذَا اسْتَأْذَنْتُهُ، وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌ! فَلَبِثْتُ بِذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ فَكَمُلَ (٣) لَنا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينَ نُهِيَ عَنْ كَلَامِنا، ثُمَّ صَلَّيْتُ صَلَاةَ الْفَجْرِ صَبَاحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحالِ الَّتي ذَكَرَ الله تَعَالَى مِنَّا، قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسي وَضَاقَتْ عَلَيَّ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أوفَى عَلَى سَلْعٍ (٤) يَقُولُ بِأعْلَى صَوتِهِ: يَا كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أبْشِرْ، فَخَرَرْتُ سَاجِدًا (٥)، وَعَرَفْتُ أنَّهُ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ. فآذَنَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - النَّاسَ بِتَوْبَةِ الله - عز وجل - عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلاةَ الفَجْر فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا، فَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرونَ وَرَكَضَ رَجُلٌ إِلَيَّ فَرَسًا وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أسْلَمَ قِبَلِي، وَأَوْفَى عَلَى الْجَبَلِ، فَكانَ الصَّوْتُ أسْرَعَ مِنَ الفَرَسِ، فَلَمَّا جَاءني الَّذِي

سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُني نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُمَا إيَّاهُ بِبشارته، وَاللهِ مَا أمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ، وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبسْتُهُما، وَانْطَلَقْتُ أتَأمَّمُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَتَلَقَّاني النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا يُهنِّئونَني بالتَّوْبَةِ وَيَقُولُونَ لِي: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ الله عَلَيْكَ. حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - جَالِسٌ حَوْلَه النَّاسُ، فَقَامَ (١) طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ - رضي الله عنه - يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَني وَهَنَّأَنِي، والله مَا قَامَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرينَ غَيرُهُ - فَكَانَ كَعْبٌ لَا يَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ.

قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُور: «أبْشِرْ بِخَيْرِ يَومٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُذْ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ» فَقُلْتُ: أمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُول الله أَمْ مِنْ عِندِ الله؟ قَالَ: «لَا، بَلْ مِنْ عِنْدِ الله - عز وجل -»، وَكَانَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّ وَجْهَهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ وَكُنَّا نَعْرِفُ ذلِكَ مِنْهُ، فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ: يَا رسولَ الله، إنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولهِ. فَقَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم: «أمْسِكَ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ». فقلتُ: إِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيبَر. وَقُلْتُ: يَا رسولَ الله، إنَّ الله تَعَالَى إِنَّمَا أنْجَانِي بالصِّدْقِ، وإنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لا أُحَدِّثَ إلَاّ صِدْقًا مَا بَقِيتُ، فوَالله مَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنَ المُسْلِمينَ أبْلاهُ الله تَعَالَى في صِدْقِ الحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذلِكَ لِرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أحْسَنَ مِمَّا أبْلانِي الله تَعَالَى، واللهِ مَا تَعَمَّدْتُ كِذْبَةً مُنْذُ قُلْتُ ذلِكَ لِرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إِلَى يَومِيَ هَذَا، وإنِّي لأرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِي الله تَعَالَى فيما بَقِيَ، قَالَ: فأَنْزَلَ الله تَعَالَى: {لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ} حَتَّى بَلَغَ: {إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيم وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} حَتَّى بَلَغَ: {اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: ١١٧ - ١١٩] قَالَ كَعْبٌ: واللهِ ما أنْعَمَ الله عَليَّ مِنْ نعمةٍ

قَطُّ بَعْدَ إذْ هَدَاني اللهُ للإِسْلامِ أَعْظَمَ في نَفْسِي مِنْ صِدقِي رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أَنْ لا أكونَ كَذَبْتُهُ، فَأَهْلِكَ كما هَلَكَ الَّذينَ كَذَبُوا؛ إنَّ الله تَعَالَى قَالَ للَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أنْزَلَ الوَحْيَ شَرَّ مَا قَالَ لأَحَدٍ، فقال الله تَعَالَى: {سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: ٩٥ - ٩٦] قَالَ كَعْبٌ: كُنّا خُلّفْنَا أيُّهَا الثَّلَاثَةُ عَنْ أمْرِ أُولئكَ الذينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حِينَ حَلَفُوا لَهُ فَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ وأرجَأَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أمْرَنَا حَتَّى قَضَى الله تَعَالَى فِيهِ بذِلكَ. قَالَ الله تَعَالَى: {وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} وَليْسَ الَّذِي ذَكَرَ مِمَّا خُلِّفْنَا تَخلُّفُنَا عن الغَزْو، وإنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إيّانا وإرْجَاؤُهُ أمْرَنَا عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ واعْتَذَرَ إِلَيْهِ فقبِلَ مِنْهُ (١). مُتَّفَقٌ عليه. (٢)

وفي رواية: أنَّ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - خَرَجَ في غَزْوَةِ تَبْوكَ يَومَ الخَميسِ وكانَ يُحِبُّ أَنْ يخْرُجَ يومَ الخمِيس.

وفي رواية: وكانَ لَا يقْدمُ مِنْ سَفَرٍ إلَاّ نَهَارًا في الضُّحَى، فإِذَا قَدِمَ بَدَأَ بالمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ فِيهِ.

سند حديث: ٢١ - وعن عبدِ الله بن كعبِ بنِ مالكٍ، وكان…

٢١ - وعن عبدِ الله بن كعبِ بنِ مالكٍ، وكان قائِدَ كعبٍ - رضي الله عنه - مِنْ بَنِيهِ حِينَ عمِيَ، قَالَ: سَمِعتُ كَعْبَ بنَ مالكٍ - رضي الله عنه - يُحَدِّثُ بحَديثهِ حينَ تَخلَّفَ

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك. قال…

هذا حديث كعب بن مالك رضي الله عنه ، في قصة تخلفه عن غزوة تبوك، وكانت غزوة تبوك في السنة التاسعة من الهجرة.
وكانت هذه الغزوة في أيام الحر حين طابت الثمار وصار المنافقون يحبون الدنيا على الآخرة، فتخلف المنافقون عن هذه الغزوة ولجأوا إلى الظل والرطب والتمر، وبعدت عليهم الشُّقة والعياذ بالله، كما أخبر الله سبحانه في القرآن وكما في هذا الحديث.
أما المؤمنون الخلص، فإنهم خرجوا مع النبي -عليه الصلاة والسلام- ولم يُضعف عزمهم بعد المسافة ولا طيب الثمار.
إلا أن كعب بن مالك رضي الله عنه تخلف عن غزوة تبوك بلا عذر، وهو من المؤمنين الخلص، ولهذا قال: "إنه ما تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن غزوة غزاها قط، كل غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم قد شارك فيها كعب رضي الله عنه فهو من المجاهدين في سبيل الله، إلا في غزوة بدر، فقد تخلف فيها كعب وغيره، لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- خرج من المدينة لا يريد القتال، ولذلك لم يخرج معه إلا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا فقط؛ لأنهم كانوا يريدون أن يأخذوا إبلًا لقريش مُحملة قدمت من الشام تريد مكةَ وتَمُرُّ بالمدينة.
ثم ذكر بَيعته النبيَّ صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة في مِنى، قبل الهجرة، حيث بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام وقال: إنني لا أحب أن يكون لي بدلها شهود بدر؛ وإن كانت بدر أكثر ذكرًا، لأن الغزوة اشتهرت بخلاف البيعة.
كان رضي الله عنه قوي البدن، ياسر الحال، حتى إنه كان عنده راحلتان في تلك الغزوة، وما جمع راحلتين في غزوة قبلها أبدًا، وقد استعد وتجهز رضي الله عنه وكان من عادة النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا أراد غزوة وَرَّى بغيرها فيظهر خلاف ما يريد، وهذا من حكمته وحنكته في الحرب؛ لأنه لو أظهر ما يقصده تبين ذلك لعدوه، فربما يستعد له أكثر، وربما يذهب عن مكانه الذي قصده النبي صلى الله عليه وسلم فيه؛ إلا في غزوة تبوك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم بين أمرها ووضحها وجَلَّاها لأصحابه، وأخبر أنه خارج إلى تبوك إلى عدوٍّ كثير، وإلى مكان بعيد حتى يستعد الناس.
فخرج المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتخلف إلا من خذله الله بالنفاق، وثلاثة رجال فقط من المؤمنين، هم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية رضي الله عنهم ، لكن تخلفوا لأمر أراده الله عز وجل أما غيرهم ممن تخلف فإنهم منافقون منغمسون في النفاق، نسأل الله العافية.
فخرج النبي -عليه الصلاة والسلام- بأصحابه وهم كثير، إلى جهة تبوك حتى نزل بها، ولكن الله تعالى لم يجمع بينه وبين عدوه، بل بقي عشرين يوماً في ذلك المكان، ثم انصرف بغير حرب.
يقول كعب بن مالك رضي الله عنه إن الرسول صلى الله عليه وسلم تجهز هو والمسلمون وخرجوا من المدينة، أما هو رضي الله عنه فتأخر وجعل يغدو كل صباح يرحِّل راحلته ويقول: سوف ألحق بهم، ولكنه لا يفعل شيئًا، ثم يفعل كل يوم كذلك، حتى تمادى به الأمر ولم يدرك.
يقول: فكان يحز في نفسه أنه إذا خرج إلى سوق المدينة، وإذا المدينة ليس فيها أحد من المهاجرين ولا الأنصار، وليس فيها إلا رجل مغموس في النفاق -والعياذ بالله- قد غمسه نفاقه فلم يخرج، أو رجل معذور عذره الله عز وجل. فكان يعتب على نفسه: كيف لا يبقى في المدينة إلا هؤلاء وأقعد معهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يذكره ولم يسأل عنه حتى وصل إلي تبوك.
فبينما هو جالس وأصحابه في تبوك سأل عنه، فقال رسول الله: أين كعب بن مالك؟ فتكلم فيه رجل من بني سلمة وغمزه، ولكن دافع عنه معاذ بن جبل رضي الله عنه فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجب بشيء، لا على الذي غمزه ولا على الذي رد.
فبينما هو كذلك إذ رأى رجلا لابسا البياض يتحرك به السراب من بعيد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كن أبا خيثمة الأنصاري" فكان أبا خيثمة، وهذا معناه الفراسة والتمني أن يصبح هذا القادم من بعيد هو أبو خيثمة.
وأبو خثيمة هذا هو الذي تصدق بصاع عندما حث النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة، فتصدق الناس كل بحسب حاله. فكان الرجل إذا جاء بالصدقة الكثيرة قال المنافقون: هذا مُراءٍ ما أكثر الصدقة ابتغاء وجه الله، وإذا جاء الرجل الفقير بالصدقة اليسيرة قالوا: إن الله غَنِيٌّ عن صاعِ هذا.
يقول رضي الله عنه : إنه لما بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم رجع قافلًا من الغزو، بدأ يفكر ماذا يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رجع؟ يريد أن يتحدث بحديث وإن كان تورية، من أجل أن يعذره النبي صلى الله عليه وسلم فيه، وجعل يشاور ذوي الرأي من أهله ماذا يقول، ولكن يقول رضي الله عنه : فلما بلغه قرب النبي صلى الله عليه وسلم زال عنه الباطل، وعزم على أن يبين للنبي صلى الله عليه وسلم الحق، يقول: فقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ودخل المسجد، وكان من عادته وسنته أنه إذا قدم بلده فأول ما يفعل أن يصلي في المسجد عليه الصلاة والسلام.
فدخل المسجد وصلى وجلس للناس فجاءه المخلفون الذين تخلفوا من غير عذر من المنافقين، وجعلوا يحلفون له إنهم معذورون، فيبايعهم ويستغفر لهم؛ ولكن ذلك لا يفيدهم والعياذ بالله؛ لأن الله تعالى قال: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} (التوبة: من الآية80)، فيقول: أما أنا فعزمت أن أصدق النبي -عليه الصلاة والسلام- وأخبره بالصدق، فدخلت المسجد فسلمت عليه، فتبسم تبسم المغضب ثم قال: "تعال" فلما دنوت منه قال لي: "ما خلفك؟". فقال رضي الله عنه : يا رسول الله إني لم أتخلف لعذر، وما جمعت راحلتين قبل غزوتي هذه، وإني لو جلست عند أحد من ملوك الدنيا لخرجت منه بعذر، فلقد أوتيت جدلًا- يعني لو أني جلست عند شخص من الملوك لعرفت كيف أتخلص منه لأن الله أعطاني جدلًا- ولكني لا أحدثك اليوم حديثا ترضى به عني فيوشك أن يسخطك الله علي في ذلك.
فصدقه القول وأخبره أنه لا عذر له لا في بدنه ولا في ماله، بل إنه لم يجمع راحلتين في غزوة قبل هذه.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "أما هذا فقد صدق" ويكفي له فخرًا أن وصفه النبي -عليه الصلاة والسلام- بالصدق: "أما هذا فقد صدق، فاذهب حتى يقضي الله فيك ما شاء".
فذهب الرجل مستسلمًا لأمر الله عز وجل مؤمناً بالله، وأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
فلحقه قوم من بني سلمة من قومه وجعلوا يزينون له أن يرجع عن إقراره، وقالوا له: إنك لم تذنب ذنبًا قبل هذا، ويكفيك أن يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا استغفر لك الرسول صلى الله عليه وسلم غفر الله لك، فارجع كذب نفسك، قل إني معذور، حتى يستغفر لك الرسول -عليه الصلاة والسلام- فيمن استغفر لهم ممن جاؤوا يعتذرون إليه، فهم أن يفعل- رضي الله عنه- ولكن الله سبحانه أنقذه وكتب له هذه المنقبة العظيمة التي تتلى في كتاب الله إلى يوم القيامة.
فسال قومه: هل أحد صنع مثلما صنعت؟ قالوا: نعم، هلال بن أمية ومرارة بن الربيع، قالا مثلما قلت، وقيل لهما مثلما قيل لك، قال: فذكروا لي رجلين صالحين شهدا بدرًا لي فيهما أسوة.
فأمر النبي -عليه الصلاة والسلام- الناس أن يهجروهم فلا يكلموهم.
فهجرهم المسلمون، ولكنهم بعد ذلك صاروا يمشون وكأنهم بلا عقول، قد ذهلوا، وتنكرت لهم الأرض فما هي بالأرض التي كانوا يعرفونها؛ لأنهم يمشون إن سلموا لا يرد عليهم السلام، وإن قابلهم أحد لم يبدأهم بالسلام. وحتى النبي -عليه الصلاة والسلام- وهو أحسن الناس خلقاً لا يسلم عليهم.
يقول كعب: كنت أحضر وأسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فلا أدري: أحرك شفتيه برد السلام أم لا.
فضاقت عليهم الأرض وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه، وبقوا على هذه الحال مدة خمسين يوما والناس قد هجروهم فلا يسلمون عليهم، ولا يردون السلام إذا سلموا.
فضاقت عليهم الأمور وصعبت عليهم الأحوال، وفروا إلى الله عز وجل ، ولكن مع ذلك لم يكن كعب بن مالك يدع الصلاة مع الجماعة.
فكان يحضر ويسلم على النبي -عليه الصلاة والسلام- ولكن في آخر الأمر ربما يتخلف عن الصلوات؛ لما يجد في نفسه من الضيق والحرج؛ لأنه يخجل أن يأتي إلى قوم يصلي معهم وهم لا يكلمونه أبدًا، لا بكلمة طيبة ولا بكلمة تأنيب.
قال: "فأما صاحباي فاستكانا في بيوتهما يبكيان"؛ لأنهما لا يستطيعان أن يمشيا في الأسواق، والناس قد هجروهم لا يلتفت إليهم أحد، ولا يسلم عليهم أحد، وإذا سلموا لا يرد عليهم السلام، فعجزوا عن تحمل هذه الحال، فبقيا في بيوتهما يبكيان.
يقول: وكنت أنا أقواهم وأصبرهم لأنه كان أصغرهم سنا؛ فكان يشهد صلاة الجماعة مع المسلمين، ويطوف بأسواق المدينة لا يكلمه أحد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بهجرهم، وكان الصحابة رضي الله عنهم أطوع الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
يقول: كنت أصلي وأسارق النبي صلى الله عليه وسلم النظر، يعني: أنظر إليه أحيانًا وأنا أصلي، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت إليه أعرض عني، كل هذا من شدة الهجر.
يقول: "فبينما أنا أمشي ذات يوم في أسواق المدينة وطال علي جفوة الناس، تسورت حائطًا –أي: دخله من فوق الجدار- لأبي قتادة رضي الله عنه ، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام"، وهو ابن عمه وأحب الناس إليه، ومع ذلك لم يرد عليه السلام، كل هذا طاعة لله ورسوله. فقال له: أنشدك الله، هل تعلم أني احب الله ورسوله؟ فلم يرد عليه. مرتين يناشده وأبو قتادة لم يرد عليه، وهو يعلم أن كعب بن مالك يحب الله ورسوله. فلما رد عليه الثالثة وقال: أنشدك الله هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟ فقال: الله ورسوله أعلم. لم يكلمه، فلم يقل: نعم؟ ولا قال: لا. يقول: فبكى ثم خرج إلى السوق، فبينما هو يمشي إذا برجل نبطي من أنباط الشام يقول: من يدلني على كعب بن مالك؟ قلت: أنا هو، فأعطاني الورقة، وكنت كاتباً؛ لأن الكتاب في ذلك العهد قليلون جدًّا.
يقول: "فقرأت الكتاب، فإذا فيه: أما بعد، فقد بلغنا أن صاحبك جفاك -يعني الرسول عليه الصلاة والسلام، وكان هذا الملك: ملك غسان كافرًا- وإنك لست بدار هوان ولا مضيعة، فتعال إلينا نواسك بأموالنا، وربما نواسيك بملكنا. ولكن الرجل رجل مؤمن بالله تعالى ورسوله، ومحب لله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فقال: هذا أيضا من البلاء، ثم ذهب إلى التنور فأحرقها.
ولما تمت لهم أربعون ليلة وأبطأ الوحي فلم ينزل أرسل إليهم النبي -عليه الصلاة والسلام- أن يعتزلوا نساءهم.
فقال كعب: أطلقها أم ماذا؟ لأنه لو قال طلِّقها لطلقها بكل سهولة؛ طاعة لله ورسوله، فسأل فقال: أطلقها أم ماذا؟ فقال له رسول الرسول: إن الرسول -عليه الصلاة والسلام- يأمرك أن تعتزل أهلك. وبقي على ظاهر اللفظ.
فقال كعب لزوجته الحقي بأهلك حتى يقضي الله هذا الأمر. فلحقت بأهلها.
وجاءت زوجة هلال بن أمية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرته بأنه في حاجة إليها لتخدمه؛ لأنه ليس له خادم، فأذن لها النبي صلى الله عليه وسلم بشرط أن لا يقربها، فقالت: "إنه والله ما به من حركة إلي شيء" يعني أنه ليس له شهوة في النساء، وأنه يبكي رضي الله عنه منذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهجرهم إلي يومه هذا، أربعون يومًا يبكي؛ لأنه ما يدري ماذا ستكون النهاية.
فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه؟ فقلت: لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يدريني ماذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنته، وأنا رجل شاب! فلبثت بذلك عشر ليال فكمل لنا خمسون ليلة من حين نُهِيَ عن كلامنا.
يقول: "وكنت ذات يوم أصلي الصبح على سطح بيت من بيوتنا، فسمعت صارخًا يقول وهو على سَلْع -وهو جبل معروف في المدينة- أوفى عليه وصاح بأعلى صوته يقول: "يا كعب بن مالك أبشر"، يقول: "فخررت ساجدًا، وعرفت أنه قد جاء فرج"، وركب فارس من المسجد يؤم بيت كعب بن مالك ليبشره، وذهب مبشرون إلى هلال بن أمية ومرارة بن الربيع يبشرونهما بتوبة الله عليهما.
يقول: فجاء الصارخ الماشي على قدميه، وجاء صاحب الفرس، فكانت البشرى للصارخ؛ لأن الصوت أسرع من الفرس، يقول: فأعطيته ثوبي الإزار والرداء، وليس يملك غيرهما، لكن استعار من أهله أو من جيرانه ثوبين فلبسهما، وأعطى ثوبيه للذي بشره.
ثم نزل متوجها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في المسجد، وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بشر الناس بعد صلاة الصبح بأن الله أنزل توبته على هؤلاء الثلاثة.
يقول: فذهبت أتأمم رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني أقصده، فجعل الناس يلاقونني أفواجًا يهنئونني بتوبة الله عليَّ حتى دخلت المسجد.
يقول: فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وحوله أصحابه، فقام إلي طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه فصافحني وهنأني بتوبة الله عليَّ.
يقول: والله ما قام إلي أحد من المهاجرين رجل غير طلحة، فكان لا ينساها له.
حتى وقف على النبي صلى الله عليه وسلم وإذا وجهه يبرق؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- سره أن يتوب الله على هؤلاء الثلاثة الذين صدقوا الله ورسوله، وأخبروا بالصدق عن إيمان، وحصل عليهم ما جرى من الأمر العظيم، من هجر الناس لهم خمسين يومًا، حتى نسائهم بعد الأربعين أَمَرَ الرسول -عليه الصلاة والسلام- أن يعتزلوهن.
ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم : "أبشر بخير يوم مر عليك مذ ولدتك أمك".
فقال له: "أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: "لا بل من عند الله عز وجل"؛ لأنه إذا كان من عند الله كان أشرف وأفضل وأعظم.
فقال كعب: إن من توبته أن يتخلى عن ماله، ويجعله صدقة لله تعالى.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك". قال: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر.
ثم ذكر كعب بن مالك أن من توبته أن لا يحدث بحديث كذب بعد إذ نجاه الله تعالى بالصدق، وما زال كذلك ما حدث بحديث كذب أبدًا بعد أن تاب الله عليه، فكان رضي الله عنه مضرب المثل في الصدق، حتى إن الله أنزل فيه وفي صاحبيه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} (التوبة: 119).
وأنزل الله تعالى الآيات في بيان منته عليهم بالتوبة من قوله تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)} (التوبة: 117: 119).
قال كعب: والله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد إذ هداني الله للإسلام، أعظم في نفسي، من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، إن الله قال للذين كذبوا، حين أنزل الوحي، شر ما قال لأحد، قال سبحانه : {سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ، فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ، إِنَّهُمْ رِجْسٌ، وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ، فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 96]، قال: كنا خُلِّفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حَلَفوا له، فبايعهم واستغفر لهم وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرَنَا حتى قضى الله فيه بذلك، قال الله عز وجل: وعلى الثلاثة الذين خلفوا، وليس الذي ذكر الله مما خُلِّفْنا، تخلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه".
وذكر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة في يوم الخميس، وكان يحب أن يخرج في يوم الخميس.
وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد إلى المدينة ضحى، وأنه دخل المسجد فصلى فيه ركعتين، وكان هذا من سنته صلى الله عليه وسلم أنه إذا قدم بلده لم يبدأ بشيء قبل المسجد.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • أهمية صراحة المسلم وصدقه.
  • جواز إخبار الرجل عن تفريطه وتقصيره في طاعة الله ورسوله وعن سبب ذلك.
  • إباحة الغنيمة لهذه الأمة المرحومة حيث كانت محرَّمة على من قبلها من الأمم.
  • القتال يوم بدر لم يكن فرضًا عينيًّا.
  • جواز التحديث بنعمة الله عز وجل إذا لم يكن على سبيل الفخر والترفع والرياء.
  • بيعة العقبة كانت من أفضل مشاهد الصحابة -رضي الله عنهم- حتى إن كعبًا كان لا يراها دون مشهد بدر.
  • خطته صلى الله عليه وسلم الحكيمة على الصعيد العسكري، كمحافظته على سرية الخطط وحسن تقديره للموقف، وعدم تغريره بجنده ووضعهم في الصورة الواقعية حتى يكونوا على مستوى المهمة الملقاة على عاتقهم.
  • الإمام إذا راى مصلحة في أن يستر على الرعية بعض ما يهِم به، ويقصده من العدو؛ استحب له ذلك أو يتعين لحسب المصلحة.
  • الستر والكتمان إذا تضمن مفسدة لم يجُز.
  • اندفاع المسلمين إلى الجهاد في سبيل الله -عز وجل- عن رضا وطواعية رغم ما كانوا عليه من شدة.
  • تألم المسلم من تقصيره في أداء الواجب، وحرصه أن لا يكون من المتخلفين أو المنافقين.
  • لم يكن يتخلف عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا أحد ثلاثة: إما منافق، أو رجل من أهل الأعذار، أو من خلفه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمصلحة أو استعمله على المدينة.
  • الإمام والمطاع لا ينبغي أن يهمل من تخلف عنه في بعض الأمور بل يُذَكِّرْه ليراجع الطاعة ويتوب.
  • جواز الطعن في الرجل بما يغلب على اجتهاد الطاعن حمية أو ذبا عن الله ورسوله.
  • جواز الرد على الطاعن إذا غلب على ظن الرادِّ أنه وهم وغلط.
  • السنة للقادم من السفر أن يبدأ ببيت الله قبل بيته فيصلي فيه ركعتين.
  • يعامل الإنسان على ظاهره ويترك أمر باطنه إلى الله -عز وجل-.
  • تشديد الإسلام في هجر العصاة ولو بعزلهم عن المجتمع ليكون أبلغ في التأديب، وهذا إذا كان في الهجر مصلحة وفائدة للمهجور وللمجتمع.
  • حسن خلقه صلى الله عليه وسلم ورأفته في صحبه وإشفاقه عليهم وسروره بسرورهم وفرحه بخيرهم.
  • المؤمن يبتلى في دينه ودنياه، ومن أراد الله به خيرا صدق مع الله وثبت على ما عاهد عليه.
  • خير أيام العبد على الإطلاق وأفضلها يوم توبته إلى الله، وقبول الله لتوبته، ولكن في حقنا أمر غيبي، لكن المرجو أن كل تائب حقق شروط التوبة وأخلص أن الله -تعالى- يتوب عليه.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك. قال…

📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي

[٢- باب التوبة]

قال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالي، لا تتعلق بحق آدمي؛ فلها ثلاثة شروط.

أحدها: أن يقلع عن المعصية.

والثاني: أن يندم على فعلها.

والثالث: أن يعزم أن لا يعود إليها أبداً. فإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته.

وإن كانت المعصية تتعلق بآدمي فشروطها أربعة: هذه الثلاثة، وأن يبرأ منحق صاحبها، فإن كانت مالاً او نحوه رده إليه، وإن كانت حد قذف ونحوه مكنه منه أو طلب عفوه، وإن كانت غيبة استحله منها. ويجب أن يتوب من جميع الذنب، وبقي عليه الباقي. وقد تظاهرت دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على وجوب التوبة:

قال الله تعالي:) وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: من الآية٣١) وقال تعالي:) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) (هود: من الآية٣) وقال تعالي:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً) (التحريم: من الآية٨) .

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف- رحمه الله تعالي - باب التوبة:

التوبة لغة: من تاب يتوب، إذا رجع.

وشرعاً: الرجوع من معصية الله تعالي إلي طاعته.

وأعظمها وأوجبها التوبة من الكفر إلي الإيمان، قال الله تعالي:) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (لأنفال: من الآية٣٨)) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (لأنفال: من الآية٣٨)) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (لأنفال: من الآية٣٨)) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (لأنفال: من الآية٣٨)) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (لأنفال: من الآية٣٨) ، ثم يليها التوبة من الكبائر؛ كبائر الذنوب.

ثم المرتبة الثالثة: التوبة من صغائر الذنوب.

والواجب علي المرء، أن يتوب إلي الله - سبحانه وتعالي- من كل ذنب.

وللتوبة شروط ثلاثة: كما قال المؤلف - رحمه الله-، ولكنها بالتتبع تبلغ إلي خمسة:

الشرط الأول: الإخلاص لله، بأن يكون قصد الإنسان بتوبته وجه الله- عز وجل- وأن يتوب الله عليه، ويتجاوز عما فعل من المعصية. لا يقصد بذلك مراءاة الناس والتقرب إليهم، ولا يقصد بذلك دفع الأذية من السلطات وولي الأمر.

وإنما يقصد بذلك وجه الله والدار الآخرة، وأن يعفو الله عن ذنوبه.

الشرط الثاني: الندم على ما فعل من المعصية؛ لأن شعور الإنسان بالندم هو الذي يدل علي انه صادق في التوبة؛ بمعني أن يتحسر على ما سبق منه، وينكسر من أجله، ولا يري أنه في حل منه حتى يتوب منه إلي الله.

الشرط الثالث: أن يقلع عن الذنب الذي هو فيه، وهذا من أهم شروطه. والإقلاع عن الذنب: إن كان الذنب ترك واجب؛ فالإقلاع عنه بفعله؛ مثل أن يكون شخص لا يزكي، فأراد أن يتوب إلي الله، فلابد من ان

يخرج الزكاة التي مضت ولم يؤدها. وإذا كان الإنسان مقصراً في بر الوالدين؛ فإنه يجب عليه أن يقوم ببرهما، وإذا كان مقصراً في صلة الرحم؛ فإنه يجب عليه أن يصل الرحم.

وإن كانت المعصية بفعل محرم، فالواجب أن يقلع عنه فوراً، ولا يبقي فيه ولا لحظة.

فإذا كانت من أكل الربا مثلاً، فالواجب أن يتخلص من الربا فوراً، بتركه والبعد عنه، وإخراج ما اكتسبه عن طريق الربا، إذا كانت المعصية بالغش والكذب على الناس وخيانة الأمانة، فالواجب عليه أن يرده إلي صاحبه، أو يستحله منه، وإذا كانت غيبة، فالواجب أن يقلع عن غيبة الناس والتكلم في أعراضهم، أما أن يقول إنه تائب إلي الله وهو مصر على ترك الواجب، أو مصر على فعل المحرم، فإن هذه التوبة غير مقبولة. بل إن هذه التوبة كالاستهزاء بالله عز وجل، كيف تتوب إلي الله- عز وجل- وأنت مصر علي معصيته؟!

لو أنك تعامل بشرا من الناس، تقول أنا تبت إليك وأنا نادم لا أعود، ثم في نيتك وفي قلبك أنك ستعود، وعدت، فإن هذه سخرية بالرجل، فكيف بالله رب العالمين؟!

فالإنسان التائب حقيقة هو الذي يقلع عن الذنب.

ومن الغريب أن بعض الناس تجلس إليه، وتجده يتأوه من وجود الربا، وهو في نفسه يرابي والعياذ بالله، أو يتأوه من الغيبة وأكل لحوم

الناس؛ وهو من أكثر الناس غيبة- نسأل الله العافية-، أو يتأوه من الكذب وضياع الأمانة في الناس؛ وهو من أكذب الناس وأضيعهم للأمانة!!

على كل حال، الإنسان لابد أن يقلع عن الذنب الذي تاب منه، فإن لم يقلع فتوبته مردودة لا تنفعه عند الله عز وجل. والإقلاع عن الذنب إما أن يكون إقلاعاً عن ذنب يتعلق في حق الله- عز وجل- فهذا يكفي أن تتوب بينك وبين ربك، ولا ينبغي- بل قد نقول: لا يجوز- أن تحدث الناس بما صنعت من المحرم أو ترك الواجب. لأن هذا بينك وبين الله، فإذا كان الله قد من عليك بالستر، وسترك عن العباد فلا تحدث أحداً بما صنعت إذا تبت إي الله.

وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((كل أمتي معافي إلا المجاهرين))

ومن المجاهرة، كما جاء في الحديث: ((أن يعمل الرجل بالليل عملاً، ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا...إلي آخره))

إلا أن بعض العلماء قال: إذا فعل الإنسان ذنباً فيه حد، فإنه لا باس أن يذهب إلي الإمام الذي يقيم الحدود- مثل الأمير- ويقول إنه فعل الذنب الفلاني ويريد أن يطهره منه، ومع ذلك فالأفضل أن يستر على نفسه، هذا

هو الأفضل.

يعني يباح له أن يذهب إلي ولي الأمر إذا فعل معصية فيها حد كالزنا مثلا، فيقول إنه فعل كذا وكذا؛ يطلب إقامة الحد عليه؛ لأن الحد كفارة للذنب.

أما المعاصي الأخرى فاسترها على نفسك كما سترها الله، وكذلك الزنا وشبهه، استره على نفسك - بالنسبة لغير ولي الأمر- لا تفضح نفسك.

ما دمت أنك قد تبت فيما بينك وبين الله تعالي، فإن الله تعالي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات.

أما إذا كان الذنب بينك وبين الخلق، فإن كان مالاً فلابد أن تؤديه إلي صاحبه، ولا تقبل التوبة إلا بأدائه مثل أن تكون قد سرقت مالاً من شخص وتبت من هذا، فلابد أن توصل المسروق إلي المسروق منه.

أو جحدت حقاً لشخص؛ كان يكون في ذمتك دين لإنسان وأنكرته، ثم تبت، فلابد أن تذهب إلي صاحب الدين الذي أنكرته، وتقر عنده وتعترف حتى يأخذ حقه. فإن كان قد مات، فإنك تعطيه ورثته، فإن لم تعرفهم، أو غاب عنك هذا الرجل ولم تعرف له مكاناً، فتصدق به عنه تخلصاً منه، والله- سبحانه وتعالي- يعلمه ويعطيه إياه.

أما إذا كانت المعصية التي فعلتها مع البشر ضرباً وما أشبهه، فاذهب إليه ومكنه من أن يضربك مثل ما ضربته؛ إن كان على الظهر فعلي الظهر، وإن كان علي الرأس فعلي الرأس، أو في أي مكان ضربته فليقتص منك؛ لقول الله تعالي سبحانه:) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) (الشورى: من الآية٤٠) ولقوله:) فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (البقرة: من الآية١٩٤) .

وإذا كان بقول؛ أي: أذية بالقول، مثل ان تكون قد سببته أمام الناس ووبخته وعيرته، فلابد أن تذهب إليه وتستحل منه بما تتفقان عليه. حتى لو قال لا أسمح لك إلا بكذا وكذا من الدراهم فأعطه.

الرابع: أن يكون الحق غيبة، يعني أنك تكلمت به في غيبته، وقدحت فيه عند الناس وهو غائب.

فهذه اختلف فيها العلماء؛ فمنهم من قال: لا بد أن تذهب إليه، وتقول له يا فلان إني تكلمت فيك عند الناس، فأرجوك أن تسمح عني وتحللني.

وقال فيها بعض العلماء؛ لا تذهب إليه، بل فيع التفصيل! فإن كان قد علم بهذه الغيبة فلابد أن تذهب إليه وتستحله. وإن لم يكن علم فلا تذهب إليه، واستغفر له، وتحدث بمحاسنه في المجالس التي كنت تغتابه فيها؛ فإن الحسنات يهذبن السيئات. وهذا القول أصح؛ وهو أن الغيبة إذا كان صاحبها لم يعلم بأنك اغتبته، فإنه يكفي أن تذكره بمحاسنه في المجالس التي اغتبته فيها، وأن تستغفر له، تقول: ((اللهم اغفر له)) كما جاء في الحديث: ((كفارة من اغتبته أن تستغفر له)) فلابد في التوبة من أن تصل الحقوق إلي أهلها.

أما الشرط الرابع: فهو العزم على أن لا تعود في المستقبل؛ بأنك لن

تعود إلي هذا العمل في المستقبل، فإن كنت تنوي ان تعود إليه عندما تسمح لك الفرصة فإن التوبة لا تصح؛ مثل: رجل كان- والعياذ بالله- يستعين بالمال على معصية الله، يشتري به المسكرات، يذهب إلي البلاد يزني- والعياذ بالله- ويسكر. فأصيب بفقر وقال: اللهم إني تبت إليك، وهو كاذب، يقول: تبت إليك، وهو في نيته أنه إذا عادت الأمور إلي مجاريها الأولي فعل فعله الأول.

فهذه توبة عاجز، تبت أم لم تبت لست بقادر على فعل المعصية، لأنه يوجد بعض الناس يصاب بفقر، فيقول: تركت الذنوب، لكن يحدث قلبه أنه عاد إليه ما افتقده لعاد إلي المعصية مرة ثانية، فهذه توبة غير مقبولة؛ لأنها توبة عاجز، وتوبة العاجز لا تنفعه.

الشرط الخامس: أن تكون في زمن تقبل فيه التوبة، فإن تاب في زمن لا تقبل فيه التوبة لم تنفعه التوبة. وذلك علي نوعين:

النوع الأول: باعتبار كل إنسان بحسبه.

النوع الثاني: باعتبار العموم.

أما الأول: فلابد أن تكون التوبة قبل حلول الأجل- يعني الموت-، فإن كانت بعد حلول الأجل فإنها لا تنفع التائب؛ لقول الله تعالي) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ) (النساء: من الآية١٨) هؤلاء ليس لهم توبة!

وقال تعالي:) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (فَلَمْ يَكُ

يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي

عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ) (غافر: ٨٤/٨٥) فالإنسان إذا عاين الموت وحضره الأجل؛ فهذا يعني أنه أيس من الحياة، فتكون توبته في غير محلها! بعد أن أيس من الحياة، وعرف أنه لا بقاء له يذهب فيتوب! هذه توبة اضطرار، فلا تنفعه ولا تقبل منه، لابد أن تكون التوبة سابقة.

أما النوع الثاني: وهو العموم، فإن الرسول - عليه الصلاة والسلام- أخبر بأن: ((الهجرة لا تنقطع حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها)) .

فإذا طلعت الشمس من مغربها لم ينفع أحداً من توبة. قال الله سبحانه: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرا) (الأنعام: من الآية١٥٨) وهذا البعض: هو طلوع الشمس من مغربها كما فسر ذلك النبي صلي الله عليه وسلم.

إذا فلابد أن تكون التوبة في وقت تقبل فيه التوبة، فإن لم تكن كذلك فلا توبة للإنسان.

ثم أختلف العلماء - رحمهم الله- هل تقبل التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره أو لا، في هذا ثلاثة أقوال لأهل العلم ‍‍!!

منهم من قال: إنها تصح التوبة من الذنب وإن كان مصراً على ذنب آخر، فتقبل توبته من هذا الذنب، ويبقي الإثم عليه في الذنب الآخر بكل حال.

ومنهم من قال: لا تقبل التوبة من الذنب مع الإصرار على ذنب آخر.

ومنهم من فصل فقال: إن كان الذنب الذي أصر عليه من جنس الذنب الذي تاب منه فإنها لا تقبل، وإلا قبلت.

مثال ذلك: رجل تاب من الربا ولكنه- والعياذ بالله- يشرب الخمر ومصر على شرب

الخمر.

فهنا من العلماء من قال: إن توبته من الربا لا تقبل، كيف يكون تائبا إلي الله وهو

مصر علي معصيته؟

وقال بعض العلماء: بل تقبل؛ لأن الربا شيء وشرب الخمر شيء آخر، وهذا هو

الذي مشي عليه المؤلف- رحمه الله- وقال: إنها تقبل التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره عند أهل الحق.

فهذا فيه الخلاف: بعضهم يقول: وبعضهم يقول: لا تقبل. أما إذا كان من الجنس؛ مثل أن يكون الإنسان- والعياذ بالله مبتلي بالزنا، ومبتلي أيضاً بالإطلاع على النساء والنظر إليهن بشهوة وما أشبه ذلك، فهل تقبل توبته من الزنا وهو مصر على النظر إلي النساء شهوة؟ أو بالعكس؟

هذا فيه أيضاً خلاف؛ فمنهم من يقول: تصح.

ومنهم من يقول: لا تصح التوبة.

ولكن الصحيح في هذه المسألة أن التوبة تصح من ذنب مع الإصرار على غيره، لكن لا يعطي الإنسان اسم التائب علي سبيل الإطلاق، ولا يستحق المدح الذي يمدح به التائبون؛ لأن هذا لم يتب توبة تامة بل توبة ناقصة، تاب من هذا الذنب فيرتفع عنه إثم هذا الذنب لكنه لا يستحق

أن يوصف بالتوبة علي سبيل الإطلاق، بل يقال: هذا توبته ناقصة وقاصرة؛ فهذا هو القول الذي تطمئن إليه النفس؛ أنه لا يعطي الوصف علي سبيل الإطلاق، ولا يحرم من التوبة التي تابها من هذا الذنب.

قال المؤلف- رحمه الله- إن النصوص من الكتاب والسنه تظاهرت وتضافرت على وجوب التوبة من جميع المعاصي، وصدق-رحمه الله- فإن الآيات كثيرة في الحث على التوبة وبيان فضلها وأجرها، وكذلك الأحاديث عن النبي صلي الله عليه وسلم.

وقد بين الله تعالي في كتابه أنه - سبحانه- يحب التوابين ويحب المتطهرين، التوابون: الذين يكثرون التوبة إلي الله- عز وجل -؛ كلما أذنبوا ذنباً تابوا إلي الله.

ثم ذكر المؤلف من الآيات قول الله تعالي: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون) (النور: من الآية٣١) هذه الجملة ختم الله بها آيتي وجوب غض البصر، وهي قوله:) قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا) إلي) أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: الآية ٣٠/٣١) .

ففي هذه الآية دليل على وجوب التوبة من عدم غض البصر وحفظ الفرج؛ لأن غض البصر يعني: قصره وعدم إطلاقه، ولأن ترك غض البصر

وحفظ الفرج؛ كل ذلك من أسباب الهلاك وأسباب الشقاء، وأسباب البلاء. وقد ثبت عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: ((ما تركت بعدي فتنة أضر علي الرجال من النساء)) ، ((وأن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء))

ولهذا كان أعداؤنا- أعداء الإسلام- بل أعداء الله ورسوله من اليهود والنصارى والمشركين والشيوعيين وأشباههم وأذنابهم وأتباعهم كل هؤلاء - يحرصون غاية الحرص على أن يفتنوا المسلمين بالنساء، يدعون إلي التبرج، يدعون إلي اختلاط المرأة بالرجل، يدعون إلي التفسخ في الأخلاق، يدعون إلي ذلك بألسنتهم، وأقلامهم، وأعمالهم، - والعياذ بالله؛ لأنهم يعلمون أن الفتنة العظيمة التي ينسي بها الإنسان ربه ودينه إنما تكون في النساء.

النساء اللاتي يفتن أصحاب العقول كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن)) .

هل تريد شيئاً أبين من هذا.

أذهب للب الرجل - لعقله - الحازم، فيما بالك بالرجل المهيمن؛ الذي ليس عنده حزم، ولا عزم، ولا دين، ولا رجولة؛ يكون أشد والعياذ بالله.

لكن الرجل الحازم تذهب النساء عقله- نسأل اله العافية-، وهذا هو الواقع لذلك قال الله تعالي عقب الأمر بغض البصر، قال: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: من الآية٣١) وقوله عز وجل: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً) يدل على أنه ينبغي لنا- بل يجب علينا- أن نتواصى بالتوبة، وأن يتفقد بعضنا بعضاً، هل الإنسان تاب من ذنبه أو بقي مصراً عليه؛ لأنه وجه الخطاب للجميع:: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ) (النور: من الآية٣١) وفي قوله تعالي (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) دليل على أن التوبة من أسباب الفلاح، والفلاح- كما قال أهل العلم بالتفسير وباللغة- الفلاح: كلمة جامعة يحصل بها المطلوب ويزول بها المرهوب، فهي كلمة جامعة لخير الدنيا والآخرة.

وكل إنسان يطلب خير الدنيا والآخرة. ما تجد إنساناً- حتى الكافر يريد الخير. لكن من الناس من يوفق ومنهم من لا يوفق.

الكافر يريد الخير؛ لكنه يريد خير الدنيا؛ لأنه رجل بهيمي؛ هو شر الدواب عند الله:) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا) (لأنفال: من الآية٥٥) شر من كل دابة تدب على الأرض؛ ومع ذلك هو يريد الخير، ويريد الرفاهية، ويريد التنعم بهذا الدنيا، لكنها- أي الدنيا- جنته، والآخرة - والعياذ بالله-

عذابه وناره.

المهم أن كل إنسان يريد الفلاح، لكن على حسب الهمة، المؤمن يريد الفلاح في الدنيا والآخرة، والكافر لا يؤمن بالآخرة؛ فهو يريد الفلاح في الدنيا.

من أسباب الفلاح التوبة إلي الله - عز وجل- كما في الآية: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: من الآية٣١) أي لتنالوا الفلاح؛ وذلك بحصول المطلوب وزوال المرهوب. والله الموفق.

* * *

١٣- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: ((والله إني لاستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة)) (رواه البخاري) .

١٤- وعن الأعز بن يسار المزني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((يا أيها الناس، توبوا إلي الله واستغفروه، فإني أتوب في اليوم مائة مرة)) (رواه مسلم) .

[الشَّرْحُ]

تقدم الكلام علي ما ذكره المؤلف- رحمه الله- من وجوب التوبة

وشروطها، وما ساقه من الآيات الدالة على وجوبها.

وهذان الحديثان ذكرهما المؤلف- رحمه الله- ليستدل على ذلك بالسنة.

لأنه كلما تضافرت الأدلة على الشيء قوي، وصار أوكد، وصار أوجب، فذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام أقسم بأنه يستغفر الله ويتوب إليه أكثر من سبعين مرة.

وهذا هو الرسول عليه الصلاة والسلام- الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر -يستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة.

وفي حديث الأغر بن يسار المزني أنه صلي الله عليه وسلم قال: ((يا أيها الناس توبوا إلي الله واستغفروه فإني أتوب إلي الله في اليوم مائة مرة)) .

ففي هذين الحديثين دليل على وجوب التوبة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بها فقال: ((يا أيها الناس توبوا إلي الله)) فإذا تاب الإنسان إلي ربه حصل بذلك فائدتين:

الفائدة الأولي: امتثال أمر الله ورسوله؛ وفي امتثال أمر الله ورسوله كل الخير. فعلي امتثال أمر الله ورسوله تدور السعادة في الدنيا والآخرة.

والفائدة الثانية: الاقتداء برسول الله صلي الله عليه وسلم. حيث كان صلي الله عليه وسلم يتوب إلي الله في اليوم مائة مرة؛ يعني: يقول: أتوب إلي الله، أتوب إلي الله ...

والتوبة لابد فيها من صدق، بحيث إذا تاب الإنسان إلي الله أقلع عن الذنب. أما الإنسان الذي يتوب بلسانه وقلبه منطو على فعل المعصية، أو على ترك الواجب. أو يتوب إلي الله بلسانه، وجوارحه مصرة على فعل

المعصية؛ فإن توبته لا تنفعه، بل إنها أشبه ما تكون بالاستهزاء بالله عز وجل!

كيف تقول أتوب إلي الله من معصية وأنت مصر عليها، أو تقول أتوب إلي الله من معصية وأنت عازم علي فعلها؟

الإنسان لو عامل بشرا مثله بهذه المعاملة لقال هذا يسخر بي، ويستهزئ بي!! كيف يتنصل من أمر عندي وهو متلبس به؟ ما هذا إلا هزو ولعب، فكيف برب العالمين؟

إن من الناس من يقول إنه تائب من الربا، ولكنه- والعياذ بالله مصر عليه!! يمارس الربا صريحا، ويمارس الربا مخادعة، وقد مر بنا كثيراً أن الذي يمارس الربا مخادعة أعظم إثما وجرما من الذي يمارس الربا بالصراحة. لأن الذي يمارس الربا بالمخادعة جنى علة نفسه مرتين:

أولاً: الوقوع في الربا.

وثانياً: مخادعة الله- عز وجل - وكان الله- سبحانه وتعالي- لا يعلم. وهذا يوجد كثيرا في الناس اليوم الذين يتعاملون في الربا صريحاً، أمرهم واضح، لكن من الناس من يتعامل في الربا خيانة ومخادعة؛ تجد عنده أموالاً لها سنوات عديدة في الدكان، فيأتي الغني بشخص فقير يوقده للمذبحة والعياذ بالله!! فيأتي إلي صاحب الدكان الذي عنده هذه البضاعة، ويبيعها على الفقير بالدين بيعاً صورياً. وكل يعلم أنه ليس بيعاً حقيقياً؛ لأن هذا المشتري - المدين- لا يقلب المال، ولا ينظر إليه، ولا يهمه، بل لو كان أكياساً من الرمل ويبعث عليه علي أنها رز أو سكر أخذها؛ لأنه لا يهمه؛ الذي يهمه أن يقضي حاجة فيبيعها عليه - مثلاً-

بعشرة آلاف لمدة سنة، وينصرف بدون أن ينقلها من مكانها، ثم يبيعها هذا المدين على صاحب الدكان بتسعة آلاف- مثلاً- فيؤكل هذا الفقير من وجهين: من جهة هذا الذي دينه، ومن جهة صاحب الدكان، ويقولون: إن هذا صحيح. بل يسمونه التصحيح، يقول قائلهم: تعال أصحح عليك، أو أصحح لك كذا وكذا. سبحان الله، هل هذا تصحيح؟ هذا تلطيخ بالذنوب والعياذ بالله!!

ولهذا يجب علينا - إذا كنا صادقين مع الله - سبحانه وتعالي- في التوبة- أن نقلع عن الذنوب والمعاصي إقلاعاً حقيقياً، ونكرها، ونندم علي فعلها؛ حتى تكون التوبة توبة نصوحاً.

وفي هذين الحديثين: دليل على أن نبينا محمداً صلي الله عليه وسلم اشد الناس عبادة لله، وهو كذلك، فإنه أخشانا لله، وأتقانا لله، وأعلمنا بالله صلوات الله وسلامه عليه.

وفيه دليل على أنه عليه الصلاة والسلام معلم الخير بمقاله وفعاله.

فكان يستغفر الله، ويأمر الناس بالاستغفار؛ حتى يتأسوا به امتثالاً للأمر واتباعا للفعل.

وهذا من كمال نصحه صلوات الله وسلامه عليه لأمته. فينبغي لنا نحن أيضاً أن نتأسي به، إذا امرنا الناس بأمر أن نكون أول من يمتثل هذا الأمر، وإذا نهيناهم عن شيء أن نكون أول من ينتهي عنه، لأن هذا هو حقيقة الداعي إلي الله، بل هذا حقيقة الدعوة غلي الله عز وجل؛ أن تفعل ما تؤمر به، وتترك ما تنهي عنه. كما كان الرسول صلي الله عليه وسلم يأمرنا التوبة وهو -عليه

الصلاة والسلام- يتوب أكثر منا. نسأل الله أن يتوب علينا وعليكم، وأن يهدينا وإياكم صراطاً مستقيماً. والله الموفق.

* * *

١٥- وعن أبي حمزة أنس بن مالك الأنصاري- خادم رسول الله صلي الله عليه وسلم _ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم: سقط على بعيره، وقد أضله في أرض فلاة)) (متفق عليه) .

وفي رواية لمسلم: ((لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها، فأتي شجرة فاضطجع في ظلها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح)) .

[الشَّرْحُ]

قوله- رحمه الله- ((خادم النبي صلي الله عليه وسلم)) وذلك أن أنساً - رضي الله عنه- حين قدم النبي عليه الصلاة والسلام المدينة أتت به أمة إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم وقالت له: هذا أنس ابن مالك يخدمك، فقبل النبي عليه الصلاة والسلام ذلك، وصار أنس من خدام النبي عليه الصلاة والسلام.

ذكر أنس- رضي الله عنه- أن الرسول صلي الله عليه وسلم قال: ((لله أشد فرحاً بتوبة عبده إذا تاب إليه)) من هذا الرجل الذي سقط على راحلته بعد أن أضلها،

وذكر القصة: رجل كان في أرض فلاة، ليس حوله أحد، لا ماء ولا طعام ولا أناس.. ضل بعيره: أي ضاع، فجعل يطلبه فلم يجده، فذهب إلي شجرة ونام تحتها ينتظر الموت! قد أيس من بعيره، وأيس من حياته؛ لأن طعامه وشرابه على بعيره، والبعير قد ضاع، فبينما هو كذلك إذا بناقته عنده قد تعلق خطامها بالشجرة التي هو نائم تحتها. فبأي شيء يقدر هذا الفرح؟ هذا الفرح لا يمكن أن يتصوره أحد إلا من وقع في مثل هذه الحال!! لأنه فرح عظيم، فرح بالحياة بعد الموت، ولهذا أخذ بالخطام فقال: ((اللهم أنت عبدي وأنا ربك)) !! أراد أن يثني على الله فيقول: ((اللهم أنت ربي وأنا عبدك)) لكن من شدة فرحه أخطأ..فقلب القضية.. وقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك.

في هذا الحديث من الفوائد: دليل على فرح الله - عز وجل- بالتوبة من عبده إذا تاب إليه، وأنه يحب ذلك- سبحانه وتعالي- محبة عظيمة، ولكن لا لأجل حاجته إلي أعمالنا وتوبتنا؛ فالله غني عنا، ولكن لمحبته سبحانه للكرم؛ فإنه يحب - سبحانه وتعالي- يفرح، ويغضب، ويكره ويحب، لكن هذه الصفات ليست كصفاتنا؛ لأن الله يقول:) ِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: من الآية١١) بل هو

فرح يليق بعظمته وجلاله ولا يشبه فرح المخلوقين.

وفيه: دليل على أن الإنسان إذا أخطأ في قول من الأقوال ولو كان كفرا سبق لسانه إليه؛ فإنه لا يؤاخذ فهذا الرجل قال كلمة كفر؛ لأن قول سبق اللسان لربه: أنت عبدي وأنا ربك هذا كفر لا شك، لكن لما صدر عن خطأ من شدة الفرح _ أخطأ ولم يعرف أن يتكلم-صار غير مؤاخذ به، فإذا أخطأ الإنسان في كلمة؛ كلمة كفر؛ فإنه لا يؤاخذ بها، وكذلك غيرها من الكلمات؛ لو سب أحدا على وجه الخطأ بدون قصد، أو طلق زوجته على وجه الخطأ بدون قصد، أو أعتق عبده على وجه الخطأ بدون قصد، فكل هذا لا يترتب عليه شيء؛ لأن الإنسان لم يقصده، فهو كاللغو في اليمين، وقد قال الله تعالي:) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) (البقرة: من الآية٢٢٥) بخلاف المستهزئ فإن المستهزئ يكفر إذا قال كلمة الكفر، ولو كان مستهزئا؛ لقول الله سبحانه) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ) (لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) (التوبة: من الآية٦٥/٦٦) ، فالمستهزئ قصد الكلام، وقصد

معناه؛ لكن على سبيل السخرية والهزء؛ فلذلك كان كافراً، بخلاف الإنسان الذي لم يقصده؛ فإنه لا يعتبر قوله شيئاً.

وهذا من رحمة الله - عز وجل- والله الموفق.

* * *

١٦- وعن أبي موسى عبد الله قيس الأشعري- رضي الله عنه- عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((إن الله تعالي يبسط يده بالليل مسيء النهار،

ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها)) رواه مسلم.

١٧- وعن أبي هريرة - رضي الله عنه- قال قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه)) (رواه مسلم) .

١٨- وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما- عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((إن الله - عز وجل - يقبل توبة العبد ما لم يغرغر)) . (رواه الترمذي) وقال: حديث حسن.

[الشَّرْحُ]

هذه الأحاديث الثلاثة التي ذكرها المؤلف - رحمه الله- كلها تتعلق بالتوبة.

أما حديث أبي موسى فقد قال الرسول صلي الله عليه وسلم: ((إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسي النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها)) .

وهذا من كرمه- عز وجل- أنه يقبل التوبة حتى وإن تأخرت فإذا أذنب الإنسان ذنباً في النهار، فإن الله- تعالي- يقبل توبته ولو تاب في

الليل. إذا أذنب وتاب في النهار فإن الله-تعالي- يقبل توبته بل إنه - تعالي- يبسط يده حتى يتلقى هذه التوبة التي تصدر من عبده المؤمن.

وفي هذا الحديث: دليل على محبة الله- سبحانه وتعالي- للتوبة، وقد سبق في الحديث السابق - في قصة الرجل الذي أضل راحلته حتى وجدها-: أن الله يفرح بتوبة عبده المؤمن إذا تاب إليه اشد فرحاً من هذا براحلته.

ومن فوائد حديث أبي موسي: إثبات أن الله -تعالي- له يده، وهو كذلك، بل له يدان جل وعلا- كما قال تعالي:) وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) (المائدة: من الآية٦٤) ، وهذه اليد التي أثبتها الله لنفسه- بل اليدان- يجب علينا أن نؤمن بهما؛ وأنهما ثابتتان لله.

ولكن لا يجوز أن نتوهم أنها مثل أيدينا؛ لأن الله يقول في كتابه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: من الآية١١) وهكذا كل ما مر بك من صفات الله فأثبتها لله- عز وجل- لكن بدون أن تمثلها بصفات المخلوقين؛ لأن الله ليس كمثله شيء؛ لا في ذاته، ولا في صفاته عز وجل.

وفي هذا الحديث: أن الله- سبحانه وتعالي- يقبل توبة العبد وإن تأخرت، لكن المبادرة بالتوبة هي الواجب؛ لأن الإنسان لا يدري، فقد يفجأه الموت فيموت قبل أن يتوب. فالواجب المبادرة، لكن مع ذلك، لو تأخرت تاب الله على العبد.

وفي هذا الحديث: دليل على أن الشمس إذا طلعت من مغربها، انتهي قبول التوبة. وقد يسأل السائل، يقول: هل الشمس تطلع من مغربها؟ المعروف أن الشمس تطلع من المشرق؟!

فنقول: نعم هذا هو المعروف، وهذا هو المطرد منذ خلق الله الشمس إلي يومنا هذا. لكن في آخر الزمان يأمر الله الشمس أن ترجع من حيث جاءت فتنعكس الدورة، وتطلع من مغربها، فإذا رآها الناس آمنوا كلهم، حتى الكفار اليهود، والنصارى، والبوذيون، والشيوعيون، وغيرهم؛ كلهم يؤمنون. ولكن الذي لم يؤمن قبل أن تطلع الشمس من مغربها لا ينفعه إيمانه.

كل يتوب أيضاً، لكن الذي لم يتب قبل أن تطلع الشمس من مغربها لا تقبل توبته؛ لأن هذه آية يشهدها كل أحد، وإذا جاءت الآيات المنذرة لم تنفع التوبة ولم ينفع الإيمان!

أما حديث أبي هريرة رضي الله عنه في أن الله -سبحانه وتعالي- يقبل التوبة ما لم تطلع الشمس من مغربها فهو كحديث أبي موسى.

وأما حديث عبد الله بن عمر: ((إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر)) أي: ما لم تصل الروح الحلقوم، فإذا وصلت الروح الحلقوم فلا توبة، وقد بينت النصوص الأخرى أنه إذا حضر الموت توبة؛ لقوله تعالي:) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآن) (النساء: من الآية١٨) .

فعليك يا أخي المسلم أن تبادر بالتوبة إلي الله - عز وجل- من الذنوب، وأن تقلع عما كنت متلبسا به من المعاصي، وأن تقوم بما فرطت به من الواجبات، وتسأل الله قبول تتوبتك. والله الموفق.

* * *

١٩- وعن زر بن حبيش قال: أتيت صفوان بن عسال- رضي الله عنه-اسأله عن المسح على الخفين، فقال: ما جاء بك يا زر؟ فقلت: ابتغاء العلم فقال: إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب، فقلت: إنه قد حك في صدري المسح على الخفين بعد الغائط والبول، وكنت امرءا من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام فجئت أسألك: هل سمعته يذكر في ذلك شيئاً؟ قال: نعم، كان يأمرنا إذا كنا سفرا- أو مسافرين- أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم، فقلت: هل سمعته يذكر في الهوى شيئاً؟ قال: نعم: كنا مع رسول الله صلي الله عليه وسلم فأجابه رسول الله صلي الله عليه وسلم نحوا من صوته: ((هاؤم)) فقلت له: ويحك أغضض، قال الإعرابي: المرء يحب القوم ولما يحلق بهم؟ قال النبي صلي الله عليه وسلم: المرء مع من أحب يوم القيامة)) فما زال يحثنا حتى ذكر بابا من المغرب مسيرة سفيان- أحد الرواة-: قبل الشام، خلقه الله - تعالي- يوم خلق السماوات والأرض مفتوحاً للتوبة، لا يغلق حتى تطلع الشمس منه)) (رواه الترمذي وغيره وقال: حديث حسن صحيح) .

[الشَّرْحُ]

هذا الحديث من أحاديث التوبة التي ساقها المؤلف -رحمه الله- في بيان متي تنقطع التوبة. لكنه يشتمل على فوائد:

منها: أن زر بن حبيش أتي إلي صفوان بن عسال- رضي الله عنه- من أجل العلم- يبتغي العلم- فقال له صفوان بن عسال: ((إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضي بما يطلب)) .

وهذه فائدة عظيمة تدل على فضيلة العلم، وطلب العلم؛ والمراد به العلم الشرعي، أي: علم ما جاء به النبي صلي الله عليه وسلم أما علم الدنيا فللدنيا، لكن طلب العلم الذي جاء به النبي صلي الله عليه وسلم هو الذي فيه الثناء والمدح، والحث عليه في القرآن والسنة. وهو نوع من الجهاد في سبيل الله، لأن هذا الدين قام بأمرين:

قام بالعلم والبيان، وبالسلاح: بالسيف والسنان.

حتى إن بعض العلماء قال: ((إن طلب العلم أفضل من الجهاد في سبيل الله بالسلاح)) لأن حفظ الشريعة إنما يكون بالعلم، والجهاد بالسلاح في سبيل الله مبني على العلم، لا يسير المجاهد، ولا يقاتل، ولا يحجم، ولا يقسم الغنيمة، ولا يحكم بالأسري؛ إلا عن طريق العلم، فالعلم هو كل شيء.

ولهذا قال الله عز وجل:) ايَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (المجادلة: من الآية١١) ووضع الملائكة أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب واحتراماً له، وتعظيماً له، ولا يرد على هذا أن يقول القائل: أنا لا

أحس بذلك؟ لأنه إذا صح بذلك؟ لأنه إذا صح الخبر عن الرسول صلي الله عليه وسلم فإنه كالمشاهد عيانا.

أرأيت قوله صلي الله عليه وسلم: ((ينزل ربنا- تبارك وتعالي- كل ليلة إلي السماء الدنيا حين يبقي ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له)) .

نحن لا نسمع هذا الكلام من الله- عز وجل- لكن لما صح عن نبينا صلي الله علي وسلم صار كأننا نسمعه، ولذلك يجب علينا أن نؤمن بما قال الرسول صلي الله عليه وسلم وبما صح عنه مما يذكر في أمور الغيب، وأن نكون متيقنين لها كأنما نشاهدها بأعيننا ونسمعها بآذاننا.

ثم ذكر زر بن حبيش لصفوان بن عسال إنه حك في صدره المسح على الخفين بعد البول والغائط.

يعني أن الله تعالي ذكر في القرآن قوله:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) (المائدة: من الآية٦) فيقول إنه حك في صدري؛ أي: صار عندي توقف وشك في المسح على الخفين بعد البول أو الغائط هل هذا جائز أو لا؟

فبين له صفوان بن عسال- رضي الله عنه- أن ذلك جائز لأن النبي صلي الله عليه وسلم أمرهم إذا كانوا سفراً أو مسافرين أن لا ينزعوا خفافهم إلا من جنابة ولكن

من غائط وبول ونوم، فدل هذا على جواز المسح على الخفين، بل إن المسح على الخفين أفضل إذا كان الإنسان لابسا لهما.

وقد ثبت في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة- رضي الله عنه- أنه كان مع النبي صلي الله عليه وسلم في سفر، فتوضأ النبي صلي الله عليه وسلم فأهوي المغيرة لينزع خفيه فقال: ((دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، ومسح عليهما))

ففي هذا دليل واضح على أن الإنسان الذي عليه جوارب، أو عليه خفان؛ أن الأفضل أن يمسح عليهما ولا يغسل رجليه.

ومنها: أنه ينبغي إذا أشكل على الإنسان شيء أن يسأل ويبحث عمن هو أعلم بهذا الشيء؛ حتى لا يبقي في قلبه حرج مما سمع، لأن بعض الناس يسمع الشيء من الأحكام الشرعية ويكون في نفسه حرج، ويبقي متشككاً متردداً، لا يسأل أحداً يزيل عنه هذه الشبهة، وهذا خطأ، بل الإنسان ينبغي له أن يسأل حتى يصل إلي أمر يطمئن إليه ولا يبقي عنده قلق.

فهذا زر بن حبيش- رحمه الله- سأل صفوان بن عسال- رضي الله عنه- عن المسح على الخفين؛ وهل عنده شيء عن رسول الله صلي الله عليه وسلم في ذلك، فقال: نعم، كان يأمرنا إذا كنا سفراً أو مسافرين ألا ننزع خفافنا إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم.

فهذا الحديث فيه دليل علي ثبوت المسح على الخفين، وقد تواترت الأحاديث عن الرسول صلي الله عليه وسلم في ذلك، وأخذ بهذا أهل السنة، حتى إن بعض

أهل العلم، الذين صنفوا في كتب العقائد، ذكروا المسح على الخفين في كتاب العقائد؛ وذلك لأن الرافضة خالفوا في ذلك؛ فلم يثبتوا المسح على الخفين وأنكروه، والعجب أن ممن روي المسح على الخفين علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

ومع ذلك هم ينكرونه ولا يقولون به، فكان المسح على الخفين من شعار أهل السنة ومن الأمور المتوترة عندهم؛ التي ليس عندهم فيها شك عن رسول الله صلي الله عليه وسلم.

قال الإمام أحمد: ((ليس في قلبي من المسح شك)) ، أو قال: ((شيء فيه أربعون حديثاً عن النبي صلي الله عليه وسلم وأصحابه)) ولكن لابد من شروط لجواز المسح علي الخفين:

الشرط الأول: أن يلبسهما على طهارة؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال للمغيرة بن شعبة رضي الله عنه حينما أراد أن ينزع خفي النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، ومسح عليهما)) .

ولا فرق بين أن تكون هذه الطهارة قد غسل فيها الرجل، أو مسح فيها على خف سابق.

فمثلاً: لو توضأ وضوءاً كاملاً، وغسل رجليه، ثم لبس الجوارب؛ يعني الشراب أو الخفين، فهما لبسهما على طهارة.

كذلك لو كان قد لبس جوارب من قبل ومسح عليهما، ثم احتاج إلي

زيادة جورب ولبسه على الجورب الأول الذي مسحه- وهو علي طهارة-، فإنه يمسح علي الثاني، لكن يكون ابتداء المدة من المسح على الأول لا من المسح على الثاني؛ هذا هو القول الصحيح؛ أنه إذا لبس خفا على خف ممسوح فإنه يمسح علي الأعلى، لكن يبني على مدة المسح علي الأول.

ولابد أن تكون الطهارة بالماء، فلو لبسهما علي طهارة تيمم فإنه لا يمسح عليهما؛ مثل رجل مسافر ليس معه ماء، فتيمم ولبس الخفين علي طهارة تيمم، ثم بعد ذلك وجد الماء، وأراد أن يتوضأ، ففي هذه الحال لابد أن يخلع الخفين ويغسل قدميه عند الوضوء، ولا يجوز المسح عليهما في هذه الحال، لأنه لم يلبسهما على طهارة غسل فيها الرجل، فإن التيمم يتعلق بعضوين فقط؛ وهما الوجه والكفان.

الشرط الثاني: أن يكون المسح عليهما في الحدث الأصغر، ولهذا قال صفوان بن عسال: ((إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم)) فإذا صار علي الإنسان جنابة؛ فإنه لا يجزئ أن يمسح على الجوربين أو الخفين، بل لابد من نزعهما وغسل القدمين؛ وذلك لأن الطهارة الكبرى ليس فيها مسح إلا للضرورة في الجبيرة، ولهذا لا يمسح فيها الرأس، بل لابد من غسل الرأس - مع أنه في الحدث الأصغر يمسح؛ لكن الجنابة طهارتها أوكد وحدثها أكبر، فلابد من الغسل، ولا يمسح فيها على الخف؛ لهذا الحديث، ولأن المعني والقياس يقتضي ذلك.

الشرط الثالث: أن يكون المسح في المدة التي حددها النبي صلي الله عليه وسلم وهي يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، كما صح ذلك أيضاً من

حديث على بن أبى طالب_ رضي الله عنه- في صحيح مسلم قال: ((جعل رسول الله صلي الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم)) يعني: في المسح علي الخفين:

فإذا انتهت المدة فلا مسح، لابد أن يخلع الجوربين أو الخفين، ثم يغسل القدمين، ولكن إذا انتهت المدة وأنت على طهارة فاستمر على طهارتك، لا تنقض الطهارة، ولكن ذا أردت أن تتوضأ بعد انتهاء المدة فلابد من غسل القدمين.

ثم إن زر بن حبيش سأل صفوان بن عسال: هل سمع من النبي صلي الله عليه وسلم يقول في الهوي شيئاً؟

الهوي: المحبة والميل، فقال: نعم، ثم ذكر قصة الأعرابي الذي كان جهوري الصوت فجاء ينادي: يا محمد؛ بصوت مرتفع.

فقيل له: ويحك أتنادي رسول الله صلي الله عليه وسلم بصوت مرتفع؟ والله - عز وجل- يقول:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) (الحجرات: ٢) ، ولكن الأعراب لا يعرفون الآداب كثيراً؛ لأنهم بعيدون عن المدن وبعيدون عن العلم.

فأجابه النبي صلي الله عليه وسلم بصوت مرتفع كما سأل الأعرابي، لأن رسول الله صلي الله عليه وسلم أكمل الناس هدياً، يعطي كل إنسان بقدر ما يتحمله عقله، فخاطبه النبي

صلي الله عليه وسلم بمثل ما خاطبه به، قال له الأعرابي: ((المرء يحب القوم ولما يلحق بهم)) يعني: يحب القوم ولكن عمله دون علمهم؛ لا يساويهم في العمل، مع من يكون؟ أيكون معهم أو لا؟

فقال النبي صلي الله عليه وسلم: ((المرء مع من أحب يوم القيامة)) نعمة عظيمة - ولله الحمد- وقد روي أنس بن مالك- رضي الله عنه- هذه القطعة من الحديث، أن الرسول صلي الله عليه وسلم قال لرجل يحب الله ورسوله: ((إنك مع من أحببت)) قال أنس: ((فأنا أحب رسول الله صلي الله عليه وسلم وأبابكر عمر وأرجو أن أكون معهم)) .

وهكذا أيضاً نحن نشهد الله - عز وجل- على محبة رسول الله صلي الله عليه وسلم، وخلفائه الراشدين، وصحابته، وأئمة الهدي من بعدهم، ونسأل الله أن يجعلنا معهم.

هذه بشري للإنسان؛ أنه إذا احب قوما صار معهم وإن قصر به عمله؛ يكون معهم في الجنة ويجمعه الله معهم في الحشر، ويشربون من حوض الرسول صلي الله عليه وسلم جميعاً، وهكذا.. كما أن من أحب الكفرة فإنه ربما يكون معهم _ والعياذ بالله- لأن محبة الكافرين حرام، وأن يعلم أنهم أعداء له مهما أبدوا من الصداقة والمودة والمحبة؛ فإنهم لن يتقربوا إليك لمصلحتك فهذا شيء بعيد. إن كان

يمكن أن نجمع بين الماء والنار، فيمكن أن نجمع بين محبة الكفار لنا وعداوتهم لنا؛ لأن الله تعالي سماهم أعداء قال:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) (الممتحنة: من الآية١) وقال عز وجل:) مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) (البقرة: ٩٨) .

فكل كافر فإن الله عدو له، وكل كافر فإنه عدو لنا، وكل كافر فإنه لا يضمر لنا إلا الشر.

ولهذا يجب عليك أن تكره من قلبك كل كاف مهما كان جنسه، ومهما كان تقربه إليك فاعلم أنه عدؤك. قال تعالي:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) (الممتحنة: من الآية١) ، إذا نأخذ من هذه قاعدة أصلها النبي - عليه الصلاة والسلام- ألا وهي: ((المرء مع من أحب)) فعليك يا أخي أن تشد قلبك على محبة الله تعالي، ورسوله، وخلفائه الراشدين، وصحابته الكرام، وأئمة الهدي من بعدهم لتكون معهم.

نسأل الله أن يحقق لنا ذلك بمنه وكرمه والله الموفق.

* *

٢٠- وعن أبي سعيد بن مالك بن سنان الخدري- رضي الله عنه- أن نبي الله صلي

الله عليه وسلم قال: ((كان فيمن قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً، فسأل عن اعلم أهل الأرض، فدل على راهب، فاتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين

نفساً فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله فكمل مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل عالم فقال: إنه قتل مائة نفس، فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلي أرض كذا وكذا، فإن بها أناسا يعبدون الله - تعالي- فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلي أرضك فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب. فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبا مقبلا بقلبه إلي الله تعالي، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرا قط، فاتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم- أي حكما- فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلي أيتها كان أدني فهو له، فقاسوا فوجدوه أدني إلي الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة)) (متفق عليه) .

وفي رواية في الصحيح: ((فكان إلي القرية الصالحة أقرب بشبر، فجعل من أهلها)) وفي رواية في الصحيح: ((فاوحي الله تعالي إلي هذه أن تباعدي، وإلي هذه أن تقربي، وقال: قيسوا ما بينهما، فوجدوه إلي هذه أقرب بشبر فغفر له)) وفي رواية: ((فنأي بصدره نحوها)) .

[الشَّرْحُ]

نقل المؤلف- رحمه الله- عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري- رضي الله عنه- أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: كان فيمن قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً، ثم إنه ندم وسال عن أعلم أهل الأرض

يسأله: هل له من توبة؟ فدل على رجل، فإذا هو راهب -يعني عابداً- ولكن ليس عنده علم، فلما سأله قال إنه قتل تسعة وتسعين نفساً، فهل له من توبة؟ فاستعظم الراهب هذا الذنب وقال: ليس لك توبة! فغضب الرجل وانزعج وقتل الراهب؛ فأتم به مائة نفس، ثم إنه سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل عالم فقط له: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ قال: نعم! ومن الذي يحول بينه وبين التوبة؟ باب التوبة مفتوح، ولكن اذهب إلي القرية الفلانية؛ فإن فيها قوماً يعبدون الله. والأرض التي كان فيها كأنها- والله أعلم- دار كفر فأمره هذا العالم أن يهاجر بدينه إلي هذه القرية التي يعبد فيها الله- سبحانه وتعالي-، فخرج تائبا نادماً مهاجراً بدينه إلي الأرض التي فيها القوم الذين يعبدون الله عز وجل. وفي منتصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة العذاب، والمؤمن تقبض روحه ملائكة الرحمة، فاختصموا؛ ملائكة العذاب تقول: إنه تاب وجاء نادماً تائباً، فحصل بينهما

خصومة، فبعث الله إليهم ملكاً ليحكم بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلي أيتها كان أقرب فهو له؛ يعني فهو من أهلها. إن كانت أرض الكفر أقرب إليه فملائكة العذاب تقبض روحه، وإن كان إلي بلد الإيمان أقرب فملائكة الرحمة تقبض روحه.

فقاسوا ما بينهما؛ فإذا البلد التي اتجه إليها- وهي بلد الإيمان -أقرب من البلد التي هاجر منها بنحو شبر - مسافة قريبة - فقبضته ملائكة الرحمة.

ففي هذا دليل علي فوائد كثيرة:

منها: أن القاتل إذا قتل إنساناً عمداً ثم تاب فإن الله - تعالي- يقبل توبته، ودليل ذلك في كتاب الله قوله تعالي:) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء: من الآية٤٨)) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء: من الآية٤٨)) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء: من الآية٤٨) ، يعني ما دون الشرك، فإن الله تعالي يغفره إذا شاء.

وهذا الذي عليه جمهور أهل العلم.

وذكر عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما- أن القاتل ليس له توبة؛ لأن الله يقول:) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) (النساء: ٩٣) .

ولكن ما ذهب إليه الجمهور هو الحق، وما روي عن ابن عباس- رضي الله عنهما- فإنه يمكن أن يحمل على أنه ليس توبة بالنسبة للمقتول؛ وذلك لأن القاتل إذا قتل تعلق فيه ثلاثة حقوق:

الحق الأول: لله، والثاني: للمقتول، والثالث: لأولياء المقتول.

أما حق الله؛ فلا شك أن الله تعالي يغفره بالتوبة، لقول الله تعالي:) قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ) (الزمر: من الآية٥٣) .

ولقوله تعالي: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً) (يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً) (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ و) (الفرقان: من الآية٦٨/٧٠) .

وأما حق المقتول؛ فإن توبة القاتل لا تنفعه ولا تؤدي إليه حقه؛ لأنه مات، ولا يمكن الوصول إلي استحلاله، أو التبرؤ من دمه، فهذا هو الذي يبقي مطالباً به القاتل ولو تاب، وإذا كان يوم القيامة فالله يفصل بينهما.

وأما حق أولياء المقتول، فإنها لا تصح توبة القاتل؛ حتى يسلم نفسه إلي أولياء المقتول، ويقر بالقتل، ويقول: أنا القاتل، وأنا بين أيديكم، إن شئتم اقتلوني وإن شئتم خذو الدية، وإن شئتم اسمحوا، فإذا تاب إلي الله، وسلم نفسه لأولياء المقتول- يعني لورثته - فإن توبته تصح، وما بينه وبين المقتول يكون الحكم فيه إلي الله يوم القيامة.

٢١- وعن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب- رضي الله عنه- من بنيه حين عمي، قال: سمعت كعب بن مالك - رضي الله عنه- يحدث بحديثه حين تخلف عن رسول الله صلي الله عليه وسلم في غزوة تبوك: قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله صلي الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك، غير أني قد تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحد تخلف عنه، إنما خرج رسول الله صلي الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع الله - تعالي- بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. ولقد شهدت مع رسول الله صلي الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب حين تخلفت عن رسول الله صلي الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوي ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلي الله عليه وسلم

يريد غزوة إلا وري بغيرها حتى كانت تلك الغزوة، فغزاها رسول الله صلي الله عليه وسلم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا ومفازاً واستقبل عدداً كثيراً، فجلي للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم فأخبرهم بوجههم الذي يريد والمسلمون مع رسول الله كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ

(يريد بذلك الديوان) قال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفي به ما لم ينزل فيه وحي من الله، وغزا رسول الله صلي الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال فأنا إليها أصعر، فتجهز رسول الله صلي الله عليه وسلم والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معه، فأرجع ولم أقض شيئاً، وأقول في نفسي: أنا قادر علي ذلك إذا أردت، فلم يزل يتمأدي بي حتى استمر بالناس الجد، فأصبح رسول الله صلي الله عليه وسلم غاديا والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئاً ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئاً، فلم يزل يتمادي بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو فهممت أن أرتحل فأدركهم، فيا ليتني فعلت، ثم لم يقدر ذلك لي، فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلي الله عليه وسلم يحزنني أني لا أري لي أسوة، إلا رجلاً مغموصا عليه في النفاق، أو رجلاً ممن عذر الله تعالي من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلي الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب بن مالك؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله صلي الله عليه وسلم حبسه

برداه، والنظر في عطفيه، فقال له معاذ بن جبل - رضي الله عنه-: بئس ما قلت! والله يا رسول الله ما

علمنا عليه إلا خيراً، فسكت رسول الله صلي الله عليه وسلم فبينا هو على ذلك رأي رجلاً مبيضاً يزول به السراب، فقل رسول الله صلي الله عليه وسلم: كن أبا خيثمة، فإذا هو ابو خيثمة الأنصاري- وهو الذي تصدق بصلع من التمر حين لمزه المنافقون، قال كعب: فلما بلغني أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قد توجه قافلاً من تبوك حضرني بثي فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بم أخرج من سخطه غداً، واستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل: إن رسول الله صلي الله عليه وسلم قد أظل قادماً زاح عني الباطل، حتى عرفت أني لم أنج منه بشيء أبدا، فأجمعت صدقة، وأصبح رسول الله صلي الله عليه وسلم قادماً، وكأن إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بضعا وثمانين رجلاً، فقبل منهم علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلي الله تعالي حتى جئت، فلما سلمت تبسم المغضب، ثم قال: تعال، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي، ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعن ظهرك؟ لرأيت أتي سأخرج من سخطه بعذر؛ لقد أعطيت جدلاً، لكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضي به عني ليوشكن الله

يسخطك علي، وإن حدثتك حديث صدق تجد عل فيه إني لأرجو فيه عقبي الله عز وجل، والله ما كأن لي من عذر، والله ما كنت قط أقوي ولا أيسر مني حين تخلفت عنك.

قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك)) وسار رجال من بني سلمة، فقالوا لي: والله ما علمناك أذنبت ذنباً قبل هذا، لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المخلفون، فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلي الله عليه وسلم فأكذب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد؟ قالوا: نعم؛ لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت، وقيل لهما مثل ما قيل لك، قال: قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي؟ قال: فذكروا لي رجلين قد شهدا بدرا فيهما أسوة. قال: حين ذكرؤهما لي، ونهي رسول الله صلي الله عليه وسلم عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، قال: فاجتنبنا الناس- أو قال: تغيروا لنا- حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا علي ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلي الله عليه وسلم فاسلم عليه، وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه

برد السلام أم لا؟ ثم أصلي قريباً منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، وإذا التفت

نحوه أعرض عني، حتى إذا حال ذلك على من جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة؛ وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام، فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله صلي الله عليه وسلم؟ فسكت، فعدت فناشدته فسكت، فعدت فناشدته، فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار، فبينا أنا أمشي في سوق المدينة؟ إذا نبطي من نبط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاءني، فدفع إلي كتاباً من ملك غسان، وكنت كاتباً. فقرأته فإذا فيه: أما بعد؛ فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسيك، فقلت حين قرأتها: وهذه أيضاً من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرتها حتى إذا مضت أربعون من الخمسين واستلبث الوحي إذا رسول رسول الله صلي الله عليه وسلم ياتيني، فقال: إن رسول الله صلي الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امراتك، فقلت: أطلقها، أم ماذا أفعل؟ قال: لا بل اعتزلها

فلا تقربنها، وأرسل إلي صاحبي بمثل ذلك. فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر، فجأءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلي الله عليه وسلم فقالت له: يا رسول الله إن هلال ابن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: لا، ولكن لا

يقربنك. فقالت: إنه والله ما به من حركة إلي شيء ووالله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلي يومه هذا، فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلي الله عليه وسلم في امرأتك، فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه؟ فقلت: استأذنته فيها رسول الله صلي الله عليه وسلم، وما يدريني ماذا يقول رسول الله صلي الله عليه وسلم إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب! فلبث بذلك عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عنن كلامنا.

ثم صليت صلاة الفجر صباح ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالي منا، قد ضاقت علة نفسي وضاقت على الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفي على سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك ابشر، فحخررت ساجداً، وعرفت أنه قد جاء فرج. فأذن رسول الله صلي الله عليه وسلم الناس بتوبة الله- عز وجل- علينا حين صلي صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا، فذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إلي فرسا، وسعي ساع من أسلم قبلي وأوفي على الجبل، وكان الصوت أسرع النبي صلي الله عليه وسلم الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت أتأمم رسول الله صلي الله عليه وسلم يتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونني بالتوبة ويقولون لي: لتهنك توبة الله عليك، حتى

دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلي الله عليه وسلم جالس حوله الناس، فقام طلحة بن عبيد الله-رضي الله عنه- يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيرة، فكأن كعب لا ينساها لطلحة، قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلي الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور: أبشر

بخير يوم مر عليك مذ ولدتك أمك: فقلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: لا. بل من عند الله- عز وجل- وكان رسول الله صلي الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كان وجهه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منهن فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن نخلع من مالي صدقة إلي الله وإلي رسوله. فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم أمسك عليك بغض مالك فهو خير لك، فقلت: إني أمسك سهمي الذي بخيبر وقلت: يا رسول الله إن الله تعالي إنما أنجاني بالصدق، وإن توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت، فوالله ما علمت أحداً من المسلمين أبلاه الله- تعالي-في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلي الله عليه وسلم إلي يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله- تعالي- فيما بقي، قال: فنزل الله تعالي:) لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ) حتى بلغ: (إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ)) وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَت) حتى بلغ:) وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة: من الآية١١٧/١١٩) قال

كعب: والله ما أنعم الله على من نعمة قط بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله

صلي الله عليه وسلم أن لا أكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كذبوا: إن الله تعالي قال للذين كذبوا حين أنزل الوحى شر ما قال لأحد، فقال الله تعالي:) سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) (التوبة: ٩٥/٩٦) .

قال كعب: كنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أؤلئك الذين قبل منهم رسول الله صلي الله عليه وسلم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلي الله عليه وسلم أمرنا حتى قضي الله- تعالي- فيه بذلك؟ قال الله تعالي:) وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا) وليس الذي ذكر مما خلفنا تخلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه. متفق عليه.

وفي رواية: ((أن النبي صلي الله عليه وسلم خرج في غزوة تبوك يوم الخميس، وكان يحب أن يخرج يوم الخميس.

وفي رواية: وكان لا يقدم من سفر إلا نهاراً في الضحى، فإذا قدم بدأ بالمسجد فصلي ركعتين ثم جلس فيه.

[الشَّرْحُ]

هذا حديث كعب بن مالك، في قصة تخلفه عن غزوة تبوك، وكانت غزوة تبوك في السنة التاسعة من الهجرة.

غزا النبي صلي الله عليه وسلم الروم وهم على دين النصارى حين بلغه أنهم يجمعون له، فغزاهم النبي عليه الصلاة والسلام، وقام بتبوك عشرين ليلة، ولكنه لم ير كيداً ولم ير عدوا فرجع. وكانت هذه الغزوة في أيام الحر حين طابت الثمار وصار المنافقون يحبون الدنيا على الآخرة، فتخلف المنافقون عن هذه الغزوة ولجأوا إلي الظل والرطب والتمر، وبعدت عليهم الشقة والعياذ بالله.

أما المؤمنون الخلص، فإنهم خرجوا مع النبي- عليه الصلاة والسلام- ولم يثن عزمهم بعد الشقة ولا طيب الثمار.

إلا أن كعب بن مالك- رضي الله عنه- تخلف عن غزوة تبوك بلا عذر، وهو من المؤمنين الخلص، ولهذا قال: ((إنه ما تخلف عن رسول الله صلي الله عليه وسلم عن غزوة غزاها قط)) كل غزوات الرسول صلي الله عليه وسلم قد شارك فيها كعب- رضي الله عنه- فهو من المجاهدين في سبيل الله ((إلا في غزوة بدر)) ، فقد تخلف فيها كعب وغيره، لأن النبي صلي الله عليه وسلم - عليه الصلاة والسلام- خرج من المدينة لا يريد القتال، ولذلك لم يخرج معه إلا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً فقط؛ لأنهم كانوا يريدون أن يأخذوا عيرا لقريش، أي إبل محملة قدمت من الشام تريد مكة وتمر بالمدينة.

فخرج النبي - عليه الصلاة والسلام_ من أجل أن يستقبل هذه العير ويأخذها، وذلك لأن أهل مكة أخرجوا النبي صلي الله عليه وسلم وأصحابه من ديارهم وأموالهم؛ فلهذا كانت أموالهم غنيمة للنبي- عليه الصلاة والسلام- ويحل له أن يخرج ليأخذها، وليس في ذلك عدوان من رسول الله صلي الله عليه وسلم وأصحابه،

بل هذا أخذ لبعض حقهم.

خرج الرسول صلي الله عليه وسلم في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً ليس معهم إلا سبعون بعيراً وفرسان فقط؛ وليس معهم عدة والعدد قليل، ولكن الله جمع بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد لينقذ الله ما أراد عز وجل.

فسمع ابو سفيان - وهو قائد العير- أن النبي صلي الله عليه وسلم خرج إليه ليأخذ العير؛ فعدل عن سيره إلي الساحل وأرسل إلي قريش صارخاً يستنجدهم - أي يستغيثهم- ويقول: هلموا أنقذوا العير.

خرجوا كما قال الله عنهم، خرجوا من ديارهم) ْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه) (لأنفال: من الآية٤٧)

ولما كانوا في أثناء الطريق وعلموا أن العير نجت تراجعوا فيما بينهم وقالوا: العير نجت، فلما لنا وللقتال؟ فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نقدم بدراً فنقيم فيها ثلاثا ننحر الجزور، ونسقي الخمور، ونطعم الطعام، وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبدا!.

هكذا قالوا، بطرا واستكبارا وفخرا، ولكن- الحمد لله- صارت العرب تتحدث بهم بالهزيمة النكراء التي لم يذق العرب مثلها، لما التقوا بالنبي- عليه الصلاة والسلام- وزكان ذلك في رمضان في السنة الثانية من الهجرة، في اليوم السابع عشر منه، التقوا فأوحي الله عز وجل إلي الملائكة:) أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا

الرُّعْبَ) (الأنفال: من الآية١٢) ، انظر! في الآية تثبيت للمؤمنين وإلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا، فما أقرب النصر في هذه الحال؟! رعب في قلوب الأعداء، وثبات في قلوب المؤمنين.

فثبت الله المؤمنين ثباتاً عظيماً، وأنزل في قلوبهم الذين كفروا الرعب.

قال الله سبحانه) َ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) (لأنفال: من الآية١٢) ، أي: كل مفصل، واضربوا فالأمر ميسر لكم.

فجعل المسلمون- ولله الحمد- يجلدون فيهم؛ فقتلوا سبعين رجلاً واسروا سبعين رجلاً، والذين قتلوا ليسوا من أطرفهم، الذين قتلوا كلهم من صناديهم وكبرائهم، وأخذ منهم أربعة وعشرون رجلاً يسحبون سحباً وألقوا في قليب من قلب بدر، سحبوا حتى ألقوا في القليب جثثاً هامدة، ووقف عليهم النبي - عليه الصلاة والسلام_ وقال لهم: يا فلان ابن فلان، يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا. فقالوا: يا رسول الله، كيف تكلم أناساً قد جيفوا؟ قال: ((والله ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يجيبون)) ؛ لأنهم موتي، وهذه - ولله الحمد- نعمة، علينا أن نشكر الله عز وجل عليها كلما ذكرناها.

نصر الله نبيه، وسمي الله هذا اليوم) عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ) (لأنفال: من الآية٤١) .

هذا اليوم فرق الله فيه الحق والباطل تفريقاً عظيماً. وانظر إلي قدرة الله عز وجل في هذا اليوم، انتصر ثلاثمائة رجل وبضعة عشر رجلاً على نحو ألف رجل أكمل منهم عدة وأقوي، وهؤلاء ليس معهم إلا عد قليل من الإبل والخيل، لكن نصر الله عز وجل إذا نزل لقوم لم يقم أمامهم أحد، وإلي هذا أشار الله بقوله) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ) (آل عمران: من الآية١٢٣) ، ولما كان المسلمون حين فتحوا مكة وخرجوا باثني عشر ألفاً وأمامهم هوزان وثقيف؛ فأعجب المسلمون بكثرتهم وقالوا: لن نغلب اليوم عن قلة، فغلبهم ثلاثة آلاف وخمس مائة رجل. غلبوا اثني عشر ألف رجل بقيادة النبي صلي الله عليه وسلم، لنهم أعجبوا بكثرتهم، قالوا: لن نغلب اليوم عن قله، فأراهم الله عز وجل أن كثرتهم لن تنفعهم.

قال الله تعالي:) وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) (التوبة: من الآية٢٥) .

أترون ماذا حصل لأهل بدر؟

اطلع الله عليهم وقال لهم: اعملوا ماشئتم فقد غفرت لكم.

كل معصية تقع منهم فإنها مغفورة، لأن الثمن مقدم.

فهذه الغزوة صارت سبباً لكل خير، حتى إن حاطب بن أبي بلتعة

- رضي الله عنه- لما حصل منه ما حصل في كتابه لأهل مكة عندما أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يغزوهم غزوة الفتح كتب هو- رضي الله عنه- إلي أهل مكة يخبرهم، ولكن الله أطلع نبيه علي ذلكز أرسل حاطب بن أبي بلتعة بن علي أبي طالب وواحداً معه حتى لحقوها في روضة تسمي روضة خاخ، فأمسكوها وقالوا لها: أين الكتاب؟ فقالت: ما معي كتاب، فقالوا لها: أين الكتاب؟ والله ما كبنا ولا كبنا، أين الكتاب؟ لتخرجنه أو لننزعن ثيابك؟ فلما رأت ذلك لأخرجته، فإذا هو من حاطب بن أبي بلتعة إلي قريش، فأخذوه.

والحمد لله أنه لم يصل إلي قريش، فصار في هذا نعمة من الله على المسلمين وعلى حاطب، لأن الذي أراد ما حصل من نعمة الله.

فلما ردوا الكتاب إلي النبي صلي الله عليه وسلم قال له: ((يا حاطب، ما هذا)) ؟ فاعتذر.

فقال عمر: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، قال له النبي عليه الصلاة والسلام: ((إنه قد شهد بدراً، وما يدريك، لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم)) .

وكان حاطب من أهل بدر رضي الله عنه.

فالمهم أن هذه تخلف عنها كعب، لكنها ليست في أول الأمر، إلا في ثاني الحال؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم لم يخرج لقتال، وإنما خرج للعير، ولكن الله جمع بيته وبين عدوه على غير ميعاد، وكانت غزاة مباركة ولله الحمد. ثم ذكر بيعته النبي صلي الله عليه وسلم ليلة العقبة في مني، حيث بايعوا النبي صلي الله عليه وسلم على الإسلام وقال: إنني لا أحب أن يكون لي بدلها بدر.

يعني هي أحب إليه من غزوة؛ لأنها بيعة عظيمة.

لكن يقول: كانت بدر أذكر في الناس منها، أي أكثر ذكراً، لأن الغزوة اشتهرت بخلاف البيعة.

علي كل حال- رضي الله عنه- يسلي نفسه بأنه إن فاتته بدر فقد حصلت له بيعة العقبة، فرضي الله عن كعب وعن جميع الصحابة.

يقول رضي الله عنه: ((إني لم أكن قط اقوي ولا ايسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة)) - أي: غزوة تبوك- كان قوي البدن، ياسر الحال، حتى إنه كان عنده راحلتان في تلك الغزوة، وما جمع راحلتين في غزوة قبلها أبداً، وقد استعد وتجهز- رضي الله عنه- وكان من عادة النبي صلي الله عليه وسلم أنه إذا أراد غزوة وري بغيرها، أي: أظهر خلاف ما يريد، وهذا من حكمته وحنكته في الحرب، لأن لو أظهر وجهه تبين ذلك لعدوه، فربما يستعد له أكثر، وربما يذهب عن مكانة الذي قصده النبي صلي الله عليه وسلم فيه.

فكان مثلاً إذا أراد أن يخرج إلي الجنوب وري وكأنه يريد أن يخرج إلي الشمال، أو لا أراد أن يخرج إلي الشرق وري وكأنه يريد أن يخرج إلي الغرب حتى لا يطلع العدو على أسراره. إلا في غزوة تبوك، فإن النبي صلي الله عليه وسلم

بين امرها ووضحها وجلاها لأصحابه؛ وذلك لأمور:

أولاً: إنها كانت في شدة الحر حين طابت الثمار، والنفوس مجبولة عللا الركون إلي الكسل وإلي الرخاء.

ثانيا: أن المدى بعيد من المدينة إلي تبوك، ففيها مفاوز ورمال وعطش وشمس.

ثالثاً: أن العدو كثير وهم الروم، اجتمعوا في عدد هائل حسب نا بلغ النبي صلي الله عليه وسلم، فلذلك جلي امرها وأوضح أمر الغزاة، وأخبر أنه خارج إلي المسلمون مع رسول الله صلي الله عليه وسلم ولم يتخلف إلا من خذله الله بالنفاق، وثلاثة رجال فقط هم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، رضي الله عنهم. هؤلاء من المؤمنين الخلص، لكن تخلفوا لأمر أراده الله عز وجل. أما غيرهم ممن تخلف فإنهم منافقون منغمسون في النفاق، نسأل الله العافية. فخرج النبي - عليه الصلاة والسلام- بأصحابه- وهم كثير- إلي جهة تبوك حتى نزل بها، ولكن الله تعالي لم يجمع بينه وبين عدوه، بل بقي عشرين يوماً في ذلك المكان، ثم انصرف علي غير حرب.

يقول كعب بن مالك رضي الله عنه: ((إن الرسول صلي الله عليه وسلم تجهز هو والمسلمون وخرجوا من المدينة.

أما هو - رضي الله عنه- فتأخر وجعل يغدو كل صباح يرحل راحلته ويقول: ألحق بهم، ولكنه لا يفعل شيئاً، ثم يفعل كل يوم، حتى تمادي به الأمر ولم يدرك.

وفي هذا دليل على أن الإنسان إذا لم يبادر بالعمل الصالح فإنه- حري أن يحرم إياه، كما قال الله سبحانه) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (الأنعام: ١١٠) فالإنسان إذا علم الحق ولم يقبله ويذعن له من أول وهلة، فإن ذلك قد يفوته ويحرم إياه- والعياذ بالله- كما أن الإنسان إذا لم يصبر علي المصيبة من أول الأمر فإنه يحرم أجرها، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((إنما الصبر عند الصدمة الأولي)) .

فعليك- يا أخي - أن تبادر بالأعمال الصالحة، ولا تتأخر فتتمادي بك الأيام ثم تعجز وتكسل ويغلب عليك الشيطان والهوى فتتأخر، فها هو- رضي الله عنه- كل يوم يقول: أخرج، ولكن تمادي به الأمر ولم يخرج.

يقول: فكان يحز في نفسه أنه إذا خرج إلي سوق المدينة وإذا المدينة ليس فيها رسول الله صلي الله عليه وسلم ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا السابقون الأولون من المهاجرين والأنصارن إلا رجل مغموس في النفاق- والعياذ بالله- قد غمسه نفاقة فلم يخرج، أو رجل معذور عذره الله عز وجل. فكان يعتب علي نفسه: كيف لا يبقي في المدينة إلا هؤلاء وأقعد معهم. ورسول الله صلي الله عليه وسلم لم يذكره ولم يسأل عنه حتى وصل إلي تبوك.

فبينما هو جالس وأصحابه في تبوك سأل عنه، فقال رسول الله أين

كعب بن مالك؟ فتكلم فيه رجل من بني سلمه وغمزه، ولكن دافع عنه معاذ ابن جبل - رضي الله عنه- فسكت النبي صلي الله عليه وسلم ولم يجب بشيء، لا على الذي غمزه ولا على الذي رد.

فبينما هو كذلك إذ رأي رجلاً مبيضاً، يعنني بياضاً يزول به السراب من بعيد، فقال النبي صلي الله عليه وسلم: ((كن ابا خيثمة الأنصاري)) فكان ابا خيثمة.

وهذا إما من فراسة النبي - عليه الصلاة والسلام- وإما من قوة نظره صلي الله عليه وسلم.

ولا شك انه من أقوي الرجال نظرا وسمعا ونطقا وفي كل شيء.

وأعطي قوة ثلاثين رجلاً بالنسبة للنساء- عليه الصلاة والسلام- وكذلك أعطي قوة في غير ذلك، صلوات ربي وسلامه عليه.

وأبو خثيمة هذا هو الذي تصدق بصاع عندما حث النبي صلي الله عليه وسلم علي الصدقة، فتصدق الناس كل بحسب حاله. فكان الرجل إذا جاء بالصدقة الكثيرة قال المنافقون: هذا مراء ما أكثر الصداقة ابتغاء وجه الله، وإذا جاء الرجل الفقير بالصدقة اليسيرة قالوا: إن الله غني عن صاع هذا.

انظر- والعياذ بالله- يلمزون المؤمنين من هنا ومن هنا، كما قال الله) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ) (التوبة: من الآية٧٩) أي: إذا تصدقوا بما يستطيعون قالوا: إن الله غني عن صاعك.

وهكذا المنافق شر على المسلمين، فإن رأي أهل البخير لمزهمن وإن رأي المقصرين لمزهم، وهو أخبث عباد الله، فهو في الدرك السفل من النار. والمنافقون في زمننا هذا إذا أرادوا أهل الخير وأهل الدعوة وأهل

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قالوا: هؤلاء متزمتون، هؤلاء متشددون، وهؤلاء أصوليون، هؤلاء رجعيون، وما أشبه ذلك من الكلام.

فكل هذا موروث عن المنافقين في عهد الرسول - عليه الصلاة والسلام- إلي يومنا هذا.

لا تقولوا ليس عندنا منافقون ‍بل عندنا منافقون ولهم علامات كثيرة‍‍!!

وقد ذكر ابن القيم- رحمه اله- في كتابه ((مدارج السالكين)) في الجزء الأول صفات كثيرة من صفات المنافقين، كلها مبينة في كتاب الله عز وجل متزمت، هذا بخيل، لله غني عن صدقته. وإذا رأيت رجلاً يلمز المؤمنين من هنا ومن هنا، فاعلم أنه منافق والعياذ بالله) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (التوبة: ٧٩)) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (التوبة: ٧٩)) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (التوبة: ٧٩) فاستفدنا من الحديث فائدتين عظيمتين:

الفائدة الأولي: أن الإنسان لا ينبغي له أن يتأخر عن فعل الخير، بل لابد أن يتقدم ولا يتهاون أو يتكاسل.

وأذكر حديثاً قاله النبي- عليه الصلاة والسلام- في الذين يتقدمون إلي المسجد ولكن لا يتقدمون إلي الصف الأول، بل يكونون في مؤخره. قال ((لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم

الله) .

إذا عود الإنسان نفسه على التأخير آخره الله عز وجل. فبادر بالأعمال الصالحة من حين أن يأتي طلبها من عند الله عز وجل.

الفائدة الثانية: أن المنافقين يلمزون المؤمنين، إن تصدق المسلمون بكثير قالوا: هؤلاء مراؤون، وإن قللوا بحسب طاقتهم قالوا: إن الله غني عن عملك وغني عن صاعك، كما سبق.

وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام: ((من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبه- أي: بما يعادل تمرة- كما يربي أحدكم فلوه- أي مهره: الحصان الصغير - حتى تكون مثل الجبل، وهي تمرة أو ما يعادلها.

بل قال الرسول عليه الصلاة والسلام: ((اتقوا النار ولو بشق تمرة)) ، أي: نصف تمرة، بل قال الله عز وجل:) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ) (وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ) (الزلزلة: ٧/٨) ، والله سبحانه وتعالي لا يضيع أجر المحسنين.

يقول رضي الله عنه: إنه لما بلغه أن النبي صلي الله عليه وسلم رجع قافلاً من الغزو، بدأ يفكر ماذا يقول لرسول الله صلي الله عليه وسلم إذا رجع؟ يريد أن يتحدث بحديث وإن كان كذباَ، من أجل أن يعذره النبي صلي الله عليه وسلم فيه، وجعل يشاور ذوي الرأي من أهله ماذا يقول، ولكن يقول رضي الله عنه: فلما بلغ من الباطل، وعزم على أن يبين للنبي صلي الله عليه وسلم الحق، يقول: فقدم النبي صلي الله عليه وسلم المدينة ودخل المسجد، وكان من عادته وسنته أنه إذا قدم بلده فأول ما يفعل أن يصلي في المسجد عليه الصلاة والسلام، وهكذا أمر جابراً-رضي الله عنه- كما سأذكره إن شاء الله، فدخل المسجد وصلي وجلس للناس فجاءه المخلفون الذين تخلفوا من غير عذر من المنافقين، وجعلوا يحلفون له إنهم معذورون، فبايعهم ويستغفر لهم ولكن ذلك لا يفيدهم والعياذ بالله؛ لأن الله قال:) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) (التوبة: من الآية٨٠) ، فيقول: أما أنا فعزمت أن اصدق النبي - عليه الصلاة والسلام_ وأخبره بالصدق، فدخلت المسجد فسلمت عليه، فتبسم تبسم المغضب- أي:

الذي غير راض عني- ثم قال: ((تعال)) فلما دنوت منه قال لي: ((ما خلفك؟)) .

فقال رضي الله عنه: يا رسول الله إني لم أتخلف لعذر، وما جمعت راحلتين قبل غزوتي هذه، وإني لو جلست عند أحد من ملوك الدنيا لخرجت منه بعذر، فلقد أوتيت جدلاً- يعني لو أني جلست عند شخص من الملوك لعرفت كيف أتخلص منه لأن الله أعطاني جدلاً- ولكني لا

أحدثك اليوم حديثا ترضي به عني فيوشك أن يسخط الله على في ذلك. رضي الله عنه.

انظر إلي الإيمان! قال: لا يمكن أن أحدثك بالكذب، ولو حدثتك بالكذب، ورضيت عني اليوم، فإنه يوشك أن يسخط الله علي.

فأخبر النبي صلي الله عليه وسلم بالصدق، فأجله.

وفي هذا من الفوائد:

أولاً: أن الله سبحانه وتعالي قد يمن على العبد فيعصمه من المعصية إذا علم من قلبه حسن النية.

فإن كعبا- رضي الله عنه- لما هم أن يزور على الرسول - عليه الصلاة والسلام- جلي الله ذلك عن قلبه وأزاحه عن قلبه، وعزم على ان يصدق النبي عليه الصلاة والسلام.

ثانياً: أنه ينبغي للإنسان إذا قدم بلده، أن يعمد إلي المسجد قبل أن يدخل إلي بيته فيصلي فيه ركعتين، لأن هذه سنة النبي- عليه الصلاة والسلام- القولية والفعلية. أما الفعلية: فكما في حديث كعب بن مالك.

وأما القولية: فإن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما- حين باع علي النبي صلي الله عليه وسلم جملة في أثناء الطريق واستثني أن يركبه إلي المدينة وأعطاه النبي صلي الله عليه وسلم شرطه، فقدم جابر المدينة وقد قدم النبي صلي الله عليه وسلم قبله فجاء إلي رسول الله

فأمره أن يدخل المسجد ويصلي ركعتين.

وما أظن أحداً من الناس اليوم- إلا قليلاً - يعمل هذه السنة، وهذا لجهل الناس بهذا، وإلا فهو سهل والحمد لله.

وسواء صليت في مسجدك الذي كنت تصلي فيه القريب من بيتك، أو صليت في أدني مسجد من مساجد البلد الذي أنت فيه حصلت السنة.

ثالثاً: أن كعب بن مالك- رضي الله عنه - رجل قوي الحجة فصيح، ولكن لتقواه وخوفه من الله امتنع أن يكذب، وأخبر النبي صلي الله عليه وسلم الحق.

رابعاً: أن الإنسان المغضب قد يتسم، فإذا قال قائل: كيف أعرف أن هذا تبسم رضا أو تبسم سخط؟

قلنا: إن هذا يعرف بالقرائن، كتلون الوجه وتغيره.

فالإنسان يعرف أن هذا الرجل تبسم رضا بما صنع أو تبسم سخطاً عليه.

خامساً: أنه يجوز للإنسان أن يسلم قائماً علي القاعد؛ لأن كعبا سلم وهو قائم، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: ((تعال)) .

سادساً: أن الكلام عن قرب أبلغ من الكلام عن بعد، فإنه كان بإمكان الرسول صلي الله عليه وسلم أن يكلم كعب بن مالك ولو كان بعيداً عنه، لكنه أمره أن يدنو

منه؛ لأن هذا أبلغ في الأخذ والرد والمعاتبة، فلذلك قال له الرسول عليه الصلاة والسلام: ((ادن)) .

سابعاً: كمال يقين كعب بن مالك- رضي الله عنه- حيث أنه قال: أنني أستطيع أن اخرج بعذر من الرسول - عليه الصلاة والسلام- ولكن لا يمكن أن أخرج منه بعذر يعذرني فيه اليوم ثم يغضب الله على فيه غداً.

ثامناً: إن الله يعلم السر وأخفي، فإن كعباً خاف أن يسمع الله قوله ومحاورته للرسول- عليه الصلاة والسلام- فينزل الله فيه قرآناً، كما أنزل في قصة المرأة المجادلة التي جاءت إلي الرسول - عليه الصلاة والسلام- تشكو زوجها حين ظاهر منها، فأنزل الله فيها آية من القرآن:) قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (المجادلة: ١) .

يقول كعب: إنه أتي إلي الرسول صلي الله عليه وسلم وصدقه القول وأخبره أنه لا عذر له لا في بدنه ولا في ماله، بل إنه لم يجمع راحلتين في غزوة قبل هذه.

فقال النبي صلي الله عليه وسلم: ((أما هذا فقد صدق)) ويكفي له فخراً أن وصفه النبي - عليه الصلاة والسلام- بالصدق: ((أما هذا فقد صدق، فاذهب حتى يقضي الله فيك ما شاء)) . فذهب الرجل مستسلماً لأمر الله عز وجل مؤمناً بالله، وأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.

فلحقه قوم من بني سلمه من قومه وجعلوا يزينون له أن يرجع عن إقراره، وقالوا له: إنك لم تذنب ذنباً قبل هذا، يعني مما تخلفت به عن رسول الله صلي الله عليه وسلم ويكفيك أن ستغفر لك رسول الله صلي الله عليه وسلم وإذا استغفر لك

الرسول صلي الله عليه وسلم غفر الله لك، فارجع كذب نفسك، قل إني معذور، حتى يستغفر لك الرسول - عليه الصلاة والسلام- فيمن استغفر لهم ممن جاؤوا يعتذرون إليه. فهم أن يفعل رضي الله عنه، ولكن الله سبحانه أنقذه وكتب له هذه المنقبة العظيمة التي تتلي في كتاب الله إلي يوم القيامة.

فسال قونه: هل أحد صنع مثلما صنعت؟ قالوا: نعم، هلال بن أمية ومرارة بن الربيع، قالا مثلما قلت، وقيل لهما مثلما قيل لك.

يقول: ((فذكروا لي رجلين صالحين شهدا بدراً لي فيهما أسوة)) .

أحياناً يقيض الله للإنسان ما يجعله يدع الشر اقتداء بغيره وتأسياً به.

فهو- رضي الله عنه- لما ذكر له هذان الرجلان- وهما من خيار عباد الله من الذين شهدوا بدراً - فقال: ((لي فيهما أسوة فمضيت)) أي: لم يرجع إلي النبي عليه الصلاة والسلام.

فأمر النبي - عليه الصلاة والسلام- الناس أن يهجروهم فلا يكلموهم.

فهجرهم المسلمون، ولكنهم بعد ذلك صاروا يمشون وكأنهم بلا عقول، قد ذهلوا، وتنكرت لهم الأرض فما هي بالأرض التي كانوا يعرفونها؛ لأنهم يمشون إن سلموا لا يرد عليهم السلام، وإن قابلهم أحد لم يبدأهم بالسلام. وحتى النبي- عليه الصلاة والسلام- وهو أحسن الناس خلقاً- لا يسلم عليهم السلام العادي.

يقول كعب: كنت أحضر واسلم على النبي صلي الله عليه وسلم فلا أدري: أحرك شفتيه برد السلام أم لا.

هذا وهو النبي عليه الصلاة والسلام، وما ظنك برجل يهجر في هذا

المجتمع الإسلامي الذي هو خير القرون؟ إنها ستضيق عليه الأرض، وفعلاً ضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه، وبقوا علي هذه الحال مدة خمسين يوماً، أي: شهراً كاملاً وعشرين يوماً. والناس قد هجروهم فلا يسلمون عليهم. ولا يردون السلام إذا سلموا. وكأنهم في الناس لإبل جرب لا يقربهم أحد.

فضاقت عليهم الأمور وصعبت عليهم الأحوال، وفروا إلي الله عز وجل، ولكن مع ذلك لم يكن كعب بن مالك يدع الصلاة مع الجماعة.

فكان يحضر ويسلم على تانبي - عليه الصلاة والسلام- ولكن في آخر الأمر ربما يتخلف عن الصلوات لما يجد في نفسه من الضيق والحرج؛ لأنه يخجل أن يأتي إلي قوم يصلي معهم وهم لا يكلمونه أبداً، لا بكلمة طيبة ولا بكلمة تأنيب، فتركوهم بالكلية، فضاقت عليهم الأرض، وبقوا علي هذه الحالة خمسين ليلة تامة، ولما تمت لهم أربعون ليلة أرسل إليهم النبي- عليه الصلاة والسلام- أن يعتزلوا نساءهم. إلي هذا الحد، فرق بينهم وبين نسائهم.

وما ظنك برجل مثل كعب بن مالك وهو شاب يعزل عن امرأته؟ أمر عظيم،: ((إن النبي صلي الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك)) قال: أطلقها أم ماذا؟ لأنه لو قال طلقها لطلقها بكل سهولة؛ طاعة الله ورسوله، فسأل قال: أطلقها أم ماذا؟ فقال له رسول الرسول: إن الرسول - عليه الصلاة والسلام- يأمرك ان تعتزل أهلك. وبقي على ظاهر اللفظ. حتى الصحابي الذي أرسل ما

حرف النص، لا معني ولا لفظاً، قال هكذا، قال: ولا أدري.

وهذا من أدب الصحابة رضي الله عنهم، ما قال: أظن أنه يريد أن تطلقها، ولا: أظن انه يريد أن لا تطلقها! ما قال شيئاً، بل قال: إن النبي صلي الله عليه وسلم قال هذا. فقال كعب لزوجته الحقي بأهلك. فلحقت بأهلها.

((فأما صاحباي فاستكانا في بيوتهما يبكيان)) لأنهما لا يستطيعان أن يمشيا في السواق، والناس قد هجروهم لا يلتفت إليهم أحد، ولا يسلم عليهم أحد، وإذا سلموا لا يرد عليهم السلام، فعجزوا عن تحمل هذه الحال، فبقيا في بيوتهما يبكيان.

يقول: ((وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم)) اشبهم: أقواهم واجلدهم: أصبرهم. لأنه أشب منهم أصغر منهم سناً، فكان يشهد صلاة الجماعة مع المسلمين، ويطوف بأسواق المدينة لا يكلمه أحد، لا يكلمه أحد؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم أمر بهجرهم، وكان الصحابة- رضي الله عنهم- أطوع الناس لرسول الله صلي الله عليه وسلم.

يقول: ((وكنت آتي المسجد فاصلي واسلم على النبي صلي الله عليه وسلم وهو جالس للناس بعد الصلاة فأقول: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا)) .

أي: ما يرد عليه رداً يسمع، هذا مع أن النبي صلي الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً، ولكن امتثالاً لما أوحي الله إليه أن يهجر هؤلاء القوم هجرهم.

ويقول: كنت اصلي واسارق النبي صلي الله عليه وسلم النظر، يعني: أنظر إليه أحياناً وأنا اصلي، فإذا قبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت إليه أعرض عني.

كل هذا من شدة الهجر.

يقول: ((فبينما أنا أمشي ذات يوم في أسواق المدينة وطال على جفوة الناس، تسورت حائطاً لأبي قتادة رضي الله عنه)) تسوره: دخله من فوق الجدار من دون الباب، وكأن الباب مغلق. والعلم عند الله.

يقول: ((فسلمت عليه، فوالله ما رد على السلام)) وهو ابن عمه وأحب الناس إليه، ومع ذلك لم يرد عليه السلام، مع أن الرجل كان مجفيا من الناس منبوذاً، لا يكلم ولا يسلم عليه ولا يرد عليه السلام، ومع ذلك لم يعطف عليه ابن عمه أبو قتادة.

كل هذا طاعة لله ورسوله؛ لأن الصحابة - رضي الله عنهم- لا تأخذهم في الله لومة لائم ولا يحابون أحداً في دين الله ولو كان أقرب الناس إليهم، فقال له: أنشدك الله، هل تعلم أني احب الله ورسوله؟ فلم يرد عليه.

مرتين يناشده مناشدة هل يعلم أنه يحب الله ورسوله أم لا؟ وأبوقتادة يدري، ويعلم أن كعب بن مالك يحب الله ورسوله.

فلما رد عليه الثالثة وقال: أنشدك الله هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟

فقال: الله ورسوله أعلم.

لم يكلمه، فلم يقل: نعم؟ ولا قال: لا.

يقول: ففاضت عيناي، أي: بكي- رضي الله عنه- أن رجلاً- ابن عمه- أحب الناس إليه لا يكلمه مع هذه المناشدة العظيمة.

مع أنها- أيضاً- مسالة تعبديه، لأن قوله أنشدك الله هل تعلم أني أحب

الله ورسوله؟ طلب شهادة، ومع ذلك لم يشهد له، مع أنه يعلم أنه يحب الله ورسوله؛ ففاضت عيناه.

وتسور البستان أي: خرج إلي السوق، فبينما هو يمشي إذا برجل نبطي من أنباط الشام- والنبطي الذي ليس بعربي ولا بعجمي، وسموا بذلك لأنهم كانوا يخرجون في البراري يستنبطون الماء- يقول: من يدلني على كعب بن مالك!

انظر إلي أهل الشر ينتهزون الفرص!

فعندما قال: من يدلني علي كعب بن مالك؟ قلت: أنا هو، فأعطاني الورقة، وكنت كاتباً؛ لأن الكتاب في ذلك العهد قليلون جداً.

يقول: ((فقرأت الكتاب، فإذا فيه: أما بعد، فقد بلغنا أن صاحبك جفاك- يعني الرسول عليه الصلاة والسلام، وكان هذا الملك: ملك غسان كافراً-وإنك لست بدار هوان ولا مضيعة، يعني: تعال إلينا نواسك بأموالنا، وربما نواسيك بملكنا.

ولكن الرجل رجل مؤمن بالله تعالي ورسوله، ومحب لله ورسوله صلي الله عليه وسلم.

قال: وهذه من البلاء، يعني: هذا من الامتحان. وصد رضي الله عنه، رجل مجفو لا يكلم، مهجور منبوذ حتى من أقرب الناس إليه، لو كان في قلبه ضعف إيمان لا نتهز الفرصة بدعوة هذا الملك وذهب إليه، لكن عنده إيمان راسخ.

يقول: قلت: هذه من البلاء. ثم ذهب إلي التنور فسجره فيه: يعني أوقدها بالتنور.

وإنما أوقدها في التنور ولم يجعلها معه لئلا توسوس له نفسه بعد لك ان يذهب إلي هذا الملك، فأتلفها حتى ييأس منها ولا يحاول ان يجعلها حجة يذهب بها إلي هذا الملك. ثم بقي علي ذلك مدة.

ففي هذه القطعة من الحديث: دليل على جواز التخلف عن الجماعة إذا كان الإنسان مهجوراً منبوذا وعجزت نفسه أن تتحمل هذا كما فعل صاحبا كعب بن مالك رضي الله عنهم.

لأنه لا شك أنه من الضيق والحرج أن يأتي الإنسان إلي المسجد مع الجماعة لا يسلم عليه، ولا يرد سلامه، ومهجور ومنبوذ، هذا تضيق به نفسه ذرعاً ولا يستطيع، وهذا عذر كما قاله العلماء.

ومن فوائد هذا الحديث: شدة امتثال الصحابة لأمر النبي صلي الله عليه وسلم ودليل ذلك ما جري لأبي قتادة - رضي الله عنه- مع كعب بن مالك رضي الله عنه.

ومن فوائد هذا الحديث: أنه يجب التحرز من أصحاب الشر وأهل السوء الذين ينتهزون الضعف في الإنسان والفرص في إضاعته وهلاكه.

فإن هذا الملك- ملك غسان- انتهز الفرصة في كعب بن مالك- رضي الله عنه- يدعوه إلي الضلال لعله يرجع عن دينه إلي دين هذا الملك بسبب هذا الضيق.

ومن فوائد الحديث: قوة كعب بن مالك- رضي الله عنه- في دين الله وأنه من المؤمنين الخلص، وليس ممن قال الله فيهم) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ

آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ) (العنكبوت: من الآية١٠) ، فبعض الناس- والعياذ بالله- يقول: آمنا بالله، ولكن إيمانه ضعيف، إذا أوذي في الله ارتد- والعياذ بالله- وفسق وترك الطاعة، وكعب بن مالك رضي الله عنه أوذي في الله إيذاء أيما أيما أيذاء، لكنه صبر واحتسب وانتظر الفرج، ففرج الله له تفريجاً لم يكن لأحد غيره وصاحبيه، أنزل الله فيهم ثناء عليهم آيات تتلي إلي يوم القيامة.

نحن نقرأ قصتهم في القرآن في صلاتنا! وهذا فضل عظيم النبي صلي الله عليه وسلم قصتهم تقرأ في الصلاة، في الصلوات الخمس، في صلاة النافلة، سرا وعلنا.

ومن فوائد هذا الحديث أيضاً: أنه ينبغي للإنسان إذا رأي فتنة أو خوف فتنة أن يتلف هذا الذي يكون سبباً لفتنة.

فإن كعباً لما خاف على نفسه أن تميل فيما بعد إلي هذا الملك ويتخذ هذه الورقة وثيقة، حرقها رضي الله عنه.

ومن ذلك: - أيضاً ما جري لسيلمان بن داود- عليهما الصلاة والسلام- حينما عرضت عليه الخيل الصافنات الجياد في وقت العصر، فغفل وذهل- بما عرض عليه- عن الصلاة حتى غابت الشمس، فلما غابت الشمس وهو لم يصل العصر دعا بهذه الخيل الصافنات الجياد فجعل يضرب أعناقها وسوقها، يعني: جعل يقتلها ويعقرها انتقاماً من نفسه لنفسه، لأنه انتقم من نفسه التي لهت بهذه الصافنات الجياد عن ذكر الله) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) (صّ: ٣٢)) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) (صّ: ٣٢)) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ) (رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ) (صّ: ٣٢/٣٣) . فالمهم أنك إذا رأيت شيئاً من

مالك يصدك عن ذكر الله فأبعده عنك بأي وسيله تكون، حتى لا يكون سبباً لإلهائك عن ذكر الله.

فإن الذي يلهي عن ذكر الله خسارة، كما قال تعالي:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (المنافقون: ٩) .

يقول رضي الله عنه: ((فلما تمت لنا أربعون ليلة)) يعني شهر وعشرة أيام، وكان الوحي قد استلبث فلم ينزل كل هذه المدة، وهذه من حكمة الله عز وجل في الأمور الكبيرة العظيمة، يستلبث الوحي ولا ينزل، كما في هذه القصة، وكما في قصة الإفك حين انقطع الوحي عن رسول الله صلي الله عليه وسلم.

وهذا من حكمة الله عز وجل حتى يتشوف الناس غلي الوحي ويتشوفوا إليه: ماذا سينزل رب العالمين عز وجل؟ فبقي الوحي أربعين ليلة ما نزل، فلما تمت أربعون ليلة أرسل النبي صلي الله عليه وسلم إلي كعب وصاحبيه هلال بن أمية ومرارة بن الربيع - رضي الله عنهم- أن يعتزلوا نساءهم.

وجاءت زوجة هلال بن أمية إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم وأخبرته بأنه في حاجة إليها لتخدمه؛ لأنه ليس له خادم، فأذن لها النبي صلي الله عليه وسلم بشرط أن لا يقربها، فقالت: ((إنه والله ما به من حركة إلي شيء)) يعني أنه ليس له شهوة في النساء، وأنه يبكي- رضي الله عنه- منذ أمر النبي صلي الله عليه وسلم بهجرهم إلي يومه هذا، أربعون يوماً يبكي؛ لأنه ما يدري ماذا تكون النهاية.

يقول رضي الله عنه: ((فلما مضي عشر ليال بعد هذا، وكنت ذات يوم اصلي الصبح على سطح بيت من بيوتنا)) لأنه كما مر كانوا- رضي الله عنهم-

قد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، واستنكروا الأرض، واستنكروا الناس، يأتون إلي المسجد لا يكلمهم أحد، وإن سلموا لم يرد عليهم، وإن مر بهم أحد لم يسلم عليهم، ضاقت عليهم الأرض. فصار ذات يوم يصلي الصبح في بيته على سطحه. يقول: ((فسمعت صارخاً يقول وهو على سلع- وهو جبل معروف في المدينة- أوفي عليه وصاح بأعلى صوته يقول: ((يا كعب بن مالك أشر يا كعب بن مالك)) !

يقول: ((فخررت ساجداً، وعرفت أنه قد جاء فرج)) وركب فارس من المسجد يؤم كعب بن مالك ليبشره، وذهب مبشرون غلي هلال بن أمية ومرارة بن الربيع يبشرونها بتوبة الله عليهما. فأنظر إلي فرح المسلمين بعضهم مع بعض، كل يذهب يسعي ويركض من جهة.

يقول: فجاء الصارخ، وجاء صاحب الفرس، فكانت البشري للصارخ؛ لأن الصوت أسرع من الفرس، يقول: فأعطيته ثوبي الإزار والرداء، وليس يملك غيرهما، لكن استعار من أهله أو من جيرانه ثوبين فلبسهما، وأعطي ثوبيه هذا الذي بشره.

أعطاه كل ما يملك، لا يملك غير الثوبين. لكنها والله بشري عظيمة، بشري من الله سبحانه وتعالي عظيمة، أن ينزل الله توبتهم ويمن عليهم بالتوبة.

ثم نزل متوجها إلي الرسول صلي الله عليه وسلم في المسجد، وإذا رسول الله صلي الله عليه وسلم وجزاه الله عن أمته خيراً- قد بشر الناس بعد صلاة الصبح بأن الله أنزل توبته

علي هؤلاء الثلاثة؛ لأنه يحب من أصحابه وأمته ان يتوبوا ويرجعوا إلي الله.

يقول: فذهبت أتأمم رسول الله صلي الله عليه وسلم يعني أقصده، فجعل الناس يلاقونني أفواجاً، يعني جماعات، يهنئونه بتوبة الله عليه. رضي الله عنه.

هؤلاء القوم يحبون لإخوانهم ما يحبون لأنفسهم، فلم يحسدوهم على ما أنعم اله به عليهم من إنزال القرآن العظيم بتوبتهم، بل جعلوا يهنئونهم حتى دخل المسجد.

وفي هذه القطعة من الحديث فوائد:

أولاً: شدة هجر النبي - عليه الصلاة والسلام- لهؤلاء الثلاثة، حتى إنه أمرهم أن يعتزلوا نساءهم، والتفريق بين الرجل وامرأته أمره عظيم.

ثانياً: وفيه أن أقول الرجل لامرأته: الحقي بأهلك؛ ليس بطلاق، لأن كعب بن مالك- رضي الله عنه- فرق بين قوله: ألحقي بأهلك، وبين الطلاق، فإذا قال الرجل لامرأته الحقي بأهلك ولم ينو الطلاق، فليس بطلاق.

أما إذا نوي الطلاق فإن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (٠ إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امريء ما نوي...)) الحديث.

فإذا نوي الإنسان بهذه الكلمة وأمثالها الطلاق فله ما نوي.

ثالثاً: شدة امتثال الصحابة- رضي الله عنهم- لأمر النبي صلي الله عليه وسلم لأنه- رضي الله عنه- ما تردد، ولا قال: لعلي أراجع الرسول عليه الصلاة والسلام، أو قال للرسول الذي أرسله النبي صلي الله عليه وسلم: ارجع إليه لعله يسمح،

بل وافق بكل شيء.

رابعاً: أن النبي صلي الله عليه وسلم كان رحيما بأمته، فإنه بعد ان أمرهم باعتزال النساء رخص لهلال بن أمية، لأنه يحتاج لخدمة امرأته.

خامساً: جواز حكاية الحال عند الاستفتاء أو الشهادة أو ما أشبه ذلك، وإن كان المحكي عنه قد لا يحب أن يطلع عليه الناس، لأن امرأة هلال بن أمية ذكرت من حاله أنه ليس فيه حاجة إلي شيء من النساء.

سادساً: أن الإنسان إذا حصل له مثل هذه الحال وهجره الناس، وصار يتأذي من مشاهدتهم ولا يتحمل، فإنه له أن يتخلف عن صلاة الجماعة، وإن هذا عذر؛ لأنه إذا جاء إلي المسجد في هذه الحال سوف يكون متشوشاً غير مطمئن في صلاته؛ ولهذا صلي كعب بن مالك- رضي الله عنه- صلاة الفجر على ظهر بيت من بيوته، وسبق لنا ذكر هذه الفائدة في قصة هلال بن أمية ومرارة بن الربيع.

سابعاً: حرص الصحابة - رضي الله عنهم- علي التسابق إلي لبشرى؛ لأن البشري فيها إدخال السرور على المسلم. وإدخال السرور على المسلم مما يقرب إلي الله عز وجل؛ لأنه إحسان والله- سبحانه وتعالي- يحب المحسنين ولا يضيع أجرهم.

فلذلك ينبغي لك إذا رأيت من أخيك شيئا يسره، كأن يكون خبراً ساراً أو رؤيا سارة أو ما أشبه ذلك، أن تبشره بذلك، لأنك تدخل السرور عليه.

ثامناً: أنه ينبغي مكافأة من بشرك بهديه تكون مناسبة للحال، لأن كعب بن مالك- رضي الله عنه- أعطي الذي بشره ثوبيه، وهذا نظير ما صح

به الخبر عن عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما- وكان يأمر الناس إذا حجوا أن يتمتعوا بالعمرة إلي الحج، يعني ان يأتوا بالعمرة ويحلوا منها ثم يحرموا بالحج في يوم التروية، وكان عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- ينهي عن المتعة؛ لأنه يحب ان يعتمر الناس في وقت، وأن يحجوا في وقت، حتى يكون البيت دائماً معموراً بالزوار، ما بين معتمرين وحجاج، فعل هذا اجتهاداً منه- رضي الله عنه- وهو من الاجتهاد المغفور، وإلا فلا شك أن سنة الرسول - عليه الصلاة والسلام - أولي.

المهم أن رجلاً استفتي عبد الله بن عباس في هذه المسألة، فأمره أن يتمتع وأن يحرم بالعمرة ويحل منها.

فرأي هذا الرجل في المنام شخصا يقول له: حج مبرور وعمرة متقبلة، فأخبر بذلك عبد الله بن عباس الذي أفتاه، ففرح بذاك ابن عباس وأمره أن يبقي حتى يعطيه من عطائه، يعني يعطيه هديه على ما بشره به من هذه الريا التي تدل على صواب ما أفتاه به عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.

والمهم أن من بشرك بشيء فأقل الأحوال أن تدعو له بالبشارة، أو تهدي له ما تيسر، وكل إنسان بقدر حالة.

يقول رضي الله عنه: حتى دخلت المسجد وإذا رسول الله صلي الله عليه وسلم جالس وحوله أصحابه، فقام إلي كعب طلحة بن عبيد الله - رضي الله عنه- فصاحفه وهناه بتوبة الله عليه.

يقول: والله ما قام إلي أحد من المهاجرين رجل غير طلحة، فكان لا

ينساها له، حيث قام ولاقاه وصافحه وهنأه، حتى وقف على النبي صلي الله عليه وسلم وإذا وجهه تبرق أساريره؛ لأنه- عليه الصلاة والسلام- سره أن يتوب الله على هؤلاء الثلاثة الذين صدقوا الله ورسوله، وأخبروا بالصدق عن إيمان، وحصل عليهم ما جري من الأمر العظيم، من هجر الناس لهم خمسين يوماً، حتى نسائهم بعد الأربعين أمر الرسول- عليه الصلاة والسلام- أن يعتزلوهن.

ثم قال له النبي صلي الله عليه وسلم: ((أبشر بخير يوم مر عليك مذ ولدتك أمك)) .

وصدق النبي صلي الله عليه وسلم خير يوم مر على كعب منذ ولدته أمه هو ذلك اليوم، لأن الله أنزل توبته عليه وعلي صاحبيه في قرآن يتلي، تكلم به رب العالمين عز وجل وأنزله على محمد صلي الله عليه وسلم محفوظاً بواسطة جبريل، ومحفوظا إلي يوم القيامة، ولا يوجد أحد سوى الأنبياء أو من ذكرهم الله في القرآن حفظت قصته كما حفظت قصة كعب بن مالك وصاحبيه رضي الله عنهم.

بقيت هذه القصة تتلي في كتاب في المحاريب وعلى المنابر وفي كل مكان، ومن قرأ هذه القصة فله بكل حرف عشر حسنات، فهذا اليوم لا شك أنه خير يوم مر على كعب منذ ولدته أمه.

فقال كعب: إن من توبتي أن انخلع من مالي صدقة إلي الله وإلي رسوله، أي: يتخلي عنه ويجعله صدقة إلي الله ورسوله شأنه وتدبيره. فقال النبي صلي الله عليه وسلم: ((أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك)) فأمسكه رضي

الله عنه.

ففي هذه القطعة من الحديث فوائد:

أولاً: فيها دليل على أن من السنة إذا أتي الإنسان ما يسره ان يهنأ به ويبشره به، سواء كان خير دين أو خير دنيا.

ولهذا بشرت الملائكة إبراهيم عليه السلام بغلام حليم وبغلام عليم، الغلام الحليم: إسماعيل. والغلام العليم: إسحاق. بشرت الملائكة إبراهيم بهذين الغلامين.

ثانياً: إنه لا بأس بالقيام إلي الرجل لمصافتحه وتهنئته بما يسره.

والقيام إلي الرجل لا باس به قد جاءت به السنة، وكذلك القيام للرجل وأنت باق في مكانك لا تتحرك إليه، فهذا أيضاً لا بأس به إذا أعتاده الناس، لأنه لم يرد النهي عنه؛ وإنما النهي والتحذير من الذي يقام له لا من القائم، فإن من يقام له قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: ((من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوا مقعده من النار)) .

قال أهل العلم: والقيام ثلاثة أقسام:

الأول: قيام إلي الرجل.

الثاني: قيام للرجل.

والثالث: قيام على الرجل.

فالقيام إلي الرجل: لا باس به، وقد جاءت به السنة أمرا وإقراراً وفعلاً أيضاً.

أما الأمر: فإن النبي صلي الله عليه وسلم لما أقبل سعد بن معاذ رضي الله عنه عند تحكيمه في بني قريظة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((قوموا إلي سيدكم)) وكان سعد بن معاذ رضي الله عنه قد أصيب في غزوة الأحزاب في أكحله، والأكحل عرق في الإبهام إذا انفجر مات الإنسان، أصيب به-رضي الله عنه- فدعا الله أن لا يميته حتى يقر عينه في بني قريظة، وكانوا حلفاء للأوس، وخانوا عهد النبي - عليه الصلاة والسلام- وصاروا مع الأحزاب على رسول الله صلي الله عليه وسلم. فلما طعن سعد قال: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني ببني قريظة، وكان من علو منزلته عند رسول الله صلي الله عليه وسلم أن أمر النبي صلي الله عليه وسلم أن يضرب له خباء في المسجد- أي خيمة صغيرة- لأجل أن يعوده من قريب فكان يعوده من قريب.

ولما حصلت غزوة بني قريظة ورضوا أن يحكم فيهم سعد بن معاذ، أمر النبي صلي الله عليه وسلم أن يحضر سعد إلي بني قريظة، فجاء راكبا على حمار؛ لأنه قد أنهكه الجرح، فلما أقبل قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((قوموا إلي سيدكم)) فقاموا فأنزلوه، فقال النبي- عليه الصلاة والسلام - له: إن هؤلاء

- يعني اليهود- من بني قريظة حكموك. فقال رضي الله عنه: حكمي نافذ فيهم؟

قال نعم! وأقروا هم به، وقالوا: نعم حكمك نافذ، قال: وفيمن ها هنا - يشير إلي الرسول- عليه الصلاة والسلام- والصحابة - قالوا: نعم، فقال: أحكم فيهم أن تقتل مقاتلهم، وتسبي ذريتهم ونساؤهم، وتغنم أموالهم، حكم صارم، قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات)) رضي الله عنه.

فنفذ النبي صلي الله عليه وسلم حكمه، وقتل منهم سبعمائة رجل، وسبي نساءهم وذرياتهم، وغنم أموالهم.

الشاهد قوله: ((قوموا إلي سيدكم)) هذا فعل أمر، ولما دخل كعب ابن مالك المسجد قام إليه طلحة بن عبيد الله والنبي صلي الله عليه وسلم يشاهد ولم ينكر عليه.

ولما قدم وفد ثقيف إلي الرسول- عليه الصلاة والسلام- بالجعرانة بعد الغزوة قام لهم- أو قام إليهم - عليه الصلاة والسلام، فالقيام إلي الجل لا بأس به.

الثاني: القيام للرجل: وهذا أيضا لا بأس به، لا سيما إذا اعتاد الناس ذلك وصار الداخل إذا لم تقم له يعد ذلك امتهاناً له، فإن ذلك لا بأس به، وإن كان الأولي تركه كما في السنة، لكن إذا عتاده الناس فلا حرج فيه.

الثالث: القيام عليه: كأن يكون جالساً، ويقوم واحد على رأسه تعظيما له، فهذا منهي عنه.

قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضا)) .

حتى إنه في الصلاة إذا صار الإمام لا يستطيع القيام وصلي جالسا فإن المأموين يصلون جلوسا، ولو كانوا يقدرون على القيام، لئلا يشبهوا الأعاجم الذين يقومون على ملوكهم)) .

فالقيام على الرجل منهي عنه، اللهم إلا إذا دعت الحاجة إلي ذلك، كأن يخاف على الرجل أن يتعدي عليه أحد فلا بأس أن يقوم عليه القائم، وكذلك إذا قام عليه الرجل إكراماً له في حال يقصد فيه إكرامه وإهانة وكذلك إذا قام عليه الرجل إكراماً له في حال يقصد إكرامه وإهانة العدو، مثل ما حصل من المغيرة بن شعبة- رضي الله عنه- في صلح الحديبية حينما كانت قريش تراسل النبي صلي الله عليه وسلم للمفاوضة فيما بينهم، كان المغيرة بن شعبة- رضي الله عنه- واقفا على رأس رسول الله وبيده السيف تعظيماً لرسول الله صلي الله عليه وسلم وإهانة لرسل الكفار الذين يأتون للمفاوضة.

وفي هذا دليل على أنه ينبغي لنا- نحن المسلمين- أن نغيظ الكفار بالقول وبالفعل؛ لأنا هكذا أمرنا، قال الله سبحانه:) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) (التوبة: من الآية٧٣) وقال الله تعالي:) وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ) (التوبة: من الآية١٢٠) ، ومن المؤسف أن منا من يدخل عليهم السرور والفرح، وربما يشاركهم في أعيادهم الكفرية التي لا يرضاها الله بل يسخط عليها، والتي يخشي أن ينزل العذاب عليهم وهم يلعبون بهذه الأعياد. يوجد من الناس - والعياذ بالله من لا قدر للدين عنده، كما قال ابن القيم-رحمه الله- في كتابه ((أحكام أهل الذمة)) : ((من ليس عنده قدر للدين يشاركهم في الأعياد ويهنئهم)) . وكيف يدخل السرور على أعداء الله وأعدائك؟! ادخل عليهم ما يحزنهم ويغيظهم ويدخل عليهم أشد ما يكون من الضيق، هكذا أمرنا؛ لأنهم أعداء لنا وأعداء لله ولدينه وللملائكة والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

المهم أن المغيرة بن شعبة وقف على رأس رسول الله صلي الله عليه وسلم وبيده السيف تعظيماً له حتى إنه في أثناء تلك المراسلة فعل الصحابة شيئا لا يفعلونه في العادة، كان عليه الصلاة والسلام إذا تنخم نخامته تلقوا نخامته بأيديهم بالراحة، ثم يمسحون بها وجوههم وصدوره مع إنهم ما كانوا يفعلون هذا، لكن لأجل إذا ذهب رسول الكفار بين لهم حال الصحابة- رضي الله عنهم- مع نبيهم عليه الصلاة والسلام.

ولذلك لما رجع رسول قريش إلي قريش قال: والله لقد دخلت على

الملوك وكسري وقيصر والنجاشي فلم أر أحداً يعظمه أصحابه مثلما يعظم أصحاب محمد محمداً، رضي الله عنهم وأرضاهم، وجزاهم الله عنا خيراً.

المهم أن القيام على الرجل إذا كان المقصود به حفظ الرجل، أو كان المقصود به إغاظة العدو، فإن هذا لا باس به ولا حرج فيهن وإلا فهو منهي عنه.

ثالثاً: إن من أنعم الله عليه بنعمة فإن من السنة ان يتصدق بشيء من ماله، فإن النبي صلي الله عليه وسلم أقر كعب بن مالك على أن يتصدق بشيء من ماله توبة إلي الله عز وجل لما حصل له من الأمر العظيم الذي كان فخراً له إلي يوم القيامة.

ثم ذكر كعب بن مالك ان من توبته ان لا يحدث بحديث كذب بعد إذ نجاه الله تعالي بالصدق، ومازال كذلك ما حدث بحديث كذب أبداً بعد أن تاب الله عليه، فكان - رضي الله عنه- مضرب المثل في الصدق، حتى إن الله أنزل فيه وفي صاحبيه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة: ١١٩) ، أنزل الله تعالي الآيات في بيان منته عليهم بالتوبة من قوله تعالي: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ) (التوبة: من الآية١١٧) ففي هذه الآية أكد الله سبحانه وتعالي توبته على النبي والمهاجرين والأنصار، أكدها بقوله: (لَقَدْ تَابَ اللَّه) .

فأما النبي فهو محمد رسول الله صلي الله عليه وسلم خاتم النبيين الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأما المهاجرون فهم الذين هاجروا من بلادهم من

مكة إلي المدينة، هاجروا إلي الله، فجمعوا في ذلك بين الهجرة ومفارقة الوطن ومفارقة الديار وبين نصرة النبي صلي الله عليه وسلم؛ لأنهم إنما هاجروا إلي الله ورسوله، فالمهاجرون جمعوا بين الهجرة والنصرة.

أما الأنصار فهم الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم، أهل المدينة- رضي الله عنهم- الذين أووا النبي صلي الله عليه وسلم ونصروه ومنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم. وقدم الله المهاجرين لأنهم أفضل من الأنصار، لجمعهم بين الهجرة والنصرة.

وقوله: (ِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ) وذلك في الخروج معه إلي غزوة تبوك، إلي بلاد بعيدة، والناس في اشد ما يكونون من الحر، والناس في أطيب ما يكونون لو بقوا في ديارهم، لأن الوقت وقت قيظ، والوقت وقت طيب الثمار وحسن الظلال، ولكنهم - رضي الله عنهم- خرجوا في هذه الساعة الحرجة في ساعة العسرة) ِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ) فإن بعضهم كاد أن يتخلف بدون عذر فيزيغ قلبه، ولكن الله عز وجل من عليهم بالاستقامة حتى خرجوا مع النبي صلي الله عليه وسلم.

وقوله: (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ) أكد ذلك مرة أخري (إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) شملهم بالرأفة والرحمة، والرأفة أرق من الرحمة؛ لأنها رحمة ألطف وأعظم من الرحمة العامة.

ثم قال: (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا) .

والثلاثة: هم كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، هؤلاء هم الثلاثة الذين خلفوا رضي الله عنهم، وخلفوا: أي خلف البت

في أمرهم، وليس المراد عن الغزوة، بل خلفهم الرسول- عليه الصلاة والسلام- لكي ينظر في أمرهم ماذا يكون حكم الله تعالي فيهم.

وقوله: (حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ) ضاقت عليهم الأرض مع سعتها، والرحب هو السعة، والمعني ان الأرض علي سعتها ضاقت بهم. حتى قال كعب بن مالك: ((لقد تنكرت لي الأرض حتى قلت: لا أدري، هل أنا في المدينة أو غيرها)) من شدة الضيق عليهم، رضي الله عنهم.

(وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُم) نفس الإنسان ضاقت عليه فهي لا تتحمل أن تبقي النبي صلي الله عليه وسلم ولكنهم صبروا- رضي الله عنهم- حتى فرج الله عليهم.

وقوله (وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْه) (التوبة: من الآية١١٨) ، الظن هنا بمعني اليقين، أي أيقنوا انه لا ملجأ من الله، أي: أنه لا أحد ينفعهم، ولا ملجأ من الله إلا إلي الله، فالله بيده كل شي عز وجل.

وقوله: (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (التوبة: من الآية١١٨)) ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) تاب عليهم لينالوا مراتب التوبة التي لا ينالها إلا من وفق، لا ينالها إلا أحباب الله، كما قال الله تعالي:) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (البقرة: من الآية٢٢٢) .

أما أولئك الذين اعتذروا من المنافقين إلي الرسول- عليه الصلاة والسلام- واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلي الله، فإن الله أنزل فيهم شر ما أنزل في بشر فقال: (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ) فلا تلومونهم (فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْس) نعوذ بالله رجس، الخمر رجس، القذر الذي يخرج من دبر الإنسان رجس، روث الحمير رجس، هؤلاء مثلهم. (وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (التوبة: من الآية٩٥) ،

بئس المأوى، والعياذ بالله، إنهم ينقلون من الدنيا إلي جهنم، نسأل الله العافية، نار حامية تطلع على الأفئدة، مؤصدة عليهم في عمد ممددة.

(يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ) لأنكم لا تعلمون سرائرهم ولا يبدو لكم إلا الظواهر (فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) لو رضي الناس عنك كلهم والله لم يرض عنك فإنه لا ينفعك إلا رضا الله عز وجل؛ لأن الله إذا رضي عنك أرضي عنك الناس وأمال قلوبهم إليك، كما جاء في الحديث: ((إن الله إذا أحب عبداً دعا جبريل فقال: أني أحب فلاناً فأحبه)) يعين الله الرجل له فيحبه جبريل، ((ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، قال: ثم يوضع له القبول في الأرض)) فيكون مقبولاً لدي أهل الأرض.

كما قال الله عز وجل:) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً) (مريم: ٩٦) .

لكن إذا التمس الإنسان رضا الناس بسخط الله فالأمر بالعكس، يسخط الله عليه ويسخط عليه الناس.

ولهذا لما تولي معاوية- رضي الله عنه- الخلافة كتبت له عائشة - رضي الله عنها- قالت: سمعت النبي صلي الله عليه وسلم يقول: ((من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله

الله إلي الناس)) وما أكثر الذين يطلبون رضا الناس بسخط الخالق عز وجل- والعياذ بالله_.

هؤلاء هم في سخط الله ولو رضي عنهم الناس، فلا ينفعهم رضا الناس قال الله تعالي هنا: (فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) (التوبة: من الآية٩٦) ، حتى لو رضي عنهم النبي صلي الله عليه وسلم _ اشرف الخلق_ ما نفعهم؛ لأن الله لا يرضي عن القوم الفاسقين.

وفي هذه الآية تحذير من الفسق، وهو ارتكاب المعاصي التي أعظمها الكفر، وكل فسق فإنه ينقص من رضا الله عن الإنسان بحسبه، لأن الحكم المعلق بالوصف يزداد بزيادته وينقص بنقصانه، ويقوي بقوته ويضعف بضعفه. والفسق سبب من أسباب عدم رضا الله (فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) والفسق أنواع كثيرة ومراتب عظيمة. فعقوق الوالدين من الفسوق، وقطيعة الرحم من الفسوق، والكذب من الفسوق، فكل معصية من الفسوق.

لكن صغائر الذنوب تكفرها حسنات الأعمال إذا اصلح الإنسان الحسنات، كما قال الله

تعالي:) أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً) (الاسراء: ٧٨) .

وقال عز وجل:) إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) (هود: من الآية١١٤) ، فإذا فعل الإنسان حسنة أذهبت السيئة إذا كانت صغيرة، أما الكبائر فلا ينفع فيها إلا التوبة.

علي كل حال: الفسق من أسباب انتفاء رضا الله عن العبد، والطاعة من أسباب الرضا، فالتزم طاعة الله إن كنت تريد رضاه، وإن كنت تريد رضا الناس فأرض الله، إذا رضي الله عنك كفاك مؤنة الناس وأرضي الناس عنك، وإن أسخطت الله برضا الناس فأبشر بسخط الناس مع سخط الله، والعياذ بالله. وذكر- رضي الله عنه - أن النبي صلي الله عليه وسلم خرج من المدينة في يوم الخميس، وكان يحب أن يخرج في يوم الخميس، ولكن ذلك ليس بدائم، أحياناً يخرج يوم السبت، كما خرج في آخر سفره سافرها في حجة الوداع، وربما يخرج في أيام أخر، لكن غالب ما يخرج فيه هو يوم الخميس.

وذكر أن النبي صلي الله عليه وسلم عاد إلي المدينة ضحي، وأنه دخل المسجد فصلي فيه ركعتين، وكان هذا من سنته صلي الله عليه وسلم أنه إذا قدم بلده لم يبدأ بشيء قبل المسجد.

وهاتان الركعتان تشمل كل الوقت، حتى أوقات النهي؛ لأنها صلاة سببية، فليس عنها نهي، في أي وقت وجد سببها حل فعلها.

فينبغي إذا قدم الإنسان إلي بلده أن يبدأ قبل كل شي بالمسجد. وقد تقدم ذكر ذلك.

٢٢- وعن أبي نجيد- بضم النون وفتح الجيم- عمران بن الحصين الخزاعي- رضي الله عنهما - أن امرأة من جهينة أتت نبي الله صلي الله عليه وسلم وهي حبلي من الزني، فقالت: يا نبي الله، أصبت حداً فأقمه علي، فدعا نبي الله صلي الله عليه وسلم وليها فقال: ((أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني)) ففعل، فأمر بها نبي الله صلي الله عليه وسلم فشكت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت، ثم صلي عليها. فقال له عمر: تصلي عليها يا نبي الله وقد زنت؟ قال: لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالي؟!)) (رواه مسلم) .

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف- رحمه الله تعالي- فيما نقله عن عمران بن حصين رضي الله تعالي عنه: إن امرأة جاءت إلي النبي صلي الله عليه وسلم ((وهي حبلي من الزنا)) يعني حاملاً قد زنت، رضي الله عنها.

((فقالت: يا رسول الله إني قد أصبت حدا فاقمه علي)) أي: أصبت شيئاً يوجب الحد فأقمه علي، فدعا النبي صلي الله عليه وسلم وليها وأمره أن يحسن إليها فإذا وضعت فليأت بها إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم، فلما وضعت أتي بها وليها إلي النبي صلي الله عليه وسلم، ((فأمر بها فشدت عليها ثيابها)) أي: لفت ثيابها وربطت لئلا تنكشف ((ثم أمر بها فرجمت)) أي: بالحجارة: وهي ليست كبيرة ولا صغيرة، حتى ماتت، ثم صلي عليها النبي صلي الله عليه وسلم ودعا لها دعاء الميت: ((فال له عمر:

تصلي عليها يا رسول الله وقد زنت)) أي: والزنى من كبائر الذنوب، فقال: ((لقد تأبت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم)) يعيني: توبة واسعة لو قسمت علي سبعين كلهم مذنب لوسعتهم ونفعتهم، ((وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله عز وجل)) أي: هل وجدت أفضل من هذه الحال، امرأة جاءت فجادت بنفسها؛ يعني: سلمت نفسها من أجل التقرب إلي الله - عز وجل- والخلوص من إثم الزنى. ما هناك أفضل من هذا؟!

ففي هذا الحديث دليل علي فوائد كثيرة:

منها: أن الزاني إذا زني وهو محصن- يعني قد تزوج- فإنه يجب أن يرجم وجوباً؛ وقد كان هذا في كتاب الله- عز وجل- آية قرأها المسلمون وحفظوها ووعوها ونفذوها، رجم النبي صلي الله عليه وسلم ورجم الخلفاء من بعده، ولكن الله بحكمته نسخها من القرآن لفظاً وأبقي حكمها في هذه الأمة. فإذا زني المحصن- وهو الذي د تزوج - فإنه يرجم حتى يموت. يوقف في مكان واسع، ويجتمع الناس، ويأخذون من الحصي يرمونه به حتى يموت.

وهذه من حكمه الله عز وجل، أي: أنه لم يأمر الشرع بأن يقتل بالسيف وينتهي أمرهن بل يرجم بهذه الحجارة حتى يتعذب ويذوق ألم العذاب في مقابل ما وجده من لذة الحرام؛ لأن هذا الزني تلذذ جميع جسده بالحرام، فكان من الحكمة أن ينال هذا الجسد من العذاب بقدر ما نال من اللذة.

ولهذا قال العلماء رحمهم الله: إنه لا يجوز أن يرجم بالحجارة الكبيرة؛ لأن الحجارة الكبيرة تجهز عليه ويموت سريعاً فيستريح، ولا

بالصغيرة جداً لأن هذه تؤذيه وتطيل موته، ولكن بحصي متوسط حتى يذوق اللم ثم يموت.

فإذا قال قائل: أليس قد قال النبي صلي الله عليه وسلم: ((إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح)) ، والقتلة بالسيف أريح للمرجوم من الرجم بالحجارة؟

قلنا: بلي قد قاله الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن إحسان القتلة يكون بموافقتها للشرع، فالرجم إحسان لأنه موافق للشرع، ولذلك لو أن رجلاً جانيا جنى على شخص فقتله عمداً وعزر به قبل ان يقتله فإننا نعزر بهذا الجاني إذا أردنا قتله قبل أن نقتله.

مثلاً: لو أن رجلاً جانيا قتل شخصاً فقطع- مثلاً- يديه، ثم رجليه، ثم لسانه، ثم رأسه. فإننا لا نقتل الجاني بالسيف!! بل نقطع يديه، ثم رجليه، ثم لسانه، ثم نقطع رأسه مثلما فعل، ويعتبر هذا إحساناً في القتلة، لأن إحسان القتلة أن يكون موافقاً للشرع علي أي وجه كان.

وفي هذا الحديث دليل على جواز إقرار الإنسان على نفسه بالزنى، من أجل تطهيره بالحد لا من أجل فضحه نفسه.

فالإنسان الذي يتحدث عن نفسه أنه زني، عند الإمام أو نائبه؛ من أجل إقامة الحد عليه، هذا لا يلام ولا يذم.

وأما الإنسان الذي يخبر عن نفسه بأنه زني، يخبر بذلك عامة الناس؛ فهذا فاضح نفسه وهو من غير المعافين؛ لأن الرسول صلي الله عليه وسلم يقول: ((كل أمتي معافي إلا المجاهرين. قالوا: من المجاهرون؟ قال: الذي يفعل الذنب ثم يستره الله عليه ثم يصبح يتحدث به)) .

إذا قام قائل هل الأفضل للإنسان إذا زني أن يذهب إلي القاضي ليقر عنده، فيقام عليه الحد، أو الأفضل أن يستر نفسه؟ فالجواب عن هذا أن في ذلك تفصيلاً.

قد يكون الإنسان تاب توبة نصوحاً، وندم، وعرف من نفسه أنه لن يعود فهذا الأفضل أن لا يذهب ولا يخبر عن نفسه، بل يجعل الأمر سرا بينه وبين الله، ومن تاب تاب الله عليه.

واما من خاف أن لا تكون توبته نصوحا، وخاف أن يعود ويرجع إلي الذنب مرة أخري؛ فهذا الأفضل في حقه ان يذهب إلي ولي الأمر، أو إلي القاضي أو غيره، ليقر عنده فيقام عليه الحد.

* * *

٢٣- وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: ((لو أن لابن آدم ملء واد مالاً: لأحب أن له إليه مثله ولا يملا عين ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب)) . (متفق عليه) .

٢٤-وعن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال ((يضحك الله- سبحانه وتعالي-إلي رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة، يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل فيسلم فيستشهد)) (متفق عليه) .

[الشَّرْحُ]

هذان الحديثان في بيان التوبة، وأن من تاب تاب الله عليه مهما عظم ذنبه؛ لأن الله تعالي قال في كتابه:) وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً) (يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً)) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) (الفرقان: ٦٨/٧٠) .

فالحديث الأول عن عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما- ومعناه: أن ابن آدم لن يشبع من المال، ولو كان له واد واحد ((لا بتغي)) أي طلب أن يكون ل وديان، ولا يملأ غلا التراب؛ وذلك إذا مات ودفن وترك الدنيا وما فيها؛ حينئذ يقتنع؛ لأنها فاتنة، ولكن مع ذلك حث الرسول صلي الله عليه وسلم على التوبة؛ لأن الغالب أن الذي يكون عنده طمع في المال؛ أنه لا يحترز من الأشياء المحرمة من الكسب المحرم.

ولكن دواء ذلك بالتوبة إلي الله ولهذا قال: ((ويتوب الله علي من تاب)) فمن تاب من سيئاته- ولو كانت هذه السيئات مما يتعلق بالمال -فإن الله يتوب عليه.

أما الحديث الثاني فهو عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((يضحك الله إلي رجلين.. الحديث)) .

فضحك الله إلي هذين الرجلين؛ لأنه كان بينهما تمام العداوة في الدنيا؛ حتى إن أحدهما قتل الآخر، فقلب الله هذه العدواة التي في قلب كل واحد منهم، وأوال ما في نفوسهما من الغل، لأن أهل الجنة يطهرون من الغل والحقد؛ كما قال الله-تعالي- في وصفهم) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ) (الحجر: ٤٧) .

فهذه وجه العجب من الله- عز وجل- لهذين الرجلين أنه كان بينهما تمام العداوة، ثم إن الله-تعالي- من على هذا القاتل الذي كان كافراً فتاب، فتاب الله عليه.

ففيه دليل: على أن الكافر إذا تاب من كفره-ولو كان قد قتل أحداً من المسلمين-فإن الله- تعالي- يتوب عليه؛ لأن الإسلام يهدم ما قبله.

📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي

الأولياء وهو مذهب أهل الحق. ولا حجة فيه على جواز بيع الفضولية، لأن ما ذكر في شرع من قبلنا، وفي كونه حجة خلاف، وعلى تقدير الحجة فلعله استأجره بأجرة في الذمة كما أشرنا إليه ولم يسلمها له بل عرضها عليه فلم يقبلها لرداءتها، فبقيت على ملك المستأجر لأن ما في الذمة لا يتعين إلا بقبض صحيح، ثم إن المستأجر تصرف فيه لبقائه على ملكه فصح تصرفه فيه، ثم تبرع بما اجتمع منه على الأجير بتراضيهما، قال الخطابي: إنما تطوع به صاحبه تقرباً به إلى الله تعالى، ولذا توسل به للخلاص، ولم يكن يلزمه في الحكم أن يعطيه أكثر من القدر الذي استأجره عليه، فلذا حمد فعله، والله أعلم.

٢ - باب التوبة

٢ - باب التوبة

بالرفع خبر مبتدإ محذوف: أي هذا باب، أو مبتدأ خبره محذوف: أي: باب التوبة هذا، ويجوز نصبه على تقدير: خذ باب التوبة. وهي لغة الرجوع يقال تاب وأناب وآب بمعنى رجع فالتائب إلى الله تعالى هو الراجع من شيء إلى شيء، راجع من الأوصاف المذمومة إلى الأوصاف المحمودة، راجع عما نهى الله عنه إلى أمره، وعن معصيته إلى طاعته، وعما يكرهه إلى ما يرضاه، رجوع من الأضداد إلى أسباب الوداد، ورجوع إليه تعالى بعد المفارقة، وإلى طاعته بعد المخالفة فمن رجع عن المخالفات خوفاً من عذاب الله فهو تائب، ومن رجع حياء فهو منيب، ومن رجع تعظيماً لجلال الله سبحانه فهو أوّاب. والتوبة أحسن ما قيل في معناها شرعاً: هو الرجوع من البعد عن الله إلى القرب إليه سبحانه وتعالى اهـ. ذكره الإيجي قال القرطبي: أسدّ العبارات وأجمعها في تعريفها قول بعض المحققين: هي اجتناب ذنب سبق منك مثله حقيقة أو تقديراً.

(قال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب) ووجوبها مجمع عليه، لا فرق بين الصغائر والكبائر الظاهرة والباطنة كالحقد والحسد (فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي) عطف بيان على قوله بين العبد وبين الله سبحانه وتعالى،

وقوله: (فلها ثلاثة شروط) جواب إن الشرطية (أحدها أن يقلع) بضم أوله: أي: يكف وينقطع (عن المعصية) التي كان متلبساً بها، إذ تستحيل التوبة مع مباشرة الذنب. وهذا قد يترك اشتراطه ويحمل على من يستحيل منه وقوع مثل تلك المعصية كمن زنى فجبّ، فهذا استحال منه الإقلاع المكتسب، وكذا العزم على ألا يفعله في المستقبل لأن فعله غير ممكن منه.

قال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام في «أماليه» : لا يجب على الإنسان ترك الشيء إلا إذا كان ممكنه فعله، إذ لا تكليف بترك المستحيل (والثاني) من الشروط (أن يندم على فعلها) من حيث إنها معصية، فلو ندم عليه لا من هذه الحيثية بل لأجل تلك الوجوه الآتية في الكلام على التوبة النصوح لم يعتد بندمه ونازع الغزالي في «منهاج العابدين» له في اشتراط الندم في مفهوم التوبة، ثم قال: وقيل المراد اشتراط ما يؤدي إليه من تذكر الذنب وشؤمه وعذاب الله وعقابه ونحو ذلك، لأن هذا في قدرته ومن كسبه، وهو يترتب عليه الندم الذي هو أمر طبيعي لا قدرة له على اكتسابه، والله أعلم (والثالث أن يعزم ألا يعود إليها) أي: إلى مثلها مطلقاً (أبداً) فلا يعود التائب من الرياء إلى مثله وهو الرياء، وإلا فالمعصية التي كان تلبس بها انقضت وزالت فلا يمكن العود إليها. هذا وزاد بعضهم اشتراط عدم صحبة من ارتكب معه المعصية بعد التوبة، وأن تكون التوبة تعالى خاصة.

قال ابن عبد السلام: استدرك السيف الآمدي على الناس قيداً آخر في التوبة التامة، وهو أن يكون الندم تعالى، احترازاً مما إذا قتل شخص ولده، فإنه يندم على الماضي لأجل كونه ولده. وأجيب بأن هذا ليس استدراكاً إذ الإخلاص شرط في كل عبادة، والناس يعنون بقولهم للتوبة ثلاثة أركان ما عدا الإخلاص اهـ. وأدرج ابن حجر الهيتمي هذا القيد في الشرط الأول وهو الإقلاع فقال: ترك الذنب تعالى، فلو تركه لخوف أو رياء أو غير ذلك من الأغراض التي لغير الله لم يعتد بتركه (فإن فقد أحد هذه الثلاثة) أي: واحد منها (لم تصح توبته) أي: التامة أما الناقصة فتصح مع فقد الإقلاع والعزم على عدم العود كما تقدم تمثيله، قيل: وعلى ذلك يحمل حديث «الندم توبة» وقيل: بل الحديث نظير حديث «الحج عرفة» أي: ركنها الأعظم، والله أعلم (وإن كانت المعصية) التي تريد التوبة منها (تتعلق بحق آدمي فشرطها أربعة) خبر عن قوله شرطها، وجاز الإخبار عنه بذلك لكونه مفرداً مضافاً إلى معرفة.

وهو على الصحيح حيث لا عهد للعموم الصالح للجمعية من حيث مدلول لفظه، إذ هو حينئذٍ المعنى الذي استغرقه لفظه الصالح له من غير حصر، وإن كان مدلوله في التركيب كلياً على الأصح: أي: محكوماً فيه على كل فرد مطابقة، لأنه في قوة قضايا بعدد أفراده، والصحيح فيها بناه على ظاهر كلام النحاة، وليست العبرة في مطابقة المبتدإ للخبر إلا باصطلاحهم أن مدلوله كل: أي: محكوم فيه على مجموع الأفراد من حيث هو مجموع (هذه الثلاثة) المذكورة (و) الرابع (أن يبرأ من حق صاحبها) وزاد بعضهم شرطاً خامساً وهو القول، قال: فيقول القاذف مع إبراء المقذوف: ما قلته باطل وأنا نادم عليه ولا أعود إليه، وكذا شهادة الزرو (فإن كانت) أي: المعصية المتعلقة بالآدمي (مالاً أو نحوه) من اختصاص محترم (رده إليه) أي: إلى صاحبه بعينه إن كان موجوداً أو بدله عند تلفه من قيمة أو مثل (وإن كان) أي: حق الآدمي (حد قذف ونحوه) أي: نحو

القذف كالقتل والقطع قصاصاً (مكنه) أي: صاحب الحق (منه) أي: من الحد أي استيفائه منه (أو طلب عفوه) بإسقاط حقه. وظاهر كلامه توقف صحة التوبة على ما ذكر من الردّ والتمكين أي إن أمكنه ذلك، وإلا نوى ذلك إذا قدر أو طلب العفو، لكن ذهب الإمام وتبعه العز ابن عبد السلام وأقرّه المصنف إلى صحة توبته وإن لم يسلم نفسه بالنسبة لحق الله تعالى ويبقى عليه حق الآدمي وإثم الامتناع، بل قال في «الشامل» وتبعه جمع: إنه حيث ندم صحت توبته وإن لم يردّ المظلمة، وهو ظاهر فيبرأ بالنسبة لحق الله تعالى إن وجد الإقلاع، وإلاّ كردّ المغصوب ما دام باقياً وقدر عليه فلا (وإن كان) أي: حق الآدمي، وفي نسخة «كانت» أي: المعصية (غيبة) بكسر الغين المعجمة وسكون التحتية، وسيأتي ما يتعلق بها في باب من الكتاب. قيل: ومثل الغيبة القذف، وقد يقال هو داخل في مفهوم الغيبة.

واعتبر بعضهم في التوبة من القذف كما مر أن يقول القاذف: ما قلته باطل وأنا نادم عليه ولا أعود إليه. وكذا شاهد الزور (استحله منها) أي: بأن يخبره بما قاله حتى يصح تحليله، لكن محل تعيين الإخبار ما لم يترتب عليه ضرر أعظم، وإلا كأن يخشى قتله بذلك مثلاً فلا. ومحل تعيين الإخبار والاستحلال إن بلغه الاغتياب وإلا كفى الاستغفار (ويجب) جمعاً عندنا معاشر أهل السنة (أن يتوب من جميع الذنوب) أي: ولو صغائر قال تعالى: {توبوا إلى الله توبة نصوحا} (التحريم: ٨)

{توبوا إلى الله جميعاً} (فإن) لم يتب من الجميع بل أصرّ على بعضها (وتاب من بعضها صحبت توبته عند أهل الحق) هم أهل السنة (من ذلك الذنب) الأنسب من ذلك البعض: أي: الذي تاب منه (وبقي عليه الباقي) أي: تبعته ووجوب التوبة منه قالوا للإجماع على أن من أسلم تائباً عن كفره مع إصراره على بعض معاصيه صحّ إسلامه وتوبته لكون حقيقتها ليس إلا الرجوع والندم والعزم، وقد وجدت (وقد تظاهرت) بالظاء المعجمة، من التظاهر وهو التعاون (دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة) إضافة دلائل لما بعدها من المتعاطفات إضافة بيانية (على وجوب التوبة) متعلق بتظاهرت.

(قال الله تعالى) أي: حال كونه متعالياً علوّ مكانة لا علوّ مكان متقدماً عما لا يليق به، ويصح جعلها مستأنفة، والجملة إنشائية معنى سيقت لما ذكر كما تقدم بيانهما أول الكتاب {وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون} مما وقع منكم من النظر الممنوع وغيره. وفي الآية تغليب الذكور على الإناث {لعلكم تفلحون} تنجون من ذلك بقبول التوبة منه. ولعل في الأصل للرجاء، وفي كلامه تعالى للتحقيق. قال السيوطي في «التوشيح» : كل وعد في الكتاب أو السنة فواجب الوقوع لوجوب سلامة خبر من ذكر عن الخلف.

(وقال تعالى) : {استغفروا ربكم} من الشرك، ومثله من غيره، والقصر عليه لأنه الذنب المأمور بالخروج عنه (إنه كان غفاراً) المبالغة باعتبار الكمّ، فلا تحصى عدة المغفور لهم، وباعتبار الكيف فيغفر الصغائر والكبائر والفواحش {إن الله يغفر الذنوب جميعاً} (الزمر: ٥٣) وقوله: «إنه الخ» علة للأمر قبله.

وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا} اختلفت عبارات السلف

في التوبة النصوح ومرجعها إلى شيء واحد. قال عمربن الخطاب وأبيّبن كعب رضي الله عنهما: التوبة النصوح أن يتوب من الذنب ثم لا يعود إليه كما لا يعود اللبن إلى الضرع. قال الحسن البصري: هي أن يكون العبد نادماً على ما مضى مجمعاً على ألا يعود إليه، وقال الكلبي: هي أن يستغفر باللسان ويندم بالقلب ويمسك بالبدن. وقال ابن المسيب: «توبة نصوحا» تنصحون بها أنفسكم. جعلها ناصحة للتائب كضروب بمعنى ضارب، والأولون جعلوها بمعنى المفعول: أي: قد نصح فيها التائب ولم يشبها بغشّ. فهي إما بمعنى منصوح فيها كركوبة وحلوبة: أي: مركوبة ومحلوبة، أو بمعنى ناصحة: أي خالصة وصادقة قاله بعض المحققين. وقال الزرعي في «شرح المنازل» : النصح في التوبة يتضمن ثلاثة أشياء: أحدها تعميم جميع الذنوب واستغراقها بحيث لا تدع ذنباً إلا تناولته. والثاني إجماع العزم والصدق بكليته عليها بحيث لا يبقى عنده تردد ولا تلوّم ولا انتظار، بل يجمع عليها كل إرادته وعزيمته مبادراً بها. والثالث تخليصها من الشوائب والعلل القادحة في إخلاصها ووقوعها لمحض الخوف من الله تعالى وخشيته والرغبة فيما لديه والرهبة مما عنده، لا كمن يتوب لحفظ جاهه أو حرفته أو منصبه أو لحفظ حاله أو ماله أو استدعاء حمد الناس أو الهرب من ذمهم، أو نحو ذلك من العلل التي تقدح في صحتها وخلوصها تعالى، فالأول يتعلق بما يتوب منه، والثالث بما يتوب إليه، والأوسط يتعلق بذات التائب نفسه. ولا ريب أن

التوبة الجامعة لما ذكر تستلزم الغفران وتتضمنه وتمحق جميع الذنوب، وهي أكمل ما يكون من التوبة. انتهى ملخصاً.

١٤١ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: وا) فيه ندب

الحلف لتأكيد الأمر وتقويته ليبادروا إلى الإتيان بذلك (إني لأستغفر ا) أي: أطلب منه مغفرة تليق بمقامي المبرإ عن كل وصمة ذنب أو مخالفة ولو سهوا وقبل النبوة (وأتوب إليه) أي: أرجع إليه متنقلاً من شهود فرق إلى شهود جمع. ثم الجملة جواب القسم (في اليوم) وهو شرعاً: ما بين طلوع الفجر وغروب الشمس. قال السفاقسي: لم يرد ما فاؤه ياء وعينه واو إلا هذا اللفظ قيل: «ويوح» وهو من أسماء الشمس. وقيل: إنه بالموحدة (أكثر من سبعين مرة) إنما لم يحده بعدد مخصوص، لما علمت أن موجب الاستغفار والتوبة اللائقين به لا ينحصر ولأنهما يتكرارن بحسب الشهود والترقي. ثم في هذا تحريض للأمة على التوبة والاستغفار فإنه مع كونه معصوماً وكونه خير الخلائق يستغفر ويتوب سبعين مرة؛ واستغفاره ليس من الذنب بل من اعتقاده أن نفسه قاصرة في العبودية عما يليق بحضرة ذي الجلال والإكرام (رواه البخاري) وفي كتاب الأطراف بعد إخراجه لكن بلفظ «إني لأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم مائة مرة» وأخرجه البخاري وأبو عبد الرحمن يعني النسائي وأبو عيسى يعني الترمذي، وسيأتي فيه كلام في باب الاستغفار أواخر الكتاب.

١٥٢ - (وعن الأغر) بفتح الهمزة والغين المعجمة وتشديد الراء (ابن يسار) بفتح التحتية والمهملة (المزني) ويقال الجهني، وفي الصحابة أيضاً الأغر الغفاري وجعلهما بعض الحفاظ إنساناً واحداً. وقال الحافظ نور الدين الداودي: الحق أنهم ثلاثة، وانفرد مسلم بالإخراج للأغر المزني، وكذا أخرج عنه أبو داود والترمذي (رضي الله عنه قال: قال رسول الله: يا أيها الناس توبوا إلى ا) أي: ارجعوا إليه بامتثال ما أمركم به واجتناب ما نهاكم عنه، ومما أمركم به التوبة، فهي واجبة من كل ذنب ولو صغيرة إجماعاً كما تقدم (فإني أتوب) أي: أرجع رجوعاً يليق بي (إليه) أي: إلى شهوده أو إلى سؤاله أو

الحضور والصغار بين يديه (في اليوم مائة مرة. رواه مسلم) في «أواخر صحيحه» . قال في «السلاح» : ليس للأغر في الكتب الستة إلا هذا الحديث.

١٦٣ - (وعن أبي حمزة) بالحاء المهملة المفتوحة: كنى بذلك ببقلة فيها حموزة: أي: حموضة كان يحبها (أنس) بفتح أوليه (ابن مالك) بن النضر (الأنصاري) الخزرجي النجاري المدني ثم البصري (خادم رسول الله) حضراً وسفراً منذ قدم المدينة إلى أن توفي (رضي الله عنه) قال: قدم النبي إلى المدينة وأنا ابن عشر سنين ومات وأنا ابن عشرين سنة، غزا مع النبيّ ثماني غزوات، وروى الكثير، وعدة ما روى له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما في «مسند» بقيّبن مخلد ألفا حديث ومائتا حديث وستة وثمانون حديثاً، اتفق الشيخان منها على مائة وثمانية وستين حديثاً، وانفرد البخاري بثمانية ومسلم بسبعين. روى عن عدة من الصحابة، وروي عنه كثير، وخرّج عنه أصحاب المسانيد. ومن كراماته معه ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عنه قال: «دخل النبي عند أم سليم: يعني أمه، فأتته بتمر وسمن فقال: أعيدوا سمنكم في سقائه وتمركم في وعائه فإني صائم، ثم قام إلى ناحية البيت يصلي غير المكتوبة، فدعا لأم سليم وأهل بيتها، فقالت: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن لي خويصة، قال: وما هي؟ قالت خادمك أنس، ادع الله له، فما ترك خير آخرة ولا دنيا إلا دعا لي به: اللهم ارزقه مالاً وولداً وبارك به، قال: فإني لمن أكثر الأنصار مالاً» . وعنه قال: رزقت لصلبي سوى ولد ولدي خمسة وعشرين ومائة، وإن أرضي لتثمر في السنة مرّتين» . وكان ريحان بستانه يشم منه رائحة المسك، وقد ذكرت

زيادة في مناقبه ومآثره في «شرح الأذكار» . توفي على نحو فرسخ ونصف من البصرة في موضع يعرف بقصر أنس، وهو آخر من مات بها من الصحابة. والصحيح أنه توفي سنة ثلاث وتسعين وقد جاوز المائة. ولما مات قال مورّق العجلي: ذهب اليوم نصف العلم، وذلك أن أهل الأهواء كانوا إذا خالفونا في الحديث نقول لهم تعالوا إلى من سمعه من النبيّ (قال: قال رسول الله:) بفتح اللام جواباً للقسم المقدر: أي: وا (أفرح) أي: أشد فرحاً والمراد منه

هنا استحالة قيام حقيقته، إنما هي اعتزاز وطرب يجده الإنسان من نفسه عند ظفره بعرض يستكمل به نقصانه أو يسد به خلته: أي حاجته، أو يدفع به عن نفسه ضرراً أو نقصاً بالباري سبحانهـ غايته من الرضا لأن السرور يقارنه الرضا بالمسرور بهـ أو هو تشبيه مركب عقلي من غير نظر إلى مفردات التركيب، بل تؤخذ الزبدة من المجموع فتكون غايته ونهايته، وفائدة إبرازه في صورة التشبيه تقرير المعنى في ذهن السامع؛ أو تمثيلي بأن يتوهم للمشبه الحالات التي للمشبه به وينتزع له منها ما يناسبه.

فالحاصل أن المراد بقوله: «أفرح» أرضى (بتوبة عبده من) فرح (أحدكم) حال كونه قد (سقط على بعيره) قال في «النهاية» أي: يعثر على موضعه ويقع عليه كما يسقط الطائر على وكره اهـ. والمراد صادفه من غير قصد (وقد أضله) أي: ضيعه جملة حالية من الضمير في سقط فهي حال متداخلة (في أرض فلاة) من إضافة الموصوف إلى الصفة: أي: في أرض واسعة (متفق عليه. وفي رواية لمسلم) أي: انفرد بلفظها عن البخاري (أشد فرحاً بتوبة عبده) أي: رجوعه إلى طاعته وامتثال أمره (حين يتوب) أي: يرجع منتهياً (إليه) أي: يخلص في توبته بأن ينوي بها وجه الله لا غير، وبه يعلم أن قوله: (حين يتوب إليه) قيد لا بد منه لا يغني عنه قوله بتوبة عبده (من) فرح (أحدكم إذا كان) وفي نسخة «كان» (على راحلته) أي: التي يركبها من ناقة أو غيرها (بأرض فلاة) قضية كلام فتح الإله أنه بالإضافة وضبط بالقلم في أصل صحيح من الرياض بتنوين أرض (فانفلتت) أي: الراحلة (منه و) الحال أنه (عليها طعامه وشرابه) فله احتياج إليها لوجهين ركوبها، وكون زاده عليها (فأيس منها) لمبالغته في لحوقها أو في التفتيش عنها فلم يقدر عليها (فأتى شجرة فاضطجع في ظلها)

ليستريح مما حصل له من شدة التعب في مزيد الطلب حال (وقد أيس من راحلته) أي: من حصولها وحينئذٍ استسلم للموت لحضور أسبابه (فبينما) أصله بين، وما مزيدة لكفها عن الإضافة إلى المفرد (هو كذلك) أي: أيس، أو المشار إليه مفهوم من سياق الكلام: أي مستسلم (إذ هو بها قائمة عنده) وفيه على كون المشار إليه الأول الإشارة إلى أن الفرج مع الكرب واليسر مع العسر، قال تعالى: {فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا} (الشرح: ٥ - ٦) وقال: «لن يغلب عسر يسرين» وقال: «اشتدي أزمة تنفرجي» وعلى الثاني الإشارة إلى أن الاستسلام والخروج عن الحول والقوّة سبب لحصول المطالب وبلوغ المآرب، وليس المراد ترك مزاولة الأسباب بل ترك الركون إليها والاعتماد عليها، وا ولي

التوفيق (فأخذ بخطامها) فرحاً بها فرحاً لا نهاية له. قال في «النهاية» : وخطام البعير: أي: بكسر المعجمة: أن يؤخذ حبل من ليف أو شعر أو كتان فيجعل في أحد طرفيه حلقة، ثم يشد فيه الطرف الآخر حتى يصير كالحلقة. ثم يقلد البعير به ثم يثنى على خطمه قال المصنف في «شرح مسلم» نقلاً عن الغريبين للهروي نقلاً عن الأزهري: فإذا ضفر من الأدم فهو جرير اهـ. قال في «النهاية» : أما الذي يجعل في الأنف دقيقاً فهو الزمام. وقال المؤلف نقلاً عن صاحب «المطالع» : الزمام للإبل ما يشدّ به رءوسها من حبل وسير ونحوه لتنقاد به اهـ. (ثم قال من) أجل (شدة الفرح) لدهشه بل ربما قال (اللهمّ أنت عبدي وأنا ربك) وقوله: (أخطأ من شدة الفرح) استئناف بياني، كأن قائلاً يقول ما سبب خطئه؟ فقال أخطأ: أي تجاوز الصواب وهو قوله: أنت ربي وأنا عبدك إلى ما قاله من الخطأ، من أجل شدة الفرح، لما تقرر من أنه ربما اشتد حتى منع صاحبه هذا من إدراك البدهيات فضلاً عن غيرها. وجاء في المعنى أحاديث أخر منها: ما أخرجه ابن عساكر في «أماليه» عن

أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً «أفرح بتوبة عبده من العقيم الوالد، ومن الضالّ الواجد، ومن الظمآن الوارد» ومنها ما أخرجه العباسبن تركان الهمداني في كتاب التائبين مرسلاً «أفرح بتوبة التائب من الظمآن الوارد، ومن العقيم الوالد، ومن الضالّ الواجد، فمن تاب توبة نصوحا أنسى الله حافظيه وجوارحه وبقاع الأرض كلها خطاياه وذنوبه» أوردهما السيوطي في «الجامع الصغير» .

١٧٤ - (وعن أبي موسى عبد ابن قيس الأشعري رضي الله عنه) سبقت ترجمته في باب الإخلاص (عن النبي: إن الله تعالى يبسط يده بالليل) في «المفاتيح» : بسط اليد عبارة عن الطلب، لأن عادة الناس إذا طلب أحدهم شيئاً من أحد بسط كفه، أو هو عبارة عن الجود والتنزه عن المنع، أو هو عبارة عن رحمة الله وكثرة تجاوزه عن الذنوب. وقال القرطبي في «المفهم» : هذا الحديث أجري مجرى المثل الذي يفهم منه قبول التوبة واستدامة اللطف والرحمة، وهو تنزل عن مقتضى الغني القويّ القاهر إلى مقتضى اللطيف الرءوف الغافر. وقال الطيبي: لعله تمثيل، وشبه حال إرادته تعالى التوبة من عبده وأنها مما يحبه ويرضاه بحالة من ضاع له شيء نفيس لا غنى له عنه ثم وجده مع غيره، فإنه يمد يده إليه طالباً متضرّعاً، ثم استعمله في جانب المستعار منه وهو بسط اليد مبالغة في تناهي التشبيه وادعاء أن المشبه نوع من المشبه به، وللمؤلف فيه كلام يأتي بما فيه (ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل) أي: إنه يوسع جوده وفضله على العصاة بالليل ليلهموا التوبة بالنهار وبالنهار ليلهموا التوبة بالليل، فسق ذلك الكرم والجود علة للتوبة ما دام بابها مفتوحاً. قال في «فتح الإله» لابن حجر الهيتمي عن المشكاة: وقول النووي يبسط يده كناية عن قبول التوبة. قال المازري: لأن العرب إذا رضي أحدهم الشيء بسط يده لقبوله، وإذا كرهه فقبض يده عنه، لا يناسب قوله في الحديث «ليتوب مسيء النهار إلخ» لأن المعنى عليه ينحلّ إلى أنه ينقل التوبة بالليل ليتوب مسيء النهار إلخ.

وظاهر أنه ليس مراداً إذ قبوله التوبة بالليل ليس علة لتوبة مسيء النهار وعكسه، لأنه لا معنى لقبول التوبة قبل وجودها، وإنما المعنى أنه تعالى يقبلها بالليل ليتوب مسيئه، وبالنهار ليتوب مسيئه اهـ.

وقبول التوبة مستمرّ ما دام بابها مفتوحاً وإليه الإشارة بقوله: (حتى تطلع الشمس من مغربها) فحينئذٍ يغلق بابها، قال تعالى: {يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها} (الأنعام: ١٥٨) الآية، وكذا لا عبرة بالتوبة حال الغر غرة والمعاينة كما سيأتي قال تعالى: {فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا} (غافر: ٨٥) الآية (رواه مسلم) ورواه أحمد أيضاً كما في «الجامع الصغير» .

١٨٥ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه) تقدمت ترجمته في باب الإخلاص (قال: قال رسول الله: من تاب) أي: توبة صحيحة جامعة للشروط (قبل أن تطلع) بضم اللام (الشمس من مغربها) وتستمر طالعة إلى كبد السماء وحدّ الاستواء، ثم تعود لعادتها ومن يومئذٍ يغلق باب التوبة. وتردد بعض المحققين في أن هذا عام لمن وجد قبل الطلوع كذلك وبعده أو خاص بالأول لتقصيره بالتأخير دون الثاني (تاب الله عليه) أي: قبل توبته. قال المصنف: لا يجب على الله تعالى قبول التوبة إذا وجدت بشروطها عقلاً عند أهل السنة لكنه سبحانه وتعالى يقبلها كرماً منه وفضلاً، وقد عرفنا قبولها بالشرع والإجماع؛ ثم توبة الكافر من كفره مقطوع بقبولها وما سواها من أنواع التوبة هل قبولها مقطوع به أو مظنون؟ فيه خلاف لأهل السنة، اختار إمام الحرمين أنه مظنون وهو الأصح اهـ (رواه مسلم) .

١٩٦ - (وعن أبي عبد الرحمن عبد ابن عمربن الخطاب رضي الله عنهما) تقدمت ترجمته في باب الإخلاص أيضاً (عن النبي) في محل الحال أي حال كونه ناقلاً عن النبي (قال) : أي: النبيّ، ويحتمل على بعد عوده لابن عمر بيان للمنقول المرفوع

(إن الله عز) جده (وجلّ) شأنه (يقبل توبة العبد) أي: المذنب المكلف ذكراً أو أنثى كرماً منه وفضلاً كما سبق (ما لم يغرغر) أي: تصل روحه حلقومه من الغرغرة: وهي جعل الشراب في الفم، ثم يديره إلى أصل حلقومه فلا يبلعه، وهذا مأخوذ من قوله تعالى: {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن} (النساء: ١٨) وفسر ابن عباس حضوره بمعاينة ملك الموت وقال غيره: مراده تيقن الموت لا خصوص رؤية ملكه، لأنّ كثيراً من الناس لا يراه. وردّ بأن قوله تعالى: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم} (السجدة: ١١) يدل على أن كل أحد يراه، فمدعي العدم يلزمه الدليل عليه. قلت: وفي الاستدلال بهذا ما لا يخفى، إذ لا يلزم من توفيه لكل رؤية كل منهم له قيل: السرّ في عدم قبولها حين اليأس أن من شروطها عزمه على ألا يعود، وذلك إنما يتحقق مع تمكن التائب من الذنب وبقاء أوان الاختيار، وقال في «فتح الإله» بعد كلام قدمه: والحاصل أنه متى فرض الوصول لحالة لا تمكن الحياة بعدها عادة لا تصح منه حينئذٍ توبة ولا غيرها وهذا مراد الحديث بيغرغر ومتى لم يصل لذلك صحت منه التوبة وغيرها اهـ (رواه) الإمام الحافظ أبو عيسى محمدبن عيسى ابن سورة (الترمذي) بضم المثناة وفتحها وكسرها: نسبة إلى مدينة قديمة على طرف نهر بلخ الذي يقال له جيحون، كذا في «لبّ اللباب» للنيسابوري، وسكت عن بيان حركة ميمه وبينها السمعاني فقال بكسر الفوقية والميم وبضمهما وبفتح الفوقية وكسر الميم اهـ.

قال ابن سيد الناس: المتداول بين أهل تلك المدينة فتح الفوقية وكسر الميم، والذي نعرفه قديماً كسرهما معاً، والذي يقوله المتقنون من أهل المعرفة بضمهما اهـ. وهو الإمام الحافظ أحد الأئمة الستة، قيل كفّ في آخر عمره، وقيل إنه ولد أكمه. قال ابن حبان في «الثقات» : كان ممن جمع وصنف وحفظ وذاكر. ولد سنة (٢٠٩) مائتين وتسع. قال المستغفري: وتوفي في شهر رجب سنة ٢٩٧ سبع وتسعين ومائتين، وهذا هو الصحيح. وقول الخليلي إنه مات بعد الثمانين رده العراقي وغيره، بل قال بعضهم

إنه باطل. ومن كمال حفظه ما ذكره المروزي عنه قال: كنت في طريق مكة وكنت كتبت جزءين من أحاديث شيخ فمر بنا ذلك الشيخ فذهبت إليه وأنا أظن أن الجزءين معي وحملت معي جزءين كنت أظنهما إياهما فسألته القراءة فأجابني، فأخذت الجزءين فإذا هما بياض فتحيرت، فجعل الشيخ يقرأ عليّ من حفظه، ثم نظر فرأى البياض في يدي فقال: أما تستحي، فقصصت عليه القصة. وقلت له أحفظه كله، فقال اقرأ، فقرأت جميع ما قرأه على الولاء ولم أخطىء في حرف منه؛ فقال: ما مرّ بي مثلك قط. ثم الحديث رواه أحمد وابن ماجه وابن حبان والحاكم والبيهقي كما في «الجامع الصغير» (وقال) يعني الترمذي (حديث حسن) إن قلت: قد قال المصنف في «خطبة الكتاب» وألتزم فيه ألاّ أذكر إلا حديثاً صحيحاً. قلت: يحتمل أن يراد من الصحيح في كلامه السابق المقبول كما تقدم فيشمل الحسن. وفي فتاوي الحافظ ابن حجر العسقلاني التي جمعها تلميذه السخاوي: (مسألة) هل يطلق الصحيح على الحسن كما صنع النووي حيث قال في رياض الصالحين وألتزم ألا أذكر إلا حديثاً صحيحاً مع ذكره فيه الحسن. (الجواب) الحسن يصح إطلاق الصحيح عليه بشرط أن يكون حسنه لذاته، بخلاف الذي حسنه لغيره فإنه لا يكون حسناً حتى ينجبر بمجيئه من طريق أخرى فصاعداً، فإن كان فرداً لم ينجبر ولا يصير حسناً، بخلاف الحسن لذاته فإنه إذا جاء من وجه آخر صح إطلاق الصحة عليه بالنظر إلى

المجموع وهو حسن في حد ذاته، ومن أصحاب الحديث من أطلق الصحيح على كل ما يصلح للاحتجاج به سواء أكان من الصحيح أم من الحسن، وهذا ليس بشائع في المتأخرين، وقد نبه عليه ابن الصلاح في علوم الحديث، فلعل النووي سلك ذلك إن كان في كتابه المذكور ما هو حسن لغيره اهـ. قيل: والأولى حمل قوله السابق: وألتزم الخ على الغالب.

٢٠٧ - (وعن زرّ) بكسر الزاي وتشديد الراء (ابن حبيش) بضم المهملة وفتح الموحدة وسكون التحتية آخره معجمة، وزرّ تابعي. قال في «الكشاف» : أدرك الجاهلية، سمع عمر وعلياً قال زرّ: قال لي أُبيّبن كعب: يازر ما تريد أن تدع آية إلا سألتني عنها. عاش مائة وعشرين سنة وتوفي سنة اثنتين وثمانين اهـ. (قال: أتيت صفوانبن عسال) بفتح المهملة وسكون الفاء وعسال بفتح المهملة الأولى وتشديد الثانية (رضي الله عنه) قال المصنف في «تهذيب الأسماء واللغات» : صفوان مرادي كوفي، غزا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اثنتي عشرة غزوة. ومن مناقبه أن عبد ابن مسعود روي عنه وروى عنه جماعة من التابعين. قال ابن

الجوزي في «المستخرج المليح من التلقيح» : روي له عن النبي أحد وعشرون حديثاً (أسأله عن المسح على الخفين) استئناف بياني لسبب المجيء إليه أو حال من فاعل أتيت (فقال ما جاء بك) أي: ما حملك على المجيء (يا زرّ، فقلت ابتغاء العلم) مفعول له (فقال: إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم) حقيقة وإن لم نشاهده للقاعدة المشهورة: أن كل ما ورد وأمكن حمله على ظاهره حمل عليه ما لم يرد ما يصرفه عنه: أي تكفّ أجنحتها عن الطيران وتنزل لسماع العلم. وقيل: هو مجاز إما عن التواضع نظيرـ {واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين} - أو عن المعونة وتيسير السعي في طلب العلم. والملائكة يحتمل كونهم ملائكة الرحمة ونحوهم من الساعين في مصالح بني آدم، ويحتمل أنهم كلهم. قيل: والأوّل أنسب بالمعنى الحقيقي والثاني بالمعنى المجازي

(رضا) منها (بما يطلب) أي: من العلوم، ورضا مفعول له: أي لأجل الرضا الحاصل منها أو لإرضائها بما يطلب، و «ما» يحتمل أن تكون موصولة والعائد محذوف، وأن تكون مصدرية (فقلت إنه قدحك) بفتح المهملة وتشديد الكاف: أي أثر مّا، وفي نسخة حيك (في صدري المسح على الخفين) فاعل حك، وقوله: (بعد الغائط) وهو في الأصل المكان المنخسف من الأرض، سمي به الخارج للمجاورة حال أو صفة (والبول، وكنت) بفتح التاء للمخاطب حال، و (امرأ) بفتح الراء تبعاً لحركة آخره عند الكوفيين، ومنع البصريون ذلك: أي شخصاً (من أصحاب النبي، فجئت أسألك هل سمعته يذكر في ذلك شيئاً؟) والمسؤول عنه قدر مدته بدليل قوله في الجواب (قال: نعم) أي: سمعته يذكر فيه ثم بين المسموع بقوله: (

كان يأمرنا إذا كنا سفراً) بفتح المهملة وسكون الفاء جمع سافر، وقيل: اسم جمع له إذ لم ينطقوا به (أو) شك من الراوي (مسافرين) جمع مسافر، شك هل قال سفراً أو قال مسافرين (ألا ننزع) بكسر الزاي مفعول يأمرنا (خفافنا) بكسر المعجمة جمع خف بضمها (ثلاثة أيام ولياليهن) أي: فإن نزع الخف، والمراد به ظهور شيء من محل

الفرض من القدم، يبل المدة، فإن كان محدثاً توضأ وضوءاً كاملاً، وإن كان بطهر المسح لزمه غسل قدميه فقط على الصحيح، وكالنزع فيما ذكر انقضاء المدة وبطلانها بنحو شك في انقضائها وغيره مما ذكروه في «الفروع» (إلا من جنابة) وكذا في معناه مما يوجب الغسل من حيض أو نفاس؛ فيلزمه نزعه، ولو غسل القدم في باطن الخف نزع الخف ولبسه على طهارة كاملة ثم يمسح على قدميه؛ فوجوب النزع لصحة المسح لا لارتفاع الحدث وصحة الصلاة؛ وفارق الحدث الأكبر الأصغر بأنه لا يتكرر تكرره فلا يشق النزع فيه؛ وكذا يلزمه النزع فيما إذا تنجست رجله في الخف وتعذر تطهيرها فيه وبه تبطل المدة؛ و (لكن) مفادها مخالفة ما قبلها نفياً أو إثباتاً مخففاً أو مثقلاً؛ وحينئذٍ فالتقدير أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كنا سفراً أن ننزع خفافنا من الجنابة في المدة المذكورة ولكن لا ننزعها فيها (من غائط أو بول أو نوم) وزعم بعضهم رد هذه الرواية لأن ظاهرها ينافي العطف بلكن ليس في محله؛ غاية ما فيه أنها تحتاج إلى تأويل حتى توافق تلك القاعدة (فقلت: هل سمعته) أي: النبي (يذكر في الهوى) مقصوراً أي الحب؛ يقال هوى كعلم يهوى هوى (شيئاً؟ قال: نعم كنا مع النبي في سفر، فبينا) قيل: ألفه مزيدة لكفه عن الإضافة إلى المفرد كما تقدم في بينما بل لكفها عن الإضافة للجملة؛ إلا أن رفع ما بعد بينما واجب؛ وبعد بينا جائز؛ بل الأحسن جر المصدر بعدها نظراً إلى أن ألفها ملحقة لإشباع الفتحة. وشذ من قال ألفها للتأنيث وجملة (نحن عنده) في محل الجر على الإضافة على القول الأول

(إذ) وذكر إذ هنا مع بينا يردّ على الحريري زعمه أن بينا لا تتلقى بها ولا بإذا بخلاف بينما. ويرد عليه الحديث الصحيح «بينا أنا نائم إذ جيء بمفاتيح الأرض فوضعت في يدي» (ناداه أعرابي) بفتح الهمزة اسم جمع؛ وهم سكان البوادي؛ والعرب يعم ذلك وسكان القرى، ونسب إلى الجمع؛ قيل: لأنه أجرى مجرى القبيلة كأنمار ولأنه لو نسب إلى الواحد أعني لفظ عرب فقيل عربيّ اشتبه المعنى؛ إذ العربيّ كل من كان من ولد إسماعيل سواء كان حاضراً أو بادياً، والأعرابيّ يختص بالأخير، وفي هذا المقام بسط أودعته في باب المساجد من «شرح الأذكار» ، وسيأتي في باب الحلم إن شاء الله تعالى (بصوت) متعلق بنادى (له جهورى) بفتح الجيم وإسكان الهاء؛ والياء فيه للنسبة، منسوب إلى جهور بصوته كما

في «النهاية» ، والجهورى الشديد العالي (يا محمد) لعله قبل تحريم ندائه باسمه، أو لم يكن يعلم ذلك لكونه ببادية بعيدة (فأجابه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحواً) مفعول مطلق: أي إجابة نحواً (من صوته) أي: في الرفع (هاؤم) قال أبو حيان في «النهر» : قال الكسائي وابن السكيت: يقال هاء للرجل وللاثنين رجلين أو امرأتين هاؤما وللرجال هاؤم وللمرأة هاء بهمزة مكسورة بغير ياء وللنساء هاؤنّ، ومعنى هاؤم: خذوا، وقد ذكرنا في «شرح التسهيل» فيها لغات. وهاؤم إن كان مدلولها تعالوا فهي متعدية للمفعول بواسطة إلى اهـ (فقلت له) أي: للأعرابيّ (ويحك) بفتح الواو والمهملة وإسكان المثناة بينهما: كلمة ترحم وتوجع تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها، وقد تستعمل في «المدح» كما في «النهاية» (اغضض) أي: أنقص (من صوتك، فإنك عند النبيّ. وقد نهيت عن هذا) أي: عن رفع الصوت وعلوّه بين يديه (فقال) لما قام عنده من الحال المقتضي للجهر بالصوت (وا لا أغضض) أي: من صوتي، حذف لدلالة الكلام السابق عليه (فقال الأعرابيّ) سائلاً النبي (المرء) لغة في امرىء: أي الشخص، والمراد منه ما يعم المثنى والجمع لتساوي

الكل في الحكم الآتي أو ما يقابلهما، وعلم حكمهما من تساويهما في مثل هذه الأحكام (يحبّ القوم) أي: الأخيار أحياءً وأمواتاً (ولما يلحق بهم) أي: في الأعمال وطرق الكمال: أي لم يعمل بعملهم، إذ لو عمله لكان منهم ومثلهم ولما لنفي الماضي المستمر فتدل على نفيه في الماضي والحال، بخلاف لم فإنها تدل على الماضي فقط (قال النبي) جواباً عن ذلك (المرء مع من أحبّ) فيه فضل حبّ الله ورسوله والأخيار أحياء وأمواتاً، ومن أفضل محبة الله ورسوله امتثال أمرهما واجتناب نهيهما والتزام الآدب الشرعية، ثم لا يلزم من كونه مع من أحبّ أن تكون منزلته وجزاؤه مثلهم من كل وجه، وقد جاء في «صحيح مسلم» حديث لأنس فيه مثل هذه البشرى، وفيه قال أنس: ما فرحنا بعد الإسلام فرحاً أشد مما فرحنا بقول النبيّ (المرء مع من أحبّ) .

قال القرطبي: وإنما كان فرحهم بهذا القول عنه

أشد من فرحهم بسائر أعمال البرّ لأنهم لم يسمعوا أن في أعمال البرّ ما يحصل به ذلك المعنى من القرب من النبيّ والكون معه إلا حبّ الله ورسوله، فأعظم بأمر يلحق المقصر بالمشمر والمتأخر بالمتقدم. ولما فهم أنس أن هذا اللفظ محمول على عمومه علق به رجاءه وحقق فيه ظنه فقال: أنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر، فأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بعملهم، والوجه الذي تمسك به أنس يشمل من المسلمين المحبين كل ذي نفس، فلذا تعلقت أطماعنا بذلك وإن كنا مقصرين، ورجونا رحمة الرحمن وإن كنا غير مستأهلين اهـ. (فما زال يحدثنا) إن كان من كلام صفوان كما هو الظاهر فالمحدّث لهم النبيّ، وإن كان من كلام زرّ فهو صفوان، ثم رأيت في «الترغيب» بعد أن روى قوله: «إن من قبل المغرب لباباً» مرفوعاً من طريق الترمذي، وفي رواية للترمذي وصححها أيضاً، قال: يعني زرّبن حبيش: فما برح: يعني: صفوان يحدثني حتى حدثني بأن الله عز وجلّ جعل بالمغرب باباً عرضه مسيرة سبعين عاماً للتوبة لا يغلق ما لم تطلع الشمس من قبله. وكذلك قوله تعالى: {يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها} (الأنعام: ١٥٨) الآية. وليس في هذه الروايات ولا الأولى تصريح برفعه كما صرّح به البيهقي وإسناده صحيح أيضاً اهـ. (حتى ذكر) في حديثه (باباً من المغرب مسيرة عرضه) أي بين طرفيه (أو يسير الراكب في عرضه) شكّ من الراوي (أربعين أو سبعين عاماً) لكمال سعته (قال سفيان) بتثليث السين وسكون الفاء، وهو ابن عيينة كما صرح به المزّي في أطرافه (أحد الرواة) لهذا الحديث: أي أحد رجال إسناده (قبل الشأم) بالهمز والقصر ويجوز ترك الهمز، والمد مع فتح الشين ضعيف: أي وهي غربي المدينة، وحدّها طولاً ما بين العريش والفرات وعرضاً من جبل طي من نحو القبلة إلى نحو أرض الروم وما سامت ذلك من البلاد.

وقال ابن حبان: أوله نابلس وآخره العريش اهـ (خلقه الله تعالى) أي أوجده (يوم خلق) أي أوجد (السموات والأرض مفتوحاً) حال، ويحتمل أن يكون مفعولاً ثانياً لخلق بتضمينه معنى جعل (للتوبة) أي لقبولها سواء كانت من الكفر أو من الذنب (لا يغلق) ذلك الباب المترتب عليه عدم قبولها (حتى تطلع الشمس منه) أي: من المغرب، ويحتمل من ذلك

الباب.

قال في «المفاتيح» : وإنما لم تقبل بعد طلوع الشمس من مغربها لأنه من علامات القيامة، فحينئذٍ كأنها ظهرت الساعة وظهور الساعة: انقضاء التكليف اهـ. (رواه الترمذي) بكسر الفوقية والميم، وقيل: بضمهما وقيل بفتح ثم كسر ميمها مع إعجام الذال: نسبة لمدينة قديمة على طرف جيحون نهر بلخ كما تقدم قريباً في ترجمته. ثم إنه روى الحديث بجملته في الدعوات وفي الزهد من قوله: «جاء أعرابيّ» إلى قوله: «المرء مع من أحبّ» وفي الطهارة: قصة المسح (وغيره) فروى النسائي في التفسير الحديث وليس فيه قصة المسح، وفي الطهارة بقصة المسح، ورواه ابن ماجه في الطهارة بقصة المسح وفي الفتن.

وروى مسلم وغيره قوله: «المرء مع من أحبّ» لكن في قصة أخرى.

وروى البيهقي حديث باب التوبة لكن باللفظ الذي نقلته عن «الترغيب» .

قال المنذري: وإسناده صحيح (وقال) يعني: الترمذي (حديث حسن صحيح) قال الحافظ ابن حجر في شرح نخبته: إذا جمع الصحيح والحسن في وصف حديث واحد فللتردد الحاصل من المجتهد في الناقل، هل اجتمعت فيه شروط الصحة أو قصر عنها، وهذا حيث يحصل منه التفرد بتلك الرواية. قال: ومحصّل الجواب أن تردد أئمة الحديث في ناقليه اقتضى للمجتهد ألا يصفه بأحد الوصفين، بل يقول فيه حسن: أي باعتبار وصف ناقله عند قوم، صحيح باعتبار وصفه عند قوم آخرين. وغاية ما فيه أنه حذف منه حرف التردد لأن حقه أن يقول حسن أو صحيح، كما حذف منه حرف العطف في الذي بعده، وعلى هذا فما قيل فيه حسن صحيح، دون ما قيل فيه صحيح، لأن الحزم أقوى من التردد، وهذا حيث حصل التفرد، وإلا، أي: وإن لم يحصل التفرد فإطلاق الوصفين معاً على الحديث يكون باعتبار إسنادين أحدهما صحيح والآخر حسن. وعلى هذا فما قيل فيه حسن صحيح فوق ما قيل فيه صحيح فقط إذا كان فرداً، لأن كثرة الطرق تقوى اهـ.

وقال الحافظ السيوطي: أو يكون المراد أنه حسن لذاته صحيح لغيره، أو أن المراد حسن باعتبار إسناده صحيح، أي أنه أصح شيء ورد في الباب، فإنه يقال أصح ما ورد كذا وإن كان حسناً أو ضعيفاً، والمراد أرجحه وأقله ضعفاً اهـ.

٨ - (وعن أبي سعيد) كنية (سعدبن مالكبن سنان) بكسر السين المهملة وبنونين بينهما ألف (الخدريّ) بضم المعجمة وسكون المهملة نسبة إلى خدرة بهذا الضبط وهو الأبجر بالموحدة فالجيم، بطن من الخزرج، وقيل خدرة أو الأبجر. ثم سعد وأبوه صحابيان، استشهد أبوه في وقعة أحد، وحينئذٍ فلا يظهر إفراد الضمير في قول الشيخ (رضي الله عنه) : وكان حقه رضي الله عنهما كما هو المطلوب عند ذكر صحابي ابن صحابي، روى لأبي سعيد عن النبيّ ألف ومائة وسبعون حديثاً اتفقا منها على ستة وأربعين، وانفرد البخاري بستة عشر، ومسلم باثنين وخمسين عن حنظلةبن أبي سفيان الجمحي عن أشياخه قالوا: لم يكن أحد من أحداث الصحابة أفقه من أبي سعيد، وفي رواية: أعلم، ومناقبه كثيرة. توفي بالمدينة يوم الجمعة سنة أربع وستين، وقيل وسبعين، ودفن بالبقيع (أنّ) بفتح الهمزة ويجوز كسرها بتقدير القول (نبيّ الله - صلى الله عليه وسلم - قال:) مرغباً في التوبة والإنابة إلى الله تعالى ومومئاً إلى صغر الذنب وإن عظم في جنب عفوه سبحانه (كان فيمن كان قبلكم) أي: من الأمم (رجل) اسم كان والظرف قبله حال منه، وقيل: الظرف صلة لمن الموصولة، وقوله: (قتل) خبر كان (تسعة وتسعين نفساً) أي: على وجه العدوان فهبت عليه نفحات الوصول، وآن إبان ساعة الإنابة والقبول (فسأل عن أعلم أهل الأرض) أي: في ذلك الوقت (فدل) بالبناء للمجهول (على راهب) أي: عابد من عباد بني إسرائيل (فأتاه فقال: إنه) عدل إليه عن حكاية لفظه وهو «إني» بضمير المتكلم، تنبيهاً على الأدب في حكاية مثل ذلك مما يكره النطق به فيؤتى فيه بضمير الغيبة كما قال الحاكي للفظ أبي طالب عند موته «فكان آخر ما كلمهم به أنه على ملة عبد المطلب» نبه عليه المؤلف في ذلك المقام من «شرح مسلم» (قتل تسعة وتسعين نفساً) عدواناً (فهل له من توبة؟) من مزيدة للتأكيد (فقال لا فـ) لما أوقعه في ميدان القنوط (قتله فكمل به مائة) من القتلى.

قال القرطبي: وهذا من الراهب دليل على قلة علمه وعدم فطنته حيث لم يصب وجه الفتيا ولا سلك طريق التحرّز في نفسه مما صار له القتل عادة معتادة، فقد صار هذا مثل الأسد الذي لا يبالي بمن يفترسه، فكان حقه ألا يشافهه بمنع التوبة مداراة لدفع القتل عن نفسه كما يدارى الأسد الضاري

لكنه أعان على نفسه، فإنه لما آيسه من التوبة قتله بحكم سبعيته ويأسه من رحمة الله وتوبته عليه (ثم) لما لم يزل لطف الله تعالى مصاحباً لذلك القاتل بقي في نفسه الرغبة في السؤال عن حاله فما زال يحثه على هذا الأمر حتى (سأل) ثانياً (عن أعلم أهل الأرض) أي: في ذلك الزمن (فدل على رجل) أتى به توطئة لقوله: (عالم فقال) عطف على مقدر أي فأتاه فقال وحذف لذكره في نطيره (إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟) أي: مقبولة (فقال) ناطقاً بالحق والصواب، مجيباً عن السؤال، منكراً على من ينفيها عنه (نعم، ومن) استفهام إنكار أي شيء (يحول) بالحاء المهملة، أي يكون حائلاً وفاصلاً (بينه) أي التائب من الذنب (وبين التوبة) وعبر بمن تغليباً أي لا مانع بينك وبينها من شخص ولا غيره، وأتى بضمير الغائب مراعاة لحسن الأدب في الخطاب، وهو ألا يضاف ما فيه لوم ولو على سبيل الرمز للمخاطب. وقبول توبة القاتل عمداً مذهب أهل العلم وإجماعهم، ولم يخالف أحد منهم إلا ابن عباس، وما نقل عن بعض السلف من خلاف ذلك فمراد قائله الزجر والتورية لا اعتقاد بطلان توبته، وهذا الحديث ظاهر فيما قاله أهل العلم، وهو إن كان شرعاً لمن قبلنا، وفي الاحتجاج به خلاف فليس هذا من موضع الخلاف، إنما موضعه إذا لم يرد شرعنا بموافقته وتقريره، فإن ورد كان شرعاً لنا بلا خلاف، وهذا ورد شرعنا به، قال تعالى: {والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون} - إلى قولهـ {إلا من تاب} (٦٨ - ٧٠) الآية.

وجاءت أحاديث كثيرة بمعنى ذلك. وأما قوله تعالى: {ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها} (النساء: ٩٣) فالصواب في معناه أن جزاءه جهنم وقد يجازى بها، وقد يجازى بغيرها، وقد لا يجازى بل يعفى عنه. كذا في «شرح مسلم» للمصنف. ثم إن العالم دلّ السائل على ما فيه نفعه بقوله: (انطلق إلى أرض كذا وكذا) اسمها بصرى، واسم القرية التي كان بها كفرة رواه الطبراني. ليفارق دار الفساد وأصحابه الذين كانوا يعينونه عليه ما داموا كذلك.

قال القرطبي: وبهذا يعرف فضل العلم على العبادة، لأن الأول

غلبت عليه الرهبانية واغترّ بوصف الناس له بالعلم فأفتى بغير علم فهلك في نفسه وأهلك غيره.

والثاني كان مشتغلاً بالعلم فوفق للحق فأحياه الله وأحيا به اهـ. وقوله: «كذا وكذا» كأن الراوي شك في اللفظ فكنى عنه بذلك، وهي من ألفاظ الكنايات مثل كيت وكيت، ومعناه مثل ذا، قاله في «النهاية» . وقوله: (فإن بها أناساً) بضم الهمزة (يعبدون الله تعالى فاعبد الله تعالى معهم) أتى بالمظهر والمقام للضمير استلذاذاً فذكر المحبوب محبوب (ولا ترجع إلى أرضك) أي: التي كنت بها زمن العصيان (فإنها أرض سوء) بفتح المهملة، وفيه تنبيه على وجه استبدال تلك الأرض بأرضه، وفيه الانقطاع عن إخوان السوء ومقاطعتهم ما داموا على حالهم واستبدال صحبة أهل الخير والعلم والصلاح والعبادة والورع ومن يقتدى به وينتفع بصحبته لتتأكد بذلك توبته وتقوى أوبته، فإن كل قرين يقتدي بقرينه (فانطلق) تائباً من زلته مفارقاً لمحلته قاصداً لما أمر بالرحلة إليه واستمرّ كذلك (حتى إذا نصف الطريق) بتخفيف الصاد المهملة المفتوحة: أي بلغ نصفها (أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله تعالى) قال القرطبي: هذا نصّ صريح في أن الله تعالى أطلع ملائكة الرحمة على ما في قلبه من صحة قصده إلى التوبة وحرصه عليها. وأن ذلك خفي على ملائكة العذاب حتى أخبر عنها بقوله: (وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قط) بضم الطاء ظرف لاستغراق الزمن الماضي، إذ لو اطلعت على ما فيه قلبه من التوبة لما صح لها أن تقول هذا ولا أن تنازع ملائكة الرحمة في قولها إنه جاء تائباً الخ، بل كانت تشهد بما في علمها كما شهد الأولون بما تحققوه، ولما كانت شهادة ملائكة الرحمة على إثبات وملائكة العذاب على عدم، وشهادة الإثبات مقدمة فلا جرم لما حصل التنازع بين الصنفين وخرج كلاهما عن الشهادة إلى الدعاوى بعث الله إليهما ملكاً حاكماً يفصل بينهما كما قال: (فأتاهم ملك في صورة آدمي) صوّر بصورته إخفاء عن الملائكة وتنويهاً ببني آدم،

وأن منهم من يصلح لأن يفصل بين الملائكة إذا تنازعوا (فجعلوه بينهم) حجة لمن قال بلزوم حكم المحكم للخصمين المتراضيين به (فقال: قيسوا ما بين الأرضين) أي: التي خرج منها والتي ذهب

إليها (فإلى أيتهما كان أدنى فهو له) أي لذلك الأدنى إليه منهما أي الجنة والعذاب (فقاسوا) أي ملائكة الصنفين (فوجدوه) أي التائب (أدنى) أي: أقرب (إلى) جهة (الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة) لكونه أقرب إلى أرض الصلاح.

قال القرطبي: وفيه دليل على أن الحاكم إذا تعارضت الأقوال عنده وتعذرت الشهادة مكنة الاستدلال بالقرائن على ترجيح بعض الدعاوى نفد الحكم بذلك كما فعله سليمان عليه السلام حيث قال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما، وقال المصنف: قياس الملائكة ما بين القريتين، وحكم الملك الذي جعلوه بينهم بذلك محمول على أن الله تعالى أمرهم عند اشتباه الأمر عليهم، واختلافهم فيه أن يحكموا رجلاً ممن يمر بهم، فمرّ الملك في صورة رجل فحكم بذلك اهـ. (متفق عليه) رواه البخاري في ذكر بني إسرائيل، ومسلم في التوبة، ورواه ابن ماجه في «سننه» .

قال المزي: قلت واللفظ المذكور لمسلم (وفي رواية في الصحيح) عند مسلم من حديث أبي سعيد أيضاً (فكان إلى القرية الصالحة) إسناد مجازي من إسناد الشيء إلى مكانه، كنهر جار، أي: الصالح من فيها، وفيه إيماء أن شرف المكان بشرف المكين، وما أحسن ما قيل:

بسكانها تغلو الديار وترخص

وقول الآخر:

وما حب الديار شغفن قلبي

ولكن حب من سكن الديار

{أقرب بشبر} أي: بعد الأمر للقرية الصالحة بأن تقرب فلا تخالف الرواية الآتية (فجعل من أهلها) أي: الجنة فأخذه أهلها ففيه مجاز إطلاق اللازم وإرادة الملزوم (وفي رواية) أخرى (في الصحيح) هي عندهما واللفظ للبخاري (فأوحى الله تعالى) أي: أشار (إلى هذه) إلى أرض الفساد (أن تباعدي) عن ذلك الإنسان بأن ينضام بعضها لبعض (و) أوحى أي أشار (إلى هذه) أي أرض الصلاح (أن تقربي) بانبساط أجزائها وامتدادها (وقال) أي الحكم (قيسوا ما بينهما، فوجدوه إلى هذه) أي: أرض

الصلاح (أقرب بشبر) بسبب امتدادها وانبساطها والزواء تلك وانقباضها (فغفر له) فأخذته ملائكة الرحمة، ففيه مجاز كما تقدم في نظيره.

قال القرطبي: يفهم منه أن الرجل كان أقرب إلى الأرض التي خرج منها، فلو تركت الأرض على حالها لقبضته ملائكة العذاب، لكن غمرته الألطاف الإلهية وسبقت له العناية الأزلية فقرّبت البعيد وألانت الحديد. ويستفاد منه أن الذنوب وإن عظمت فعفو الله أعظم منها، وأن من ألهمه الله صدق التوبة فقد سلك به طريق اللطف والقربة اهـ. (وفي رواية) أي في الصحيح أيضاً رواه مسلم (فناء) بتقديم الألف على الهمزة وفي نسخة من مسلم «نأى» بتقديم الهمزة عليها: أي: نهض مع ثقل ما أصابه من الموت (بصدره نحوها) وفيه دليل لصحبة توبته وصدق رغبته.

٢١٩ - (وعن عبد ابن كعببن مالك) بن كعب الأنصاري السلمي، أي: بفتحتين قال في «أسد الغابة» : ذكره أبو أحمد العسكري فيمن لحق بالنبي اهـ. (وكان قائد كعب رضي الله عنه من) بين (بنيه) وهم: عبد اهذا، وعبد الرحمن، وعبيد الله (حين) أي: زمن (عمي) أي: صار أعمى (قال) بيان للمرويّ عن عبد الله (سمعت كعببن مالك رضي الله عنه) شهد العقبة والمشاهد كلها إلا بدراً وتبوك، وجرح يوم أُحُد، أحد عشر جرحاً في سبيلالله، وهو أحد شعراء النبيّ المجاهدين بألسنتهم وأيديهم، وهم ثلاثة: حسان، وكعب، وابن رواحة. وكان حسان يقع في «الأنساب» ، وابن رواحة يعيرهم بالكفر، وكعب يخوفهم وقائع السيف. روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمانون حديثاً، اتفقا على ثلاثة منها، وانفرد البخاري بحديث مسلم بحديثين، توفي بالمدينة سنة خمسين رضي الله عنه (يحدث حديثه) مفعول مطلق أو منصوب بنزع الحافض (حين تخلف عن) الخروج مع (النبيّ) وفي نسخة: «عن رسول الله» (في غزوة تبوك) بفتح الفوقية وضم الموحدة،

يصرف إن أريد به المكان ولا يصرف أن أريد به البقعة، وكانت غزوة تبوك في التاسعة من الهجرة.

قال الفناوى في «شرح الموطأ» من رواية محمدبن الحسن: قيل سميت بتبوك لأنه رأى قوماً من أصحابه يبوكون عين تبوك. أي: يدخلون فيها القدح ويحركونه ليخرج الماء، فقال: ما زلتم تبوكونها تبوكاً اهـ. (قال كعب) : بيان لحديثه (لم أتخلف عن رسول الله) في غزوة غزاها قط وعدة الغزوات التي خرج فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنفسه سبع وعشرون، قاتل في تسعة منها بنفسه: بدر، وأحد، والمريسيع، والخندق، وقريظة، وخيبر، وفتح مكة على القول بأنها فتحت عنوة والصحيح عند أئمتنا خلافه، وحنين، والطائف. وقيل إنه قاتل بني النضير. وكانت سراياه التي بعث فيها سبعاً وأربعين سرية (إلا في غزوة تبوك) ثم استثنى من قوله: «لم أتخلف» الخ قوله: (غير أني قد تخلفت) أي: عنه (في غزوة بدر) قرية مشهورة تنسب إلى بدربن مخلدبن النضربن كنانة كان نزلها، وقيل: بدربن الحارث حافر بئرها، وقيل: بدر اسم البئر التي فيها سميت به لاستدراتها أو لصفائها ورؤية البدر فيها.

وحكى الواقدي عن غير واحد من شيوخ بني غفار إنكار هذا كله، قال: وإنما هي مالنا ومنازلنا وما ملكها أحد قط يقال له: بدر، وإنما هو علم عليها كغيرها من البلاد. والسبب في ترك استثناء بدر مع تبوك بلفظ واحد كونه تخلف في تبوك مختاراً لذلك مع تقدم الطلب وقوع العتاب على من تخلف بخلاف بدر في ذلك كله فلذا غاير بين التخلفين، قاله الحافظ في «الفتح» (ولم يعاتب أحد) من المسلمين هو بفتح الفوقية مبني للمجهول، وفي رواية: «لم يعاتب أحداً» (تخلف عنه) فيها (إنما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون يريدون عير قريش) علة لعدم العتاب.

والعير: الإبل التي عليها أحمالها. وذلك أن أبا سفيان كان بالشام في ثلاثين راكباً، منهم: عمروبن العاص، فأقبلوا في قافلة عظيمة فيها أموال قريش، حتى إذا كان قريباً من بدر بلغ النبي ذلك، فندب أصحابه إليهم وأخبرهم بكثرة المال وقلة الغدوّ، فلما بلغ النبيّ الروحاء أتاه الخبر عن مسير قريش ليمنعوا عن عيرهم، فكان سبب الحرب المشار إليها بقوله: (حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم) أي: من كفار قريش (على غير ميعاد) أي: موعد (ولقد شهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم

ـ ليلة العقبة) أي: الليلة التي بايع النبيّ الأنصار فيها على الإسلام وأن يؤووه وينصروه، وهي العقبة التي في طرف منى التي تضاف إليها جمرة العقبة، وكانت بيعة العقبة مرتين في السنة الأولى كانوا اثني عشر، وفي السنة الثانية سبعين كلهم من الأنصار بمسجد يقرب العقبة المذكورة، وإذا أطلق ذكر العقبة فالمراد الأخيرة (حين تواثقنا) بالمثلثة بعد الألف بدل من ليلة وتواثقنا (على الإسلام) أي: تبايعنا عليه وتعاهدنا وأخذ بعضنا على بعض الميثاق، وفي بعض النسخ «توافقنا» بالفاء بدل المثلثة (وما أحبّ أن لي بها) أي بدل الليلة أو العقبة (مشهد بدر) بالنصب اسم أن، أي: ما أحبّ أني شهدت بدراً ولم أشهدها قال ذلك لما ظهر له بحسب نظره أن ليلة العقبة كانت أفضل لأنها وقعت قبل الهجرة، والمسلمون قليل والإسلام ضعيف (وإن كانت بدر أذكر) بالنصب: أي أشهر ذكراً (في الناس منها) بالفضيلة، وقد قدموا في عدّ طباق الصحابة من شهد العقبة الثانية على من شهد بدراً (فكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة) بإسكان الزاي، ويقال: غزاة بفتح المعجمة والزاي وإبدال الواو ألفاً فهما مفرداً غزوات وعن ثعلب الغزوة المرة، والغزاة عمل سنة كاملة. ذكره أو المغازي من الفتح (تبوك أني) بفتح الهمزة هي ومدخولها اسم كان (لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني) فيه تفضيل الشيء على نفسه باعتبار تعدد

الزمان، كما فضل الكحل حال كونه في عين زيد مثلاً على نفسه حال كونه في عين غيره باعتبار تعدد المكان في قولهم: ما رأيت أحداً أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد (حين) أي: زمن (تخلفت عنه في تلك) الغزوة (وا ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة) بيان لكونه أيسر وكذا لكونه أقوى إن أريد به القوة العارضية الحاصلة بالأسباب، وإن أريد به القوّة في البدن فسكت عن ذكر ما يبينه

(ولم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد غزوة إلا ورّى بغيرها) أي أوهم، زاد أبو داود: وكان يقول: «الحرب خدعة» (حتى) غاية للتورية (كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حرّ شديد) يخاف منه الهلاك (واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً) ويقال مفازة: أي برية طويلة قليلة الماء وهو بفتح الميم، قيل: مأخوذ من فاز الرجل إذا هلك، وقيل على سبيل التفاؤل بفوزه ونجاته منها كما يقال للديغ: سليم (واستقبل عدداً كثيراً) وفي بعض نسخ الصحيح: عدواً، وكأن حكمة إعادة العامل أن هذا نوع غير معمول «استقبل» المذكور أولاً (فجلا للمسلمين أمرهم) بتخفيف اللام وتشديدها: أي كشفه وأوضحه وعرفهم ذلك من غير تورية (ليتأهبوا أهبة غزوهم) بضم الهمزة وإسكان الهاء، أي: ليستعدوا بما يحتاجون إليه في سفرهم، ثم هو كذا في نسخ الرياض بالمعجمة فالزاي، وهو كذلك في «صحيح مسلم» ، وفي «صحيح البخاري» «عدوهم» بالمهملتين وتشديد الواو (فأخبرهم بوجههم) أي: بقصده، وهو كذلك بالموحدة أوله، في بعض نسخ مسلم وفي غيره «توجههم» بالفوقية بدل الموحدة: أي مقصدهم (الذي يريد) وفي تلك «الذي يريدون» والعائد محذوف عليهما. وسبب تلك الغزوة أنه بلغه أن الروم تجمعت بالشام مع هرقل: أي لحربه، فندب الناس إلى الخروج لذلك (والمسلمون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثير) جملة حالية من فاعل غزا، وعدة من كان معه ثلاثون ألفاً، وعن أبي زرعة سبعون ألفاً، وفي رواية عنه أيضاً: أربعون

ألفاً، ووجه الجمع أن من قال كانوا سبعين عدّ التابع والمتبوع ومن قال ثلاثين أو أربعين عدّ المتبوعين أو أهل القتال (ولا يجمعهم كتاب حافظ) حال متداخلة، ثم روي في «صحيح البخاري» بتنوينهما، وفي «صحيح مسلم» بالإضافة.

قال ابن شهاب الزهري: (يريد) أي: كعب (بذلك) أي: بالكتاب الحافظ (الديوان) بكسر الدال على المشهور، وحكي فتحها فارسي معرب، وقيل: عربي (قال كعب: فقلّ رجل) وفي «البخاري» فما رجل (يريد أن يتغيب) أي: يغيب (إلا ظن أن ذلك سيخفى له) وقع في جميع نسخ مسلم بإسقاط «إلا» .

قال

المصنف في «شرحه» : والصواب إثباتها. قال القرطبي: هي لإيجاب ما تضمنته قلّ من معنى النفي، لأن معنى قلّ رجل: ما رجل، فكأنه قال: ما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن اهـ (ما لم ينزل فيه وحي من الله عزّ وجلّ) منبه على تغيبه (وغزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلك الغزوة حين طابت الثمار) أي: أينعت ونضجت وآن وقت أكلها (و) طابت (الظلال) بكسر الظاء المعجمة: جمع ظل (فأنا إليها أصعر) بالمهملتين: أي: أميل، والصعر: الميل (فتجهز رسول الله، و) تجهز (المسلمون معه وطفقت) من أفعال الشروع جعلت يقال: طفق بكسر الفاء وفتحها وبإبدال الفاء بموحدة (أغدو لكي أتجهز معه فأرجع ولم أقض) شيئاً من أمري (وأقول في نفسي أنا قادر على ذلك) أي: على التجهيز (إذا أردت) أي: لسعة الوقت (فلم يزل ذلك) أي التسويف في الأمر (يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد) بكسر الجيم: أي الاجتهاد في أمر السفر وشأنه (فأصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غادياً و) أصبح (المسلمون معه) أي: مصاحبين له في السفر (ولم أقض من جهازي) بفتح الجيم وكسرها: أي أهبه سفري (شيئاً ثم غدوت) أي: سرت أول النهار (فرجعت) من غدوي (ولم أقض شيئاً) أي: من جهازي (فلم يزل ذلك) أي: الغدو لقضاء الجهاز وعدم قضائه (يتمادى بي حتى أسرعوا) بالمهملات. وصحفه الكشميهني فرواه في «صحيح البخاري» «شرعوا» بحذف الهمزة وإعجام الشين (وتفارط) بفوقية ففاء وراء وطاء مهملتين (الغزو) بإعجام الغين: أي تقدم الغزاة، والفارط والفرط: المتقدم وجمعه أفراط (فهممت أن أرتحل فأدركهم فيا) قوم (ليتني فعلت) وخلصت من ورطة التخلف، وفيه الندم على ما فات من عمل البرّ، والنهي عنه على ما فات محمول على ما فات من الأعراض الفانية (ثم لم يقدر ذلك) أي: الارتحال (لي) وما لم يقدر لا يكون (فكنت إذا خرجت في الناس) أي المتخلفين من مؤمن معذور أو منافق

مغرور (بعد خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحزنني) بفتح التحتية وضم

الزاي من حزن ويجوز ضم التحتية وكسر الزاي من أحزن (أن) وفي نسخة «أنى» (لا أرى لي أسوة) فاعل يحزن. والظرف في محل الحال من أسوة، وهي بضم الهمزة وقد تكسر: القدوة (إلا رجلاً مغموصاً) بإعجام الغين وإهمال الصاد أي مطعوناً (عليه) في دينه محتقراً متهماً (في النفاق) أي إظهار الإسلام وإخفاء الكفر. ولا يخفى ما اشتملت عليه هذه الجملة من الاستعارة المكنية وما يتبعها من الاستعارة التخييلية (أو رجلاً ممن عذر ا) أي: عذره الله (من الضعفاء) بيان لمن (ولم يذكرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بلغ تبوك) هكذا في «نسخ الرياض» ممنوع الصرف على إرادة البقعة. قال المصنف: وهو في أكثر نسخ «الصحيحين» تبوكاً بالصرف، وكأنه صرفه لإرادة المكان دون البقعة (فقال وهو جالس في القول بتبوك: ما فعل كعببن مالك؟ فقال رجل من بني سلمة) بكسر اللام: بطن من الأنصار، واسم ذلك الرجل عبد ابن أنيس كما قاله الواقدي في «المغازي» (يا رسول الله حبسه برداه) بضم الباء، يعني: الرداء والإزار أو الرداء والقميص، وسماهما بردين لأن الإزار والقميص قد يكونان من برد والبرود ثياب من اليمن فيها خطوط، ويحتمل أن أحدهما كان برداً وتسمينهما بردين على طريقة العمرين والقمرين (والنظر في عطفيه) بكسر المهملة الأولى: أي جانبيه، كناية عن العجب.

قال القرطبي: وكأن هذا القائل كان في نفسه حقد على كعب ولعله كان منافقاً فنسب كعباً إلى الزهوّ والكبر، وكانت نسبة باطلة بدليل ردّ العدل الفاضل معاذبن جبل عليه كما قال: (فقال له معاذبن جبل رضي الله عنه بئسما) أي بئس هو قولاً (قلت، وا يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً) ففيه جواز ذمّ المتكلم بالعيب والقبيح في حق المسلم ونصرة المسلم في غيبته والرد عن عرضه. وما زعمه من احتمال نفاق القائل فيه نظر لأن عبد ابن أنيس لم يتهم بذلك. والأولى حمله على أنه صدر منه ذلك من غير فكر وروية وقصد إلى معايبه القبيحة الردية، والله أعلم بحقيقة الحال

(فسكت رسول الله) أي عن السؤال عن حال كعب، زاد مسلم على البخاري (فبينا هو على ذلك رأى رجلاً مبيضاً) بكسر التحتية اسم فاعل، من البياض: أي لابس البياض، يقال: هم المبيضة والمسودة بالكسر: أي لابسو البياض والسواد (يزول) أي يتحرك وينهض (به السراب) هو ما يظهر للإنسان في الهواجر في البراري كأنه ماء (فقال رسول الله: كن أبا خيثمة) لفظهُ لفظ الأمر ومعناه الدعاء، كما يقال أسلم: أي سلمكالله، قاله السهيلي.

وقال المصنف في «شرح مسلم» : قيل معناه أنت أبو خيثمة. قال ثعلب: العرب تقول كن زيداً: أي أنت زيد. قال القاضي عياض: والأشبه عندي أنّ كن هنا للتحقيق والوجود: أي لتوجد يا هذا الشخص أبا خيثمة حقيقة، وهذا الذي قاله القاضي هو الصواب وهو معنى قول «صاحب التحرير» : تقديره اللهم اجعله أبا خيثمة اهـ. (فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري) إذا فجائية والجملة بعدها في محل جرّ بالإضافة (و) أبو خيثمة (هو الذي تصدّق بصاع التمر حين لمزه المنافقون) واللمز: الطعن. انتهت زيادة مسلم. واسم أبي خيثمة عبد ابن خيثمة، وقيل: مالكبن قيس، ولهم: أبو خيثمة صحابي آخر اسمه: عبد الرحمنبن أبي سبرة الجعفي (قال كعب: فلما أن بلغني أن رسول الله) بفتح الهمزة هي ومعمولاها فاعل بلغ (قد توجه قافلاً) أي: راجعاً (من تبوك) بالصرف وعدمه على ما تقدم (حضرني بثي) جواب للما.

وعند البخاري: «حضرني همي» والبث أشد الحزن، وبه يعلم أن عطف الحزن عليه في قوله تعالى: {إنما أشكو بثي وحزني إلى ا} (يوسف: ٨٦) من عطف العام على الخاص لا المرادف خلافاً لما في شرح «بانت سعاد» لابن هشام (فطفقت) أي: أخذت من باب أفعال المقاربة تقدمت لغاتها (أتذكر الكذب) أي ما يقبله السامع من الآتي به والجملة خبر طفق (وأقول) عطف على خبر طفق (بما) كذا هو إثبات الألف في الأصول المصححة، ومقتضى قاعدة وجوب حذف ألف ما الاستفهامية إذا جرت نحو {عم يتساءلون}

أن يكون بحذفها ولعله جاء على الاستعمال القليل: أي أقول بأي شيء من الأعذار مطابقة للواقع أم لا كما يدل عليه السياق (أخرج من سخطه) بفتحتين أو بضم فسكون أي من كراهيته لتخلفي وعدم رضاه به (غداً وأستعين) عطف على أتذكر (على ذلك) أي المخرج لي من سخطه وعدم رضاه (بكل ذي) أي: صاحب (رأي من أهلي) ثم لا يشكل ما ذكره من تذكرة الكذب والاستعانة عليه بما تقرّر من عدالة الصحابة، لأنه رأى جواز فعل ذلك لما فيه من ارتكاب أخف الضررين دفعاً لأشدهما وهو سخطه. على أن الله سبحانه وتعالى قد حفظه من فعل ذلك وسلك به عنه بصدقه أحسن المسالك (فلما قيل) أي: تحدث وليس المراد منه تضعيف المخبر عنه (أن رسول الله) بكسر الهمزة محكي بالقول، وهو نائب الفاعل لأن الإسناد لفظي: أي قيل هذا اللفظ (قد أظل) بالمعجمة المشالة أي: أقبل ودنا كأنه ألقى عليه ظله (قادماً) حال من فاعل أظل (زاح عني الباطل) أي: زال وذهب، ويقال: أزاح أيضاً والمصدر زوحاً، قاله الأصمعي، وزيحا كما في «المصباح» ، وزيحانا قاله الكسائي، والمراد بالباطل ما كان عزم عليه من التنصل من سخطه بالإخبار بغير مطابق للواقع (حتى) استئنافية أو عاطفة (عرفت أني لم أنج) بفتح الهمزة وسكون النون وضم الجيم (منه) أي من سخطه نجاة نافعة (بشيء) أي: من الكذب، وفي نسخة «بشيء فيه كذب» (أبداً) أي لا أنجو به نجاة أبدية وإن نجوت به في الحال،

لكن يحصل خلافه عند كشف الله لنبيه عن حقيقة الأمر كما جرى للمنافقين، والأبد الزمن المستقبل (فأجمعت صدقه) أي: عزمت عليه، يقال أجمع أمره وعلى أمره وعزم عليه بمعنى (وأصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قادماً وكان إذا قدم) بكسر الدال مضارعه يقدم بفتحها (من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين) تحية المسجد، إنما كان يفعل ذلك ليبدأ بتعظيم بيت الله قبل بيته وليقوم بشكر نعمة الله عليه في سلامته، وليس ذلك في شرعه لأمته. كذا في «المفهم» .

ثم جملة «وكان» تحتمل العطف على جملة أصبح، والحالية من فاعل أصبح، (ثم

جلس للناس) أي ليسلموا عليه ويهنئوه بالسلامة (فلما فعل ذلك) أي: المذكور من صلاة التحية والجلوس للناس معتكفاً كما يومىء إليه علو مقامه فلذا دارت أفعاله بين الوجوب والندب. والاعتكاف يحصل بما زاد على الطمأنينة ولا يتوقف على الصوم (جاءه المخلفون) اسم مفعول: أي عن الخروج معه إلى تبوك.

قال أبو حيان في «النهر» : لفظ المخلفون يقتضي الذم والتحقير، وهي أمكن من لفظ المتخلفين إذ هم مفعول بهم ذلك اهـ. فطفقوا (ويعتذرون إليه) من تخلفهم عنه (ويحلفون له) على ما يعتذرون به (وكانوا بضعاً وثمانين رجلاً) والبضع والبضعة بكسر الباء الموحدة وسكون المعجمة: ما بين الثلاث إلى التسع من العدد. وفي هذا الرد على منع استعماله فيما فوق العشرين، ثم منهم من اعتذر بالمرض ومنهم من اعتذر بغيره مما هو كاذب فيه (فقبل منهم علانيتهم) بتخفيف التحتية اسم مصدر من علن الأمر يعلن علوناً كدخل أو من علن يعلن علناً كطرب أي: ما أظهروه إجراء للأحكام على ظاهر (وبايعهم) بالموحدة (واستغفر لهم) أي: سأل الله غفر ذنب المتخلف عنه (ووكل) بتخفيف الكاف (سرائرهم) جمع سريرة: أي ما أخفوه من النفاق وقصد الإخبار بخلاف الواقع (إلى) علم (ا) وفي الحديث: «إنما أحكم بالظواهر وا يتولى السرائر» (حتى جئت) حتى حرف ابتداء لدخولها على الماضي، وليست حرف جر بعدها أن مضمرة خلافاً لابن مالك فقد رده عليه ابن هشام بأنه لا يعرف له فيه سلفاً، ولا عاطفة لأنها لا تعطف الجمل خلافاً لابن السيد في زعمه إجازة ذلك. قال في «المغني» : وذلك لأن شرط معطوفها أن يكون جزءاً مما قبلها أو كجزئه ولا يتأتى ذلك إلا في المفردات اهـ. وحينئذٍ فالجملة مستأنفة (فلما) الفاء فصيحة أي جئت فسلما فلما (سلمت عليه تبسم تبسم المغضب) بفتح المهملة من الأول فعل ماض جواب لما، وضمها من الثاني مصدر مفعول مطلق، والمغضب اسم مفعول: أي الغضبان، وفي التعبير به دونه إيماء إلى أن الغضب منه إنما يكون عارضاً بسبب أمر يقتضيه، وإلا فخلقه الكريم الرضى والعفو والصفح والتجاوز عما لا معصية فيه من الأمور.

قال أنس: «خدمت النبي عشر سنين، فما قال لي لشيء فعلته لم فعلته، ولا لشيء تركته لم تركته» (ثم قال: تعال) بفتح اللام (فجئت) أي عقب الأمر من غير تراخ ففيه ما كان عليه الصحابة من البدار

لأداء أوامره (أمشي) جملة حالية (حتى) غاية لما قبله (جلست بين يديه فقال لي: ماذا) أي ما الذي (خلفك) أي ما كان سبب تخلفك عن الخروج معي لتبوك. وإسناد التخليف إليه مجاز عقلي (ألم تكن قد ابتعت) أي اشتريت (ظهرك) الظهر: هي الإبل التي تركب وجمعه ظهران بالضم (قلت: يا رسول الله إني وا لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج سخطه بـ) ـذكر (عذر) أبديه مورياً أو موجهاً (لقد أعطيت) بالبناء للمجهول (جدلاً) بفتح أوليه الجيم فالمهملة: أي فصاحة وقوة في الكلام وبراعة بحيث أخرج عن عهدة ما ينسب إليّ إذا أردت، ثم أكد ما قبله بقوله: (ولكني وا لقد علمت أني لئن حدثتك اليوم حديث كذب) بفتح فكسر (ترضى به عني) لفصاحته وبراعته الموهمة أنه كذلك في الواقع (ليوشكن ا) أن (يسخطك عليّ) يوشك بضم التحتية وكسر المعجمة مضارع أو شك وهو أكثر استعمالاً منه حتى أنكر الأصمعي مجيئه ماضياً، وإن كان مردوداً بمجيئه كذلك في كلامهم، وهو من أفعال المقاربة، ثم اللام في لقد علمت لام جواب القسم، وفي لئن مؤذنة بقسم مقدر أتى به تأكيداً للمقام، وقوله ليوشكن جوابه، واستغنى به عن جواب الشرط، وجملة القسم وجوابه علق عنها فعل العلم والقسم الأول وجوابه ساد مسد خبر لكن علة له، والتقدير: ولكني مع الحال المذكورة لا أفعل لعلمي بأن الله يجلي لك الأحوال ويظهر لك الصادق والكاذب من المقال، ففيه التنبيه على اجتناب المعاصي، فإنها وإن كانت قد تحلو ساعة مباشرتها بتزيين الشيطان وإغوائه إلا أنها مرة المجنى منقصة في المعنى لمن استنارت بصيرته وجليت سريرته (وإن حدثتك حديث صدق تجد) بكسر الجيم وتخفيف المهملة أي: تغضب (عليّ فيه) أي لأني ملوم بسببه واقع في المخالفة به،

وهذه الجملة الشرطية معطوفة على الأولى الواقعة بعد اللام المؤذنة بالقسم.

فقوله: (إني لأرجو فيه) أي: الصدق (عقبى الله عز وجل) جواب القسم، والعقبى بضم العين المهملة وسكون القاف: أي: العاقبة الحسنة أي: أرجو من الله تعالى أن يعقبني خيراً بتوبته علي وإرضاء نبيه عني، وقد حقق الله له رجاءه (وا ما كان لي من) مزيدة لاستغراق النفي

(عذر) أي: حقيقي في التخلف فأعتذر به (وا ما كنت قط) بفتح القاف وتشديد المهملة المضمومة على الأفصح (أقوى) أي في البدن (ولا أيسر) أي في المال (مني) هو المفضل عليه وتفضيل الشيء على نفسه باختلاف الزمان (حين) أي: وقت (تخلفت عنك فقال رسول الله: أما) بفتح الهمزة وتشديد الميم حرف فيه معنى الشرط والتفصيل (هذا فقد صدق فقم) الفاء فيه فصيحة: أي حيثما صدقت فقم (حتى يقضي ا) أي: يبدي في عالم الشهادة ما سبق به قضاؤه الأزلي (فيك) أي في شأنك: أي من المؤاخذة بجريرة ذنب التخلف المحرم من غير عذر أو العفو عنه أو التوبة عليه والرضى عنه لما تجرعته من مرارة الصدق الشاق عليك لما ترتب عليه فقمت (وثار) بالمثلثة: أي: وثب (رجال من بني سلمة) بفتح المهملة وكسر اللام: بطن من الأنصار (فاتبعوني فقالوا: وا ما علمناك أذنبت ذنباً) الجملة في محل المفعول الثاني لعلم (قبل هذا) التخلف (لقد عجزت) بفتح الجيم على الأفصح (في) تعليلية نحو: {لمسكم فيما أفضتم} (النور: ١٤) ألا تكون اعتذرت أي: بسبب عدم اعتذارك (إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما) أي: بمثل الذي (اعتذر به إليه المخلفون) فإن كان ذنباً لكونه كذباً لم تورّ (فقد كان كافيك) بالنصب خبر كان، و {ذنبك} مفعوله الثاني أو منصوب على نزع الخافض (استغفار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لك) اسم كان، وأعربه الحافظ فاعل الوصف، وعليه تكون كان تامة الوصف فاعلها والاستغفار فاعله (قال) كعب: (فوا ما زالوا يؤنبونني) بضم التحتية وفتح الهمزة ثم

نون مشددة مكسورة ثم موحدة، أي يلومونني أشد اللوم (حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأكذب نفسي) أي: أقول إنها كاذبة في قول السابق ما كان لي من عذر (ثم قلت لهم: هل لقي هذا) أي الصدق في المقال وذكر الواقع الذي لمتوني به (معي من) مزيدة (أحد) فيهون عليَّ

الأمر وأجد لي مساوياً في ذلك (قالوا نعم، لقيه رجلان قالا مثل ما قلت) أي من الإخبار بانتفاء العذر المانع من الخروج (وقيل لهما مثل ما قيل لك) أي: من انتظار ظهور ما سبق به القضاء في شأنهما (قال) كعب (قلت من هما؟ قالوا) : هما (مرارة) بضم الميم وتكرار الراء (ابن الربيع العامري) هذا لفظ مسلم، قال المصنف في «شرحه» : هكذا هو في جميع نسخ «العامري» وأنكره العلماء وقالوا: هو غلط إنما صوابه «العمرى» بفتح المهملة وإسكان الميم من بني عمروبن عوف، وكذا ذكره البخاري، وكذا نسبه ابن إسحاق وابن عبد البرّ وغيرهما من الأئمة.

وقال القاضي عياض: هو الصواب، ووقع عند مسلم أيضاً في النسخ «ربيعة» ووقع في البخاري «ابن الربيع» قال ابن عبد البرّ: يقال بالوجهين (وهلال) بوزن بلال (بن أمية) بن عامربن قيسبن عبد الأعلمبن عامربن كعببن واقفبن امرىء القيسبن مالكبن الأوس (الواقفي) بقاف ففاء منسوباً إلى بني واقف المذكور في النسب واسمه مالك: بطن من الأنصار (قال: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدراً) أي: غزوة بدر الكبرى وأهلها لهم الشرف الأعلى، ثم ما ذكره من شهودهما بدراً كذا في الصحيحين.

قال ابن الجوزي في «جامع المسانيد» إنه من أوهام الزهري فلم يذكرهما أحد في البدريين، وقد سئل الشرف الدمياطي عن كلام ابن الجوزي هذا فأقرّه عليه وأيده، نقله عنه ابن السبكي في ترجمته من «الطبقات الكبرى» ، وتعقبه الحافظ في «الفتح» بأن الظاهر من صنيع البخاري أن «قد شهدا بدراً» من كلام كعب، وممن جزم بأنه شهداها الأثرم، وتعقبه ابن الجوزي ونسبه إلى الغلط فلم يصب. واستدل بعضهم لكونهما لم يشهداها بما لا دليل فيه من هجرانه لهما وترك مثل ذلك في حق حاطب وقد فعل ما فعل فقال في حقه «إنه شهد بدراً، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر» الحديث، فلو شهداها لصفح عنهما كحاطب وليس ما يومىء إليه كلامه من عدم مؤاخذة البدري بما يعمل كذلك، وإنما صفح عن حاطب لتبين عذره في مكاتبته بخلاف كعب وصاحبيه إذ لا عذر لهما في التخلف انتهى ملخصاً.

(فقلت لي فيهما أسوة) بضم الهمزة وكسرها: أي قدوة وفي العبارة تجريد إذ هما الأسوة (قال) كعب: (فمضيت) أي: مصمماً على ما وقع مني من الإخبار بالصدق (حين ذكروهما لي) بمثل ذلك (ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كلامنا أيها الثلاثة) ففيه وجوب هوان من ظهرت منه المعصية فلم يسلم عليه إلى أن يقلع وتظهر توبته. كذا في «المفهم» وأي: بالضم

والثلاثة مرفوع على الصفة لأي تبعاً للفظها ومحلها نصب على الاختصاص.

حكى سيبويه عن العرب: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة، وهذا مثله (من بين) أي دون (من) أي سائر الذي (تخلف عنه) وذلك لرفع شأن هؤلاء الكرام وإعراضه عن باقي المتخلفين لأنهم اعتذروا، ومنهم المعذور حقيقة، ومنهم المنافقون اعتذروا ظاهراً فقبل منهم ذلك لأن الأحكام الشرعية مبناها عليه، وقد فضح الله سرائرهم وأظهر للمؤمنين ضمائرهم كما يأتي آخر الحديث (قال فاجتنبنا) بفتح الموحدة (الناس) أي: صاروا لنا مجانبين (أو) شك من الراوي (قال) فـ (تغيروا لنا) عما كنا نعهده من الأنس والوداد منهم (حتى تنكرت) غاية لما قبلها وتنكرت تغيرت (لي في نفسي الأرض) فاعل تنكر والظرفان متعلقان به: أي تغيرت لي لا لغيري في نفسي، أي عندهما لا في نفس الأمر.

وحاصله أن تكدر الأحوال يوهم النفس تغير الدار ويخيل إليها ما لم يقع بحال (فما هي) أي: الأرض الآن (بالأرض التي أعرف) والحاصل أنه لعظم ما اشتدّ عليه الأمر توهم أنه تغير عليه كل شيء حتى الأرض، فإنها توحشت وصارت كأنها غير الأرض التي كان يعرفها قبل ذلك (فلبثنا) أي: أقميها (على ذلك) المذكور من الانتظار لما يبدو في عالم الشهادة مما سبق به القضاء، وهجر الناس لنا (خمسين ليلة) أي: ونهاراً، وحذف اكتفاء بذكر قرينه للعلم به من السياق.

(فأما) بفتح الهمزة تفصيل لبعض حاله وحال صاحبيه (صاحباي) أي: المشاركان لي في هذا الحال (فاستكانا) أي: خضعا (وقعدا في بيوتهما يبكيان) أي: على خطيئتهما ففيه بكاء الإنسان على خطيئته، وفي الحديث: «وابك على خطيئتك وليسعك بيتك» (وأما أنا فكنت أشبّ القوم) بالمعجمة فالموحدة أي: أصغرهم سناً (وأجلدهم) أي: أقواهم (فكنت أخرج) إلى المسجد وغيره (فأشهد الصلاة) أي: المفروضة (مع النبيّ) أي أشهد الجماعة في الصلوات المكتوبات (وأطوف) بفتح الهمزة وبالمهملة أي: أمشي دائراً (في الأسواق) جمع سوق، وتقدم أنها سميت بذلك لسوق الناس بضائعهم إليها، وقيل: للوقوف فيها على الساق. وتعقب باختلاف المادة، ولعل من حكمة طوفانه في الأسواق أنها من محال كرم الله

وجوده بتيسير تلك الأمور المباعة لطالبها وربح جالبها وصاحبها فتعرض في محل الرحمات والفيوض المعنوية وهي المساجد وشهوده الصلوات، وفي محل الفضل والعطايا الدنيوية وهي الأسواق لنفحات الرحمن لتعود عليه بالتوبة، ويظفر بالمرام في الأوبة، ويتنصل عما وقع فيه من الحوبة (ولا يكلمني أحد) معطوفة على وأطوف ويصح كونها في محل الحال (وآتى رسول الله) تشرفاً برؤيته، واستمطاراً للفيوض الربانية من حضرته، وإراحة القلب من ألم الكرب، ففيه أن حبه له الأكيد، لم يغيره عنه ما صدر من الأمر فيه بالتبعيد (فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة) فيه الجلوس عقب الصلاة في المصلى للذكر والدعاء ونحوهما، والجملة في محل الحال، وأتردد هل رد عليه الصلاة والسلام بلسانه على السلام (فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه) بفتح المعجمة أي: أقول هل حركهما ناطقاً (برد السلام) عليّ كما هو قضية صفحه وعفوه، والانزجار يحصل بعدوله عن الجهر بذلك إلى الإسرار (أم لا) لقضية ما صدر مني من العصيان المقتضي للهجران.

وأم هنا منقطعة بمعنى بل لعدم تقدم الهمزة عليها (ثم أصلي قريباً منه) للنافلة والرواتب (وأسارقه النظر) بالمهملة والقاف: أي: أنظر إليه في خفية. ففيه أن مسارقة النظر في الصلاة وكذا الالتفات لا يبطلها (فإذا أقبلت على صلاتي أقبل علي) لما ورد من إقبال المولى سبحانه على المقبل بقلبه وقالبه على مولاهـ والمصطفى متخلق بأخلاقالله. ففيه أن الإقبال على مرضاة الله سبب لقبول أولياء الله (وإذا التفت نحوه) في صلاتي (أعرض عني) إذ الالتفات في الصلاة اختلاس من الشيطان كما ورد في الحديث مع ما ينبىء عنه من الغفلة الشاهد بها خبر «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه» (حتى إذا طال على ذلك) ابتدائية على الصحيح على ما في المغني أو غاية لمقدر: أي استمررت متصابراً حتى إذا طال عليّ ذلك (من) بيانية لذلك (جفوة) بفتح الجيم وسكون الفاء: أي إعراض (المسلمين) ويجوز أن يكون المشار إليه ما تقدم ومن ابتدائية أو تعليلية (مشيت) واستمررت في المشي (حتى تسورت) بتشديد الواو: أي علوت سور (جدار حائط) هو البستان إذا كان عليه دائر بناء.

وفي «الصحاح» : التسوّر النزول من الارتفاع ولا يكون إلا من فوق ويقال: هو الصعود إلى مكان مرتفع اهـ. وفيه جواز دخول الإنسان دار صديقه وقريبه

الذي يدل عليه ويعرف أنه لا يكره ذلك بغير إذنه بشرط أن يعلم أنه ليس هناك نحو زوجة مكشوفة (أبي قتادة) بفتح القاف الحارثبن ربعي بكسر الراء وسكون الموحدة وبالمهملة الأنصاري (وهو ابن عمي) أي بحائل، كذا قاله الكرماني. ووجهه أنهما يجتمعان في كعببن سلمة، وهو الجد الخامس لكعب والسادس لأبي قتادة وقيل: بل هو ابن عمه حقيقة وأن ربعياً والد أبي قتادة أخو مالك والد كعب (وأحب الناس إليّ) أي أكثرهم محبوبية إليّ لقرابته في النسب، أو لغير ذلك من السبب (فسلمت عليه فوا ما رد عليّ السلام) لعموم النهي عن كلام كعب وصاحبيه، ففيه عدم رد السلام على نحو المبتدع، وأن السلام كلام فيحنث به من حلف لا يكلم فلاناً فسلم عليه أو رده عليه وإن كان واجباً عليه، وإيثار طاعة الله ورسوله على مودة الصديق والقريب ونحوهما (فقلت له يا أبا قتادة أنشدك) بفتح الهمزة وضم الشين المعجمة أي أسألك (با) وأصله من النشيد وهو الصوت (هل تعلمني) أي بما تراه من الشواهد والآيات فلا ينافي ما جاء من إنكاره على سعدبن أبي وقاص في قوله: «مالك عن فلان فإني لأراه مؤمناً» فقال: «أو مسلماً» أي: إن الإيمان لكونه قلبياً لا سبيل إلى علمه والجزم به بخلاف الإسلام لتعلقه بالظاهر، ولذا أجابه أبو قتادة بقوله: الله ورسوله أعلم (أحب الله ورسوله) محبتهما طاعة أمرهما ومنها الإيمان وفعل الطاعات وترك مخالفتهما، وما أحسن ما قيل:

تعصي الإله وأنت تظهر حبه

هذا لعمري في القياس بديع

لو كان حبك صادقاً لأطعته

إن المحب لمن يحب مطيع

(فسكت) عن الجواب لما تقدم (فعدت) له (فناشدته) أي: نشدته والإتيان به من باب المفاعلة للمبالغة (فسكت فعدت) إليه (فناشدته فقال: الله ورسوله أعلم) والإتيان به من باب المفاعلة للمبالغة (فسكت فعدت) إليه (فناشدته فقال: الله ورسوله أعلم) .

قال القاضي عياض: لعل أبا قتادة لم يقصد بها تكليمه به لأنه منهي عن كلامه، وإنما قال ذلك لنفسه لما ناشده با، فقال أبو قتادة مظهراً لاعتقاده لا ليسمعه، إذ من حلف لا يكلم فلاناً فسأله عن شيء فقال: الله أعلم يريد إسماعه وجوابه حنث، فإن لم يرد ذلك فلا حنث اهـ.

قال القرطبي في «المفهم» : ويحتمل أن أبا قتادة فهم أن الكلام الذي نهى عنه إنما هو المقتضي

للمباسطة وإفادة المعاني لا مثل هذا المقتضى للإبعاد والمنافرة، ألا ترى أنه لم يرد عليه السلام ولا التفت لحديثه اهـ. (ففاضت عيناي) مجاز عقلي من الإسناد للمكان نحو نهر جار، ومعنى فاضت عيناي أي: كثرت دموع عيني (وتوليت) راجعاً من حيث أتيت (حتى تسورت الجدار فبينا) بألف الإشباع، وقيل: هي كافة لبين عن الإضافة كما تقدم، وقيل أصلها بينما بما الكافة فحذفت الميم تخفيفاً (أنا أمشي في سوق المدينة) علم بالغلبة على دار هجرته، وسميت بذلك لأنها يطاع الله فيها، والدين الطاعة (إذا نبطي) بفتح النون والموحدة: الفلاح، سمي به لأنه يستنبط الماء أي: يستخرجه، وسيأتي فيه زيادة في باب النهي عن تعذيب العبد والدابة (من نبط) بفتح أوليه أي فلاحي (أهل الشأم) بالهمزة الساكنة ويجوز تخفيفها ويقال: شآم بالهمزة بوزن يمان، وهو مذكر على المشهور، وقال الجوهري: يجوز تذكيره وتأنيثه، سمي بذلك باسم سامبن نوح واسمه بالسريانية شام.

وعن ابن الكلبي: سمي شاماً بشامات له حمر وسود وبيض. وقيل: سمي به لأنه عن شمال الأرض وقيل: غير ذلك، وتقدم أن حده من العريش إلى الفرات طولاً وقيل إلى باياس، وعرضاً من جبل طي من نحو القبلة إلى نحو أرض الروم وما سامت ذلك من البلاد، نقله المصنف في «التهذيب» عن الحافظ ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (ممن قدم بالطعام) حال كونه (يبيعه بالمدينة) ويصح كونها استئنافاً بيانياً (يقول) يجوز فيه ما في الذي قبله والثاني أقرب (من يدل) بضم المهملة (على كعببن مالك فطفق) أي: أخذ (الناس يشيرون له إليّ، حتى إذا جاءني دفع إليّ كتاباً من ملك غسان) بفتح المعجمة وتشديد المهملة آخره نون واسمه جبلةبن الأيهم وقيل: الحارثبن أبي سمرة (وكنت كاتباً) أي قارئاً من إطلاق اللازم وإرادة الملزوم (فقرأته فإذا فيه: أما بعد) بالبناء على الضم لحذف المضاف إليه ونية معناه (فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك) أي أعرض عنك (ولم

يجعلك الله بدار هوان) أي منقطعاً بدار تهان فيها (ولا) بدار أو حال (مضيعة) بسكون المعجمة ويجوز كسرها مع فتح الميم فيهما: أي في دار أو حال يضاع فيهما حقك: أي فإذا حصل لك ما عرض حلوله بك (فالحق) بفتح المهملة (بنا نواسك) بضم النون وكسر المهملة من المواساة، وحذفت التحتية لأنه في جواب الطلب، وفي بعض نسخ مسلم إثباتها، وهو كما قال المصنف صحيح: أي ونحن نواسيك قطعه عن جواب الأمر (فقلت حين قرأتها) أي: الكتابة المعبر عنها بالكتاب أو التأنيث باعتبار المعنى إذ هو في المعنى صحيفة (وهذه) الواقعة (أيضاً من البلاء) أي: الابتلاء ليترتب عليه ما يليق مما يصدر عنه من رسوخ قدم يحمد عليه أو أمر يوجب الندم (فتيممت) أي قصدت. ولمسلم: فتأممت وهي لغة (بها التنور) أنث الضمير في بها وفي قوله: (فسجرتها) بمهملة وجيم وراء: أي أوقدت الكتاب لما ذكر آنفاً، والتنور الذي يخبز فيه، قال في «النهاية» : يقال: إنه في جميع اللغات كذلك (حتى إذا مضت

أربعون) غاية لمقدر: أي استمررت على ذلك الأمر المذكور من غير زيادة عليه حتى مضت أربعون ليلة ويوماً (من الخمسين واستلبث) أي: أبطأ وجملة استلبث (الوحي) من زيادة مسلم على البخاري (إذا) فجائية (رسول رسول الله) في رواية الواقدي: أنه خزيمةبن ثابت قال: وهو الرسول إلى هلال ومرارة بذلك (يأتيني فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرك أن تعتزل امرأتك) وفي نسخة من التوشيح للحافظ السيوطي: هي عمرة بنت جبيربن صخر اهـ.

وفي نسخة من «تحفة القاري على البخاري» لشيخ الإسلام زكريا: هي عميرة بنت جبيربن صخر اهـ. وفي الأصلين المذكورين تحريف من الناسخ فليحرر. ونقل بعضهم عن الحافظ ابن حجر أن اسمها: جبرة، ثم رأيته قال في «الفتح» : هي عمرة بنت جبيربن صخربن أمية الأنصارية أمّ أولاده الثلاثة عبد الله وعبيد الله ومعبد، ويقال: اسم امرأته التي كانت عنده يومئذٍ خيرة بالمعجمة ثم التحتانية اهـ. وراجعت «أسد الغابة» لابن الأثير فلم أجد فيه ذكراً لأحد من هؤلاء الثلاثة والله أعلم.

(فقلت) ما المراد من اعتزالها (أطلقها) بضم همزة الاستفهام مقدرة بدليل قوله (أم ماذا) أي ما الذي

(أفعل؟ قال لا) تطلقها (بل اعتزلها) أمر بترك مخالطتها مخالطة الزوجات من الجماع ومقدماته كما فسره بقوله (فلا تقربنها، وأرسل) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (إلى صاحبيّ) بتشديد ياء المتكلم المدغم فيها ياء المثنى يأمرهما (بمثل ذلك) أي: الاعتزال المفسر بعدم قرب الزوجة (فقلت لامرأتي: الحقي) بهمزة وصل وفتح المهملة بعدها القاف (بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر) وقوله: «الحقي بأهلك» من كنايات الطلاق ولكونه لم ينوّه به لم يقع عليه (فجاءت امرأة هلالبن أمية) هي: خولة بنت عاصم قاله الحافظ ابن حجر، وقيل: اسمها عمرة بنت حبةبن صخر الأنصارية قاله ابن عبد البرّ (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت له) اللام للتبليغ (يا رسول الله إن هلالبن أمية شيخ) أي: ذو سنّ (ضائع) بالمعجمة وبعد الألف همزة ثم عين مهملة، وفسرته بقولها (ليس له خادم) أي: من يقوم بما يحتاجه من خدمة، يقع على الذكر والأنثى بلفظ واحد ويقال في المؤنث خادمة: ومنه حديث البخاري عن أبي سهل «أن امرأة أبي أسيد كانت خادمتهم في عرسهم» فإنه بالتاء في معظم الأصول (فهل تكره أن أخدمه) بضم المهملة (قال: لا) أي لا أكره أن تخدميه (ولكن) استدراك لما قد يتوهم من شمول الخدمة للتمتع بها (لا يقربنك) بضم الراء وفتح الموحدة بعدها نون توكيد، كناية عن الجماع (فقالت) لا حاجة إلى منعه من ذلك (إنه) أي الشأن. أو هلالاً (وا) جملة قسمية أتى بها لتأكيد المقال (ما به حركة) .

وفي نسخة: من حركة بزيادة من، والحركات بفتحات: أي داعية تحركه (إلى شيء) من الجماع ومقدماته لما هو فيه من الكرب، ثم الجملة قسمية وجوابها خبر إن، وفي نسخة بتقديم القسم على إن، وعليه فان، واسمها وخبرها جواب القسم (ووا) يحتمل العطف على جملة القسم السابقة ويحتمل الاستئناف (ما زال يبكي) على تخلفه المتسبب عليه ما آل إليه أمره (منذ كان من أمره) أي: شأنه (ما كان) من تخلفه عن الخروج وما ترتب عليه (إلى الآن) حال الإخبار.

وفي نسخة: إلى يومه هذا، وسكتت عما بعده لأنه يحتمل استمراره عليه وتركه له لما يرد عليه مما يقتضي حالاً من تلك الأحوال. قال كعب: (فقال) أي: أشار (لي بعض أهلي) لما

أمرت امرأتي بالذهاب لأهلها قال الحافظ لم أقف على اسمه (لو استأذنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في امرأتك) أي: في خدمتها (فقد أذن لامرأة هلالبن أمية أن تخدمه) وقد استشكل هذا بنهيه عن كلام الثلاثة.

وأجيب كلام الثلاثة، وأجيب بأنه يحتمل أنه عبر عن الإشارة بالقول كما أشرت إليه، أو أن النهي كان خاصاً بالرجال والقائل كان امرأة، أو كان هذا الكلام ممن يخدم المنهيّ عن كلامه فلم يدخل في النهي.

قال الحافظ في «الفتح» : لعله بعض ولده أو من النساء، ولم يقع النهي عن كلام الثلاثة للنساء اللاتي في بيوتهم، أو أن الذي كلمه كان منافقاً (فقلت لا أستأذن فيها رسول الله) وأشار إلى الفرق بين حاله وحال هلال بقوله: (وما يدريني) بضم التحتية (ماذا يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا استأذنته فيها) أي: من الإذن في ذلك أو المنع منه (وأنا رجل شاب) جملة حالية من فاعل يقول، وأشار به إلى وجه احتمال منعه دون هلال لكونه رجلاً شاباً، ويحتمل الإشارة به إلى خوف الوقوع معها لو أذن له في مقامها عنده من حدة الشباب فيقع في المحذور، أو إلى أنه ليس بضائع لقدرته على خدمة نفسه (فلبثت) أي أقمت (بذلك) أي: من ذلك المذكور من إرسال الزوجة (عشر ليال) أي: مع أيامها (فكمل) بتثليث الميم: أي تمّ بضمها إلى الأربعين السابقة على الأمر باعتزال الزوجة (خمسون ليلة) ويوماً واقتصر عليها في جميع ما ذكر لأنها الأصل والنهار تابع لها (من) ابتدائية (حين) بفتح النون لإضافته إلى جملة صدرها مبني (نهى) بالبناء للمفعول: أي وقع النهي للمسلمين غير من تقدم (عن كلامنا ثم صليت صلاة الفجر صباح) منصوب على الظرفية: أي في صباح تلك الليلة المكملة (خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا) الظرف الأول حال من فاعل صلى والثاني وصف لبيت (فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر) ها (اعنا) أي: عنا أيها الثلاثة وبينها بقوله: (قد ضاقت عليّ نفسي) أي: قلبي من فرط الوحشة والغمّ بحيث لا يسعها أنس ولا سرور (وضاقت عليّ) بتشديد التحتية.

وعند مسلم: وضاقت بي (الأرض بما رحبت) أي برحبها، فما مصدرية، والرحب بضم الراء وسكون

الحاء المهملتين: السعة (إذ سمعت صوت صارخ) هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه كما في «التوشيح» .c وفي «الفتح» أنه كذلك عند الواقدي وأن أبا بكر صاح: قد تاب الله على كعب، وحكاه ابن عائذ بلفظ «زعموا» .

قلت: وما في «الصحيح» مقدم عليه وأنه أسلميّ (أوفى) بالفاء أي: صعد وارتفع (على سلع) بفتح السين وسكون اللام: جبل بالمدينة معروف (يقول) جاهراً (بأعلى صوته) من إضافة الصفة إلى الموصوف، وفيه المذهب للبصريين من التأويل والكوفيين من إبقائه على ظاهره (يا كعببن مالك) بنصب «ابن» وفي «كعب» الضم والفتح (أبشر) حذف المفعول لتذهب النفس في طرف السرور كل مسلك (فخررت ساجداً) سجدة الشكر على اندفاع ما كان فيه من الحال وبلوغه إلى نعمة البشرى والإقبال. وفيه أن سجدة الشكر كانت معلومة عندهم معمولاً بها فيما بينهم (وعرفت) من هذا التبشير (أنه قد جاء فرج فآذن) بالمد والقصر: أي أعلم (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس بتوبة الله علينا) أي: بتوفيقه إيانا لها أو بتبرئته إيانا عن غفلة الذنب (حين صلى صلاة الفجر) ظرف لآذن (فذهب الناس يبشروننا) بالتوبة (فذهب قبل) بكسر ففتح: أي جهة (صاحبيّ) بتشديد الياء (مبشرون) .

قال الفربري في «الإقناع» : وخرج سعيدبن زيدبن عمروبن نفيل إلى هلال يبشره، فلما أخبره سجد ولقيه الناس يهنئونه فما استطاع المشي لما ناله من الضعف والحزن والبكاء حتى ركب حماراً، وبشر مرارةبن الربيع سلكانبن سلامة أو سلمةبن سلامةبن وقش فأقبل حتى توافوا، يعني: الثلاثة عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اهـ. (وركض إليّ رجل) هو الزبيربن العوّام.

وقال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يكون أبا قتادة لأنه كان فارس النبيّ أي جرى جرياً شديداً (فرساً، وسعى ساع من أسلم) هو: حمزةبن عمر الأسلمي (قبلي، وأوفى) بالفاء مقصوراً. أي أشرف وطلع (على الجبل فكان الصوت) أي وصول الصوت المذكور أي صوت الأسلمي المذكور بقرينة مجيئه له وطلبه شيئاً لبشارته (أسرع من) وصول صاحب (الفرس، فلما جاءني) الأسلمي (الذي سمعت صوته

يبشرني) جملة في محل الحال ويجوز كونها مستأنفة استئنافاً بيانياً كأن قائلاً يقول فيم سمعت صوته فقال يبشرني (نزعت له ثوبيّ) بتشديد التحتية (فكسوته إياهما ببشارته) ففيه استحباب إجازة البشير بخلعة وإلا فيغيرها. والخلعة أحسن وهي المعتادة، وفيه كسوة البشير وإن لم يملك غيره، وفيه جواز إظهار الفرح بأمور الخير والدين وجواز البذل والهبات عندها (وا ما أملك غيرهما) أي: من الثياب كما في رواية ابن أبي شيبة: «فوا ما أملك ثوبين غيرهما» فلا ينافي قوله السابق «إن عندي راحلتين» وقوله الآتي: «إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة» (يومئذٍ) أي وقت كسوتي له (واستعرت ثوبين) زاذ الواقدي، من أبي قتادة (فلبستهما وانطلقت أتأمم) أي أقصد (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتلقاني الناس فوجاً) أي: جماعة (فوجاً) أي تلقوني زمرة بعد زمرة وجماعة بعد جماعة (يهنئونني بالتوبة) أي: بقبولها أو بالتوفيق لها (ويقولون لي لتهنك) بكسر النون.

قال الحافظ: وزعم ابن التين شارح البخاري أنه بفتحها قال لأنه من هنىء، وفيه نظر (توبة الله عليك) فيه دليل على جواز التهنئة بأمور الخير بل على ندبها إذا كانت دينية فإنها إظهار السرور بما يسر به أخوه المسلم وإظهار المحبة وتصفية القلب بالمودة (حتى دخلت المسجد) غاية لمقدر أي فسرت وحالي ما ذكر أي من تهنئة الناس لي إلى أن دخلت المسجد، والأصح أن نصب المسجد لكونه اسم مكان مختص على التوسع (فإذا) فجائية (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس) في المسجد (حوله الناس) الظرف لغو وحوله الناس خير بعد خبر (فقام إليّ طلحةبن عبيد ا) أحد العشرة المبشرة (رضي الله عنه يهرول حتى صافحني وهنأني) فيه استحباب مصافحة القادم والقيام له إكراماً والهرولة إلى لقائه بشاشة وفرحاً.

قال كعب: (وا ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره) بالرفع صفة رجل، ويجوز نصبه على الحال لتخصيصه بالوصوف بالظرف (فكان كعب لا ينساها) أي تلك الأفعال الجميلة من القيام له والهرولة والمصافحة والتهنئة (لطلحة) .

قال القرطبي: أي إنها أكدت في قلبه محبته وألزمته حرمته

حتى عدها من الأيدي الجسيمة (قال كعب: فلما سلمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال) أي بعد رد السلام (وهو يبرق) بضم الراء: أي يلمع (وجهه) بالأنوار (من) تعليلية أي بسبب (السرور) بقبول الله تعالى توبتهم، ففيه ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام من الحبور عند ظفر أحد من أمته بنوع من الخيور حال من فاعل قال، ومقول القول (أبشر) بقطع الهمزة (بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك) أي سوى يوم إسلامه، وإنما لم يستثنه لأنه معلوم لا بد منه، وقيل: لا استثناء لأن يوم توبته مكمل ليوم إسلامه فهو خير من جميع أيامه وإن كان يوم إسلامه خيرها فيوم توبته المضاف إلى يوم إسلامه خير من يوم إسلامه المجرد عنها (فقلت أ) هذا المبشر به (من عندك يا رسول الله) أي: قلته اجتهاداً لأنك رأيت حصول مقصود الزجر بما وقع في هذه المدة (أم) هو وحي (من عند ا؟ قال: لا) أي: ليس من عندي (بل من عند الله عز وجل) قال في «الإقناع» بدل قوله «قال لا» قال من عند الله وتلا عليهم الآيات (وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سرّ) من أمر (استنار وجهه) أي: زاد نوراً إلى نوره.

وفي «النهاية» : «كان إذا سر فكأن وجهه المرآة وكان الجدر يرى شخصها في وجهه لشدة نوره وصفائه (حتى كأن وجهه قطعة قمر) غاية لما قبله، آثر ذكر القمر لأنه يتمكن من النظر إليه ويؤنس من شاهده من غير أذى يتولد عنه بخلاف الشمس لأنها تغشى البصر وتؤذي. ثم تشبيه بعض صفاته بنحو القمر والشمس جرى على عادة الشعراء والعرب في ذلك أو على سبيل التقريب والتمثيل وإلا فلا شيء يعادل شيئاً من أوصافه.

قيل: شبه وجهه في هذا الحديث بقطعة من القمر لا بكله مع أن المعهود في التشبيه الثاني لأن القصد الإشارة إلى موضع الاستنارة وهو الجبين، وفيه يظهر السرور فناسب أن يشبه ببعض القمر قالت عائشة: «مسروراً تبرق

أسارير وجهه» ولكون مراد كعب رضي الله عنه تشبيه بعض وجهه وهو جبينه إذا سر لم يشبهه بجميع القمر، وجاء في حديث آخر عنه تشبيه وجهه كله بدارة القمر فلزمه تشبيه بعضه ببعضه، وهذا أحسن مما قيل سبب الاقتصار في التشبيه على بعض القمر الاحتزاز عما فيه من السواد، لأن كون وجه التشبيه بالقمر ما فيه من الإضاءة والملاحة لا يخفى على أحد ولا يتوهم من التشبيه خلافه فلا حاجة للاحتراز (وكنا) معشر الصحابة المراقبين لمحاسن ذاته الملاحظين لأحواله (نعرف ذلك) أي: الموضع الذي يتبين فيه السرور وهو جبينه كما سبق من قول عائشة: مسوراً تبرق أسارير وجهه.

وفي «البخاري» : «كان يعرف ذلك (منه) وفي نسخة «فيه» والضمير يعود إلى الوجه (فلما جلست بين يديه قلت يا رسول الله إن من) شكر (توبتي) أي: من شكر الله على توبتي أي التوفيق لها وقبولها، أو إن من علامة صدق توبتي (أن أنخلع) أي أخرج (من مالي) أي: من جميعه (صدقة) مفعول له أو مطلق على تقدير أتصدق، أوفى معنى الحال: أي متصدقاً، أو على تضمين أنخلع معنى أتصدق: أي أتصدق متقرباً بها (إلى الله تعالى وإلى رسوله) أعاد الجار للاهتمام وتنبيهاً على أن التقرب إليه مطلوب على سبيل الاستقلال. قال تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع ا} (النساء: ٨٠) ، وقال القرطبي: أي إن على ذلك، فهي صيغة نذر والتزام، خرجت مخرج الشكر وابتغاء الثواب وأقرّه عليه النبي فكان ذلك جائزاً ولم يدخل في عموم النذر المنهي عنه، وعلى مقتضى هذا اللفظ قد وجب عليه إخراج كل ماله، لكن لما كان ذلك يؤدي إلى أن يبقى فقيراً محتاجاً وربما أفضى به إلى سؤال الناس وإلى الدخول في مفاسد، أمره بإمساك البعض كما قال كعب: (فقال رسول الله: أمسك عليك بعض مالك) أي دفعاً لضرر التصدق بكله (فهو خير لك) .

قال القرطبي: البعض المأمور بإمساكه من ماله هو الأكثر والمتصدق به هو الأقل كما قال في حديث سعد: «الثلث والثلث كثير» وفيما ذكره نظر فإنه متوقف على نص يشهد به، ولا دليل في حديث سعد لما ذكره لأن ما فيه إنما هو لمن كان في حال المرض مراعاة لمصلحة الورثة، والقصد هنا دفع ضرر الحاجة والفقر، وهو قد يحصل بإبقاء الأقل من ماله أو الشطر كما وقع من عمر رضي الله تعالى عنه لما تصدق بشطر ماله وأبقى الشطر الآخر لنفسه وأهله، والحديث في مسلم وغيره.

ثم رأيت في «الفتح» للحافظ أن عند أبي داود عن كعب: «إن من توبتي أن أخرج من مالي كله إلى الله ورسوله صدقة، قال: لا، قلت: نصفه؟ قال: لا، قلت: فثلثه؟ قال: نعم» ولابن مردويه من طريق ابن عيينة عن الزهري «فقال النبي: ويجزي عنك من ذلك الثلث» اهـ. وهو شاهد للقرطبي.

قال المصنف في «شرح مسلم» : ولا يخالف هذا: أي قوله أمسك عليك بعض مالك تصدق أبي بكر بجميع ماله أي وقبوله له فإنه كان صابراً راضياً اهـ. (فقلت: يا رسول الله إني

أمسك سهمي الذي بخيبر) بفتح المعجمة وسكون التحتية وفتح الموحدة آخره راء مهملة غير مصروف في أكثر الأصول مراداً به البقعة (وقلت يا رسول الله إن الله تعالى إنما أنجاني) من وصمة إثم التخلف عن المأمور به (بالصدق) أي بإخباري بالخبر المطابق للواقع وإن ترتب ما ترتب (وإن من) شكر أو صدق (توبتي ألا أحدث) أي إنسان حديثاً ما في أي شأن كان (إلا صدقاً ما بقيت) أي مدة بقائي ما لم يمنع من الصدق مانع. وإلا كأن كان فيه إفساد مصلحة للمسلمين في حروبهم أو نحو ذلك فلا، وفي الحديث المحافظة على سبب التوبة (فوا ما علمت أحداً من المسلمين) عند مسلم «ما أعلم أحداً» (أبلاه ا) أي: أنعم عليه ومنه قوله تعالى: {وفي ذلكم} (البقرة: ٤٩) - أي الإنجاء من فرعونـ {بلاء من ربكم عظيم} أي: نعمة عظمى، والبلاء يستعمل أيضاً في الشرّ كما قيل به في الآية بناء على أن المشار إليه ما فعله بهم آل فرعون من قتل الأبناء واستحياء النساء، ولكن إذا أطلق كان غالباً للشر فإذا أريد به الخير قيد كما قال في الحديث: «أحسن مما أبلاني ا» (في) ملازمة (صدق الحديث) مصدر مضاف إلى مفعوله (منذ ذكرت ذلك) الالتزام بملازمة الصدق (لرسول الله) إبلاء (أحسن مما أبلاني الله تعالى) به أي بتيسير الدوام على ذلك والوفاء بالالتزام.

قال الحافظ: فيه وفي قوله الآتي: «فوا ما أنعم» والحديث إلى قوله: «أعظم من صدقي رسول الله» شاهد على أن هذا السياق يورد ويراد به نفي الأفضلية لا المساواة لأن كعباً شاركه في ذلك رفيقاه، وقد نفى أن يكون أحد حصل له أحسن مما حصل له وهو كذلك لكنه لم ينف المساواة (وا ما تعمدت كذبة) قال المصنف: بفتح الكاف وكسرها كل ذلك مع إسكان الذال، وفي «المشارق» كذبة بكسر الفاء ويقال: بفتحها وأنكر بعضها الكسر إلا إذا أراد الحالة والهيئة، وليس هذا موضعها اهـ. وهو في البخاري «كذباً» بحذف الهاء (منذ) أي من حين (قلت ذلك) الالتزام (لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومي هذا) فيه أن الخطأ

والنسيان المحترز عنهما بالعمد غير مؤاخذ به الإنسان، وهما لا ينقصان الالتزام (وإني لأرجو) من فضله تعالى (أن يحفظني الله تعالى) من الكذب (فيما بقي) لأنه تعالى كريم يستحي أن ينزع السر من أهله، قال تعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} (الرعد: ١١) (قال) أي كعب مبيناً للآية التي نزلت فيها التوبة عليه وعلى صاحبيه (فأنزل الله تعالى) على نبيه وهو في بيت أم سلمة حين بقي الثلث الأخير من الليل كما جاء في كتاب «التفسير من صحيح البخاري» {لقد تاب ا} أدام توبته، وهي بالنسبة إلى النبي تشريف مكانته في إعلاء رتبته، لا أنه عن ذنب صدر من حضرته لعصمته.

وقال بعضهم: تاب الله {على النبي} أي تجاوز عنه {والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة} بالعين المضمومة والسين الساكنة بعدها راء مهملات أو وقتها وهي حالهم في غزوة تبوك وكان الرجلان يقتسمان التمرة والعشرة يعتقبون البعير الواحد، واشتد الحر حتى شربوا الفرث (حتى بلغ) أي: كعب في قراءته {وكونوا مع الصادقين} أي في الآيات الثلاث، وتمامها قوله تعالى {من بعد ما كاد تزيغ} (التوبة: ١١٧) بالمثناة الفوقية والتحتية: أي تميل وتذهب {قلوب فريق منهم} عن اتباعه إلى التخلف لما هم فيه من الشدة {ثم تاب عليهم} بالثبات {إنهم بهم رؤوف رحيم} ، وتاب {على الثلاثة الذي خلفوا} (التوبة: ١١٨) عن التوبة عليهم بقرينة {حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت} أي مع رحبها وسعتها فلا يجدون مكاناً يطمئنون إليه {وضاقت عليهم أنفسهم} قلوبهم للغمة والوحشة لتأخير توبتهم فلا يسعها سرور ولا أنس {وظنوا} أي: أيقنوا {أن لا ملجأ} يلجئون إليه {من

الله إلا إليه} (التوبة: ١١٨) .

قال في «الكشاف» : لا ملجأ من سخط الله إلا إلى استغفاره {ثم تاب عليهم} ألهمهم أسباب التوبة ووفقهم لها «ليتوبوا» / أي ليقبلها، وقيل: تاب عليهم قبل توبتهم و «ليتوبوا» أي: يداوموا عليها، وفي تفسير سورة البقرة من البيضاوي: أصل التوبة الرجوع فإذا وصف بها العبد كان رجوعاً عن المعصية إلى الطاعة وإذا وصف بها الباري تعالى أريد بها الرجوع عن العقوبة إلى المغفرة اهـ. {إن اهو التواب} على من تاب أي: يقبل توبته الصحيحة فضلاً منه وهو الرحيم. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا ا} بترك معاصيه {وكونوا مع الصادقين} في الأيمان والعهود بأن تلزموا الصدق.

(قال كعب) صرح بذكره للفصل بين سياق أحواله بذكر الآي القرآنية المنزلة في التوبة (وا ما أنعم الله عليّ من) زائدة للاستغراق (نعمة قط) أي في الزمن الماضي (بعد أن هداني للإسلام) أي دلني عليه وأوصلني له. وفي نسخة: هداني الله (أعظم) وصف لنعمة فتجوز قراءته منصوباً باعتبار محلها لزيادة من، ومجروراً باعتبار لفظها، ويجوز رفعه بتقدير هي أعظم (في نفسي من صدقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألا أكون كذبته) كذا في «الصحيحين» عند جميع رواتهما إلا الأصيلي من رواة البخاري فقال: «أن أكون» وليس بشيء، والصواب الأول وتخريجه أن لا زائدة كما قال عياض وتبعه المصنف وغيره، ومعناه: أن أكون كقوله تعالى: {ما منعك ألا تسجد} (الأعراف: ١٢) اهـ. وهذا بناء على أنه مستأنف عما قبله وأظهر منه ما ذكره الشيخ زكريا في حاشيته على البخاري المسماة «بتحفة القارىء» من أنه بدل من صدقي: أي أن لا نافية، قال: والمعنى ما أنعم الله عليّ نعمة هي أعظم من عدم كذبي فعدم هلاكي اهـ. وكذبته بفتح الذال المخففة: أي قلت له قولاً كذباً (فأهلك) بالنصب عطف على منصوب أن، وأهلك بكسر اللام على الفصيح المشهور، وحكي فتحها وهو شاذ وضعيف (كما هلك الذين كذبوا) أي: هلاكاً كهلاك الذين كذبوا الله القول في إدعاء الإيمان من المنافقين فالمفعول الثاني محذوف.

قال الراغب في «مفرداته» : يقال كذبته حديثاً، ومنهـ كذبوا الله ورسولهـ أي: القول الذي قاله فيتعدى إلى مفعولين نحو صدق في قوله تعالى:

{لقد صدق الله رسوله الرؤيا} (التوبة: ٩٥) اهـ (فإن الله تعالى قال للذين كذبوا) أي: عنهم (حين أنزل) على النبي (الوحي شرّ ما قال) أيّ: قول، قال: ويجوز أن يكون موصولاً اسمياً (لأحد) أي: عن أحد، ثم بين ذلك القول المجمل المنزل فيهم بقوله: (فقال ا) تبارك و {تعالى سيحلفون با لكم إذا انقلبتم} رجعتم {إليهم لتعرضوا عنهم} بترك المعاتبة {فأعرضوا عنهم} فأعطوهم طلبتهم {إنهم رجس} قذر لخبث باطنهم فلا يؤثر فيهم العقاب، بخلاف المؤمن إذا فرطت منه زلة فوبخ عليها طهره التوبيخ بالتوبة منها والاستغفار {ومأواهم جهنم} يعني تكفيهم النار عتاباً فلا تتكلفوا عتابهم ( {جزاء بما كانوا يكسبون بحلفون} ) أي: با ( {لكم لترضوا عنهم} ) أي: غرضهم بالحلف طلب رضاكم لينفعهم في دنياهم ( {فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضي عن القوم الفاسقين} ) أي: عنهم، وأتى بالظاهر موضعه نداء عليهم بسوء وصفهم المقتضي لعدم رضاه عنهم: أي ولا ينفعهم رضاكم عنهم مع سخطالله، بل يكونون عرضة لعاجل عقوبته وآجلها، في «الكشاف» قيل: إنما قيل لهم ذلك لئلا يتوهم متوهم أن رضا المؤمنين يقتضي رضاء الله عنهم (قال كعب: كنا خلفنا) بالبناء للمجهول، أخص (أيخا الثلاثة) بتأخير أمرنا وبيان شأننا فلم يقض فينا بشيء (عن أمر أولئك) المعتذرين (الذين) كذبوا الله ورسوله و (قبل منهم رسول الله) عذرهم في التخلف (حين حلفوا له) إنهم صادقون فيما اعتذروا به (فبايعهم) أي: عاقدهم على الإسلام وعاهدهم عنيه (واستغفر لهم) أي بنحو: غفر الله لكم (وأرجأ) أخر (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرنا) فلم يقض فيه بشيء (حتى قضى الله تعالى) أي: أبرز ما سبق قضاؤه (فيه) وأنزل فيه الآية فـ (بذلك) أي: فعن ذلك التخليف (قال الله تعالى: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} ) هو معنى ما

تقدم في تفسير الآية من قولنا خلفوا عن التوبة: أي

عن قبولها حالاً كما قبلت المعذرين وأرجأ أمر هؤلاء الثلاثة (وليس الذي ذكر) بالبناء للمجهول (مما خلفنا) أي: من تخليفنا المخبر عنه بقوله: «خلفوا» (تخلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا) عمن قبله من أولئك المعتذورين (وإرجاؤه) تأخيره (أمرنا) أي: بيانه وإيضاحه (عن) أي: عن أمر (من حلف له واعتذر إليه) من المعذين (فقبل منه) أفرد الضمير باعتبار لفظ من (متفق عليه) أي: رواه الشيخان وإن وقع بينهما اختلاف يسير في زيادة كلمة أو نقصها أو تقديم أو تأخير، وكذا أخرج الحديث أبو داود والترمذي والنسائي كما في «جامع الأصول» في كتاب الجهاد.

(وفي رواية: أن النبيّ خرج) من المدينة (في غزوة تبوك يوم الخميس، وكان يحبّ أن يخرج) لسفره (يوم الخميس) في «الصحيحين» من حديث كعب «قلما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر إلا يوم الخميس» ورواه النسائي.

(وفي رواية) للبخاري من حديث كعب (كان لا يقدم من سفر إلا نهاراً) ونهى عن طروق المسافر أهله ليلاً ما لم يشع خبر قدومه كأن كان في قفل ووصلوا لقرب البلد نهاراً وعلم ذلك الخبر لأهل البلد فلا بأس بالقدوم ليلاً حينئذٍ (في الضحى) لأنه أطيب ما في النهار لما فيه من حسن الهواء، وزيادة الأضواء: وخروج الناس للاجتماع واللقاء، وللتبايع ونحوه، ولذا شرعت فيه صلاة لئلا يستغرق الوقت بأمر الدنيا ويلهو بإخوانه عن إصلاح شأنه (فإذا قدم) بكسر الدال (بدأ بالمسجد) قبل دخول منزله اهتماماً به، وتعظيماً لشعائر الله تعالى، وتقديماً لحق الله تعالى على حق نفسه وأهله، وشكراً لنعمته عليه بسلامته من وعثاء السفر (فصل فيه ركعتين) تحية (ثم جلس فيه) ليسلم عليه الناس.

وفي الحديث فوائد أربعون بل أكثر: منها إباحة الغنيمة لهذه الأمة إذ قال يريدون عيراً لقريش، وفضيلة أهل بدر والعقبة، والمبايعة مع الإمام، وجواز الحلف من غير استحلاف، وتورية المقصد إذا دعت إليه ضرورة، والتأسف على ما فات من الخير، وتمني المتأسف عليه، وردّ الغيبة، وهجران أهل البدعة، وأن للإمام أن يؤدب بعض أصحابه بإمساك الكلام عنه، وترك من تاب الزوجة، واستحباب صلاة القادم، ودخوله المسجد أوّلاً، وتوجه الناس إليه عند قدومه، والحكم بالظاهر وقبول المعاذير، واستحباب البكاء على نفسه، وأن مسارقة النظر في الصلاة لا تبطلها، وفضيلة الصدق، وأن السلام ورده كلام/ وجواز دخول بستان صديقه بدون إذنه، وأن الكناية لا يقع بها الطلاق ما لم ينوه، وإيثار طاعة الله ورسوله على مودة القريب، وخدمة المرأة لزوجها، والاحتياط بمجانبة ما يخاف منه الوقوع في منهي عنه إذ كعب لم يستأذن في خدمته امرأته لذلك، وجواز إحراق ورقة فيها ذكر الله تعالى إذا كان لمصلحة، واستحباب التبشير عند تجدد النعمة واندفاع الكربة، واجتماع الناس عند الإمام في الأمور المهمة، وسروره بما يسر أصحابه، والتصدق بشيء عند ارتفاع الحزن والنهي عن التصدق بكل المال عند خوف عدم الصبر، وإجازة البشير بخلعة، وتخصيص اليمين بالنية: وجواز العارية، ومصافحة القادم، والقيام، والقيام له، واستحباب سجدة الشكر، والتزام مداومة الخير الذي انتفع به.

٢٢١٠ - (وعن أبي نجيد) بضم النون وفتح الجيم وسكون التحتية آخره دال مهملة، كنى باسم ابنه نجيد (عمران) بكسر العين المهملة (ابن الحصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين وإسكان التحتية بعدها نون ابن عبيدبن خلفبن عبدنهمبن حذيفةبن جهيمة بن عاضرةبن حبيشةبن كعببن عمرو، كذا قاله ابن منده وأبو نعيم. وقال أبو عمر: عبدنهمبن سالمبن عاضرة (الخزاعي) الكعبي (رضي الله عنهما) أسلم عام خيبر، وغزا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزوات، وبعثه عمربن الخطاب رضي الله عنه إلى البصرة ليفقه أهلها. قال محمدبن سيرين: لم نر في البصرة أحداً من أصحاب النبيّ يفضل على عمرانبن الحصين، وكان مجاب الدعوة ولم يشهد الفتنة. وروى له عن النبي مائة وثمانون حديثاً، اتفق الشيخان منها على ثمانية، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بتسعة: وكان تسلم عليه الملائكة في مرضه فاكتوى ففقد ذلك ثم عادت إليه، وكان به استسقاء طال به سنين وهو صابر عليه وشق بطنه وأخذ منه شحم وشق له سرير فبقي عليه ثلاثين سنة، ودخل

عليه رجل فقال، يا أبا نجيد وا إنه ليمنعي من عبادتك ما أرى بك، فقال: يا أخي فلا تجلس فوا إن أحبّ ذلك إليّ أحبه إلى الله تعالى، توفي بالبصرة سنة اثنتين وخمسين (أن امرأة من جهينة) وفي رواية أخرى لمسلم «جاءت امرأة من غامد» بغين معجمة وميم ودال مهملة.

قال المصنف: وهي بطن من جهينة. وقال الحافظ وليّ الدين العراقي في «مبهماته» : اسمها خولة بنت خويلد وفيها نزلت آية الظهار. وفي كلام بعضهم أن آية الظهار نزلت في خولة بنت ثعلبه انتهى ملخصاً. وقال ابن النحوي في «البدر المنير» : اسم الغامدية سبيعة، وقيل أبية بنت فرج، حكاهما الخطيب في «مبهماته» . وعدها أبو موسى الأصفهاني في الصحابة (أتت رسول الله: وهي حبلى من الزنى) من تعليلية ويصح كونه ابتدائية (فقالت: يا رسول الله أصبت حدا) أي: ما يلزم به الحد فيكون مجازاً مرسلاً (فأقمه عليّ) أي: لأطهر من تبعته في الآخرة. وفي مسلم أيضاً في حديث الغامدية «قالت طهرني» قال المصنف: فيه دليل على أن الحدّ يكفر ذنب المعصية التي حد لها، وقد جاء ذلك صريحاً في حديث عبادةبن الصامت، وهو قوله: «ومن فعل شيئاً من ذلك فعوقب به في الدنيا فهو كفارته» ولا نعلم فيه خلافاً، وإنما لم تقنع بالتوبة مع أنها محصلة لغرضها من سقوط الإثم، بل اختارت الرجم لأن حصول البراءة به وسقوط الإثم متيقن على حال، لاسيما وإقامته الحدّ بأمره. وأما التوبة فتخشى ألا تكون نصوحاً أو يختل بعض شروطها فأرادت حصول البراءة بطريق متيقن دون ما يطرقه الاحتمال انتهى ملخصاً (فدعا نبيّ الله) عبر عنها بنبيّ الله أولاً برسول الله تفننا في التعبير (وليها فقال: أحسن إليها) أمره بذلك خوفاً عليها من أن تحمل أقاربها الغيرة ولحوق العار بهم على أن يؤذوها، ورحمة لها إذ تابت ولحملها، فحرص عليها معها لما في نفوس الناس من النفرة من مثلها وإسماعها الكلام المؤذي ونحو ذلك، فنهى عن ذلك كله لذلك (فإذا وضعت) حملها (فائتنى بها) ففيه تأخير حدّ الزنى عن الحامل إلى أن تضع وتسقيه اللِّبَأ لئلا يموت الجنين وهو مجمع عليه. واختلف في اعتبار استغنائه عنها بلبن غيرها فالجمهور على اعتباره، فإن كان حدها الجلد لم تجلد حتى تضع بالإجماع (ففعل) أي: ما أمره به (فأمر بها نبيّ الله) أي: بأن

تهيأ للرجم لأنها كانت محصنة (فشدت عليها ثيابها) بالدال المهملة كذا في نسخ الرياض.

قال المصنف في «شرح مسلم» : فشكت عليها ثيابها، كذا هو في معظم النسخ «فشكت» وفي بعضها/ «فشدت» بالدال بدل الكاف وهو بمعنى الأول اهـ. ولم يذكر عياض في مشارقه

غير الكاف قال: أي جمعت أطرافها لتستر وخللت عليها بعيدان اهـ. وقيل معناه: أرسلت عليها ثيابها، والشك الاتصال واللصوق، وإنما فعلت ذلك لئلا ينكشف ثوبها في تقلبها وتكرر اضطرابها (ثم) بعد أن شدت ثيابها (أمر بها فرجمت) في عدم تعرضه لحضوره دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه أنه لا يلزم الإمام حضور الرجم، وكذا لا يلزم الشهود إذا ثبت بشهادتهم. وقال أبو حنيفة وأحمد، يحضر الإمام مطلقاً ويبدأ بالرجم إن ثبت بالإقرار وجاء عند النسائي: أنه رجم الغامدية ورماها بحجر. قالا: وتحضر للشهود إن ثبت بشهادتهم ويبدءون بالرجم (ثم) بعد غسلها وتكفينها (صلى) النبي (عليها) فيه دليل لمذهب الشافعي وآخرين من أن الإمام وأهل الفضل يصلون على المرجوم كما يصلي عليه غيرهم، وما قيل من أن ذكر صلاته ضعيف لكون أكثر الرواة لم يذكرها، أو من إن صلى فيه مؤول بأنه أمر بها، أو أنه أريد به المعنى الغوي: أي دعا ففاسد، لأن هذه الزيادة ثابتة في الصحيح وزيادة الثقة مقبولة، والتأويل خلاف الأصل لا يصار إليه إليه إلا إذا اضطرت الأدلة لارتكابه وليس هنا شيء من ذلك، فوجب حمله على ظاهره (فقال له عمر: تصلي عليها يا رسول الله وقد زنت؟) أي: أتصلي وهو استكشاف لحكمة صلاته عليها مع أنه وقع منها أمر يقتضي إهمال أمرها والإعراض عنها، وليس هو للإنكار (فقال) مبديا لما خفي على عمر رضي الله تعالى عنه فإنه نظر إلى ما صدر منها من الفعل القبيح وهو الزنى وغفل عما ختمت به أمرها وهو التوبة النصوح فنبهه بقوله: (لقد تابت توبة) صحيحة نصوحا (لو قسمت) بكمالها (بين سبعين) عاصياً (من أهل المدينة) أي: المنافقين

الذين بها: أي لو تاب المنافقون الذين بها يومئذٍ توبة صحيحة من نفاقهم كتوبتها (لوسعتهم) أي: لكفتهم في رفع آثامهم، فإذا رفعت ذنب الكفر فما دونه أولى، ولعل هذا حكمة قوله من أهل المدينة. قال في «البدر المنير» : وعند الطبراني «لقد تابت توبة لو تابها أهل المدينة لقبل منهم» (وهل وجدت) شيئاً تبذله في مرضاة الله (أفضل) أي: أعظم (من أن جادت بنفسها) ببذلها () أي: لمرضاته (عزّ وجلّ. رواه مسلم) ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وفي الحديث بيان عظم التوبة وأنها تحبّ

الذثبّ وتلحقي التائب بمن لم يقترب شيئاً من الذنب، وتكون سبباً لحوزه أنواع الفضل.

٢٣١١ - (وعن ابن عباس وأنسبن مالك) تقدمت ترجمتهما في باب الإخلاص (رضي الله عنهم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لو) ثبت (أن لابن آدم وادياً) مملوءاً (من ذهب أحبّ) وفي نسخة: لأحبّ: أي من حرصه الذي هو طبعه (أن يكون له واديان) أي: آخران كما هو الأنسب بحرصه، ويحتمل أن يراد واديان بما كان له أو لا فيكون المطلوب وادياً آخر. والأول أظهر (ولن يملأ جوفه إلا التراب) أي: إنه لا يزال حريصاً على الدنيا حتى يموت ويمتلىء جوفه من تراب قبره، وهذا حكم غالب النوع الإنساني الحرص على الدنيا، أما من لطف به وحفظ من ذلك ابتداء أو بالتوبة منه فمستثنى كما قال (ويتوب الله على من تاب) أي: إن الله تعالى يقبل التوبة من الحرص المذموم وغيره من المذمومات (متفق عليه) وفي «الجامع الصغير» للحافظ السيوطي بعد ذكر الحديث بنحوه أخرجه أحمد والشيخان والترمذي عن أنس وأحمد، والشيخان عن ابن عباس، والبخاري عن الزبير، وابن ماجه عن أبي هريرة، وأحمد عن أبي واقد، والبزار عن بريدة. وأخرج أحمد وابن حيان عن جابر مرفوعاً «لو كان لابن آدم واد من نخل لتمنى مثله ثم لتمنى مثله حتى يتمنى أودية، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب» اهـ. وفي «الديباج» للحافظ السيوطي: ورد في حديث أن الحديث المذكور كان في آخر سورة «لم يكن» فأخرج أحمد والترمذي والحاكم وصححاه عن أُبيّبن كعب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن فقرأ: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب} (البينة: ١) ، فال فرأ فيها: ولو أن ابن آدم سأل وادياً من مال فأعطيه لسأل ثانياً، ولو سأل ثانياً فأعطيه لسأل ثالثاً. ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب، وإن ذات الدين عند الحنيفية غير المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية، ومن يفعل خيراً فلن يكفره» اهـ.

٢٤١٢ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه) تقدمت ترجمته في باب الإخلاص (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: يضحك الله سبحانه إلى رجلين) قال القاضي عياض: الضحك في حقه تعالى: - لاستحالة قيام حقيقته بذاته سبحانه لكون من أوصاف الحادث - مجاز عن الرضى بفعلهما والثواب عليه، وحمد فعلهما ومحبته وتلقي رسله له بذلك، لأن الضحك من أحدنا إنما يكون عند موافقة ما يرضاه وسروره بمن يلقاه. قال: ويحتمل أن يكون المراد ضحك الملائكة الذين يوجهون لقبض روحهما وإدخالهما الجنة كما يقال قتل السلطان فلاناً: أي أمر به اهـ. (يقتل أحدهما) أي: الواحد منهما (الآخر) أي: صاحبه (ثم يدخلان الجنة) ثم بين ذلك الإجمال بقوله: (يقاتل هذا) يعني المسلم (في سبيل الله) لإعلاء كلمة الله (فيقتل) أي: يقتله كافر (ثم) للترتيب في الإخبار، أو يراد بها مجرد الترتيب من غير اعتبار انضمام التراخي إليه، فلا يعتبر تراخي إسلام الكافر عن قتله ذلك المسلم بل يحصل بإسلامه عقبه (يتوب الله على القاتل فيسلم فيستشهد) عطف الفعلين بالفاء إشارة إلى حصول الهداية عقب تعلق العناية بالعبد من غير تراخ إذ لا مانع لما أراد سبحانه، وإلى أنه لا يمكث بعد إسلامه زمناً يقترف فيه شيئاً من موبقات الذنوب بل عقب إسلامه استشهد فعمل قليلاً وحاز خيراً جليلاً ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ثم لا يلزم من تساويهما في دخول الجنة تساويهما في المنزلة، فإن تفاوت مراتب الجنان على حسب تفاوت مراتب الأعمال (متفق عليه) . وفي ختم المصنف الباب بهذا الحديث إشارة إلى أن الإنسان ينبغي له أن يتوب من الذنب الذي اقترفه وإن كان كبيرة، ولا يؤيسه ذاك من رحمة الله تعالى فإن اهو التواب الرحيم، والذنب وإن عظم قدره كالكبائر وكثرة عدده إذا قوبل

📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري

في هذا الحديث: فضل الإخلاص في العمل، وأنه ينجي صاحبه عند الكرب.

وفيه: فضل بر الوالدين وخدمتهما، وإيثارهما على الولد والأهل، وتحمُّل المشقة لأجلهما.

وفيه: العفة والانكفاف عن الحرام مع القدرة.

وفيه: فضل حسن العهد وأداء الأمانة، والسماحة في المعاملة.

[٢- باب التوبة]

قَالَ العلماءُ: التَّوْبَةُ وَاجبَةٌ مِنْ كُلِّ ذَنْب، فإنْ كَانتِ المَعْصِيَةُ بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ اللهِ تَعَالَى لا تَتَعلَّقُ بحقّ آدَمِيٍّ فَلَهَا ثَلاثَةُ شُرُوط:

أحَدُها: أنْ يُقلِعَ عَنِ المَعصِيَةِ.

والثَّانِي: أَنْ يَنْدَمَ عَلَى فِعْلِهَا.

والثَّالثُ: أنْ يَعْزِمَ أَنْ لا يعُودَ إِلَيْهَا أَبَداً. فَإِنْ فُقِدَ أَحَدُ الثَّلاثَةِ لَمْ تَصِحَّ تَوبَتُهُ.

وإنْ كَانَتِ المَعْصِيةُ تَتَعَلقُ بآدَمِيٍّ فَشُرُوطُهَا أرْبَعَةٌ: هذِهِ الثَّلاثَةُ، وأنْ يَبْرَأ مِنْ حَقّ صَاحِبِها، فَإِنْ كَانَتْ مالاً أَوْ نَحْوَهُ رَدَّهُ إِلَيْه، وإنْ كَانَت حَدَّ قَذْفٍ ونَحْوَهُ مَكَّنَهُ مِنْهُ أَوْ طَلَبَ عَفْوَهُ، وإنْ كَانْت غِيبَةً استَحَلَّهُ مِنْهَا. ويجِبُ أنْ يَتُوبَ مِنْ جميعِ الذُّنُوبِ، فَإِنْ تَابَ مِنْ بَعْضِها صَحَّتْ تَوْبَتُهُ عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ مِنْ ذلِكَ الذَّنْبِ وبَقِيَ عَلَيهِ البَاقي.

وَقَدْ تَظَاهَرَتْ دَلائِلُ الكتَابِ والسُّنَّةِ، وإجْمَاعِ الأُمَّةِ عَلَى وُجوبِ التَّوبةِ.

التوبة: الرجوع عن معصية الله تعالى إلى طاعته، وطلب الاستحلال مِنَ المقذوف ونحوه إن بلغه ذلك، وإلا كفى الاستغفار، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كفارةُ

من اغتبته أن تسغفر له»

قَالَ الله تَعَالَى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور (٣١) ] .

(لعل) في الأصل للترجي، وفي كلام الله تعالى للتحقيق؛ لأنَّ وعده واقع والآية تدل على وجوب التوبة من الصغائر والكبائر.

وَقالَ تَعَالَى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً} [نوح (١٠) ] .

وهذه الآية أيضًا تدل على وجوب الاستغفار من جميع الذنوب.

وَقالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحا} [التحريم (٨) ] .

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: التوبة النصوح أن يتوب من الذنب، ثم لا يعود إليه، كما لا يعود اللبن في الضرع.

[١٣] وعن أبي هريرةَ - رضي الله عنه - قَالَ: سمعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «والله إنِّي لأَسْتَغْفِرُ الله وأَتُوبُ إِلَيْه في اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً» . رواه البخاري.

في هذا الحديث: تحريض للأمة على التوبة والاستغفار.

قال ابن بطال: الأنبياء أشد الناس اجتهادًا في العبادة، لما أعطاهم الله تعالى من المعرفة، فهم دائبون في شكره، معترفون له بالتقصير.

[١٤] وعن الأَغَرِّ بنِ يسار المزنِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، تُوبُوا إِلى اللهِ واسْتَغْفِرُوهُ، فإنِّي أتُوبُ في اليَومِ مئةَ مَرَّةٍ» . رواه مسلم.

في هذا الحديث أيضًا: وجوب التوبة والاستغفار، واستمرار ذلك في كل وقت، وعلى كل حال.

[١٥] وعن أبي حمزةَ أنسِ بنِ مالكٍ الأنصاريِّ - خادِمِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «للهُ أفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ سَقَطَ عَلَى بَعِيرهِ وقد أضلَّهُ في أرضٍ فَلاةٍ» . مُتَّفَقٌ عليه.

وفي رواية لمُسْلمٍ: «للهُ أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يتوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتهِ بأرضٍ فَلاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابهُ فأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتى شَجَرَةً فاضطَجَعَ في ظِلِّهَا وقد أيِسَ مِنْ رَاحلَتهِ، فَبَينَما هُوَ كَذَلِكَ إِذْ هُوَ بِها قائِمَةً عِندَهُ، فَأَخَذَ بِخِطامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أنْتَ عَبدِي وأنا رَبُّكَ! أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ» .

في هذا الحديث: محبة الله تعالى لتوبة عبده حين يتوب إليه، وأنه يفرح بذلك فرحًا شديدًا يليق بجلاله.

وفيه: أنَّ ما قاله الإنسان في حال دهشته وذهوله لا يؤاخذ به.

وفيه: ضرب المثل بما يصل إلى الأفهام من الأمور المحسوسة.

وفيه: بركة الاستسلام لأمر الله تعالى.

[١٦] وعن أبي موسَى عبدِ اللهِ بنِ قَيسٍ الأشْعريِّ - رضي الله عنه - عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: «إنَّ الله تَعَالَى يَبْسُطُ يَدَهُ بالليلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، ويَبْسُطُ يَدَهُ بالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: طلب من اللطيف الرؤوف الغافر لعباده أن يتوبوا، ليتوب عليهم.

[١٧] وعن أبي هُريرةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ تَابَ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها تَابَ اللهُ عَلَيهِ» . رواه مسلم.

قبول التوبة مستمر ما دام بابها مفتوحًا، فإذا أغلق لم تقبل. قال الله تعالى {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً} [الأنعام (١٥٨) ] ، يعني: إذا طلعت الشمس من مغربها، لم ينفع الكافر إيمانه، ولا العاصي توبته.

[١٨] وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بنِ عمَرَ بنِ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهما عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: «إِنَّ الله - عز وجل - يَقْبَلُ تَوبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» . رواه الترمذي، وَقالَ: «حديث حسن» .

الغرغرة: وصول الروح الحلقوم. قال الله تعالى {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} [النساء (١٨) ] ، وقال تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} [غافر (٨٤، ٨٥) ] .

[١٩] وعن زِرِّ بن حُبَيْشٍ، قَالَ: أَتَيْتُ صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ - رضي الله عنه - أسْألُهُ عَن الْمَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ، فَقالَ: ما جاءَ بكَ يَا زِرُّ؟ فقُلْتُ: ابتِغَاء العِلْمِ، فقالَ: إنَّ المَلائكَةَ تَضَعُ أجْنِحَتَهَا لطَالبِ العِلْمِ رِضىً بِمَا يطْلُبُ. فقلتُ:

إنَّهُ قَدْ حَكَّ في صَدْري المَسْحُ عَلَى الخُفَّينِ بَعْدَ الغَائِطِ والبَولِ، وكُنْتَ امْرَءاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَجئتُ أَسْأَلُكَ هَلْ سَمِعْتَهُ يَذكُرُ في ذلِكَ شَيئاً؟ قَالَ: نَعَمْ، كَانَ يَأْمُرُنا إِذَا كُنَّا سَفراً - أَوْ مُسَافِرينَ - أنْ لا نَنْزعَ خِفَافَنَا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيالِيهنَّ إلا مِنْ جَنَابَةٍ، لكنْ مِنْ غَائطٍ وَبَولٍ ... ونَوْمٍ. فقُلْتُ: هَلْ سَمِعْتَهُ يَذْكرُ في الهَوَى شَيئاً؟ قَالَ: نَعَمْ، كُنّا مَعَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في سَفَرٍ، فبَيْنَا نَحْنُ عِندَهُ إِذْ نَادَاه أَعرابيٌّ بصَوْتٍ لَهُ جَهْوَرِيٍّ: يَا مُحَمَّدُ، فأجابهُ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - نَحْواً مِنْ صَوْتِه: «هَاؤُمْ» فقُلْتُ لَهُ: وَيْحَكَ! اغْضُضْ مِنْ صَوتِكَ فَإِنَّكَ عِنْدَ النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، وَقَدْ نُهِيتَ عَنْ هذَا! فقالَ: والله لا أغْضُضُ. قَالَ الأعرَابيُّ: المَرْءُ يُحبُّ القَوْمَ وَلَمَّا يلْحَقْ بِهِمْ؟ قَالَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ يَومَ القِيَامَةِ» . فَمَا زَالَ يُحَدِّثُنَا حَتَّى ذَكَرَ بَاباً مِنَ المَغْرِبِ مَسيرَةُ عَرْضِهِ أَوْ يَسِيرُ الرَّاكبُ في عَرْضِهِ أرْبَعينَ أَوْ سَبعينَ عاماً - قَالَ سُفْيانُ أَحدُ الرُّواةِ: قِبَلَ الشَّامِ - خَلَقَهُ الله تَعَالَى يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاواتِ والأَرْضَ مَفْتوحاً للتَّوْبَةِ لا يُغْلَقُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْهُ. رواه الترمذي وغيره، وَقالَ: «حديث حسن صحيح» .

قوله: «حك» ، أي: أثَّر. والهوى: الحب.

وفي الحديث: فضل حب الله ورسوله والأخيار أحياء وأمواتًا.

وفيه: فضل العلم وأهله، وفي صحيح مسلم، قال أنس: «ما فرحنا فرحًا أشد ما فرحنا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المرء مع من أحب» . وقال أنس: «

أنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر، فأرجو أن أكون معهم، وإن لم أعمل بعملهم» .

[٢٠] وعن أبي سَعيد سَعْدِ بنِ مالكِ بنِ سِنَانٍ الخدريِّ - رضي الله عنه - أنّ نَبِيَّ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وتِسْعينَ نَفْساً، فَسَأَلَ عَنْ أعْلَمِ أَهْلِ الأرضِ، فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ. فقال: إنَّهُ قَتَلَ تِسعَةً وتِسْعِينَ نَفْساً فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوبَةٍ؟ فقالَ: لا، فَقَتَلهُ فَكَمَّلَ بهِ مئَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرضِ، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ. فقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِئَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فقالَ: نَعَمْ، ومَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إِلى أرضِ كَذَا وكَذَا فإِنَّ بِهَا أُناساً يَعْبُدُونَ الله تَعَالَى فاعْبُدِ الله مَعَهُمْ، ولا تَرْجِعْ إِلى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أرضُ سُوءٍ، فانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ، فاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ ومَلائِكَةُ العَذَابِ. فَقَالتْ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِباً، مُقْبِلاً بِقَلبِهِ إِلى اللهِ تَعَالَى، وقالتْ مَلائِكَةُ العَذَابِ: إنَّهُ لمْ يَعْمَلْ خَيراً قَطُّ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ في صورَةِ آدَمِيٍّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ - أيْ حَكَماً - فقالَ: قِيسُوا ما بينَ الأرضَينِ فَإلَى أيّتهما كَانَ أدنَى فَهُوَ لَهُ. فَقَاسُوا فَوَجَدُوهُ أدْنى إِلى الأرْضِ التي أرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلائِكَةُ الرَّحمةِ» . مُتَّفَقٌ عليه.

وفي رواية في الصحيح: «فَكَانَ إلى القَريَةِ الصَّالِحَةِ أقْرَبَ بِشِبْرٍ فَجُعِلَ مِنْ أهلِهَا» .

وفي رواية في الصحيح: «فَأَوحَى الله تَعَالَى إِلى هذِهِ أَنْ تَبَاعَدِي،

وإِلَى هذِهِ أَنْ تَقَرَّبِي، وقَالَ: قِيسُوا مَا بيْنَهُما، فَوَجَدُوهُ إِلى هذِهِ أَقْرَبَ بِشِبْرٍ فَغُفِرَ لَهُ» . وفي رواية: «فَنَأى بصَدْرِهِ نَحْوَهَا» .

في هذا الحديث: فضل العلم على العبادة.

وفيه: والهجرة من دار العصيان، ومقاطعة إخوان السوء، واستبدالهم بصحبة أهل الخير والصلاح.

وفيه: دليل على أنَّ القاضي إذا تعارضت الأقوال عنده، يحكم بالقرائن.

وفيه: أن الذنوب وإن عظمت، فعفو الله أعظم منها. وأن من صدق في توبته، تاب الله عليه، ولو لم يعمل خيرًا إذا عزم على فعله.

[٢١] وعن عبدِ الله بن كعبِ بنِ مالكٍ، وكان قائِدَ كعبٍ - رضي الله عنه - مِنْ بَنِيهِ حِينَ عمِيَ، قَالَ: سَمِعتُ كَعْبَ بنَ مالكٍ - رضي الله عنه - يُحَدِّثُ بحَديثهِ حينَ تَخلَّفَ عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في غَزْوَةِ تَبُوكَ. قَالَ كعبٌ: لَمْ أتَخَلَّفْ عَنْ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في غَزْوَةٍ غزاها قط إلا في غزوة تَبُوكَ، غَيْرَ أنّي قَدْ تَخَلَّفْتُ في غَزْوَةِ بَدْرٍ، ولَمْ يُعَاتَبْ أَحَدٌ تَخَلَّفَ عَنْهُ؛ إِنَّمَا خَرَجَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - والمُسْلِمُونَ يُريدُونَ عِيرَ قُرَيْشٍ حَتَّى جَمَعَ الله تَعَالَى بَيْنَهُمْ وبَيْنَ عَدُوِّهمْ عَلَى غَيْر ميعادٍ. ولَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - لَيلَةَ العَقَبَةِ حينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الإِسْلامِ، وما أُحِبُّ أنَّ لي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ، وإنْ كَانَتْ بدرٌ أذْكَرَ في النَّاسِ مِنْهَا. وكانَ مِنْ خَبَري حينَ تَخَلَّفْتُ عَنْ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في غَزْوَةِ تَبُوكَ أنِّي لم أكُنْ قَطُّ أَقْوى ولا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عنْهُ في تِلكَ

الغَزْوَةِ،

وَالله ما جَمَعْتُ قَبْلَهَا رَاحِلَتَيْنِ قَطُّ حَتَّى جَمَعْتُهُمَا في تِلْكَ الغَزْوَةِ وَلَمْ يَكُنْ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُريدُ غَزْوَةً إلا وَرَّى بِغَيرِها حَتَّى كَانَتْ تلْكَ الغَزْوَةُ، فَغَزَاها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في حَرٍّ شَديدٍ، واسْتَقْبَلَ سَفَراً بَعِيداً وَمَفَازاً، وَاستَقْبَلَ عَدَداً كَثِيراً، فَجَلَّى للْمُسْلِمينَ أمْرَهُمْ ليتَأهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهمْ فأَخْبرَهُمْ بوَجْهِهِمُ الَّذِي يُريدُ، والمُسلِمونَ مَعَ رسولِ الله كثيرٌ وَلا يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ (يُريدُ بذلِكَ الدّيوَانَ) قَالَ كَعْبٌ: فَقَلَّ رَجُلٌ يُريدُ أنْ يَتَغَيَّبَ إلا ظَنَّ أنَّ ذلِكَ سيخْفَى بِهِ ما لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْيٌ مِنَ الله، وَغَزا رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - تِلْكَ الغَزوَةَ حِينَ طَابَت الثِّمَارُ وَالظِّلالُ، فَأنَا إلَيْهَا أصْعَرُ، فَتَجَهَّزَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وَالمُسْلِمُونَ مَعَهُ وطَفِقْتُ أغْدُو لكَيْ أتَجَهَّزَ مَعَهُ، فأرْجِعُ وَلَمْ أقْضِ شَيْئاً، وأقُولُ في نفسي: أنَا قَادرٌ عَلَى ذلِكَ إِذَا أَرَدْتُ، فَلَمْ يَزَلْ يَتَمادى بي حَتَّى اسْتَمَرَّ بالنَّاسِ الْجِدُّ، فأصْبَحَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - غَادياً والمُسْلِمُونَ مَعَهُ وَلَمْ أقْضِ مِنْ جِهَازي شَيْئاً، ثُمَّ غَدَوْتُ فَرَجَعْتُ وَلَمْ أقْضِ شَيئاً، فَلَمْ يَزَلْ يَتَمَادَى بي حَتَّى أسْرَعُوا وتَفَارَطَ الغَزْوُ، فَهَمَمْتُ أنْ أرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ، فَيَا لَيْتَني فَعَلْتُ، ثُمَّ لم يُقَدَّرْ ذلِكَ لي، فَطَفِقْتُ إذَا خَرَجْتُ في النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَحْزُنُنِي أنِّي لا أرَى لي أُسْوَةً، إلا رَجُلاً مَغْمُوصَاً عَلَيْهِ في النِّفَاقِ، أوْ رَجُلاً مِمَّنْ عَذَرَ اللهُ تَعَالَى ... مِنَ الضُّعَفَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى بَلَغَ

تَبُوكَ، فَقَالَ وَهُوَ جَالِسٌ في القَوْمِ بِتَبُوكَ: «ما فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ؟» فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: يا رَسُولَ اللهِ، حَبَسَهُ بُرْدَاهُ والنَّظَرُ في عِطْفَيْهِ. فَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ - رضي الله عنه -: بِئْسَ مَا قُلْتَ! واللهِ يا رَسُولَ اللهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إلا خَيْرَاً،

فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. فَبَيْنَا هُوَ عَلى ذَلِكَ رَأى رَجُلاً مُبْيِضاً يَزُولُ بِهِ السَّرَابُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ» ، فَإذَا هُوَ أبُو خَيْثَمَةَ الأنْصَارِيُّ وَهُوَ الَّذِي تَصَدَّقَ بِصَاعِ التَّمْرِ حِيْنَ لَمَزَهُ المُنَافِقُونَ.

قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ تَوَجَّهَ قَافِلاً مِنْ تَبُوكَ حَضَرَنِي بَثِّي، فَطَفِقْتُ أتَذَكَّرُ الكَذِبَ وأقُولُ: بِمَ أخْرُجُ مِنْ ... سَخَطِهِ ... غَدَاً؟ وأسْتَعِيْنُ عَلى ذَلِكَ بِكُلِّ ذِي رأْيٍ مِنْ أهْلِي، فَلَمَّا قِيْلَ: إنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قّدْ أظَلَّ قَادِمَاً، زَاحَ عَنّي البَاطِلُ حَتَّى عَرَفْتُ أَنِّي لَنْ أَنْجُوَ مِنْهُ بِشَيءٍ أَبَداً، فَأجْمَعْتُ صدْقَهُ وأَصْبَحَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قَادِماً، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالمَسْجِدِ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذلِكَ جَاءهُ المُخَلَّفُونَ يَعْتَذِرونَ إِلَيْه ويَحْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضْعاً وَثَمانينَ رَجُلاً، فَقَبِلَ مِنْهُمْ عَلانِيَتَهُمْ وَبَايَعَهُمْ واسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلى الله تَعَالَى، حَتَّى جِئْتُ، فَلَمَّا سَلَّمْتُ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغْضَبِ. ثُمَّ قَالَ: «تَعَالَ» ، فَجِئْتُ أمْشي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فقالَ لي: «مَا خَلَّفَكَ؟ ألَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟» قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ الله، إنّي والله لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أهْلِ الدُّنْيَا لَرَأيتُ أنِّي سَأخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ؛ لقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلاً، ولَكِنِّي والله لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ اليوم حَدِيثَ كَذبٍ تَرْضَى به عنِّي لَيُوشِكَنَّ الله أن يُسْخِطَكَ عَلَيَّ،

وإنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ إنّي لأَرْجُو فِيهِ عُقْبَى الله - عز وجل -، والله ما كَانَ لي مِنْ عُذْرٍ، واللهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ. قَالَ: فقالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «أمَّا هَذَا فقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ

اللهُ فيكَ» . وَسَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَة فاتَّبَعُوني فَقالُوا لِي: واللهِ مَا عَلِمْنَاكَ أذْنَبْتَ ذَنْباً قَبْلَ هذَا لَقَدْ عَجَزْتَ في أنْ لا تَكونَ اعتَذَرْتَ إِلَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - بما اعْتَذَرَ إليهِ المُخَلَّفُونَ، فَقَدْ كَانَ كَافِيكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَارُ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - لَكَ. قَالَ: فَوالله ما زَالُوا يُؤَنِّبُونَنِي حَتَّى أَرَدْتُّ أَنْ أرْجعَ إِلَى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فأُكَذِّبَ نَفْسِي، ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَقِيَ هذَا مَعِيَ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ، لَقِيَهُ مَعَكَ رَجُلانِ قَالا مِثْلَ مَا قُلْتَ، وَقيلَ لَهُمَا مِثْلَ مَا قيلَ لَكَ، قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هُما؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ الرَّبيع الْعَمْرِيُّ، وهِلَالُ ابنُ أُمَيَّةَ الوَاقِفِيُّ؟ قَالَ: فَذَكَرُوا لِي رَجُلَينِ صَالِحَينِ قَدْ شَهِدَا بَدْراً فيهِما أُسْوَةٌ، قَالَ: فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُما لِي. ونَهَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - عَنْ كَلامِنا أيُّهَا الثَّلاثَةُ مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، فاجْتَنَبَنَا النَّاسُ - أوْ قَالَ: تَغَيَّرُوا لَنَا - حَتَّى تَنَكَّرَتْ لي في نَفْسي الأَرْض، فَمَا هِيَ بالأرْضِ الَّتي أعْرِفُ، فَلَبِثْنَا عَلَى ذلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً. فَأمّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانا وقَعَدَا في بُيُوتِهِمَا يَبْكيَان. وأمَّا أنَا فَكُنْتُ أشَبَّ الْقَومِ وأجْلَدَهُمْ فَكُنْتُ أخْرُجُ فَأشْهَدُ الصَّلَاةَ مَعَ المُسْلِمِينَ، وأطُوفُ في الأَسْوَاقِ وَلا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ، وَآتِي رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فأُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَهُوَ في مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَأَقُولُ في نَفسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْه برَدِّ السَّلام أَمْ لا؟ ثُمَّ أُصَلِّي قَريباً مِنْهُ وَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أقْبَلْتُ عَلَى صَلاتِي نَظَرَ إلَيَّ وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أعْرَضَ عَنِّي،

حَتَّى إِذَا طَال ذلِكَ عَلَيَّ مِنْ جَفْوَةِ المُسْلِمينَ مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ جِدارَ حائِط أبي قَتَادَةَ وَهُوَ ابْنُ عَمِّي وأَحَبُّ النَّاس إِلَيَّ، فَسَلَّمْتُ عَلَيهِ فَوَاللهِ مَا رَدَّ عَليَّ السَّلامَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ، أنْشُدُكَ بالله هَلْ تَعْلَمُنِي

أُحِبُّ الله وَرَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم -؟ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ فَنَاشَدْتُهُ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ فَنَاشَدْتُهُ، فَقَالَ: اللهُ ورَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَفَاضَتْ عَيْنَايَ، وَتَوَلَّيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ الجِدَارَ، فَبَيْنَا أَنَا أمْشِي في سُوقِ الْمَدِينة إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ نَبَطِ ... أهْلِ الشَّام مِمّنْ قَدِمَ بالطَّعَامِ يَبيعُهُ بِالمَدِينَةِ يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؟ فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ إلَيَّ حَتَّى جَاءنِي فَدَفَعَ إِلَيَّ كِتَاباً مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ، وَكُنْتُ كَاتباً. فَقَرَأْتُهُ فإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ، فإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنا أنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللهُ بدَارِ هَوانٍ وَلا مَضْيَعَةٍ، فَالْحَقْ بنَا نُوَاسِكَ، فَقُلْتُ حِينَ قَرَأْتُهَا: وَهَذِهِ أَيضاً مِنَ البَلاءِ، فَتَيَمَّمْتُ بهَا التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهَا، حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ مِنَ الْخَمْسينَ وَاسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ إِذَا رسولُ ... رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يَأتِيني، فَقالَ: إنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَأمُرُكَ أنْ تَعْتَزِلَ امْرَأتَكَ، فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا أمْ مَاذَا أفْعَلُ؟ فَقالَ: لا، بَلِ اعْتَزِلْهَا فَلا تَقْرَبَنَّهَا، وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَيَّ بِمِثْلِ ذلِكَ. فَقُلْتُ لامْرَأتِي: الْحَقِي بِأهْلِكِ فَكُوني عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ في هَذَا الأمْرِ. فَجَاءتِ امْرَأةُ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ الله، إنَّ هِلَالَ بْنَ أمَيَّةَ شَيْخٌ ضَائِعٌ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ، فَهَلْ تَكْرَهُ أنْ أخْدُمَهُ؟ قَالَ: «لا، وَلَكِنْ لا يَقْرَبَنَّكِ» فَقَالَتْ: إِنَّهُ واللهِ ما بِهِ مِنْ حَرَكَةٍ إِلَى شَيْءٍ، وَوَالله مَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ

كَانَ مِنْ أمْرِهِ مَا كَانَ إِلَى يَومِهِ هَذَا. فَقَالَ لي بَعْضُ أهْلِي: لَو اسْتَأْذَنْتَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - في امْرَأَتِكَ فَقَدْ أَذِن لاِمْرَأةِ هلَال بْنِ أمَيَّةَ أنْ تَخْدُمَهُ؟ فَقُلْتُ: لا أسْتَأذِنُ فيها رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وَمَا يُدْرِيني مَاذَا يقُول رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إِذَا اسْتَأْذَنْتُهُ، وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌ! فَلَبِثْتُ بِذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ فَكَمُلَ لَنا

خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينَ نُهِيَ عَنْ كَلَامِنا، ثُمَّ صَلَّيْتُ صَلَاةَ الْفَجْرِ صَبَاحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحالِ الَّتي ذَكَرَ الله تَعَالَى مِنَّا، قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسي وَضَاقَتْ عَلَيَّ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أوفَى عَلَى سَلْعٍ يَقُولُ بِأعْلَى صَوتِهِ: يَا كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أبْشِرْ، فَخَرَرْتُ سَاجِداً، وَعَرَفْتُ أنَّهُ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ. فآذَنَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - النَّاسَ بِتَوْبَةِ الله - عز وجل - عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلاةَ الفَجْر فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا، فَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرونَ وَرَكَضَ رَجُلٌ ... إِلَيَّ فَرَساً وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أسْلَمَ قِبَلِي، وَأَوْفَى عَلَى الْجَبَلِ، فَكانَ الصَّوْتُ أسْرَعَ مِنَ الفَرَسِ، فَلَمَّا جَاءني الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُني نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُمَا إيَّاهُ بِبشارته، وَاللهِ مَا أمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ، وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبسْتُهُما، وَانْطَلَقْتُ أتَأمَّمُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَتَلَقَّاني النَّاسُ فَوْجاً ... فَوْجاً يُهنِّئونَني بالتَّوْبَةِ وَيَقُولُونَ لِي: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ الله عَلَيْكَ. حَتَّى ... دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - جَالِسٌ حَوْلَه النَّاسُ، فَقَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ - رضي الله عنه - يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَني وَهَنَّأَنِي، والله مَا قَامَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرينَ غَيرُهُ - فَكَانَ كَعْبٌ لا يَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ -.

قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ

مِنَ السُّرُور: «أبْشِرْ بِخَيْرِ يَومٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُذْ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ» فَقُلْتُ: أمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُول الله أَمْ مِنْ عِندِ الله؟ قَالَ: «لا، بَلْ مِنْ عِنْدِ الله - عز وجل -» ، وَكَانَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّ وَجْهَهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ وَكُنَّا نَعْرِفُ ذلِكَ مِنْهُ، فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ: يَا رسولَ الله،

إنَّ مِنْ تَوْبَتِي أنْ أنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولهِ. فَقَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «أمْسِكَ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ ... لَكَ» . فقلتُ: إِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيبَر. وَقُلْتُ: يَا رسولَ الله، إنَّ الله تَعَالَى إِنَّمَا أنْجَانِي بالصِّدْقِ، وإنَّ مِنْ تَوْبَتِي أنْ لا أُحَدِّثَ إلا صِدْقاً مَا بَقِيتُ، فوَالله مَا عَلِمْتُ أَحَداً مِنَ المُسْلِمينَ أبْلاهُ الله تَعَالَى في صِدْقِ الحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذلِكَ لِرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أحْسَنَ مِمَّا أبْلانِي الله تَعَالَى، واللهِ مَا تَعَمَّدْتُ كِذْبَةً مُنْذُ قُلْتُ ذلِكَ لِرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إِلَى يَومِيَ هَذَا، وإنِّي لأرْجُو أنْ يَحْفَظَنِي الله تَعَالَى فيما بَقِيَ، قَالَ: فأَنْزَلَ الله تَعَالَى: {لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ} حَتَّى بَلَغَ: {إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيم وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} حَتَّى بَلَغَ: {اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} ... [التوبة (١١٧: ١١٩) ] قَالَ كَعْبٌ: واللهِ ما أنْعَمَ الله عَليَّ مِنْ نعمةٍ قَطُّ بَعْدَ إذْ هَدَاني اللهُ للإِسْلامِ أَعْظَمَ في نَفْسِي مِنْ صِدقِي رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أنْ لا أكونَ كَذَبْتُهُ، فَأَهْلِكَ كما هَلَكَ الَّذينَ كَذَبُوا؛ إنَّ الله تَعَالَى قَالَ للَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أنْزَلَ الوَحْيَ شَرَّ مَا قَالَ لأَحَدٍ، فقال الله تَعَالَى: {سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [التوبة (٩٥، ٩٦) ]

قَالَ كَعْبٌ: كُنّا خُلّفْنَا أيُّهَا الثَّلَاثَةُ عَنْ أمْرِ أُولئكَ الذينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حِينَ حَلَفُوا لَهُ فَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ وأرجَأَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -

أمْرَنَا حَتَّى قَضَى الله تَعَالَى فِيهِ بذِلكَ. قَالَ الله تَعَالَى: {وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} وَليْسَ الَّذِي ذَكَرَ مِمَّا خُلِّفْنَا تَخلُّفُنَا عن الغَزْو، وإنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إيّانا وإرْجَاؤُهُ أمْرَنَا عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ واعْتَذَرَ إِلَيْهِ فقبِلَ مِنْهُ. مُتَّفَقٌ عليه.

وفي رواية: أنَّ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - خَرَجَ في غَزْوَةِ تَبْوكَ يَومَ الخَميسِ وكانَ يُحِبُّ أنْ يخْرُجَ يومَ الخمِيس.

وفي رواية: وكانَ لا يقْدمُ مِنْ سَفَرٍ إلا نَهَاراً في الضُّحَى، فإِذَا قَدِمَ بَدَأَ بالمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ فِيهِ.

في هذا الحديث: أكثر من أربعين فائدة، منها: فضيلة الصدق، والحكم بالظاهر، وأنَّ القوي في الدين يؤاخذ بأشد مما يؤاخذ ضعيف الدين.

وفيه: جواز هجران المذنب أكثر من ثلاث إذا ظهرت فائدته، ولم يترتب عليه مفسدة، واستحباب الصدقة عند التوبة. وبالله التوفيق.

[٢٢] وَعَنْ أبي نُجَيد - بضَمِّ النُّونِ وفتحِ الجيم - عِمْرَانَ بنِ الحُصَيْنِ الخُزَاعِيِّ رضي الله عنهما: أنَّ امْرَأةً مِنْ جُهَيْنَةَ أتَتْ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وَهِيَ حُبْلَى مِنَ الزِّنَى، فقالتْ: يَا رسولَ الله، أصَبْتُ حَدّاً فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعَا نَبيُّ الله - صلى الله عليه وسلم - وَليَّها، فقالَ: «أَحْسِنْ إِلَيْهَا، فإذا وَضَعَتْ فَأْتِني» فَفَعَلَ فَأَمَرَ بهَا نبيُّ الله - صلى الله عليه وسلم -، فَشُدَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا. فقالَ لَهُ عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيْهَا يَا رَسُول الله وَقَدْ

زَنَتْ؟ قَالَ: «لَقَدْ

تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أهْلِ المَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدْتَ أَفضَلَ مِنْ أنْ جَادَتْ بنفْسِها لله - عز وجل -؟!» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: دليل على أنَّ الحد يكفر الذنب، وأنه يصلي على المرجوم.

وفيه: بيان عظم التوبة، وأنها تَجُبُّ الذنب وإن عظم.

وفي رواية: «ثم أمر بها، فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها، فيقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها، فتنضَّح الدم على وجه خالد فسبَّها، فسمع النبي - صلى الله عليه وسلم - سبّه إياها، فقال: مهلاً يا خالد، فوالذي نفسي بيده، لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغُفر له، ثم أمر بها فصلى عليها ودُفنت» .

قال النووي: فيه: أن المكس من أقبح المعاصي والذنوب الموبقات، وذلك لكثرة مطالبات الناس له، وظلاماتهم عنده، تكرار ذلك منه، وانتهاكه للناس، وأخذ أموالهم بغير حقها، وصرفها في غير وجهها. انتهى والله المستعان.

[٢٣] وعن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما أنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: «لَوْ أنَّ لابنِ آدَمَ وَادِياً مِنْ ذَهَبٍ أحَبَّ أنْ يكُونَ لَهُ وَادِيانِ، وَلَنْ يَمْلأَ فَاهُ إلا التُّرَابُ، وَيَتْوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ» . مُتَّفَقٌ عليه.

في هذا الحديث: دليل على أنَّ الإِنسان لا يزال حريصًا على الدنيا حتى يموت، ويمتلئ جوفه من تراب قبره، إلا من لطف الله به. قال الله تعالى:

{إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} الآيات [المعارج (١٩: ٢٥) ] .

📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي

[٢- باب التوبة]

قال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالي، لا تتعلق بحق آدمي؛ فلها ثلاثة شروط.

أحدها: أن يقلع عن المعصية.

والثاني: أن يندم على فعلها.

والثالث: أن يعزم أن لا يعود إليها أبداً. فإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته.

وإن كانت المعصية تتعلق بآدمي فشروطها أربعة: هذه الثلاثة، وأن يبرأ منحق صاحبها، فإن كانت مالاً او نحوه رده إليه، وإن كانت حد قذف ونحوه مكنه منه أو طلب عفوه، وإن كانت غيبة استحله منها. ويجب أن يتوب من جميع الذنب، وبقي عليه الباقي. وقد تظاهرت دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على وجوب التوبة:

قال الله تعالي:) وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: من الآية٣١) وقال تعالي:) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) (هود: من الآية٣) وقال تعالي:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً) (التحريم: من الآية٨) .

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف- رحمه الله تعالي - باب التوبة:

التوبة لغة: من تاب يتوب، إذا رجع.

وشرعاً: الرجوع من معصية الله تعالي إلي طاعته.

وأعظمها وأوجبها التوبة من الكفر إلي الإيمان، قال الله تعالي:) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (لأنفال: من الآية٣٨)) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (لأنفال: من الآية٣٨)) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (لأنفال: من الآية٣٨)) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (لأنفال: من الآية٣٨)) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (لأنفال: من الآية٣٨) ، ثم يليها التوبة من الكبائر؛ كبائر الذنوب.

ثم المرتبة الثالثة: التوبة من صغائر الذنوب.

والواجب علي المرء، أن يتوب إلي الله - سبحانه وتعالي- من كل ذنب.

وللتوبة شروط ثلاثة: كما قال المؤلف - رحمه الله-، ولكنها بالتتبع تبلغ إلي خمسة:

الشرط الأول: الإخلاص لله، بأن يكون قصد الإنسان بتوبته وجه الله- عز وجل- وأن يتوب الله عليه، ويتجاوز عما فعل من المعصية. لا يقصد بذلك مراءاة الناس والتقرب إليهم، ولا يقصد بذلك دفع الأذية من السلطات وولي الأمر.

وإنما يقصد بذلك وجه الله والدار الآخرة، وأن يعفو الله عن ذنوبه.

الشرط الثاني: الندم على ما فعل من المعصية؛ لأن شعور الإنسان بالندم هو الذي يدل علي انه صادق في التوبة؛ بمعني أن يتحسر على ما سبق منه، وينكسر من أجله، ولا يري أنه في حل منه حتى يتوب منه إلي الله.

الشرط الثالث: أن يقلع عن الذنب الذي هو فيه، وهذا من أهم شروطه. والإقلاع عن الذنب: إن كان الذنب ترك واجب؛ فالإقلاع عنه بفعله؛ مثل أن يكون شخص لا يزكي، فأراد أن يتوب إلي الله، فلابد من ان

يخرج الزكاة التي مضت ولم يؤدها. وإذا كان الإنسان مقصراً في بر الوالدين؛ فإنه يجب عليه أن يقوم ببرهما، وإذا كان مقصراً في صلة الرحم؛ فإنه يجب عليه أن يصل الرحم.

وإن كانت المعصية بفعل محرم، فالواجب أن يقلع عنه فوراً، ولا يبقي فيه ولا لحظة.

فإذا كانت من أكل الربا مثلاً، فالواجب أن يتخلص من الربا فوراً، بتركه والبعد عنه، وإخراج ما اكتسبه عن طريق الربا، إذا كانت المعصية بالغش والكذب على الناس وخيانة الأمانة، فالواجب عليه أن يرده إلي صاحبه، أو يستحله منه، وإذا كانت غيبة، فالواجب أن يقلع عن غيبة الناس والتكلم في أعراضهم، أما أن يقول إنه تائب إلي الله وهو مصر على ترك الواجب، أو مصر على فعل المحرم، فإن هذه التوبة غير مقبولة. بل إن هذه التوبة كالاستهزاء بالله عز وجل، كيف تتوب إلي الله- عز وجل- وأنت مصر علي معصيته؟!

لو أنك تعامل بشرا من الناس، تقول أنا تبت إليك وأنا نادم لا أعود، ثم في نيتك وفي قلبك أنك ستعود، وعدت، فإن هذه سخرية بالرجل، فكيف بالله رب العالمين؟!

فالإنسان التائب حقيقة هو الذي يقلع عن الذنب.

ومن الغريب أن بعض الناس تجلس إليه، وتجده يتأوه من وجود الربا، وهو في نفسه يرابي والعياذ بالله، أو يتأوه من الغيبة وأكل لحوم

الناس؛ وهو من أكثر الناس غيبة- نسأل الله العافية-، أو يتأوه من الكذب وضياع الأمانة في الناس؛ وهو من أكذب الناس وأضيعهم للأمانة!!

على كل حال، الإنسان لابد أن يقلع عن الذنب الذي تاب منه، فإن لم يقلع فتوبته مردودة لا تنفعه عند الله عز وجل. والإقلاع عن الذنب إما أن يكون إقلاعاً عن ذنب يتعلق في حق الله- عز وجل- فهذا يكفي أن تتوب بينك وبين ربك، ولا ينبغي- بل قد نقول: لا يجوز- أن تحدث الناس بما صنعت من المحرم أو ترك الواجب. لأن هذا بينك وبين الله، فإذا كان الله قد من عليك بالستر، وسترك عن العباد فلا تحدث أحداً بما صنعت إذا تبت إي الله.

وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((كل أمتي معافي إلا المجاهرين))

ومن المجاهرة، كما جاء في الحديث: ((أن يعمل الرجل بالليل عملاً، ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا...إلي آخره))

إلا أن بعض العلماء قال: إذا فعل الإنسان ذنباً فيه حد، فإنه لا باس أن يذهب إلي الإمام الذي يقيم الحدود- مثل الأمير- ويقول إنه فعل الذنب الفلاني ويريد أن يطهره منه، ومع ذلك فالأفضل أن يستر على نفسه، هذا

هو الأفضل.

يعني يباح له أن يذهب إلي ولي الأمر إذا فعل معصية فيها حد كالزنا مثلا، فيقول إنه فعل كذا وكذا؛ يطلب إقامة الحد عليه؛ لأن الحد كفارة للذنب.

أما المعاصي الأخرى فاسترها على نفسك كما سترها الله، وكذلك الزنا وشبهه، استره على نفسك - بالنسبة لغير ولي الأمر- لا تفضح نفسك.

ما دمت أنك قد تبت فيما بينك وبين الله تعالي، فإن الله تعالي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات.

أما إذا كان الذنب بينك وبين الخلق، فإن كان مالاً فلابد أن تؤديه إلي صاحبه، ولا تقبل التوبة إلا بأدائه مثل أن تكون قد سرقت مالاً من شخص وتبت من هذا، فلابد أن توصل المسروق إلي المسروق منه.

أو جحدت حقاً لشخص؛ كان يكون في ذمتك دين لإنسان وأنكرته، ثم تبت، فلابد أن تذهب إلي صاحب الدين الذي أنكرته، وتقر عنده وتعترف حتى يأخذ حقه. فإن كان قد مات، فإنك تعطيه ورثته، فإن لم تعرفهم، أو غاب عنك هذا الرجل ولم تعرف له مكاناً، فتصدق به عنه تخلصاً منه، والله- سبحانه وتعالي- يعلمه ويعطيه إياه.

أما إذا كانت المعصية التي فعلتها مع البشر ضرباً وما أشبهه، فاذهب إليه ومكنه من أن يضربك مثل ما ضربته؛ إن كان على الظهر فعلي الظهر، وإن كان علي الرأس فعلي الرأس، أو في أي مكان ضربته فليقتص منك؛ لقول الله تعالي سبحانه:) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) (الشورى: من الآية٤٠) ولقوله:) فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (البقرة: من الآية١٩٤) .

وإذا كان بقول؛ أي: أذية بالقول، مثل ان تكون قد سببته أمام الناس ووبخته وعيرته، فلابد أن تذهب إليه وتستحل منه بما تتفقان عليه. حتى لو قال لا أسمح لك إلا بكذا وكذا من الدراهم فأعطه.

الرابع: أن يكون الحق غيبة، يعني أنك تكلمت به في غيبته، وقدحت فيه عند الناس وهو غائب.

فهذه اختلف فيها العلماء؛ فمنهم من قال: لا بد أن تذهب إليه، وتقول له يا فلان إني تكلمت فيك عند الناس، فأرجوك أن تسمح عني وتحللني.

وقال فيها بعض العلماء؛ لا تذهب إليه، بل فيع التفصيل! فإن كان قد علم بهذه الغيبة فلابد أن تذهب إليه وتستحله. وإن لم يكن علم فلا تذهب إليه، واستغفر له، وتحدث بمحاسنه في المجالس التي كنت تغتابه فيها؛ فإن الحسنات يهذبن السيئات. وهذا القول أصح؛ وهو أن الغيبة إذا كان صاحبها لم يعلم بأنك اغتبته، فإنه يكفي أن تذكره بمحاسنه في المجالس التي اغتبته فيها، وأن تستغفر له، تقول: ((اللهم اغفر له)) كما جاء في الحديث: ((كفارة من اغتبته أن تستغفر له)) فلابد في التوبة من أن تصل الحقوق إلي أهلها.

أما الشرط الرابع: فهو العزم على أن لا تعود في المستقبل؛ بأنك لن

تعود إلي هذا العمل في المستقبل، فإن كنت تنوي ان تعود إليه عندما تسمح لك الفرصة فإن التوبة لا تصح؛ مثل: رجل كان- والعياذ بالله- يستعين بالمال على معصية الله، يشتري به المسكرات، يذهب إلي البلاد يزني- والعياذ بالله- ويسكر. فأصيب بفقر وقال: اللهم إني تبت إليك، وهو كاذب، يقول: تبت إليك، وهو في نيته أنه إذا عادت الأمور إلي مجاريها الأولي فعل فعله الأول.

فهذه توبة عاجز، تبت أم لم تبت لست بقادر على فعل المعصية، لأنه يوجد بعض الناس يصاب بفقر، فيقول: تركت الذنوب، لكن يحدث قلبه أنه عاد إليه ما افتقده لعاد إلي المعصية مرة ثانية، فهذه توبة غير مقبولة؛ لأنها توبة عاجز، وتوبة العاجز لا تنفعه.

الشرط الخامس: أن تكون في زمن تقبل فيه التوبة، فإن تاب في زمن لا تقبل فيه التوبة لم تنفعه التوبة. وذلك علي نوعين:

النوع الأول: باعتبار كل إنسان بحسبه.

النوع الثاني: باعتبار العموم.

أما الأول: فلابد أن تكون التوبة قبل حلول الأجل- يعني الموت-، فإن كانت بعد حلول الأجل فإنها لا تنفع التائب؛ لقول الله تعالي) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ) (النساء: من الآية١٨) هؤلاء ليس لهم توبة!

وقال تعالي:) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (فَلَمْ يَكُ

يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي

عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ) (غافر: ٨٤/٨٥) فالإنسان إذا عاين الموت وحضره الأجل؛ فهذا يعني أنه أيس من الحياة، فتكون توبته في غير محلها! بعد أن أيس من الحياة، وعرف أنه لا بقاء له يذهب فيتوب! هذه توبة اضطرار، فلا تنفعه ولا تقبل منه، لابد أن تكون التوبة سابقة.

أما النوع الثاني: وهو العموم، فإن الرسول - عليه الصلاة والسلام- أخبر بأن: ((الهجرة لا تنقطع حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها)) .

فإذا طلعت الشمس من مغربها لم ينفع أحداً من توبة. قال الله سبحانه: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرا) (الأنعام: من الآية١٥٨) وهذا البعض: هو طلوع الشمس من مغربها كما فسر ذلك النبي صلي الله عليه وسلم.

إذا فلابد أن تكون التوبة في وقت تقبل فيه التوبة، فإن لم تكن كذلك فلا توبة للإنسان.

ثم أختلف العلماء - رحمهم الله- هل تقبل التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره أو لا، في هذا ثلاثة أقوال لأهل العلم ‍‍!!

منهم من قال: إنها تصح التوبة من الذنب وإن كان مصراً على ذنب آخر، فتقبل توبته من هذا الذنب، ويبقي الإثم عليه في الذنب الآخر بكل حال.

ومنهم من قال: لا تقبل التوبة من الذنب مع الإصرار على ذنب آخر.

ومنهم من فصل فقال: إن كان الذنب الذي أصر عليه من جنس الذنب الذي تاب منه فإنها لا تقبل، وإلا قبلت.

مثال ذلك: رجل تاب من الربا ولكنه- والعياذ بالله- يشرب الخمر ومصر على شرب

الخمر.

فهنا من العلماء من قال: إن توبته من الربا لا تقبل، كيف يكون تائبا إلي الله وهو

مصر علي معصيته؟

وقال بعض العلماء: بل تقبل؛ لأن الربا شيء وشرب الخمر شيء آخر، وهذا هو

الذي مشي عليه المؤلف- رحمه الله- وقال: إنها تقبل التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره عند أهل الحق.

فهذا فيه الخلاف: بعضهم يقول: وبعضهم يقول: لا تقبل. أما إذا كان من الجنس؛ مثل أن يكون الإنسان- والعياذ بالله مبتلي بالزنا، ومبتلي أيضاً بالإطلاع على النساء والنظر إليهن بشهوة وما أشبه ذلك، فهل تقبل توبته من الزنا وهو مصر على النظر إلي النساء شهوة؟ أو بالعكس؟

هذا فيه أيضاً خلاف؛ فمنهم من يقول: تصح.

ومنهم من يقول: لا تصح التوبة.

ولكن الصحيح في هذه المسألة أن التوبة تصح من ذنب مع الإصرار على غيره، لكن لا يعطي الإنسان اسم التائب علي سبيل الإطلاق، ولا يستحق المدح الذي يمدح به التائبون؛ لأن هذا لم يتب توبة تامة بل توبة ناقصة، تاب من هذا الذنب فيرتفع عنه إثم هذا الذنب لكنه لا يستحق

أن يوصف بالتوبة علي سبيل الإطلاق، بل يقال: هذا توبته ناقصة وقاصرة؛ فهذا هو القول الذي تطمئن إليه النفس؛ أنه لا يعطي الوصف علي سبيل الإطلاق، ولا يحرم من التوبة التي تابها من هذا الذنب.

قال المؤلف- رحمه الله- إن النصوص من الكتاب والسنه تظاهرت وتضافرت على وجوب التوبة من جميع المعاصي، وصدق-رحمه الله- فإن الآيات كثيرة في الحث على التوبة وبيان فضلها وأجرها، وكذلك الأحاديث عن النبي صلي الله عليه وسلم.

وقد بين الله تعالي في كتابه أنه - سبحانه- يحب التوابين ويحب المتطهرين، التوابون: الذين يكثرون التوبة إلي الله- عز وجل -؛ كلما أذنبوا ذنباً تابوا إلي الله.

ثم ذكر المؤلف من الآيات قول الله تعالي: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون) (النور: من الآية٣١) هذه الجملة ختم الله بها آيتي وجوب غض البصر، وهي قوله:) قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا) إلي) أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: الآية ٣٠/٣١) .

ففي هذه الآية دليل على وجوب التوبة من عدم غض البصر وحفظ الفرج؛ لأن غض البصر يعني: قصره وعدم إطلاقه، ولأن ترك غض البصر

وحفظ الفرج؛ كل ذلك من أسباب الهلاك وأسباب الشقاء، وأسباب البلاء. وقد ثبت عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: ((ما تركت بعدي فتنة أضر علي الرجال من النساء)) ، ((وأن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء))

ولهذا كان أعداؤنا- أعداء الإسلام- بل أعداء الله ورسوله من اليهود والنصارى والمشركين والشيوعيين وأشباههم وأذنابهم وأتباعهم كل هؤلاء - يحرصون غاية الحرص على أن يفتنوا المسلمين بالنساء، يدعون إلي التبرج، يدعون إلي اختلاط المرأة بالرجل، يدعون إلي التفسخ في الأخلاق، يدعون إلي ذلك بألسنتهم، وأقلامهم، وأعمالهم، - والعياذ بالله؛ لأنهم يعلمون أن الفتنة العظيمة التي ينسي بها الإنسان ربه ودينه إنما تكون في النساء.

النساء اللاتي يفتن أصحاب العقول كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن)) .

هل تريد شيئاً أبين من هذا.

أذهب للب الرجل - لعقله - الحازم، فيما بالك بالرجل المهيمن؛ الذي ليس عنده حزم، ولا عزم، ولا دين، ولا رجولة؛ يكون أشد والعياذ بالله.

لكن الرجل الحازم تذهب النساء عقله- نسأل اله العافية-، وهذا هو الواقع لذلك قال الله تعالي عقب الأمر بغض البصر، قال: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: من الآية٣١) وقوله عز وجل: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً) يدل على أنه ينبغي لنا- بل يجب علينا- أن نتواصى بالتوبة، وأن يتفقد بعضنا بعضاً، هل الإنسان تاب من ذنبه أو بقي مصراً عليه؛ لأنه وجه الخطاب للجميع:: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ) (النور: من الآية٣١) وفي قوله تعالي (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) دليل على أن التوبة من أسباب الفلاح، والفلاح- كما قال أهل العلم بالتفسير وباللغة- الفلاح: كلمة جامعة يحصل بها المطلوب ويزول بها المرهوب، فهي كلمة جامعة لخير الدنيا والآخرة.

وكل إنسان يطلب خير الدنيا والآخرة. ما تجد إنساناً- حتى الكافر يريد الخير. لكن من الناس من يوفق ومنهم من لا يوفق.

الكافر يريد الخير؛ لكنه يريد خير الدنيا؛ لأنه رجل بهيمي؛ هو شر الدواب عند الله:) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا) (لأنفال: من الآية٥٥) شر من كل دابة تدب على الأرض؛ ومع ذلك هو يريد الخير، ويريد الرفاهية، ويريد التنعم بهذا الدنيا، لكنها- أي الدنيا- جنته، والآخرة - والعياذ بالله-

عذابه وناره.

المهم أن كل إنسان يريد الفلاح، لكن على حسب الهمة، المؤمن يريد الفلاح في الدنيا والآخرة، والكافر لا يؤمن بالآخرة؛ فهو يريد الفلاح في الدنيا.

من أسباب الفلاح التوبة إلي الله - عز وجل- كما في الآية: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: من الآية٣١) أي لتنالوا الفلاح؛ وذلك بحصول المطلوب وزوال المرهوب. والله الموفق.

* * *

١٣- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: ((والله إني لاستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة)) (رواه البخاري) .

١٤- وعن الأعز بن يسار المزني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((يا أيها الناس، توبوا إلي الله واستغفروه، فإني أتوب في اليوم مائة مرة)) (رواه مسلم) .

[الشَّرْحُ]

تقدم الكلام علي ما ذكره المؤلف- رحمه الله- من وجوب التوبة

وشروطها، وما ساقه من الآيات الدالة على وجوبها.

وهذان الحديثان ذكرهما المؤلف- رحمه الله- ليستدل على ذلك بالسنة.

لأنه كلما تضافرت الأدلة على الشيء قوي، وصار أوكد، وصار أوجب، فذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام أقسم بأنه يستغفر الله ويتوب إليه أكثر من سبعين مرة.

وهذا هو الرسول عليه الصلاة والسلام- الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر -يستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة.

وفي حديث الأغر بن يسار المزني أنه صلي الله عليه وسلم قال: ((يا أيها الناس توبوا إلي الله واستغفروه فإني أتوب إلي الله في اليوم مائة مرة)) .

ففي هذين الحديثين دليل على وجوب التوبة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بها فقال: ((يا أيها الناس توبوا إلي الله)) فإذا تاب الإنسان إلي ربه حصل بذلك فائدتين:

الفائدة الأولي: امتثال أمر الله ورسوله؛ وفي امتثال أمر الله ورسوله كل الخير. فعلي امتثال أمر الله ورسوله تدور السعادة في الدنيا والآخرة.

والفائدة الثانية: الاقتداء برسول الله صلي الله عليه وسلم. حيث كان صلي الله عليه وسلم يتوب إلي الله في اليوم مائة مرة؛ يعني: يقول: أتوب إلي الله، أتوب إلي الله ...

والتوبة لابد فيها من صدق، بحيث إذا تاب الإنسان إلي الله أقلع عن الذنب. أما الإنسان الذي يتوب بلسانه وقلبه منطو على فعل المعصية، أو على ترك الواجب. أو يتوب إلي الله بلسانه، وجوارحه مصرة على فعل

المعصية؛ فإن توبته لا تنفعه، بل إنها أشبه ما تكون بالاستهزاء بالله عز وجل!

كيف تقول أتوب إلي الله من معصية وأنت مصر عليها، أو تقول أتوب إلي الله من معصية وأنت عازم علي فعلها؟

الإنسان لو عامل بشرا مثله بهذه المعاملة لقال هذا يسخر بي، ويستهزئ بي!! كيف يتنصل من أمر عندي وهو متلبس به؟ ما هذا إلا هزو ولعب، فكيف برب العالمين؟

إن من الناس من يقول إنه تائب من الربا، ولكنه- والعياذ بالله مصر عليه!! يمارس الربا صريحا، ويمارس الربا مخادعة، وقد مر بنا كثيراً أن الذي يمارس الربا مخادعة أعظم إثما وجرما من الذي يمارس الربا بالصراحة. لأن الذي يمارس الربا بالمخادعة جنى علة نفسه مرتين:

أولاً: الوقوع في الربا.

وثانياً: مخادعة الله- عز وجل - وكان الله- سبحانه وتعالي- لا يعلم. وهذا يوجد كثيرا في الناس اليوم الذين يتعاملون في الربا صريحاً، أمرهم واضح، لكن من الناس من يتعامل في الربا خيانة ومخادعة؛ تجد عنده أموالاً لها سنوات عديدة في الدكان، فيأتي الغني بشخص فقير يوقده للمذبحة والعياذ بالله!! فيأتي إلي صاحب الدكان الذي عنده هذه البضاعة، ويبيعها على الفقير بالدين بيعاً صورياً. وكل يعلم أنه ليس بيعاً حقيقياً؛ لأن هذا المشتري - المدين- لا يقلب المال، ولا ينظر إليه، ولا يهمه، بل لو كان أكياساً من الرمل ويبعث عليه علي أنها رز أو سكر أخذها؛ لأنه لا يهمه؛ الذي يهمه أن يقضي حاجة فيبيعها عليه - مثلاً-

بعشرة آلاف لمدة سنة، وينصرف بدون أن ينقلها من مكانها، ثم يبيعها هذا المدين على صاحب الدكان بتسعة آلاف- مثلاً- فيؤكل هذا الفقير من وجهين: من جهة هذا الذي دينه، ومن جهة صاحب الدكان، ويقولون: إن هذا صحيح. بل يسمونه التصحيح، يقول قائلهم: تعال أصحح عليك، أو أصحح لك كذا وكذا. سبحان الله، هل هذا تصحيح؟ هذا تلطيخ بالذنوب والعياذ بالله!!

ولهذا يجب علينا - إذا كنا صادقين مع الله - سبحانه وتعالي- في التوبة- أن نقلع عن الذنوب والمعاصي إقلاعاً حقيقياً، ونكرها، ونندم علي فعلها؛ حتى تكون التوبة توبة نصوحاً.

وفي هذين الحديثين: دليل على أن نبينا محمداً صلي الله عليه وسلم اشد الناس عبادة لله، وهو كذلك، فإنه أخشانا لله، وأتقانا لله، وأعلمنا بالله صلوات الله وسلامه عليه.

وفيه دليل على أنه عليه الصلاة والسلام معلم الخير بمقاله وفعاله.

فكان يستغفر الله، ويأمر الناس بالاستغفار؛ حتى يتأسوا به امتثالاً للأمر واتباعا للفعل.

وهذا من كمال نصحه صلوات الله وسلامه عليه لأمته. فينبغي لنا نحن أيضاً أن نتأسي به، إذا امرنا الناس بأمر أن نكون أول من يمتثل هذا الأمر، وإذا نهيناهم عن شيء أن نكون أول من ينتهي عنه، لأن هذا هو حقيقة الداعي إلي الله، بل هذا حقيقة الدعوة غلي الله عز وجل؛ أن تفعل ما تؤمر به، وتترك ما تنهي عنه. كما كان الرسول صلي الله عليه وسلم يأمرنا التوبة وهو -عليه

الصلاة والسلام- يتوب أكثر منا. نسأل الله أن يتوب علينا وعليكم، وأن يهدينا وإياكم صراطاً مستقيماً. والله الموفق.

* * *

١٥- وعن أبي حمزة أنس بن مالك الأنصاري- خادم رسول الله صلي الله عليه وسلم _ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم: سقط على بعيره، وقد أضله في أرض فلاة)) (متفق عليه) .

وفي رواية لمسلم: ((لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها، فأتي شجرة فاضطجع في ظلها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح)) .

[الشَّرْحُ]

قوله- رحمه الله- ((خادم النبي صلي الله عليه وسلم)) وذلك أن أنساً - رضي الله عنه- حين قدم النبي عليه الصلاة والسلام المدينة أتت به أمة إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم وقالت له: هذا أنس ابن مالك يخدمك، فقبل النبي عليه الصلاة والسلام ذلك، وصار أنس من خدام النبي عليه الصلاة والسلام.

ذكر أنس- رضي الله عنه- أن الرسول صلي الله عليه وسلم قال: ((لله أشد فرحاً بتوبة عبده إذا تاب إليه)) من هذا الرجل الذي سقط على راحلته بعد أن أضلها،

وذكر القصة: رجل كان في أرض فلاة، ليس حوله أحد، لا ماء ولا طعام ولا أناس.. ضل بعيره: أي ضاع، فجعل يطلبه فلم يجده، فذهب إلي شجرة ونام تحتها ينتظر الموت! قد أيس من بعيره، وأيس من حياته؛ لأن طعامه وشرابه على بعيره، والبعير قد ضاع، فبينما هو كذلك إذا بناقته عنده قد تعلق خطامها بالشجرة التي هو نائم تحتها. فبأي شيء يقدر هذا الفرح؟ هذا الفرح لا يمكن أن يتصوره أحد إلا من وقع في مثل هذه الحال!! لأنه فرح عظيم، فرح بالحياة بعد الموت، ولهذا أخذ بالخطام فقال: ((اللهم أنت عبدي وأنا ربك)) !! أراد أن يثني على الله فيقول: ((اللهم أنت ربي وأنا عبدك)) لكن من شدة فرحه أخطأ..فقلب القضية.. وقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك.

في هذا الحديث من الفوائد: دليل على فرح الله - عز وجل- بالتوبة من عبده إذا تاب إليه، وأنه يحب ذلك- سبحانه وتعالي- محبة عظيمة، ولكن لا لأجل حاجته إلي أعمالنا وتوبتنا؛ فالله غني عنا، ولكن لمحبته سبحانه للكرم؛ فإنه يحب - سبحانه وتعالي- يفرح، ويغضب، ويكره ويحب، لكن هذه الصفات ليست كصفاتنا؛ لأن الله يقول:) ِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: من الآية١١) بل هو

فرح يليق بعظمته وجلاله ولا يشبه فرح المخلوقين.

وفيه: دليل على أن الإنسان إذا أخطأ في قول من الأقوال ولو كان كفرا سبق لسانه إليه؛ فإنه لا يؤاخذ فهذا الرجل قال كلمة كفر؛ لأن قول سبق اللسان لربه: أنت عبدي وأنا ربك هذا كفر لا شك، لكن لما صدر عن خطأ من شدة الفرح _ أخطأ ولم يعرف أن يتكلم-صار غير مؤاخذ به، فإذا أخطأ الإنسان في كلمة؛ كلمة كفر؛ فإنه لا يؤاخذ بها، وكذلك غيرها من الكلمات؛ لو سب أحدا على وجه الخطأ بدون قصد، أو طلق زوجته على وجه الخطأ بدون قصد، أو أعتق عبده على وجه الخطأ بدون قصد، فكل هذا لا يترتب عليه شيء؛ لأن الإنسان لم يقصده، فهو كاللغو في اليمين، وقد قال الله تعالي:) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) (البقرة: من الآية٢٢٥) بخلاف المستهزئ فإن المستهزئ يكفر إذا قال كلمة الكفر، ولو كان مستهزئا؛ لقول الله سبحانه) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ) (لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) (التوبة: من الآية٦٥/٦٦) ، فالمستهزئ قصد الكلام، وقصد

معناه؛ لكن على سبيل السخرية والهزء؛ فلذلك كان كافراً، بخلاف الإنسان الذي لم يقصده؛ فإنه لا يعتبر قوله شيئاً.

وهذا من رحمة الله - عز وجل- والله الموفق.

* * *

١٦- وعن أبي موسى عبد الله قيس الأشعري- رضي الله عنه- عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((إن الله تعالي يبسط يده بالليل مسيء النهار،

ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها)) رواه مسلم.

١٧- وعن أبي هريرة - رضي الله عنه- قال قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه)) (رواه مسلم) .

١٨- وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما- عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((إن الله - عز وجل - يقبل توبة العبد ما لم يغرغر)) . (رواه الترمذي) وقال: حديث حسن.

[الشَّرْحُ]

هذه الأحاديث الثلاثة التي ذكرها المؤلف - رحمه الله- كلها تتعلق بالتوبة.

أما حديث أبي موسى فقد قال الرسول صلي الله عليه وسلم: ((إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسي النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها)) .

وهذا من كرمه- عز وجل- أنه يقبل التوبة حتى وإن تأخرت فإذا أذنب الإنسان ذنباً في النهار، فإن الله- تعالي- يقبل توبته ولو تاب في

الليل. إذا أذنب وتاب في النهار فإن الله-تعالي- يقبل توبته بل إنه - تعالي- يبسط يده حتى يتلقى هذه التوبة التي تصدر من عبده المؤمن.

وفي هذا الحديث: دليل على محبة الله- سبحانه وتعالي- للتوبة، وقد سبق في الحديث السابق - في قصة الرجل الذي أضل راحلته حتى وجدها-: أن الله يفرح بتوبة عبده المؤمن إذا تاب إليه اشد فرحاً من هذا براحلته.

ومن فوائد حديث أبي موسي: إثبات أن الله -تعالي- له يده، وهو كذلك، بل له يدان جل وعلا- كما قال تعالي:) وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) (المائدة: من الآية٦٤) ، وهذه اليد التي أثبتها الله لنفسه- بل اليدان- يجب علينا أن نؤمن بهما؛ وأنهما ثابتتان لله.

ولكن لا يجوز أن نتوهم أنها مثل أيدينا؛ لأن الله يقول في كتابه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: من الآية١١) وهكذا كل ما مر بك من صفات الله فأثبتها لله- عز وجل- لكن بدون أن تمثلها بصفات المخلوقين؛ لأن الله ليس كمثله شيء؛ لا في ذاته، ولا في صفاته عز وجل.

وفي هذا الحديث: أن الله- سبحانه وتعالي- يقبل توبة العبد وإن تأخرت، لكن المبادرة بالتوبة هي الواجب؛ لأن الإنسان لا يدري، فقد يفجأه الموت فيموت قبل أن يتوب. فالواجب المبادرة، لكن مع ذلك، لو تأخرت تاب الله على العبد.

وفي هذا الحديث: دليل على أن الشمس إذا طلعت من مغربها، انتهي قبول التوبة. وقد يسأل السائل، يقول: هل الشمس تطلع من مغربها؟ المعروف أن الشمس تطلع من المشرق؟!

فنقول: نعم هذا هو المعروف، وهذا هو المطرد منذ خلق الله الشمس إلي يومنا هذا. لكن في آخر الزمان يأمر الله الشمس أن ترجع من حيث جاءت فتنعكس الدورة، وتطلع من مغربها، فإذا رآها الناس آمنوا كلهم، حتى الكفار اليهود، والنصارى، والبوذيون، والشيوعيون، وغيرهم؛ كلهم يؤمنون. ولكن الذي لم يؤمن قبل أن تطلع الشمس من مغربها لا ينفعه إيمانه.

كل يتوب أيضاً، لكن الذي لم يتب قبل أن تطلع الشمس من مغربها لا تقبل توبته؛ لأن هذه آية يشهدها كل أحد، وإذا جاءت الآيات المنذرة لم تنفع التوبة ولم ينفع الإيمان!

أما حديث أبي هريرة رضي الله عنه في أن الله -سبحانه وتعالي- يقبل التوبة ما لم تطلع الشمس من مغربها فهو كحديث أبي موسى.

وأما حديث عبد الله بن عمر: ((إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر)) أي: ما لم تصل الروح الحلقوم، فإذا وصلت الروح الحلقوم فلا توبة، وقد بينت النصوص الأخرى أنه إذا حضر الموت توبة؛ لقوله تعالي:) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآن) (النساء: من الآية١٨) .

فعليك يا أخي المسلم أن تبادر بالتوبة إلي الله - عز وجل- من الذنوب، وأن تقلع عما كنت متلبسا به من المعاصي، وأن تقوم بما فرطت به من الواجبات، وتسأل الله قبول تتوبتك. والله الموفق.

* * *

١٩- وعن زر بن حبيش قال: أتيت صفوان بن عسال- رضي الله عنه-اسأله عن المسح على الخفين، فقال: ما جاء بك يا زر؟ فقلت: ابتغاء العلم فقال: إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب، فقلت: إنه قد حك في صدري المسح على الخفين بعد الغائط والبول، وكنت امرءا من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام فجئت أسألك: هل سمعته يذكر في ذلك شيئاً؟ قال: نعم، كان يأمرنا إذا كنا سفرا- أو مسافرين- أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم، فقلت: هل سمعته يذكر في الهوى شيئاً؟ قال: نعم: كنا مع رسول الله صلي الله عليه وسلم فأجابه رسول الله صلي الله عليه وسلم نحوا من صوته: ((هاؤم)) فقلت له: ويحك أغضض، قال الإعرابي: المرء يحب القوم ولما يحلق بهم؟ قال النبي صلي الله عليه وسلم: المرء مع من أحب يوم القيامة)) فما زال يحثنا حتى ذكر بابا من المغرب مسيرة سفيان- أحد الرواة-: قبل الشام، خلقه الله - تعالي- يوم خلق السماوات والأرض مفتوحاً للتوبة، لا يغلق حتى تطلع الشمس منه)) (رواه الترمذي وغيره وقال: حديث حسن صحيح) .

[الشَّرْحُ]

هذا الحديث من أحاديث التوبة التي ساقها المؤلف -رحمه الله- في بيان متي تنقطع التوبة. لكنه يشتمل على فوائد:

منها: أن زر بن حبيش أتي إلي صفوان بن عسال- رضي الله عنه- من أجل العلم- يبتغي العلم- فقال له صفوان بن عسال: ((إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضي بما يطلب)) .

وهذه فائدة عظيمة تدل على فضيلة العلم، وطلب العلم؛ والمراد به العلم الشرعي، أي: علم ما جاء به النبي صلي الله عليه وسلم أما علم الدنيا فللدنيا، لكن طلب العلم الذي جاء به النبي صلي الله عليه وسلم هو الذي فيه الثناء والمدح، والحث عليه في القرآن والسنة. وهو نوع من الجهاد في سبيل الله، لأن هذا الدين قام بأمرين:

قام بالعلم والبيان، وبالسلاح: بالسيف والسنان.

حتى إن بعض العلماء قال: ((إن طلب العلم أفضل من الجهاد في سبيل الله بالسلاح)) لأن حفظ الشريعة إنما يكون بالعلم، والجهاد بالسلاح في سبيل الله مبني على العلم، لا يسير المجاهد، ولا يقاتل، ولا يحجم، ولا يقسم الغنيمة، ولا يحكم بالأسري؛ إلا عن طريق العلم، فالعلم هو كل شيء.

ولهذا قال الله عز وجل:) ايَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (المجادلة: من الآية١١) ووضع الملائكة أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب واحتراماً له، وتعظيماً له، ولا يرد على هذا أن يقول القائل: أنا لا

أحس بذلك؟ لأنه إذا صح بذلك؟ لأنه إذا صح الخبر عن الرسول صلي الله عليه وسلم فإنه كالمشاهد عيانا.

أرأيت قوله صلي الله عليه وسلم: ((ينزل ربنا- تبارك وتعالي- كل ليلة إلي السماء الدنيا حين يبقي ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له)) .

نحن لا نسمع هذا الكلام من الله- عز وجل- لكن لما صح عن نبينا صلي الله علي وسلم صار كأننا نسمعه، ولذلك يجب علينا أن نؤمن بما قال الرسول صلي الله عليه وسلم وبما صح عنه مما يذكر في أمور الغيب، وأن نكون متيقنين لها كأنما نشاهدها بأعيننا ونسمعها بآذاننا.

ثم ذكر زر بن حبيش لصفوان بن عسال إنه حك في صدره المسح على الخفين بعد البول والغائط.

يعني أن الله تعالي ذكر في القرآن قوله:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) (المائدة: من الآية٦) فيقول إنه حك في صدري؛ أي: صار عندي توقف وشك في المسح على الخفين بعد البول أو الغائط هل هذا جائز أو لا؟

فبين له صفوان بن عسال- رضي الله عنه- أن ذلك جائز لأن النبي صلي الله عليه وسلم أمرهم إذا كانوا سفراً أو مسافرين أن لا ينزعوا خفافهم إلا من جنابة ولكن

من غائط وبول ونوم، فدل هذا على جواز المسح على الخفين، بل إن المسح على الخفين أفضل إذا كان الإنسان لابسا لهما.

وقد ثبت في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة- رضي الله عنه- أنه كان مع النبي صلي الله عليه وسلم في سفر، فتوضأ النبي صلي الله عليه وسلم فأهوي المغيرة لينزع خفيه فقال: ((دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، ومسح عليهما))

ففي هذا دليل واضح على أن الإنسان الذي عليه جوارب، أو عليه خفان؛ أن الأفضل أن يمسح عليهما ولا يغسل رجليه.

ومنها: أنه ينبغي إذا أشكل على الإنسان شيء أن يسأل ويبحث عمن هو أعلم بهذا الشيء؛ حتى لا يبقي في قلبه حرج مما سمع، لأن بعض الناس يسمع الشيء من الأحكام الشرعية ويكون في نفسه حرج، ويبقي متشككاً متردداً، لا يسأل أحداً يزيل عنه هذه الشبهة، وهذا خطأ، بل الإنسان ينبغي له أن يسأل حتى يصل إلي أمر يطمئن إليه ولا يبقي عنده قلق.

فهذا زر بن حبيش- رحمه الله- سأل صفوان بن عسال- رضي الله عنه- عن المسح على الخفين؛ وهل عنده شيء عن رسول الله صلي الله عليه وسلم في ذلك، فقال: نعم، كان يأمرنا إذا كنا سفراً أو مسافرين ألا ننزع خفافنا إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم.

فهذا الحديث فيه دليل علي ثبوت المسح على الخفين، وقد تواترت الأحاديث عن الرسول صلي الله عليه وسلم في ذلك، وأخذ بهذا أهل السنة، حتى إن بعض

أهل العلم، الذين صنفوا في كتب العقائد، ذكروا المسح على الخفين في كتاب العقائد؛ وذلك لأن الرافضة خالفوا في ذلك؛ فلم يثبتوا المسح على الخفين وأنكروه، والعجب أن ممن روي المسح على الخفين علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

ومع ذلك هم ينكرونه ولا يقولون به، فكان المسح على الخفين من شعار أهل السنة ومن الأمور المتوترة عندهم؛ التي ليس عندهم فيها شك عن رسول الله صلي الله عليه وسلم.

قال الإمام أحمد: ((ليس في قلبي من المسح شك)) ، أو قال: ((شيء فيه أربعون حديثاً عن النبي صلي الله عليه وسلم وأصحابه)) ولكن لابد من شروط لجواز المسح علي الخفين:

الشرط الأول: أن يلبسهما على طهارة؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال للمغيرة بن شعبة رضي الله عنه حينما أراد أن ينزع خفي النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، ومسح عليهما)) .

ولا فرق بين أن تكون هذه الطهارة قد غسل فيها الرجل، أو مسح فيها على خف سابق.

فمثلاً: لو توضأ وضوءاً كاملاً، وغسل رجليه، ثم لبس الجوارب؛ يعني الشراب أو الخفين، فهما لبسهما على طهارة.

كذلك لو كان قد لبس جوارب من قبل ومسح عليهما، ثم احتاج إلي

زيادة جورب ولبسه على الجورب الأول الذي مسحه- وهو علي طهارة-، فإنه يمسح علي الثاني، لكن يكون ابتداء المدة من المسح على الأول لا من المسح على الثاني؛ هذا هو القول الصحيح؛ أنه إذا لبس خفا على خف ممسوح فإنه يمسح علي الأعلى، لكن يبني على مدة المسح علي الأول.

ولابد أن تكون الطهارة بالماء، فلو لبسهما علي طهارة تيمم فإنه لا يمسح عليهما؛ مثل رجل مسافر ليس معه ماء، فتيمم ولبس الخفين علي طهارة تيمم، ثم بعد ذلك وجد الماء، وأراد أن يتوضأ، ففي هذه الحال لابد أن يخلع الخفين ويغسل قدميه عند الوضوء، ولا يجوز المسح عليهما في هذه الحال، لأنه لم يلبسهما على طهارة غسل فيها الرجل، فإن التيمم يتعلق بعضوين فقط؛ وهما الوجه والكفان.

الشرط الثاني: أن يكون المسح عليهما في الحدث الأصغر، ولهذا قال صفوان بن عسال: ((إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم)) فإذا صار علي الإنسان جنابة؛ فإنه لا يجزئ أن يمسح على الجوربين أو الخفين، بل لابد من نزعهما وغسل القدمين؛ وذلك لأن الطهارة الكبرى ليس فيها مسح إلا للضرورة في الجبيرة، ولهذا لا يمسح فيها الرأس، بل لابد من غسل الرأس - مع أنه في الحدث الأصغر يمسح؛ لكن الجنابة طهارتها أوكد وحدثها أكبر، فلابد من الغسل، ولا يمسح فيها على الخف؛ لهذا الحديث، ولأن المعني والقياس يقتضي ذلك.

الشرط الثالث: أن يكون المسح في المدة التي حددها النبي صلي الله عليه وسلم وهي يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، كما صح ذلك أيضاً من

حديث على بن أبى طالب_ رضي الله عنه- في صحيح مسلم قال: ((جعل رسول الله صلي الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم)) يعني: في المسح علي الخفين:

فإذا انتهت المدة فلا مسح، لابد أن يخلع الجوربين أو الخفين، ثم يغسل القدمين، ولكن إذا انتهت المدة وأنت على طهارة فاستمر على طهارتك، لا تنقض الطهارة، ولكن ذا أردت أن تتوضأ بعد انتهاء المدة فلابد من غسل القدمين.

ثم إن زر بن حبيش سأل صفوان بن عسال: هل سمع من النبي صلي الله عليه وسلم يقول في الهوي شيئاً؟

الهوي: المحبة والميل، فقال: نعم، ثم ذكر قصة الأعرابي الذي كان جهوري الصوت فجاء ينادي: يا محمد؛ بصوت مرتفع.

فقيل له: ويحك أتنادي رسول الله صلي الله عليه وسلم بصوت مرتفع؟ والله - عز وجل- يقول:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) (الحجرات: ٢) ، ولكن الأعراب لا يعرفون الآداب كثيراً؛ لأنهم بعيدون عن المدن وبعيدون عن العلم.

فأجابه النبي صلي الله عليه وسلم بصوت مرتفع كما سأل الأعرابي، لأن رسول الله صلي الله عليه وسلم أكمل الناس هدياً، يعطي كل إنسان بقدر ما يتحمله عقله، فخاطبه النبي

صلي الله عليه وسلم بمثل ما خاطبه به، قال له الأعرابي: ((المرء يحب القوم ولما يلحق بهم)) يعني: يحب القوم ولكن عمله دون علمهم؛ لا يساويهم في العمل، مع من يكون؟ أيكون معهم أو لا؟

فقال النبي صلي الله عليه وسلم: ((المرء مع من أحب يوم القيامة)) نعمة عظيمة - ولله الحمد- وقد روي أنس بن مالك- رضي الله عنه- هذه القطعة من الحديث، أن الرسول صلي الله عليه وسلم قال لرجل يحب الله ورسوله: ((إنك مع من أحببت)) قال أنس: ((فأنا أحب رسول الله صلي الله عليه وسلم وأبابكر عمر وأرجو أن أكون معهم)) .

وهكذا أيضاً نحن نشهد الله - عز وجل- على محبة رسول الله صلي الله عليه وسلم، وخلفائه الراشدين، وصحابته، وأئمة الهدي من بعدهم، ونسأل الله أن يجعلنا معهم.

هذه بشري للإنسان؛ أنه إذا احب قوما صار معهم وإن قصر به عمله؛ يكون معهم في الجنة ويجمعه الله معهم في الحشر، ويشربون من حوض الرسول صلي الله عليه وسلم جميعاً، وهكذا.. كما أن من أحب الكفرة فإنه ربما يكون معهم _ والعياذ بالله- لأن محبة الكافرين حرام، وأن يعلم أنهم أعداء له مهما أبدوا من الصداقة والمودة والمحبة؛ فإنهم لن يتقربوا إليك لمصلحتك فهذا شيء بعيد. إن كان

يمكن أن نجمع بين الماء والنار، فيمكن أن نجمع بين محبة الكفار لنا وعداوتهم لنا؛ لأن الله تعالي سماهم أعداء قال:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) (الممتحنة: من الآية١) وقال عز وجل:) مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) (البقرة: ٩٨) .

فكل كافر فإن الله عدو له، وكل كافر فإنه عدو لنا، وكل كافر فإنه لا يضمر لنا إلا الشر.

ولهذا يجب عليك أن تكره من قلبك كل كاف مهما كان جنسه، ومهما كان تقربه إليك فاعلم أنه عدؤك. قال تعالي:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) (الممتحنة: من الآية١) ، إذا نأخذ من هذه قاعدة أصلها النبي - عليه الصلاة والسلام- ألا وهي: ((المرء مع من أحب)) فعليك يا أخي أن تشد قلبك على محبة الله تعالي، ورسوله، وخلفائه الراشدين، وصحابته الكرام، وأئمة الهدي من بعدهم لتكون معهم.

نسأل الله أن يحقق لنا ذلك بمنه وكرمه والله الموفق.

* *

٢٠- وعن أبي سعيد بن مالك بن سنان الخدري- رضي الله عنه- أن نبي الله صلي

الله عليه وسلم قال: ((كان فيمن قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً، فسأل عن اعلم أهل الأرض، فدل على راهب، فاتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين

نفساً فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله فكمل مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل عالم فقال: إنه قتل مائة نفس، فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلي أرض كذا وكذا، فإن بها أناسا يعبدون الله - تعالي- فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلي أرضك فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب. فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبا مقبلا بقلبه إلي الله تعالي، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرا قط، فاتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم- أي حكما- فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلي أيتها كان أدني فهو له، فقاسوا فوجدوه أدني إلي الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة)) (متفق عليه) .

وفي رواية في الصحيح: ((فكان إلي القرية الصالحة أقرب بشبر، فجعل من أهلها)) وفي رواية في الصحيح: ((فاوحي الله تعالي إلي هذه أن تباعدي، وإلي هذه أن تقربي، وقال: قيسوا ما بينهما، فوجدوه إلي هذه أقرب بشبر فغفر له)) وفي رواية: ((فنأي بصدره نحوها)) .

[الشَّرْحُ]

نقل المؤلف- رحمه الله- عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري- رضي الله عنه- أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: كان فيمن قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً، ثم إنه ندم وسال عن أعلم أهل الأرض

يسأله: هل له من توبة؟ فدل على رجل، فإذا هو راهب -يعني عابداً- ولكن ليس عنده علم، فلما سأله قال إنه قتل تسعة وتسعين نفساً، فهل له من توبة؟ فاستعظم الراهب هذا الذنب وقال: ليس لك توبة! فغضب الرجل وانزعج وقتل الراهب؛ فأتم به مائة نفس، ثم إنه سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل عالم فقط له: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ قال: نعم! ومن الذي يحول بينه وبين التوبة؟ باب التوبة مفتوح، ولكن اذهب إلي القرية الفلانية؛ فإن فيها قوماً يعبدون الله. والأرض التي كان فيها كأنها- والله أعلم- دار كفر فأمره هذا العالم أن يهاجر بدينه إلي هذه القرية التي يعبد فيها الله- سبحانه وتعالي-، فخرج تائبا نادماً مهاجراً بدينه إلي الأرض التي فيها القوم الذين يعبدون الله عز وجل. وفي منتصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة العذاب، والمؤمن تقبض روحه ملائكة الرحمة، فاختصموا؛ ملائكة العذاب تقول: إنه تاب وجاء نادماً تائباً، فحصل بينهما

خصومة، فبعث الله إليهم ملكاً ليحكم بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلي أيتها كان أقرب فهو له؛ يعني فهو من أهلها. إن كانت أرض الكفر أقرب إليه فملائكة العذاب تقبض روحه، وإن كان إلي بلد الإيمان أقرب فملائكة الرحمة تقبض روحه.

فقاسوا ما بينهما؛ فإذا البلد التي اتجه إليها- وهي بلد الإيمان -أقرب من البلد التي هاجر منها بنحو شبر - مسافة قريبة - فقبضته ملائكة الرحمة.

ففي هذا دليل علي فوائد كثيرة:

منها: أن القاتل إذا قتل إنساناً عمداً ثم تاب فإن الله - تعالي- يقبل توبته، ودليل ذلك في كتاب الله قوله تعالي:) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء: من الآية٤٨)) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء: من الآية٤٨)) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء: من الآية٤٨) ، يعني ما دون الشرك، فإن الله تعالي يغفره إذا شاء.

وهذا الذي عليه جمهور أهل العلم.

وذكر عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما- أن القاتل ليس له توبة؛ لأن الله يقول:) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) (النساء: ٩٣) .

ولكن ما ذهب إليه الجمهور هو الحق، وما روي عن ابن عباس- رضي الله عنهما- فإنه يمكن أن يحمل على أنه ليس توبة بالنسبة للمقتول؛ وذلك لأن القاتل إذا قتل تعلق فيه ثلاثة حقوق:

الحق الأول: لله، والثاني: للمقتول، والثالث: لأولياء المقتول.

أما حق الله؛ فلا شك أن الله تعالي يغفره بالتوبة، لقول الله تعالي:) قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ) (الزمر: من الآية٥٣) .

ولقوله تعالي: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً) (يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً) (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ و) (الفرقان: من الآية٦٨/٧٠) .

وأما حق المقتول؛ فإن توبة القاتل لا تنفعه ولا تؤدي إليه حقه؛ لأنه مات، ولا يمكن الوصول إلي استحلاله، أو التبرؤ من دمه، فهذا هو الذي يبقي مطالباً به القاتل ولو تاب، وإذا كان يوم القيامة فالله يفصل بينهما.

وأما حق أولياء المقتول، فإنها لا تصح توبة القاتل؛ حتى يسلم نفسه إلي أولياء المقتول، ويقر بالقتل، ويقول: أنا القاتل، وأنا بين أيديكم، إن شئتم اقتلوني وإن شئتم خذو الدية، وإن شئتم اسمحوا، فإذا تاب إلي الله، وسلم نفسه لأولياء المقتول- يعني لورثته - فإن توبته تصح، وما بينه وبين المقتول يكون الحكم فيه إلي الله يوم القيامة.

٢١- وعن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب- رضي الله عنه- من بنيه حين عمي، قال: سمعت كعب بن مالك - رضي الله عنه- يحدث بحديثه حين تخلف عن رسول الله صلي الله عليه وسلم في غزوة تبوك: قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله صلي الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك، غير أني قد تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحد تخلف عنه، إنما خرج رسول الله صلي الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع الله - تعالي- بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. ولقد شهدت مع رسول الله صلي الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب حين تخلفت عن رسول الله صلي الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوي ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلي الله عليه وسلم

يريد غزوة إلا وري بغيرها حتى كانت تلك الغزوة، فغزاها رسول الله صلي الله عليه وسلم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا ومفازاً واستقبل عدداً كثيراً، فجلي للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم فأخبرهم بوجههم الذي يريد والمسلمون مع رسول الله كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ

(يريد بذلك الديوان) قال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفي به ما لم ينزل فيه وحي من الله، وغزا رسول الله صلي الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال فأنا إليها أصعر، فتجهز رسول الله صلي الله عليه وسلم والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معه، فأرجع ولم أقض شيئاً، وأقول في نفسي: أنا قادر علي ذلك إذا أردت، فلم يزل يتمأدي بي حتى استمر بالناس الجد، فأصبح رسول الله صلي الله عليه وسلم غاديا والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئاً ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئاً، فلم يزل يتمادي بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو فهممت أن أرتحل فأدركهم، فيا ليتني فعلت، ثم لم يقدر ذلك لي، فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلي الله عليه وسلم يحزنني أني لا أري لي أسوة، إلا رجلاً مغموصا عليه في النفاق، أو رجلاً ممن عذر الله تعالي من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلي الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب بن مالك؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله صلي الله عليه وسلم حبسه

برداه، والنظر في عطفيه، فقال له معاذ بن جبل - رضي الله عنه-: بئس ما قلت! والله يا رسول الله ما

علمنا عليه إلا خيراً، فسكت رسول الله صلي الله عليه وسلم فبينا هو على ذلك رأي رجلاً مبيضاً يزول به السراب، فقل رسول الله صلي الله عليه وسلم: كن أبا خيثمة، فإذا هو ابو خيثمة الأنصاري- وهو الذي تصدق بصلع من التمر حين لمزه المنافقون، قال كعب: فلما بلغني أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قد توجه قافلاً من تبوك حضرني بثي فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بم أخرج من سخطه غداً، واستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل: إن رسول الله صلي الله عليه وسلم قد أظل قادماً زاح عني الباطل، حتى عرفت أني لم أنج منه بشيء أبدا، فأجمعت صدقة، وأصبح رسول الله صلي الله عليه وسلم قادماً، وكأن إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بضعا وثمانين رجلاً، فقبل منهم علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلي الله تعالي حتى جئت، فلما سلمت تبسم المغضب، ثم قال: تعال، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي، ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعن ظهرك؟ لرأيت أتي سأخرج من سخطه بعذر؛ لقد أعطيت جدلاً، لكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضي به عني ليوشكن الله

يسخطك علي، وإن حدثتك حديث صدق تجد عل فيه إني لأرجو فيه عقبي الله عز وجل، والله ما كأن لي من عذر، والله ما كنت قط أقوي ولا أيسر مني حين تخلفت عنك.

قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك)) وسار رجال من بني سلمة، فقالوا لي: والله ما علمناك أذنبت ذنباً قبل هذا، لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المخلفون، فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلي الله عليه وسلم فأكذب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد؟ قالوا: نعم؛ لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت، وقيل لهما مثل ما قيل لك، قال: قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي؟ قال: فذكروا لي رجلين قد شهدا بدرا فيهما أسوة. قال: حين ذكرؤهما لي، ونهي رسول الله صلي الله عليه وسلم عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، قال: فاجتنبنا الناس- أو قال: تغيروا لنا- حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا علي ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلي الله عليه وسلم فاسلم عليه، وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه

برد السلام أم لا؟ ثم أصلي قريباً منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، وإذا التفت

نحوه أعرض عني، حتى إذا حال ذلك على من جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة؛ وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام، فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله صلي الله عليه وسلم؟ فسكت، فعدت فناشدته فسكت، فعدت فناشدته، فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار، فبينا أنا أمشي في سوق المدينة؟ إذا نبطي من نبط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاءني، فدفع إلي كتاباً من ملك غسان، وكنت كاتباً. فقرأته فإذا فيه: أما بعد؛ فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسيك، فقلت حين قرأتها: وهذه أيضاً من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرتها حتى إذا مضت أربعون من الخمسين واستلبث الوحي إذا رسول رسول الله صلي الله عليه وسلم ياتيني، فقال: إن رسول الله صلي الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امراتك، فقلت: أطلقها، أم ماذا أفعل؟ قال: لا بل اعتزلها

فلا تقربنها، وأرسل إلي صاحبي بمثل ذلك. فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر، فجأءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلي الله عليه وسلم فقالت له: يا رسول الله إن هلال ابن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: لا، ولكن لا

يقربنك. فقالت: إنه والله ما به من حركة إلي شيء ووالله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلي يومه هذا، فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلي الله عليه وسلم في امرأتك، فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه؟ فقلت: استأذنته فيها رسول الله صلي الله عليه وسلم، وما يدريني ماذا يقول رسول الله صلي الله عليه وسلم إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب! فلبث بذلك عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عنن كلامنا.

ثم صليت صلاة الفجر صباح ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالي منا، قد ضاقت علة نفسي وضاقت على الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفي على سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك ابشر، فحخررت ساجداً، وعرفت أنه قد جاء فرج. فأذن رسول الله صلي الله عليه وسلم الناس بتوبة الله- عز وجل- علينا حين صلي صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا، فذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إلي فرسا، وسعي ساع من أسلم قبلي وأوفي على الجبل، وكان الصوت أسرع النبي صلي الله عليه وسلم الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت أتأمم رسول الله صلي الله عليه وسلم يتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونني بالتوبة ويقولون لي: لتهنك توبة الله عليك، حتى

دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلي الله عليه وسلم جالس حوله الناس، فقام طلحة بن عبيد الله-رضي الله عنه- يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيرة، فكأن كعب لا ينساها لطلحة، قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلي الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور: أبشر

بخير يوم مر عليك مذ ولدتك أمك: فقلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: لا. بل من عند الله- عز وجل- وكان رسول الله صلي الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كان وجهه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منهن فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن نخلع من مالي صدقة إلي الله وإلي رسوله. فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم أمسك عليك بغض مالك فهو خير لك، فقلت: إني أمسك سهمي الذي بخيبر وقلت: يا رسول الله إن الله تعالي إنما أنجاني بالصدق، وإن توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت، فوالله ما علمت أحداً من المسلمين أبلاه الله- تعالي-في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلي الله عليه وسلم إلي يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله- تعالي- فيما بقي، قال: فنزل الله تعالي:) لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ) حتى بلغ: (إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ)) وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَت) حتى بلغ:) وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة: من الآية١١٧/١١٩) قال

كعب: والله ما أنعم الله على من نعمة قط بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله

صلي الله عليه وسلم أن لا أكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كذبوا: إن الله تعالي قال للذين كذبوا حين أنزل الوحى شر ما قال لأحد، فقال الله تعالي:) سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) (التوبة: ٩٥/٩٦) .

قال كعب: كنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أؤلئك الذين قبل منهم رسول الله صلي الله عليه وسلم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلي الله عليه وسلم أمرنا حتى قضي الله- تعالي- فيه بذلك؟ قال الله تعالي:) وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا) وليس الذي ذكر مما خلفنا تخلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه. متفق عليه.

وفي رواية: ((أن النبي صلي الله عليه وسلم خرج في غزوة تبوك يوم الخميس، وكان يحب أن يخرج يوم الخميس.

وفي رواية: وكان لا يقدم من سفر إلا نهاراً في الضحى، فإذا قدم بدأ بالمسجد فصلي ركعتين ثم جلس فيه.

[الشَّرْحُ]

هذا حديث كعب بن مالك، في قصة تخلفه عن غزوة تبوك، وكانت غزوة تبوك في السنة التاسعة من الهجرة.

غزا النبي صلي الله عليه وسلم الروم وهم على دين النصارى حين بلغه أنهم يجمعون له، فغزاهم النبي عليه الصلاة والسلام، وقام بتبوك عشرين ليلة، ولكنه لم ير كيداً ولم ير عدوا فرجع. وكانت هذه الغزوة في أيام الحر حين طابت الثمار وصار المنافقون يحبون الدنيا على الآخرة، فتخلف المنافقون عن هذه الغزوة ولجأوا إلي الظل والرطب والتمر، وبعدت عليهم الشقة والعياذ بالله.

أما المؤمنون الخلص، فإنهم خرجوا مع النبي- عليه الصلاة والسلام- ولم يثن عزمهم بعد الشقة ولا طيب الثمار.

إلا أن كعب بن مالك- رضي الله عنه- تخلف عن غزوة تبوك بلا عذر، وهو من المؤمنين الخلص، ولهذا قال: ((إنه ما تخلف عن رسول الله صلي الله عليه وسلم عن غزوة غزاها قط)) كل غزوات الرسول صلي الله عليه وسلم قد شارك فيها كعب- رضي الله عنه- فهو من المجاهدين في سبيل الله ((إلا في غزوة بدر)) ، فقد تخلف فيها كعب وغيره، لأن النبي صلي الله عليه وسلم - عليه الصلاة والسلام- خرج من المدينة لا يريد القتال، ولذلك لم يخرج معه إلا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً فقط؛ لأنهم كانوا يريدون أن يأخذوا عيرا لقريش، أي إبل محملة قدمت من الشام تريد مكة وتمر بالمدينة.

فخرج النبي - عليه الصلاة والسلام_ من أجل أن يستقبل هذه العير ويأخذها، وذلك لأن أهل مكة أخرجوا النبي صلي الله عليه وسلم وأصحابه من ديارهم وأموالهم؛ فلهذا كانت أموالهم غنيمة للنبي- عليه الصلاة والسلام- ويحل له أن يخرج ليأخذها، وليس في ذلك عدوان من رسول الله صلي الله عليه وسلم وأصحابه،

بل هذا أخذ لبعض حقهم.

خرج الرسول صلي الله عليه وسلم في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً ليس معهم إلا سبعون بعيراً وفرسان فقط؛ وليس معهم عدة والعدد قليل، ولكن الله جمع بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد لينقذ الله ما أراد عز وجل.

فسمع ابو سفيان - وهو قائد العير- أن النبي صلي الله عليه وسلم خرج إليه ليأخذ العير؛ فعدل عن سيره إلي الساحل وأرسل إلي قريش صارخاً يستنجدهم - أي يستغيثهم- ويقول: هلموا أنقذوا العير.

خرجوا كما قال الله عنهم، خرجوا من ديارهم) ْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه) (لأنفال: من الآية٤٧)

ولما كانوا في أثناء الطريق وعلموا أن العير نجت تراجعوا فيما بينهم وقالوا: العير نجت، فلما لنا وللقتال؟ فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نقدم بدراً فنقيم فيها ثلاثا ننحر الجزور، ونسقي الخمور، ونطعم الطعام، وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبدا!.

هكذا قالوا، بطرا واستكبارا وفخرا، ولكن- الحمد لله- صارت العرب تتحدث بهم بالهزيمة النكراء التي لم يذق العرب مثلها، لما التقوا بالنبي- عليه الصلاة والسلام- وزكان ذلك في رمضان في السنة الثانية من الهجرة، في اليوم السابع عشر منه، التقوا فأوحي الله عز وجل إلي الملائكة:) أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا

الرُّعْبَ) (الأنفال: من الآية١٢) ، انظر! في الآية تثبيت للمؤمنين وإلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا، فما أقرب النصر في هذه الحال؟! رعب في قلوب الأعداء، وثبات في قلوب المؤمنين.

فثبت الله المؤمنين ثباتاً عظيماً، وأنزل في قلوبهم الذين كفروا الرعب.

قال الله سبحانه) َ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) (لأنفال: من الآية١٢) ، أي: كل مفصل، واضربوا فالأمر ميسر لكم.

فجعل المسلمون- ولله الحمد- يجلدون فيهم؛ فقتلوا سبعين رجلاً واسروا سبعين رجلاً، والذين قتلوا ليسوا من أطرفهم، الذين قتلوا كلهم من صناديهم وكبرائهم، وأخذ منهم أربعة وعشرون رجلاً يسحبون سحباً وألقوا في قليب من قلب بدر، سحبوا حتى ألقوا في القليب جثثاً هامدة، ووقف عليهم النبي - عليه الصلاة والسلام_ وقال لهم: يا فلان ابن فلان، يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا. فقالوا: يا رسول الله، كيف تكلم أناساً قد جيفوا؟ قال: ((والله ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يجيبون)) ؛ لأنهم موتي، وهذه - ولله الحمد- نعمة، علينا أن نشكر الله عز وجل عليها كلما ذكرناها.

نصر الله نبيه، وسمي الله هذا اليوم) عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ) (لأنفال: من الآية٤١) .

هذا اليوم فرق الله فيه الحق والباطل تفريقاً عظيماً. وانظر إلي قدرة الله عز وجل في هذا اليوم، انتصر ثلاثمائة رجل وبضعة عشر رجلاً على نحو ألف رجل أكمل منهم عدة وأقوي، وهؤلاء ليس معهم إلا عد قليل من الإبل والخيل، لكن نصر الله عز وجل إذا نزل لقوم لم يقم أمامهم أحد، وإلي هذا أشار الله بقوله) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ) (آل عمران: من الآية١٢٣) ، ولما كان المسلمون حين فتحوا مكة وخرجوا باثني عشر ألفاً وأمامهم هوزان وثقيف؛ فأعجب المسلمون بكثرتهم وقالوا: لن نغلب اليوم عن قلة، فغلبهم ثلاثة آلاف وخمس مائة رجل. غلبوا اثني عشر ألف رجل بقيادة النبي صلي الله عليه وسلم، لنهم أعجبوا بكثرتهم، قالوا: لن نغلب اليوم عن قله، فأراهم الله عز وجل أن كثرتهم لن تنفعهم.

قال الله تعالي:) وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) (التوبة: من الآية٢٥) .

أترون ماذا حصل لأهل بدر؟

اطلع الله عليهم وقال لهم: اعملوا ماشئتم فقد غفرت لكم.

كل معصية تقع منهم فإنها مغفورة، لأن الثمن مقدم.

فهذه الغزوة صارت سبباً لكل خير، حتى إن حاطب بن أبي بلتعة

- رضي الله عنه- لما حصل منه ما حصل في كتابه لأهل مكة عندما أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يغزوهم غزوة الفتح كتب هو- رضي الله عنه- إلي أهل مكة يخبرهم، ولكن الله أطلع نبيه علي ذلكز أرسل حاطب بن أبي بلتعة بن علي أبي طالب وواحداً معه حتى لحقوها في روضة تسمي روضة خاخ، فأمسكوها وقالوا لها: أين الكتاب؟ فقالت: ما معي كتاب، فقالوا لها: أين الكتاب؟ والله ما كبنا ولا كبنا، أين الكتاب؟ لتخرجنه أو لننزعن ثيابك؟ فلما رأت ذلك لأخرجته، فإذا هو من حاطب بن أبي بلتعة إلي قريش، فأخذوه.

والحمد لله أنه لم يصل إلي قريش، فصار في هذا نعمة من الله على المسلمين وعلى حاطب، لأن الذي أراد ما حصل من نعمة الله.

فلما ردوا الكتاب إلي النبي صلي الله عليه وسلم قال له: ((يا حاطب، ما هذا)) ؟ فاعتذر.

فقال عمر: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، قال له النبي عليه الصلاة والسلام: ((إنه قد شهد بدراً، وما يدريك، لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم)) .

وكان حاطب من أهل بدر رضي الله عنه.

فالمهم أن هذه تخلف عنها كعب، لكنها ليست في أول الأمر، إلا في ثاني الحال؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم لم يخرج لقتال، وإنما خرج للعير، ولكن الله جمع بيته وبين عدوه على غير ميعاد، وكانت غزاة مباركة ولله الحمد. ثم ذكر بيعته النبي صلي الله عليه وسلم ليلة العقبة في مني، حيث بايعوا النبي صلي الله عليه وسلم على الإسلام وقال: إنني لا أحب أن يكون لي بدلها بدر.

يعني هي أحب إليه من غزوة؛ لأنها بيعة عظيمة.

لكن يقول: كانت بدر أذكر في الناس منها، أي أكثر ذكراً، لأن الغزوة اشتهرت بخلاف البيعة.

علي كل حال- رضي الله عنه- يسلي نفسه بأنه إن فاتته بدر فقد حصلت له بيعة العقبة، فرضي الله عن كعب وعن جميع الصحابة.

يقول رضي الله عنه: ((إني لم أكن قط اقوي ولا ايسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة)) - أي: غزوة تبوك- كان قوي البدن، ياسر الحال، حتى إنه كان عنده راحلتان في تلك الغزوة، وما جمع راحلتين في غزوة قبلها أبداً، وقد استعد وتجهز- رضي الله عنه- وكان من عادة النبي صلي الله عليه وسلم أنه إذا أراد غزوة وري بغيرها، أي: أظهر خلاف ما يريد، وهذا من حكمته وحنكته في الحرب، لأن لو أظهر وجهه تبين ذلك لعدوه، فربما يستعد له أكثر، وربما يذهب عن مكانة الذي قصده النبي صلي الله عليه وسلم فيه.

فكان مثلاً إذا أراد أن يخرج إلي الجنوب وري وكأنه يريد أن يخرج إلي الشمال، أو لا أراد أن يخرج إلي الشرق وري وكأنه يريد أن يخرج إلي الغرب حتى لا يطلع العدو على أسراره. إلا في غزوة تبوك، فإن النبي صلي الله عليه وسلم

بين امرها ووضحها وجلاها لأصحابه؛ وذلك لأمور:

أولاً: إنها كانت في شدة الحر حين طابت الثمار، والنفوس مجبولة عللا الركون إلي الكسل وإلي الرخاء.

ثانيا: أن المدى بعيد من المدينة إلي تبوك، ففيها مفاوز ورمال وعطش وشمس.

ثالثاً: أن العدو كثير وهم الروم، اجتمعوا في عدد هائل حسب نا بلغ النبي صلي الله عليه وسلم، فلذلك جلي امرها وأوضح أمر الغزاة، وأخبر أنه خارج إلي المسلمون مع رسول الله صلي الله عليه وسلم ولم يتخلف إلا من خذله الله بالنفاق، وثلاثة رجال فقط هم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، رضي الله عنهم. هؤلاء من المؤمنين الخلص، لكن تخلفوا لأمر أراده الله عز وجل. أما غيرهم ممن تخلف فإنهم منافقون منغمسون في النفاق، نسأل الله العافية. فخرج النبي - عليه الصلاة والسلام- بأصحابه- وهم كثير- إلي جهة تبوك حتى نزل بها، ولكن الله تعالي لم يجمع بينه وبين عدوه، بل بقي عشرين يوماً في ذلك المكان، ثم انصرف علي غير حرب.

يقول كعب بن مالك رضي الله عنه: ((إن الرسول صلي الله عليه وسلم تجهز هو والمسلمون وخرجوا من المدينة.

أما هو - رضي الله عنه- فتأخر وجعل يغدو كل صباح يرحل راحلته ويقول: ألحق بهم، ولكنه لا يفعل شيئاً، ثم يفعل كل يوم، حتى تمادي به الأمر ولم يدرك.

وفي هذا دليل على أن الإنسان إذا لم يبادر بالعمل الصالح فإنه- حري أن يحرم إياه، كما قال الله سبحانه) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (الأنعام: ١١٠) فالإنسان إذا علم الحق ولم يقبله ويذعن له من أول وهلة، فإن ذلك قد يفوته ويحرم إياه- والعياذ بالله- كما أن الإنسان إذا لم يصبر علي المصيبة من أول الأمر فإنه يحرم أجرها، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((إنما الصبر عند الصدمة الأولي)) .

فعليك- يا أخي - أن تبادر بالأعمال الصالحة، ولا تتأخر فتتمادي بك الأيام ثم تعجز وتكسل ويغلب عليك الشيطان والهوى فتتأخر، فها هو- رضي الله عنه- كل يوم يقول: أخرج، ولكن تمادي به الأمر ولم يخرج.

يقول: فكان يحز في نفسه أنه إذا خرج إلي سوق المدينة وإذا المدينة ليس فيها رسول الله صلي الله عليه وسلم ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا السابقون الأولون من المهاجرين والأنصارن إلا رجل مغموس في النفاق- والعياذ بالله- قد غمسه نفاقة فلم يخرج، أو رجل معذور عذره الله عز وجل. فكان يعتب علي نفسه: كيف لا يبقي في المدينة إلا هؤلاء وأقعد معهم. ورسول الله صلي الله عليه وسلم لم يذكره ولم يسأل عنه حتى وصل إلي تبوك.

فبينما هو جالس وأصحابه في تبوك سأل عنه، فقال رسول الله أين

كعب بن مالك؟ فتكلم فيه رجل من بني سلمه وغمزه، ولكن دافع عنه معاذ ابن جبل - رضي الله عنه- فسكت النبي صلي الله عليه وسلم ولم يجب بشيء، لا على الذي غمزه ولا على الذي رد.

فبينما هو كذلك إذ رأي رجلاً مبيضاً، يعنني بياضاً يزول به السراب من بعيد، فقال النبي صلي الله عليه وسلم: ((كن ابا خيثمة الأنصاري)) فكان ابا خيثمة.

وهذا إما من فراسة النبي - عليه الصلاة والسلام- وإما من قوة نظره صلي الله عليه وسلم.

ولا شك انه من أقوي الرجال نظرا وسمعا ونطقا وفي كل شيء.

وأعطي قوة ثلاثين رجلاً بالنسبة للنساء- عليه الصلاة والسلام- وكذلك أعطي قوة في غير ذلك، صلوات ربي وسلامه عليه.

وأبو خثيمة هذا هو الذي تصدق بصاع عندما حث النبي صلي الله عليه وسلم علي الصدقة، فتصدق الناس كل بحسب حاله. فكان الرجل إذا جاء بالصدقة الكثيرة قال المنافقون: هذا مراء ما أكثر الصداقة ابتغاء وجه الله، وإذا جاء الرجل الفقير بالصدقة اليسيرة قالوا: إن الله غني عن صاع هذا.

انظر- والعياذ بالله- يلمزون المؤمنين من هنا ومن هنا، كما قال الله) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ) (التوبة: من الآية٧٩) أي: إذا تصدقوا بما يستطيعون قالوا: إن الله غني عن صاعك.

وهكذا المنافق شر على المسلمين، فإن رأي أهل البخير لمزهمن وإن رأي المقصرين لمزهم، وهو أخبث عباد الله، فهو في الدرك السفل من النار. والمنافقون في زمننا هذا إذا أرادوا أهل الخير وأهل الدعوة وأهل

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قالوا: هؤلاء متزمتون، هؤلاء متشددون، وهؤلاء أصوليون، هؤلاء رجعيون، وما أشبه ذلك من الكلام.

فكل هذا موروث عن المنافقين في عهد الرسول - عليه الصلاة والسلام- إلي يومنا هذا.

لا تقولوا ليس عندنا منافقون ‍بل عندنا منافقون ولهم علامات كثيرة‍‍!!

وقد ذكر ابن القيم- رحمه اله- في كتابه ((مدارج السالكين)) في الجزء الأول صفات كثيرة من صفات المنافقين، كلها مبينة في كتاب الله عز وجل متزمت، هذا بخيل، لله غني عن صدقته. وإذا رأيت رجلاً يلمز المؤمنين من هنا ومن هنا، فاعلم أنه منافق والعياذ بالله) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (التوبة: ٧٩)) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (التوبة: ٧٩)) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (التوبة: ٧٩) فاستفدنا من الحديث فائدتين عظيمتين:

الفائدة الأولي: أن الإنسان لا ينبغي له أن يتأخر عن فعل الخير، بل لابد أن يتقدم ولا يتهاون أو يتكاسل.

وأذكر حديثاً قاله النبي- عليه الصلاة والسلام- في الذين يتقدمون إلي المسجد ولكن لا يتقدمون إلي الصف الأول، بل يكونون في مؤخره. قال ((لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم

الله) .

إذا عود الإنسان نفسه على التأخير آخره الله عز وجل. فبادر بالأعمال الصالحة من حين أن يأتي طلبها من عند الله عز وجل.

الفائدة الثانية: أن المنافقين يلمزون المؤمنين، إن تصدق المسلمون بكثير قالوا: هؤلاء مراؤون، وإن قللوا بحسب طاقتهم قالوا: إن الله غني عن عملك وغني عن صاعك، كما سبق.

وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام: ((من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبه- أي: بما يعادل تمرة- كما يربي أحدكم فلوه- أي مهره: الحصان الصغير - حتى تكون مثل الجبل، وهي تمرة أو ما يعادلها.

بل قال الرسول عليه الصلاة والسلام: ((اتقوا النار ولو بشق تمرة)) ، أي: نصف تمرة، بل قال الله عز وجل:) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ) (وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ) (الزلزلة: ٧/٨) ، والله سبحانه وتعالي لا يضيع أجر المحسنين.

يقول رضي الله عنه: إنه لما بلغه أن النبي صلي الله عليه وسلم رجع قافلاً من الغزو، بدأ يفكر ماذا يقول لرسول الله صلي الله عليه وسلم إذا رجع؟ يريد أن يتحدث بحديث وإن كان كذباَ، من أجل أن يعذره النبي صلي الله عليه وسلم فيه، وجعل يشاور ذوي الرأي من أهله ماذا يقول، ولكن يقول رضي الله عنه: فلما بلغ من الباطل، وعزم على أن يبين للنبي صلي الله عليه وسلم الحق، يقول: فقدم النبي صلي الله عليه وسلم المدينة ودخل المسجد، وكان من عادته وسنته أنه إذا قدم بلده فأول ما يفعل أن يصلي في المسجد عليه الصلاة والسلام، وهكذا أمر جابراً-رضي الله عنه- كما سأذكره إن شاء الله، فدخل المسجد وصلي وجلس للناس فجاءه المخلفون الذين تخلفوا من غير عذر من المنافقين، وجعلوا يحلفون له إنهم معذورون، فبايعهم ويستغفر لهم ولكن ذلك لا يفيدهم والعياذ بالله؛ لأن الله قال:) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) (التوبة: من الآية٨٠) ، فيقول: أما أنا فعزمت أن اصدق النبي - عليه الصلاة والسلام_ وأخبره بالصدق، فدخلت المسجد فسلمت عليه، فتبسم تبسم المغضب- أي:

الذي غير راض عني- ثم قال: ((تعال)) فلما دنوت منه قال لي: ((ما خلفك؟)) .

فقال رضي الله عنه: يا رسول الله إني لم أتخلف لعذر، وما جمعت راحلتين قبل غزوتي هذه، وإني لو جلست عند أحد من ملوك الدنيا لخرجت منه بعذر، فلقد أوتيت جدلاً- يعني لو أني جلست عند شخص من الملوك لعرفت كيف أتخلص منه لأن الله أعطاني جدلاً- ولكني لا

أحدثك اليوم حديثا ترضي به عني فيوشك أن يسخط الله على في ذلك. رضي الله عنه.

انظر إلي الإيمان! قال: لا يمكن أن أحدثك بالكذب، ولو حدثتك بالكذب، ورضيت عني اليوم، فإنه يوشك أن يسخط الله علي.

فأخبر النبي صلي الله عليه وسلم بالصدق، فأجله.

وفي هذا من الفوائد:

أولاً: أن الله سبحانه وتعالي قد يمن على العبد فيعصمه من المعصية إذا علم من قلبه حسن النية.

فإن كعبا- رضي الله عنه- لما هم أن يزور على الرسول - عليه الصلاة والسلام- جلي الله ذلك عن قلبه وأزاحه عن قلبه، وعزم على ان يصدق النبي عليه الصلاة والسلام.

ثانياً: أنه ينبغي للإنسان إذا قدم بلده، أن يعمد إلي المسجد قبل أن يدخل إلي بيته فيصلي فيه ركعتين، لأن هذه سنة النبي- عليه الصلاة والسلام- القولية والفعلية. أما الفعلية: فكما في حديث كعب بن مالك.

وأما القولية: فإن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما- حين باع علي النبي صلي الله عليه وسلم جملة في أثناء الطريق واستثني أن يركبه إلي المدينة وأعطاه النبي صلي الله عليه وسلم شرطه، فقدم جابر المدينة وقد قدم النبي صلي الله عليه وسلم قبله فجاء إلي رسول الله

فأمره أن يدخل المسجد ويصلي ركعتين.

وما أظن أحداً من الناس اليوم- إلا قليلاً - يعمل هذه السنة، وهذا لجهل الناس بهذا، وإلا فهو سهل والحمد لله.

وسواء صليت في مسجدك الذي كنت تصلي فيه القريب من بيتك، أو صليت في أدني مسجد من مساجد البلد الذي أنت فيه حصلت السنة.

ثالثاً: أن كعب بن مالك- رضي الله عنه - رجل قوي الحجة فصيح، ولكن لتقواه وخوفه من الله امتنع أن يكذب، وأخبر النبي صلي الله عليه وسلم الحق.

رابعاً: أن الإنسان المغضب قد يتسم، فإذا قال قائل: كيف أعرف أن هذا تبسم رضا أو تبسم سخط؟

قلنا: إن هذا يعرف بالقرائن، كتلون الوجه وتغيره.

فالإنسان يعرف أن هذا الرجل تبسم رضا بما صنع أو تبسم سخطاً عليه.

خامساً: أنه يجوز للإنسان أن يسلم قائماً علي القاعد؛ لأن كعبا سلم وهو قائم، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: ((تعال)) .

سادساً: أن الكلام عن قرب أبلغ من الكلام عن بعد، فإنه كان بإمكان الرسول صلي الله عليه وسلم أن يكلم كعب بن مالك ولو كان بعيداً عنه، لكنه أمره أن يدنو

منه؛ لأن هذا أبلغ في الأخذ والرد والمعاتبة، فلذلك قال له الرسول عليه الصلاة والسلام: ((ادن)) .

سابعاً: كمال يقين كعب بن مالك- رضي الله عنه- حيث أنه قال: أنني أستطيع أن اخرج بعذر من الرسول - عليه الصلاة والسلام- ولكن لا يمكن أن أخرج منه بعذر يعذرني فيه اليوم ثم يغضب الله على فيه غداً.

ثامناً: إن الله يعلم السر وأخفي، فإن كعباً خاف أن يسمع الله قوله ومحاورته للرسول- عليه الصلاة والسلام- فينزل الله فيه قرآناً، كما أنزل في قصة المرأة المجادلة التي جاءت إلي الرسول - عليه الصلاة والسلام- تشكو زوجها حين ظاهر منها، فأنزل الله فيها آية من القرآن:) قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (المجادلة: ١) .

يقول كعب: إنه أتي إلي الرسول صلي الله عليه وسلم وصدقه القول وأخبره أنه لا عذر له لا في بدنه ولا في ماله، بل إنه لم يجمع راحلتين في غزوة قبل هذه.

فقال النبي صلي الله عليه وسلم: ((أما هذا فقد صدق)) ويكفي له فخراً أن وصفه النبي - عليه الصلاة والسلام- بالصدق: ((أما هذا فقد صدق، فاذهب حتى يقضي الله فيك ما شاء)) . فذهب الرجل مستسلماً لأمر الله عز وجل مؤمناً بالله، وأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.

فلحقه قوم من بني سلمه من قومه وجعلوا يزينون له أن يرجع عن إقراره، وقالوا له: إنك لم تذنب ذنباً قبل هذا، يعني مما تخلفت به عن رسول الله صلي الله عليه وسلم ويكفيك أن ستغفر لك رسول الله صلي الله عليه وسلم وإذا استغفر لك

الرسول صلي الله عليه وسلم غفر الله لك، فارجع كذب نفسك، قل إني معذور، حتى يستغفر لك الرسول - عليه الصلاة والسلام- فيمن استغفر لهم ممن جاؤوا يعتذرون إليه. فهم أن يفعل رضي الله عنه، ولكن الله سبحانه أنقذه وكتب له هذه المنقبة العظيمة التي تتلي في كتاب الله إلي يوم القيامة.

فسال قونه: هل أحد صنع مثلما صنعت؟ قالوا: نعم، هلال بن أمية ومرارة بن الربيع، قالا مثلما قلت، وقيل لهما مثلما قيل لك.

يقول: ((فذكروا لي رجلين صالحين شهدا بدراً لي فيهما أسوة)) .

أحياناً يقيض الله للإنسان ما يجعله يدع الشر اقتداء بغيره وتأسياً به.

فهو- رضي الله عنه- لما ذكر له هذان الرجلان- وهما من خيار عباد الله من الذين شهدوا بدراً - فقال: ((لي فيهما أسوة فمضيت)) أي: لم يرجع إلي النبي عليه الصلاة والسلام.

فأمر النبي - عليه الصلاة والسلام- الناس أن يهجروهم فلا يكلموهم.

فهجرهم المسلمون، ولكنهم بعد ذلك صاروا يمشون وكأنهم بلا عقول، قد ذهلوا، وتنكرت لهم الأرض فما هي بالأرض التي كانوا يعرفونها؛ لأنهم يمشون إن سلموا لا يرد عليهم السلام، وإن قابلهم أحد لم يبدأهم بالسلام. وحتى النبي- عليه الصلاة والسلام- وهو أحسن الناس خلقاً- لا يسلم عليهم السلام العادي.

يقول كعب: كنت أحضر واسلم على النبي صلي الله عليه وسلم فلا أدري: أحرك شفتيه برد السلام أم لا.

هذا وهو النبي عليه الصلاة والسلام، وما ظنك برجل يهجر في هذا

المجتمع الإسلامي الذي هو خير القرون؟ إنها ستضيق عليه الأرض، وفعلاً ضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه، وبقوا علي هذه الحال مدة خمسين يوماً، أي: شهراً كاملاً وعشرين يوماً. والناس قد هجروهم فلا يسلمون عليهم. ولا يردون السلام إذا سلموا. وكأنهم في الناس لإبل جرب لا يقربهم أحد.

فضاقت عليهم الأمور وصعبت عليهم الأحوال، وفروا إلي الله عز وجل، ولكن مع ذلك لم يكن كعب بن مالك يدع الصلاة مع الجماعة.

فكان يحضر ويسلم على تانبي - عليه الصلاة والسلام- ولكن في آخر الأمر ربما يتخلف عن الصلوات لما يجد في نفسه من الضيق والحرج؛ لأنه يخجل أن يأتي إلي قوم يصلي معهم وهم لا يكلمونه أبداً، لا بكلمة طيبة ولا بكلمة تأنيب، فتركوهم بالكلية، فضاقت عليهم الأرض، وبقوا علي هذه الحالة خمسين ليلة تامة، ولما تمت لهم أربعون ليلة أرسل إليهم النبي- عليه الصلاة والسلام- أن يعتزلوا نساءهم. إلي هذا الحد، فرق بينهم وبين نسائهم.

وما ظنك برجل مثل كعب بن مالك وهو شاب يعزل عن امرأته؟ أمر عظيم،: ((إن النبي صلي الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك)) قال: أطلقها أم ماذا؟ لأنه لو قال طلقها لطلقها بكل سهولة؛ طاعة الله ورسوله، فسأل قال: أطلقها أم ماذا؟ فقال له رسول الرسول: إن الرسول - عليه الصلاة والسلام- يأمرك ان تعتزل أهلك. وبقي على ظاهر اللفظ. حتى الصحابي الذي أرسل ما

حرف النص، لا معني ولا لفظاً، قال هكذا، قال: ولا أدري.

وهذا من أدب الصحابة رضي الله عنهم، ما قال: أظن أنه يريد أن تطلقها، ولا: أظن انه يريد أن لا تطلقها! ما قال شيئاً، بل قال: إن النبي صلي الله عليه وسلم قال هذا. فقال كعب لزوجته الحقي بأهلك. فلحقت بأهلها.

((فأما صاحباي فاستكانا في بيوتهما يبكيان)) لأنهما لا يستطيعان أن يمشيا في السواق، والناس قد هجروهم لا يلتفت إليهم أحد، ولا يسلم عليهم أحد، وإذا سلموا لا يرد عليهم السلام، فعجزوا عن تحمل هذه الحال، فبقيا في بيوتهما يبكيان.

يقول: ((وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم)) اشبهم: أقواهم واجلدهم: أصبرهم. لأنه أشب منهم أصغر منهم سناً، فكان يشهد صلاة الجماعة مع المسلمين، ويطوف بأسواق المدينة لا يكلمه أحد، لا يكلمه أحد؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم أمر بهجرهم، وكان الصحابة- رضي الله عنهم- أطوع الناس لرسول الله صلي الله عليه وسلم.

يقول: ((وكنت آتي المسجد فاصلي واسلم على النبي صلي الله عليه وسلم وهو جالس للناس بعد الصلاة فأقول: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا)) .

أي: ما يرد عليه رداً يسمع، هذا مع أن النبي صلي الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً، ولكن امتثالاً لما أوحي الله إليه أن يهجر هؤلاء القوم هجرهم.

ويقول: كنت اصلي واسارق النبي صلي الله عليه وسلم النظر، يعني: أنظر إليه أحياناً وأنا اصلي، فإذا قبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت إليه أعرض عني.

كل هذا من شدة الهجر.

يقول: ((فبينما أنا أمشي ذات يوم في أسواق المدينة وطال على جفوة الناس، تسورت حائطاً لأبي قتادة رضي الله عنه)) تسوره: دخله من فوق الجدار من دون الباب، وكأن الباب مغلق. والعلم عند الله.

يقول: ((فسلمت عليه، فوالله ما رد على السلام)) وهو ابن عمه وأحب الناس إليه، ومع ذلك لم يرد عليه السلام، مع أن الرجل كان مجفيا من الناس منبوذاً، لا يكلم ولا يسلم عليه ولا يرد عليه السلام، ومع ذلك لم يعطف عليه ابن عمه أبو قتادة.

كل هذا طاعة لله ورسوله؛ لأن الصحابة - رضي الله عنهم- لا تأخذهم في الله لومة لائم ولا يحابون أحداً في دين الله ولو كان أقرب الناس إليهم، فقال له: أنشدك الله، هل تعلم أني احب الله ورسوله؟ فلم يرد عليه.

مرتين يناشده مناشدة هل يعلم أنه يحب الله ورسوله أم لا؟ وأبوقتادة يدري، ويعلم أن كعب بن مالك يحب الله ورسوله.

فلما رد عليه الثالثة وقال: أنشدك الله هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟

فقال: الله ورسوله أعلم.

لم يكلمه، فلم يقل: نعم؟ ولا قال: لا.

يقول: ففاضت عيناي، أي: بكي- رضي الله عنه- أن رجلاً- ابن عمه- أحب الناس إليه لا يكلمه مع هذه المناشدة العظيمة.

مع أنها- أيضاً- مسالة تعبديه، لأن قوله أنشدك الله هل تعلم أني أحب

الله ورسوله؟ طلب شهادة، ومع ذلك لم يشهد له، مع أنه يعلم أنه يحب الله ورسوله؛ ففاضت عيناه.

وتسور البستان أي: خرج إلي السوق، فبينما هو يمشي إذا برجل نبطي من أنباط الشام- والنبطي الذي ليس بعربي ولا بعجمي، وسموا بذلك لأنهم كانوا يخرجون في البراري يستنبطون الماء- يقول: من يدلني على كعب بن مالك!

انظر إلي أهل الشر ينتهزون الفرص!

فعندما قال: من يدلني علي كعب بن مالك؟ قلت: أنا هو، فأعطاني الورقة، وكنت كاتباً؛ لأن الكتاب في ذلك العهد قليلون جداً.

يقول: ((فقرأت الكتاب، فإذا فيه: أما بعد، فقد بلغنا أن صاحبك جفاك- يعني الرسول عليه الصلاة والسلام، وكان هذا الملك: ملك غسان كافراً-وإنك لست بدار هوان ولا مضيعة، يعني: تعال إلينا نواسك بأموالنا، وربما نواسيك بملكنا.

ولكن الرجل رجل مؤمن بالله تعالي ورسوله، ومحب لله ورسوله صلي الله عليه وسلم.

قال: وهذه من البلاء، يعني: هذا من الامتحان. وصد رضي الله عنه، رجل مجفو لا يكلم، مهجور منبوذ حتى من أقرب الناس إليه، لو كان في قلبه ضعف إيمان لا نتهز الفرصة بدعوة هذا الملك وذهب إليه، لكن عنده إيمان راسخ.

يقول: قلت: هذه من البلاء. ثم ذهب إلي التنور فسجره فيه: يعني أوقدها بالتنور.

وإنما أوقدها في التنور ولم يجعلها معه لئلا توسوس له نفسه بعد لك ان يذهب إلي هذا الملك، فأتلفها حتى ييأس منها ولا يحاول ان يجعلها حجة يذهب بها إلي هذا الملك. ثم بقي علي ذلك مدة.

ففي هذه القطعة من الحديث: دليل على جواز التخلف عن الجماعة إذا كان الإنسان مهجوراً منبوذا وعجزت نفسه أن تتحمل هذا كما فعل صاحبا كعب بن مالك رضي الله عنهم.

لأنه لا شك أنه من الضيق والحرج أن يأتي الإنسان إلي المسجد مع الجماعة لا يسلم عليه، ولا يرد سلامه، ومهجور ومنبوذ، هذا تضيق به نفسه ذرعاً ولا يستطيع، وهذا عذر كما قاله العلماء.

ومن فوائد هذا الحديث: شدة امتثال الصحابة لأمر النبي صلي الله عليه وسلم ودليل ذلك ما جري لأبي قتادة - رضي الله عنه- مع كعب بن مالك رضي الله عنه.

ومن فوائد هذا الحديث: أنه يجب التحرز من أصحاب الشر وأهل السوء الذين ينتهزون الضعف في الإنسان والفرص في إضاعته وهلاكه.

فإن هذا الملك- ملك غسان- انتهز الفرصة في كعب بن مالك- رضي الله عنه- يدعوه إلي الضلال لعله يرجع عن دينه إلي دين هذا الملك بسبب هذا الضيق.

ومن فوائد الحديث: قوة كعب بن مالك- رضي الله عنه- في دين الله وأنه من المؤمنين الخلص، وليس ممن قال الله فيهم) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ

آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ) (العنكبوت: من الآية١٠) ، فبعض الناس- والعياذ بالله- يقول: آمنا بالله، ولكن إيمانه ضعيف، إذا أوذي في الله ارتد- والعياذ بالله- وفسق وترك الطاعة، وكعب بن مالك رضي الله عنه أوذي في الله إيذاء أيما أيما أيذاء، لكنه صبر واحتسب وانتظر الفرج، ففرج الله له تفريجاً لم يكن لأحد غيره وصاحبيه، أنزل الله فيهم ثناء عليهم آيات تتلي إلي يوم القيامة.

نحن نقرأ قصتهم في القرآن في صلاتنا! وهذا فضل عظيم النبي صلي الله عليه وسلم قصتهم تقرأ في الصلاة، في الصلوات الخمس، في صلاة النافلة، سرا وعلنا.

ومن فوائد هذا الحديث أيضاً: أنه ينبغي للإنسان إذا رأي فتنة أو خوف فتنة أن يتلف هذا الذي يكون سبباً لفتنة.

فإن كعباً لما خاف على نفسه أن تميل فيما بعد إلي هذا الملك ويتخذ هذه الورقة وثيقة، حرقها رضي الله عنه.

ومن ذلك: - أيضاً ما جري لسيلمان بن داود- عليهما الصلاة والسلام- حينما عرضت عليه الخيل الصافنات الجياد في وقت العصر، فغفل وذهل- بما عرض عليه- عن الصلاة حتى غابت الشمس، فلما غابت الشمس وهو لم يصل العصر دعا بهذه الخيل الصافنات الجياد فجعل يضرب أعناقها وسوقها، يعني: جعل يقتلها ويعقرها انتقاماً من نفسه لنفسه، لأنه انتقم من نفسه التي لهت بهذه الصافنات الجياد عن ذكر الله) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) (صّ: ٣٢)) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) (صّ: ٣٢)) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ) (رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ) (صّ: ٣٢/٣٣) . فالمهم أنك إذا رأيت شيئاً من

مالك يصدك عن ذكر الله فأبعده عنك بأي وسيله تكون، حتى لا يكون سبباً لإلهائك عن ذكر الله.

فإن الذي يلهي عن ذكر الله خسارة، كما قال تعالي:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (المنافقون: ٩) .

يقول رضي الله عنه: ((فلما تمت لنا أربعون ليلة)) يعني شهر وعشرة أيام، وكان الوحي قد استلبث فلم ينزل كل هذه المدة، وهذه من حكمة الله عز وجل في الأمور الكبيرة العظيمة، يستلبث الوحي ولا ينزل، كما في هذه القصة، وكما في قصة الإفك حين انقطع الوحي عن رسول الله صلي الله عليه وسلم.

وهذا من حكمة الله عز وجل حتى يتشوف الناس غلي الوحي ويتشوفوا إليه: ماذا سينزل رب العالمين عز وجل؟ فبقي الوحي أربعين ليلة ما نزل، فلما تمت أربعون ليلة أرسل النبي صلي الله عليه وسلم إلي كعب وصاحبيه هلال بن أمية ومرارة بن الربيع - رضي الله عنهم- أن يعتزلوا نساءهم.

وجاءت زوجة هلال بن أمية إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم وأخبرته بأنه في حاجة إليها لتخدمه؛ لأنه ليس له خادم، فأذن لها النبي صلي الله عليه وسلم بشرط أن لا يقربها، فقالت: ((إنه والله ما به من حركة إلي شيء)) يعني أنه ليس له شهوة في النساء، وأنه يبكي- رضي الله عنه- منذ أمر النبي صلي الله عليه وسلم بهجرهم إلي يومه هذا، أربعون يوماً يبكي؛ لأنه ما يدري ماذا تكون النهاية.

يقول رضي الله عنه: ((فلما مضي عشر ليال بعد هذا، وكنت ذات يوم اصلي الصبح على سطح بيت من بيوتنا)) لأنه كما مر كانوا- رضي الله عنهم-

قد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، واستنكروا الأرض، واستنكروا الناس، يأتون إلي المسجد لا يكلمهم أحد، وإن سلموا لم يرد عليهم، وإن مر بهم أحد لم يسلم عليهم، ضاقت عليهم الأرض. فصار ذات يوم يصلي الصبح في بيته على سطحه. يقول: ((فسمعت صارخاً يقول وهو على سلع- وهو جبل معروف في المدينة- أوفي عليه وصاح بأعلى صوته يقول: ((يا كعب بن مالك أشر يا كعب بن مالك)) !

يقول: ((فخررت ساجداً، وعرفت أنه قد جاء فرج)) وركب فارس من المسجد يؤم كعب بن مالك ليبشره، وذهب مبشرون غلي هلال بن أمية ومرارة بن الربيع يبشرونها بتوبة الله عليهما. فأنظر إلي فرح المسلمين بعضهم مع بعض، كل يذهب يسعي ويركض من جهة.

يقول: فجاء الصارخ، وجاء صاحب الفرس، فكانت البشري للصارخ؛ لأن الصوت أسرع من الفرس، يقول: فأعطيته ثوبي الإزار والرداء، وليس يملك غيرهما، لكن استعار من أهله أو من جيرانه ثوبين فلبسهما، وأعطي ثوبيه هذا الذي بشره.

أعطاه كل ما يملك، لا يملك غير الثوبين. لكنها والله بشري عظيمة، بشري من الله سبحانه وتعالي عظيمة، أن ينزل الله توبتهم ويمن عليهم بالتوبة.

ثم نزل متوجها إلي الرسول صلي الله عليه وسلم في المسجد، وإذا رسول الله صلي الله عليه وسلم وجزاه الله عن أمته خيراً- قد بشر الناس بعد صلاة الصبح بأن الله أنزل توبته

علي هؤلاء الثلاثة؛ لأنه يحب من أصحابه وأمته ان يتوبوا ويرجعوا إلي الله.

يقول: فذهبت أتأمم رسول الله صلي الله عليه وسلم يعني أقصده، فجعل الناس يلاقونني أفواجاً، يعني جماعات، يهنئونه بتوبة الله عليه. رضي الله عنه.

هؤلاء القوم يحبون لإخوانهم ما يحبون لأنفسهم، فلم يحسدوهم على ما أنعم اله به عليهم من إنزال القرآن العظيم بتوبتهم، بل جعلوا يهنئونهم حتى دخل المسجد.

وفي هذه القطعة من الحديث فوائد:

أولاً: شدة هجر النبي - عليه الصلاة والسلام- لهؤلاء الثلاثة، حتى إنه أمرهم أن يعتزلوا نساءهم، والتفريق بين الرجل وامرأته أمره عظيم.

ثانياً: وفيه أن أقول الرجل لامرأته: الحقي بأهلك؛ ليس بطلاق، لأن كعب بن مالك- رضي الله عنه- فرق بين قوله: ألحقي بأهلك، وبين الطلاق، فإذا قال الرجل لامرأته الحقي بأهلك ولم ينو الطلاق، فليس بطلاق.

أما إذا نوي الطلاق فإن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (٠ إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امريء ما نوي...)) الحديث.

فإذا نوي الإنسان بهذه الكلمة وأمثالها الطلاق فله ما نوي.

ثالثاً: شدة امتثال الصحابة- رضي الله عنهم- لأمر النبي صلي الله عليه وسلم لأنه- رضي الله عنه- ما تردد، ولا قال: لعلي أراجع الرسول عليه الصلاة والسلام، أو قال للرسول الذي أرسله النبي صلي الله عليه وسلم: ارجع إليه لعله يسمح،

بل وافق بكل شيء.

رابعاً: أن النبي صلي الله عليه وسلم كان رحيما بأمته، فإنه بعد ان أمرهم باعتزال النساء رخص لهلال بن أمية، لأنه يحتاج لخدمة امرأته.

خامساً: جواز حكاية الحال عند الاستفتاء أو الشهادة أو ما أشبه ذلك، وإن كان المحكي عنه قد لا يحب أن يطلع عليه الناس، لأن امرأة هلال بن أمية ذكرت من حاله أنه ليس فيه حاجة إلي شيء من النساء.

سادساً: أن الإنسان إذا حصل له مثل هذه الحال وهجره الناس، وصار يتأذي من مشاهدتهم ولا يتحمل، فإنه له أن يتخلف عن صلاة الجماعة، وإن هذا عذر؛ لأنه إذا جاء إلي المسجد في هذه الحال سوف يكون متشوشاً غير مطمئن في صلاته؛ ولهذا صلي كعب بن مالك- رضي الله عنه- صلاة الفجر على ظهر بيت من بيوته، وسبق لنا ذكر هذه الفائدة في قصة هلال بن أمية ومرارة بن الربيع.

سابعاً: حرص الصحابة - رضي الله عنهم- علي التسابق إلي لبشرى؛ لأن البشري فيها إدخال السرور على المسلم. وإدخال السرور على المسلم مما يقرب إلي الله عز وجل؛ لأنه إحسان والله- سبحانه وتعالي- يحب المحسنين ولا يضيع أجرهم.

فلذلك ينبغي لك إذا رأيت من أخيك شيئا يسره، كأن يكون خبراً ساراً أو رؤيا سارة أو ما أشبه ذلك، أن تبشره بذلك، لأنك تدخل السرور عليه.

ثامناً: أنه ينبغي مكافأة من بشرك بهديه تكون مناسبة للحال، لأن كعب بن مالك- رضي الله عنه- أعطي الذي بشره ثوبيه، وهذا نظير ما صح

به الخبر عن عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما- وكان يأمر الناس إذا حجوا أن يتمتعوا بالعمرة إلي الحج، يعني ان يأتوا بالعمرة ويحلوا منها ثم يحرموا بالحج في يوم التروية، وكان عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- ينهي عن المتعة؛ لأنه يحب ان يعتمر الناس في وقت، وأن يحجوا في وقت، حتى يكون البيت دائماً معموراً بالزوار، ما بين معتمرين وحجاج، فعل هذا اجتهاداً منه- رضي الله عنه- وهو من الاجتهاد المغفور، وإلا فلا شك أن سنة الرسول - عليه الصلاة والسلام - أولي.

المهم أن رجلاً استفتي عبد الله بن عباس في هذه المسألة، فأمره أن يتمتع وأن يحرم بالعمرة ويحل منها.

فرأي هذا الرجل في المنام شخصا يقول له: حج مبرور وعمرة متقبلة، فأخبر بذلك عبد الله بن عباس الذي أفتاه، ففرح بذاك ابن عباس وأمره أن يبقي حتى يعطيه من عطائه، يعني يعطيه هديه على ما بشره به من هذه الريا التي تدل على صواب ما أفتاه به عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.

والمهم أن من بشرك بشيء فأقل الأحوال أن تدعو له بالبشارة، أو تهدي له ما تيسر، وكل إنسان بقدر حالة.

يقول رضي الله عنه: حتى دخلت المسجد وإذا رسول الله صلي الله عليه وسلم جالس وحوله أصحابه، فقام إلي كعب طلحة بن عبيد الله - رضي الله عنه- فصاحفه وهناه بتوبة الله عليه.

يقول: والله ما قام إلي أحد من المهاجرين رجل غير طلحة، فكان لا

ينساها له، حيث قام ولاقاه وصافحه وهنأه، حتى وقف على النبي صلي الله عليه وسلم وإذا وجهه تبرق أساريره؛ لأنه- عليه الصلاة والسلام- سره أن يتوب الله على هؤلاء الثلاثة الذين صدقوا الله ورسوله، وأخبروا بالصدق عن إيمان، وحصل عليهم ما جري من الأمر العظيم، من هجر الناس لهم خمسين يوماً، حتى نسائهم بعد الأربعين أمر الرسول- عليه الصلاة والسلام- أن يعتزلوهن.

ثم قال له النبي صلي الله عليه وسلم: ((أبشر بخير يوم مر عليك مذ ولدتك أمك)) .

وصدق النبي صلي الله عليه وسلم خير يوم مر على كعب منذ ولدته أمه هو ذلك اليوم، لأن الله أنزل توبته عليه وعلي صاحبيه في قرآن يتلي، تكلم به رب العالمين عز وجل وأنزله على محمد صلي الله عليه وسلم محفوظاً بواسطة جبريل، ومحفوظا إلي يوم القيامة، ولا يوجد أحد سوى الأنبياء أو من ذكرهم الله في القرآن حفظت قصته كما حفظت قصة كعب بن مالك وصاحبيه رضي الله عنهم.

بقيت هذه القصة تتلي في كتاب في المحاريب وعلى المنابر وفي كل مكان، ومن قرأ هذه القصة فله بكل حرف عشر حسنات، فهذا اليوم لا شك أنه خير يوم مر على كعب منذ ولدته أمه.

فقال كعب: إن من توبتي أن انخلع من مالي صدقة إلي الله وإلي رسوله، أي: يتخلي عنه ويجعله صدقة إلي الله ورسوله شأنه وتدبيره. فقال النبي صلي الله عليه وسلم: ((أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك)) فأمسكه رضي

الله عنه.

ففي هذه القطعة من الحديث فوائد:

أولاً: فيها دليل على أن من السنة إذا أتي الإنسان ما يسره ان يهنأ به ويبشره به، سواء كان خير دين أو خير دنيا.

ولهذا بشرت الملائكة إبراهيم عليه السلام بغلام حليم وبغلام عليم، الغلام الحليم: إسماعيل. والغلام العليم: إسحاق. بشرت الملائكة إبراهيم بهذين الغلامين.

ثانياً: إنه لا بأس بالقيام إلي الرجل لمصافتحه وتهنئته بما يسره.

والقيام إلي الرجل لا باس به قد جاءت به السنة، وكذلك القيام للرجل وأنت باق في مكانك لا تتحرك إليه، فهذا أيضاً لا بأس به إذا أعتاده الناس، لأنه لم يرد النهي عنه؛ وإنما النهي والتحذير من الذي يقام له لا من القائم، فإن من يقام له قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: ((من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوا مقعده من النار)) .

قال أهل العلم: والقيام ثلاثة أقسام:

الأول: قيام إلي الرجل.

الثاني: قيام للرجل.

والثالث: قيام على الرجل.

فالقيام إلي الرجل: لا باس به، وقد جاءت به السنة أمرا وإقراراً وفعلاً أيضاً.

أما الأمر: فإن النبي صلي الله عليه وسلم لما أقبل سعد بن معاذ رضي الله عنه عند تحكيمه في بني قريظة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((قوموا إلي سيدكم)) وكان سعد بن معاذ رضي الله عنه قد أصيب في غزوة الأحزاب في أكحله، والأكحل عرق في الإبهام إذا انفجر مات الإنسان، أصيب به-رضي الله عنه- فدعا الله أن لا يميته حتى يقر عينه في بني قريظة، وكانوا حلفاء للأوس، وخانوا عهد النبي - عليه الصلاة والسلام- وصاروا مع الأحزاب على رسول الله صلي الله عليه وسلم. فلما طعن سعد قال: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني ببني قريظة، وكان من علو منزلته عند رسول الله صلي الله عليه وسلم أن أمر النبي صلي الله عليه وسلم أن يضرب له خباء في المسجد- أي خيمة صغيرة- لأجل أن يعوده من قريب فكان يعوده من قريب.

ولما حصلت غزوة بني قريظة ورضوا أن يحكم فيهم سعد بن معاذ، أمر النبي صلي الله عليه وسلم أن يحضر سعد إلي بني قريظة، فجاء راكبا على حمار؛ لأنه قد أنهكه الجرح، فلما أقبل قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((قوموا إلي سيدكم)) فقاموا فأنزلوه، فقال النبي- عليه الصلاة والسلام - له: إن هؤلاء

- يعني اليهود- من بني قريظة حكموك. فقال رضي الله عنه: حكمي نافذ فيهم؟

قال نعم! وأقروا هم به، وقالوا: نعم حكمك نافذ، قال: وفيمن ها هنا - يشير إلي الرسول- عليه الصلاة والسلام- والصحابة - قالوا: نعم، فقال: أحكم فيهم أن تقتل مقاتلهم، وتسبي ذريتهم ونساؤهم، وتغنم أموالهم، حكم صارم، قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات)) رضي الله عنه.

فنفذ النبي صلي الله عليه وسلم حكمه، وقتل منهم سبعمائة رجل، وسبي نساءهم وذرياتهم، وغنم أموالهم.

الشاهد قوله: ((قوموا إلي سيدكم)) هذا فعل أمر، ولما دخل كعب ابن مالك المسجد قام إليه طلحة بن عبيد الله والنبي صلي الله عليه وسلم يشاهد ولم ينكر عليه.

ولما قدم وفد ثقيف إلي الرسول- عليه الصلاة والسلام- بالجعرانة بعد الغزوة قام لهم- أو قام إليهم - عليه الصلاة والسلام، فالقيام إلي الجل لا بأس به.

الثاني: القيام للرجل: وهذا أيضا لا بأس به، لا سيما إذا اعتاد الناس ذلك وصار الداخل إذا لم تقم له يعد ذلك امتهاناً له، فإن ذلك لا بأس به، وإن كان الأولي تركه كما في السنة، لكن إذا عتاده الناس فلا حرج فيه.

الثالث: القيام عليه: كأن يكون جالساً، ويقوم واحد على رأسه تعظيما له، فهذا منهي عنه.

قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضا)) .

حتى إنه في الصلاة إذا صار الإمام لا يستطيع القيام وصلي جالسا فإن المأموين يصلون جلوسا، ولو كانوا يقدرون على القيام، لئلا يشبهوا الأعاجم الذين يقومون على ملوكهم)) .

فالقيام على الرجل منهي عنه، اللهم إلا إذا دعت الحاجة إلي ذلك، كأن يخاف على الرجل أن يتعدي عليه أحد فلا بأس أن يقوم عليه القائم، وكذلك إذا قام عليه الرجل إكراماً له في حال يقصد فيه إكرامه وإهانة وكذلك إذا قام عليه الرجل إكراماً له في حال يقصد إكرامه وإهانة العدو، مثل ما حصل من المغيرة بن شعبة- رضي الله عنه- في صلح الحديبية حينما كانت قريش تراسل النبي صلي الله عليه وسلم للمفاوضة فيما بينهم، كان المغيرة بن شعبة- رضي الله عنه- واقفا على رأس رسول الله وبيده السيف تعظيماً لرسول الله صلي الله عليه وسلم وإهانة لرسل الكفار الذين يأتون للمفاوضة.

وفي هذا دليل على أنه ينبغي لنا- نحن المسلمين- أن نغيظ الكفار بالقول وبالفعل؛ لأنا هكذا أمرنا، قال الله سبحانه:) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) (التوبة: من الآية٧٣) وقال الله تعالي:) وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ) (التوبة: من الآية١٢٠) ، ومن المؤسف أن منا من يدخل عليهم السرور والفرح، وربما يشاركهم في أعيادهم الكفرية التي لا يرضاها الله بل يسخط عليها، والتي يخشي أن ينزل العذاب عليهم وهم يلعبون بهذه الأعياد. يوجد من الناس - والعياذ بالله من لا قدر للدين عنده، كما قال ابن القيم-رحمه الله- في كتابه ((أحكام أهل الذمة)) : ((من ليس عنده قدر للدين يشاركهم في الأعياد ويهنئهم)) . وكيف يدخل السرور على أعداء الله وأعدائك؟! ادخل عليهم ما يحزنهم ويغيظهم ويدخل عليهم أشد ما يكون من الضيق، هكذا أمرنا؛ لأنهم أعداء لنا وأعداء لله ولدينه وللملائكة والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

المهم أن المغيرة بن شعبة وقف على رأس رسول الله صلي الله عليه وسلم وبيده السيف تعظيماً له حتى إنه في أثناء تلك المراسلة فعل الصحابة شيئا لا يفعلونه في العادة، كان عليه الصلاة والسلام إذا تنخم نخامته تلقوا نخامته بأيديهم بالراحة، ثم يمسحون بها وجوههم وصدوره مع إنهم ما كانوا يفعلون هذا، لكن لأجل إذا ذهب رسول الكفار بين لهم حال الصحابة- رضي الله عنهم- مع نبيهم عليه الصلاة والسلام.

ولذلك لما رجع رسول قريش إلي قريش قال: والله لقد دخلت على

الملوك وكسري وقيصر والنجاشي فلم أر أحداً يعظمه أصحابه مثلما يعظم أصحاب محمد محمداً، رضي الله عنهم وأرضاهم، وجزاهم الله عنا خيراً.

المهم أن القيام على الرجل إذا كان المقصود به حفظ الرجل، أو كان المقصود به إغاظة العدو، فإن هذا لا باس به ولا حرج فيهن وإلا فهو منهي عنه.

ثالثاً: إن من أنعم الله عليه بنعمة فإن من السنة ان يتصدق بشيء من ماله، فإن النبي صلي الله عليه وسلم أقر كعب بن مالك على أن يتصدق بشيء من ماله توبة إلي الله عز وجل لما حصل له من الأمر العظيم الذي كان فخراً له إلي يوم القيامة.

ثم ذكر كعب بن مالك ان من توبته ان لا يحدث بحديث كذب بعد إذ نجاه الله تعالي بالصدق، ومازال كذلك ما حدث بحديث كذب أبداً بعد أن تاب الله عليه، فكان - رضي الله عنه- مضرب المثل في الصدق، حتى إن الله أنزل فيه وفي صاحبيه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة: ١١٩) ، أنزل الله تعالي الآيات في بيان منته عليهم بالتوبة من قوله تعالي: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ) (التوبة: من الآية١١٧) ففي هذه الآية أكد الله سبحانه وتعالي توبته على النبي والمهاجرين والأنصار، أكدها بقوله: (لَقَدْ تَابَ اللَّه) .

فأما النبي فهو محمد رسول الله صلي الله عليه وسلم خاتم النبيين الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأما المهاجرون فهم الذين هاجروا من بلادهم من

مكة إلي المدينة، هاجروا إلي الله، فجمعوا في ذلك بين الهجرة ومفارقة الوطن ومفارقة الديار وبين نصرة النبي صلي الله عليه وسلم؛ لأنهم إنما هاجروا إلي الله ورسوله، فالمهاجرون جمعوا بين الهجرة والنصرة.

أما الأنصار فهم الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم، أهل المدينة- رضي الله عنهم- الذين أووا النبي صلي الله عليه وسلم ونصروه ومنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم. وقدم الله المهاجرين لأنهم أفضل من الأنصار، لجمعهم بين الهجرة والنصرة.

وقوله: (ِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ) وذلك في الخروج معه إلي غزوة تبوك، إلي بلاد بعيدة، والناس في اشد ما يكونون من الحر، والناس في أطيب ما يكونون لو بقوا في ديارهم، لأن الوقت وقت قيظ، والوقت وقت طيب الثمار وحسن الظلال، ولكنهم - رضي الله عنهم- خرجوا في هذه الساعة الحرجة في ساعة العسرة) ِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ) فإن بعضهم كاد أن يتخلف بدون عذر فيزيغ قلبه، ولكن الله عز وجل من عليهم بالاستقامة حتى خرجوا مع النبي صلي الله عليه وسلم.

وقوله: (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ) أكد ذلك مرة أخري (إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) شملهم بالرأفة والرحمة، والرأفة أرق من الرحمة؛ لأنها رحمة ألطف وأعظم من الرحمة العامة.

ثم قال: (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا) .

والثلاثة: هم كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، هؤلاء هم الثلاثة الذين خلفوا رضي الله عنهم، وخلفوا: أي خلف البت

في أمرهم، وليس المراد عن الغزوة، بل خلفهم الرسول- عليه الصلاة والسلام- لكي ينظر في أمرهم ماذا يكون حكم الله تعالي فيهم.

وقوله: (حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ) ضاقت عليهم الأرض مع سعتها، والرحب هو السعة، والمعني ان الأرض علي سعتها ضاقت بهم. حتى قال كعب بن مالك: ((لقد تنكرت لي الأرض حتى قلت: لا أدري، هل أنا في المدينة أو غيرها)) من شدة الضيق عليهم، رضي الله عنهم.

(وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُم) نفس الإنسان ضاقت عليه فهي لا تتحمل أن تبقي النبي صلي الله عليه وسلم ولكنهم صبروا- رضي الله عنهم- حتى فرج الله عليهم.

وقوله (وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْه) (التوبة: من الآية١١٨) ، الظن هنا بمعني اليقين، أي أيقنوا انه لا ملجأ من الله، أي: أنه لا أحد ينفعهم، ولا ملجأ من الله إلا إلي الله، فالله بيده كل شي عز وجل.

وقوله: (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (التوبة: من الآية١١٨)) ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) تاب عليهم لينالوا مراتب التوبة التي لا ينالها إلا من وفق، لا ينالها إلا أحباب الله، كما قال الله تعالي:) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (البقرة: من الآية٢٢٢) .

أما أولئك الذين اعتذروا من المنافقين إلي الرسول- عليه الصلاة والسلام- واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلي الله، فإن الله أنزل فيهم شر ما أنزل في بشر فقال: (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ) فلا تلومونهم (فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْس) نعوذ بالله رجس، الخمر رجس، القذر الذي يخرج من دبر الإنسان رجس، روث الحمير رجس، هؤلاء مثلهم. (وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (التوبة: من الآية٩٥) ،

بئس المأوى، والعياذ بالله، إنهم ينقلون من الدنيا إلي جهنم، نسأل الله العافية، نار حامية تطلع على الأفئدة، مؤصدة عليهم في عمد ممددة.

(يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ) لأنكم لا تعلمون سرائرهم ولا يبدو لكم إلا الظواهر (فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) لو رضي الناس عنك كلهم والله لم يرض عنك فإنه لا ينفعك إلا رضا الله عز وجل؛ لأن الله إذا رضي عنك أرضي عنك الناس وأمال قلوبهم إليك، كما جاء في الحديث: ((إن الله إذا أحب عبداً دعا جبريل فقال: أني أحب فلاناً فأحبه)) يعين الله الرجل له فيحبه جبريل، ((ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، قال: ثم يوضع له القبول في الأرض)) فيكون مقبولاً لدي أهل الأرض.

كما قال الله عز وجل:) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً) (مريم: ٩٦) .

لكن إذا التمس الإنسان رضا الناس بسخط الله فالأمر بالعكس، يسخط الله عليه ويسخط عليه الناس.

ولهذا لما تولي معاوية- رضي الله عنه- الخلافة كتبت له عائشة - رضي الله عنها- قالت: سمعت النبي صلي الله عليه وسلم يقول: ((من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله

الله إلي الناس)) وما أكثر الذين يطلبون رضا الناس بسخط الخالق عز وجل- والعياذ بالله_.

هؤلاء هم في سخط الله ولو رضي عنهم الناس، فلا ينفعهم رضا الناس قال الله تعالي هنا: (فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) (التوبة: من الآية٩٦) ، حتى لو رضي عنهم النبي صلي الله عليه وسلم _ اشرف الخلق_ ما نفعهم؛ لأن الله لا يرضي عن القوم الفاسقين.

وفي هذه الآية تحذير من الفسق، وهو ارتكاب المعاصي التي أعظمها الكفر، وكل فسق فإنه ينقص من رضا الله عن الإنسان بحسبه، لأن الحكم المعلق بالوصف يزداد بزيادته وينقص بنقصانه، ويقوي بقوته ويضعف بضعفه. والفسق سبب من أسباب عدم رضا الله (فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) والفسق أنواع كثيرة ومراتب عظيمة. فعقوق الوالدين من الفسوق، وقطيعة الرحم من الفسوق، والكذب من الفسوق، فكل معصية من الفسوق.

لكن صغائر الذنوب تكفرها حسنات الأعمال إذا اصلح الإنسان الحسنات، كما قال الله

تعالي:) أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً) (الاسراء: ٧٨) .

وقال عز وجل:) إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) (هود: من الآية١١٤) ، فإذا فعل الإنسان حسنة أذهبت السيئة إذا كانت صغيرة، أما الكبائر فلا ينفع فيها إلا التوبة.

علي كل حال: الفسق من أسباب انتفاء رضا الله عن العبد، والطاعة من أسباب الرضا، فالتزم طاعة الله إن كنت تريد رضاه، وإن كنت تريد رضا الناس فأرض الله، إذا رضي الله عنك كفاك مؤنة الناس وأرضي الناس عنك، وإن أسخطت الله برضا الناس فأبشر بسخط الناس مع سخط الله، والعياذ بالله. وذكر- رضي الله عنه - أن النبي صلي الله عليه وسلم خرج من المدينة في يوم الخميس، وكان يحب أن يخرج في يوم الخميس، ولكن ذلك ليس بدائم، أحياناً يخرج يوم السبت، كما خرج في آخر سفره سافرها في حجة الوداع، وربما يخرج في أيام أخر، لكن غالب ما يخرج فيه هو يوم الخميس.

وذكر أن النبي صلي الله عليه وسلم عاد إلي المدينة ضحي، وأنه دخل المسجد فصلي فيه ركعتين، وكان هذا من سنته صلي الله عليه وسلم أنه إذا قدم بلده لم يبدأ بشيء قبل المسجد.

وهاتان الركعتان تشمل كل الوقت، حتى أوقات النهي؛ لأنها صلاة سببية، فليس عنها نهي، في أي وقت وجد سببها حل فعلها.

فينبغي إذا قدم الإنسان إلي بلده أن يبدأ قبل كل شي بالمسجد. وقد تقدم ذكر ذلك.

٢٢- وعن أبي نجيد- بضم النون وفتح الجيم- عمران بن الحصين الخزاعي- رضي الله عنهما - أن امرأة من جهينة أتت نبي الله صلي الله عليه وسلم وهي حبلي من الزني، فقالت: يا نبي الله، أصبت حداً فأقمه علي، فدعا نبي الله صلي الله عليه وسلم وليها فقال: ((أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني)) ففعل، فأمر بها نبي الله صلي الله عليه وسلم فشكت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت، ثم صلي عليها. فقال له عمر: تصلي عليها يا نبي الله وقد زنت؟ قال: لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالي؟!)) (رواه مسلم) .

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف- رحمه الله تعالي- فيما نقله عن عمران بن حصين رضي الله تعالي عنه: إن امرأة جاءت إلي النبي صلي الله عليه وسلم ((وهي حبلي من الزنا)) يعني حاملاً قد زنت، رضي الله عنها.

((فقالت: يا رسول الله إني قد أصبت حدا فاقمه علي)) أي: أصبت شيئاً يوجب الحد فأقمه علي، فدعا النبي صلي الله عليه وسلم وليها وأمره أن يحسن إليها فإذا وضعت فليأت بها إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم، فلما وضعت أتي بها وليها إلي النبي صلي الله عليه وسلم، ((فأمر بها فشدت عليها ثيابها)) أي: لفت ثيابها وربطت لئلا تنكشف ((ثم أمر بها فرجمت)) أي: بالحجارة: وهي ليست كبيرة ولا صغيرة، حتى ماتت، ثم صلي عليها النبي صلي الله عليه وسلم ودعا لها دعاء الميت: ((فال له عمر:

تصلي عليها يا رسول الله وقد زنت)) أي: والزنى من كبائر الذنوب، فقال: ((لقد تأبت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم)) يعيني: توبة واسعة لو قسمت علي سبعين كلهم مذنب لوسعتهم ونفعتهم، ((وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله عز وجل)) أي: هل وجدت أفضل من هذه الحال، امرأة جاءت فجادت بنفسها؛ يعني: سلمت نفسها من أجل التقرب إلي الله - عز وجل- والخلوص من إثم الزنى. ما هناك أفضل من هذا؟!

ففي هذا الحديث دليل علي فوائد كثيرة:

منها: أن الزاني إذا زني وهو محصن- يعني قد تزوج- فإنه يجب أن يرجم وجوباً؛ وقد كان هذا في كتاب الله- عز وجل- آية قرأها المسلمون وحفظوها ووعوها ونفذوها، رجم النبي صلي الله عليه وسلم ورجم الخلفاء من بعده، ولكن الله بحكمته نسخها من القرآن لفظاً وأبقي حكمها في هذه الأمة. فإذا زني المحصن- وهو الذي د تزوج - فإنه يرجم حتى يموت. يوقف في مكان واسع، ويجتمع الناس، ويأخذون من الحصي يرمونه به حتى يموت.

وهذه من حكمه الله عز وجل، أي: أنه لم يأمر الشرع بأن يقتل بالسيف وينتهي أمرهن بل يرجم بهذه الحجارة حتى يتعذب ويذوق ألم العذاب في مقابل ما وجده من لذة الحرام؛ لأن هذا الزني تلذذ جميع جسده بالحرام، فكان من الحكمة أن ينال هذا الجسد من العذاب بقدر ما نال من اللذة.

ولهذا قال العلماء رحمهم الله: إنه لا يجوز أن يرجم بالحجارة الكبيرة؛ لأن الحجارة الكبيرة تجهز عليه ويموت سريعاً فيستريح، ولا

بالصغيرة جداً لأن هذه تؤذيه وتطيل موته، ولكن بحصي متوسط حتى يذوق اللم ثم يموت.

فإذا قال قائل: أليس قد قال النبي صلي الله عليه وسلم: ((إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح)) ، والقتلة بالسيف أريح للمرجوم من الرجم بالحجارة؟

قلنا: بلي قد قاله الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن إحسان القتلة يكون بموافقتها للشرع، فالرجم إحسان لأنه موافق للشرع، ولذلك لو أن رجلاً جانيا جنى على شخص فقتله عمداً وعزر به قبل ان يقتله فإننا نعزر بهذا الجاني إذا أردنا قتله قبل أن نقتله.

مثلاً: لو أن رجلاً جانيا قتل شخصاً فقطع- مثلاً- يديه، ثم رجليه، ثم لسانه، ثم رأسه. فإننا لا نقتل الجاني بالسيف!! بل نقطع يديه، ثم رجليه، ثم لسانه، ثم نقطع رأسه مثلما فعل، ويعتبر هذا إحساناً في القتلة، لأن إحسان القتلة أن يكون موافقاً للشرع علي أي وجه كان.

وفي هذا الحديث دليل على جواز إقرار الإنسان على نفسه بالزنى، من أجل تطهيره بالحد لا من أجل فضحه نفسه.

فالإنسان الذي يتحدث عن نفسه أنه زني، عند الإمام أو نائبه؛ من أجل إقامة الحد عليه، هذا لا يلام ولا يذم.

وأما الإنسان الذي يخبر عن نفسه بأنه زني، يخبر بذلك عامة الناس؛ فهذا فاضح نفسه وهو من غير المعافين؛ لأن الرسول صلي الله عليه وسلم يقول: ((كل أمتي معافي إلا المجاهرين. قالوا: من المجاهرون؟ قال: الذي يفعل الذنب ثم يستره الله عليه ثم يصبح يتحدث به)) .

إذا قام قائل هل الأفضل للإنسان إذا زني أن يذهب إلي القاضي ليقر عنده، فيقام عليه الحد، أو الأفضل أن يستر نفسه؟ فالجواب عن هذا أن في ذلك تفصيلاً.

قد يكون الإنسان تاب توبة نصوحاً، وندم، وعرف من نفسه أنه لن يعود فهذا الأفضل أن لا يذهب ولا يخبر عن نفسه، بل يجعل الأمر سرا بينه وبين الله، ومن تاب تاب الله عليه.

واما من خاف أن لا تكون توبته نصوحا، وخاف أن يعود ويرجع إلي الذنب مرة أخري؛ فهذا الأفضل في حقه ان يذهب إلي ولي الأمر، أو إلي القاضي أو غيره، ليقر عنده فيقام عليه الحد.

* * *

٢٣- وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: ((لو أن لابن آدم ملء واد مالاً: لأحب أن له إليه مثله ولا يملا عين ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب)) . (متفق عليه) .

٢٤-وعن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال ((يضحك الله- سبحانه وتعالي-إلي رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة، يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل فيسلم فيستشهد)) (متفق عليه) .

[الشَّرْحُ]

هذان الحديثان في بيان التوبة، وأن من تاب تاب الله عليه مهما عظم ذنبه؛ لأن الله تعالي قال في كتابه:) وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً) (يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً)) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) (الفرقان: ٦٨/٧٠) .

فالحديث الأول عن عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما- ومعناه: أن ابن آدم لن يشبع من المال، ولو كان له واد واحد ((لا بتغي)) أي طلب أن يكون ل وديان، ولا يملأ غلا التراب؛ وذلك إذا مات ودفن وترك الدنيا وما فيها؛ حينئذ يقتنع؛ لأنها فاتنة، ولكن مع ذلك حث الرسول صلي الله عليه وسلم على التوبة؛ لأن الغالب أن الذي يكون عنده طمع في المال؛ أنه لا يحترز من الأشياء المحرمة من الكسب المحرم.

ولكن دواء ذلك بالتوبة إلي الله ولهذا قال: ((ويتوب الله علي من تاب)) فمن تاب من سيئاته- ولو كانت هذه السيئات مما يتعلق بالمال -فإن الله يتوب عليه.

أما الحديث الثاني فهو عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((يضحك الله إلي رجلين.. الحديث)) .

فضحك الله إلي هذين الرجلين؛ لأنه كان بينهما تمام العداوة في الدنيا؛ حتى إن أحدهما قتل الآخر، فقلب الله هذه العدواة التي في قلب كل واحد منهم، وأوال ما في نفوسهما من الغل، لأن أهل الجنة يطهرون من الغل والحقد؛ كما قال الله-تعالي- في وصفهم) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ) (الحجر: ٤٧) .

فهذه وجه العجب من الله- عز وجل- لهذين الرجلين أنه كان بينهما تمام العداوة، ثم إن الله-تعالي- من على هذا القاتل الذي كان كافراً فتاب، فتاب الله عليه.

ففيه دليل: على أن الكافر إذا تاب من كفره-ولو كان قد قتل أحداً من المسلمين-فإن الله- تعالي- يتوب عليه؛ لأن الإسلام يهدم ما قبله.

📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي

الأولياء وهو مذهب أهل الحق. ولا حجة فيه على جواز بيع الفضولية، لأن ما ذكر في شرع من قبلنا، وفي كونه حجة خلاف، وعلى تقدير الحجة فلعله استأجره بأجرة في الذمة كما أشرنا إليه ولم يسلمها له بل عرضها عليه فلم يقبلها لرداءتها، فبقيت على ملك المستأجر لأن ما في الذمة لا يتعين إلا بقبض صحيح، ثم إن المستأجر تصرف فيه لبقائه على ملكه فصح تصرفه فيه، ثم تبرع بما اجتمع منه على الأجير بتراضيهما، قال الخطابي: إنما تطوع به صاحبه تقرباً به إلى الله تعالى، ولذا توسل به للخلاص، ولم يكن يلزمه في الحكم أن يعطيه أكثر من القدر الذي استأجره عليه، فلذا حمد فعله، والله أعلم.

٢ - باب التوبة

٢ - باب التوبة

بالرفع خبر مبتدإ محذوف: أي هذا باب، أو مبتدأ خبره محذوف: أي: باب التوبة هذا، ويجوز نصبه على تقدير: خذ باب التوبة. وهي لغة الرجوع يقال تاب وأناب وآب بمعنى رجع فالتائب إلى الله تعالى هو الراجع من شيء إلى شيء، راجع من الأوصاف المذمومة إلى الأوصاف المحمودة، راجع عما نهى الله عنه إلى أمره، وعن معصيته إلى طاعته، وعما يكرهه إلى ما يرضاه، رجوع من الأضداد إلى أسباب الوداد، ورجوع إليه تعالى بعد المفارقة، وإلى طاعته بعد المخالفة فمن رجع عن المخالفات خوفاً من عذاب الله فهو تائب، ومن رجع حياء فهو منيب، ومن رجع تعظيماً لجلال الله سبحانه فهو أوّاب. والتوبة أحسن ما قيل في معناها شرعاً: هو الرجوع من البعد عن الله إلى القرب إليه سبحانه وتعالى اهـ. ذكره الإيجي قال القرطبي: أسدّ العبارات وأجمعها في تعريفها قول بعض المحققين: هي اجتناب ذنب سبق منك مثله حقيقة أو تقديراً.

(قال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب) ووجوبها مجمع عليه، لا فرق بين الصغائر والكبائر الظاهرة والباطنة كالحقد والحسد (فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي) عطف بيان على قوله بين العبد وبين الله سبحانه وتعالى،

وقوله: (فلها ثلاثة شروط) جواب إن الشرطية (أحدها أن يقلع) بضم أوله: أي: يكف وينقطع (عن المعصية) التي كان متلبساً بها، إذ تستحيل التوبة مع مباشرة الذنب. وهذا قد يترك اشتراطه ويحمل على من يستحيل منه وقوع مثل تلك المعصية كمن زنى فجبّ، فهذا استحال منه الإقلاع المكتسب، وكذا العزم على ألا يفعله في المستقبل لأن فعله غير ممكن منه.

قال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام في «أماليه» : لا يجب على الإنسان ترك الشيء إلا إذا كان ممكنه فعله، إذ لا تكليف بترك المستحيل (والثاني) من الشروط (أن يندم على فعلها) من حيث إنها معصية، فلو ندم عليه لا من هذه الحيثية بل لأجل تلك الوجوه الآتية في الكلام على التوبة النصوح لم يعتد بندمه ونازع الغزالي في «منهاج العابدين» له في اشتراط الندم في مفهوم التوبة، ثم قال: وقيل المراد اشتراط ما يؤدي إليه من تذكر الذنب وشؤمه وعذاب الله وعقابه ونحو ذلك، لأن هذا في قدرته ومن كسبه، وهو يترتب عليه الندم الذي هو أمر طبيعي لا قدرة له على اكتسابه، والله أعلم (والثالث أن يعزم ألا يعود إليها) أي: إلى مثلها مطلقاً (أبداً) فلا يعود التائب من الرياء إلى مثله وهو الرياء، وإلا فالمعصية التي كان تلبس بها انقضت وزالت فلا يمكن العود إليها. هذا وزاد بعضهم اشتراط عدم صحبة من ارتكب معه المعصية بعد التوبة، وأن تكون التوبة تعالى خاصة.

قال ابن عبد السلام: استدرك السيف الآمدي على الناس قيداً آخر في التوبة التامة، وهو أن يكون الندم تعالى، احترازاً مما إذا قتل شخص ولده، فإنه يندم على الماضي لأجل كونه ولده. وأجيب بأن هذا ليس استدراكاً إذ الإخلاص شرط في كل عبادة، والناس يعنون بقولهم للتوبة ثلاثة أركان ما عدا الإخلاص اهـ. وأدرج ابن حجر الهيتمي هذا القيد في الشرط الأول وهو الإقلاع فقال: ترك الذنب تعالى، فلو تركه لخوف أو رياء أو غير ذلك من الأغراض التي لغير الله لم يعتد بتركه (فإن فقد أحد هذه الثلاثة) أي: واحد منها (لم تصح توبته) أي: التامة أما الناقصة فتصح مع فقد الإقلاع والعزم على عدم العود كما تقدم تمثيله، قيل: وعلى ذلك يحمل حديث «الندم توبة» وقيل: بل الحديث نظير حديث «الحج عرفة» أي: ركنها الأعظم، والله أعلم (وإن كانت المعصية) التي تريد التوبة منها (تتعلق بحق آدمي فشرطها أربعة) خبر عن قوله شرطها، وجاز الإخبار عنه بذلك لكونه مفرداً مضافاً إلى معرفة.

وهو على الصحيح حيث لا عهد للعموم الصالح للجمعية من حيث مدلول لفظه، إذ هو حينئذٍ المعنى الذي استغرقه لفظه الصالح له من غير حصر، وإن كان مدلوله في التركيب كلياً على الأصح: أي: محكوماً فيه على كل فرد مطابقة، لأنه في قوة قضايا بعدد أفراده، والصحيح فيها بناه على ظاهر كلام النحاة، وليست العبرة في مطابقة المبتدإ للخبر إلا باصطلاحهم أن مدلوله كل: أي: محكوم فيه على مجموع الأفراد من حيث هو مجموع (هذه الثلاثة) المذكورة (و) الرابع (أن يبرأ من حق صاحبها) وزاد بعضهم شرطاً خامساً وهو القول، قال: فيقول القاذف مع إبراء المقذوف: ما قلته باطل وأنا نادم عليه ولا أعود إليه، وكذا شهادة الزرو (فإن كانت) أي: المعصية المتعلقة بالآدمي (مالاً أو نحوه) من اختصاص محترم (رده إليه) أي: إلى صاحبه بعينه إن كان موجوداً أو بدله عند تلفه من قيمة أو مثل (وإن كان) أي: حق الآدمي (حد قذف ونحوه) أي: نحو

القذف كالقتل والقطع قصاصاً (مكنه) أي: صاحب الحق (منه) أي: من الحد أي استيفائه منه (أو طلب عفوه) بإسقاط حقه. وظاهر كلامه توقف صحة التوبة على ما ذكر من الردّ والتمكين أي إن أمكنه ذلك، وإلا نوى ذلك إذا قدر أو طلب العفو، لكن ذهب الإمام وتبعه العز ابن عبد السلام وأقرّه المصنف إلى صحة توبته وإن لم يسلم نفسه بالنسبة لحق الله تعالى ويبقى عليه حق الآدمي وإثم الامتناع، بل قال في «الشامل» وتبعه جمع: إنه حيث ندم صحت توبته وإن لم يردّ المظلمة، وهو ظاهر فيبرأ بالنسبة لحق الله تعالى إن وجد الإقلاع، وإلاّ كردّ المغصوب ما دام باقياً وقدر عليه فلا (وإن كان) أي: حق الآدمي، وفي نسخة «كانت» أي: المعصية (غيبة) بكسر الغين المعجمة وسكون التحتية، وسيأتي ما يتعلق بها في باب من الكتاب. قيل: ومثل الغيبة القذف، وقد يقال هو داخل في مفهوم الغيبة.

واعتبر بعضهم في التوبة من القذف كما مر أن يقول القاذف: ما قلته باطل وأنا نادم عليه ولا أعود إليه. وكذا شاهد الزور (استحله منها) أي: بأن يخبره بما قاله حتى يصح تحليله، لكن محل تعيين الإخبار ما لم يترتب عليه ضرر أعظم، وإلا كأن يخشى قتله بذلك مثلاً فلا. ومحل تعيين الإخبار والاستحلال إن بلغه الاغتياب وإلا كفى الاستغفار (ويجب) جمعاً عندنا معاشر أهل السنة (أن يتوب من جميع الذنوب) أي: ولو صغائر قال تعالى: {توبوا إلى الله توبة نصوحا} (التحريم: ٨)

{توبوا إلى الله جميعاً} (فإن) لم يتب من الجميع بل أصرّ على بعضها (وتاب من بعضها صحبت توبته عند أهل الحق) هم أهل السنة (من ذلك الذنب) الأنسب من ذلك البعض: أي: الذي تاب منه (وبقي عليه الباقي) أي: تبعته ووجوب التوبة منه قالوا للإجماع على أن من أسلم تائباً عن كفره مع إصراره على بعض معاصيه صحّ إسلامه وتوبته لكون حقيقتها ليس إلا الرجوع والندم والعزم، وقد وجدت (وقد تظاهرت) بالظاء المعجمة، من التظاهر وهو التعاون (دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة) إضافة دلائل لما بعدها من المتعاطفات إضافة بيانية (على وجوب التوبة) متعلق بتظاهرت.

(قال الله تعالى) أي: حال كونه متعالياً علوّ مكانة لا علوّ مكان متقدماً عما لا يليق به، ويصح جعلها مستأنفة، والجملة إنشائية معنى سيقت لما ذكر كما تقدم بيانهما أول الكتاب {وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون} مما وقع منكم من النظر الممنوع وغيره. وفي الآية تغليب الذكور على الإناث {لعلكم تفلحون} تنجون من ذلك بقبول التوبة منه. ولعل في الأصل للرجاء، وفي كلامه تعالى للتحقيق. قال السيوطي في «التوشيح» : كل وعد في الكتاب أو السنة فواجب الوقوع لوجوب سلامة خبر من ذكر عن الخلف.

(وقال تعالى) : {استغفروا ربكم} من الشرك، ومثله من غيره، والقصر عليه لأنه الذنب المأمور بالخروج عنه (إنه كان غفاراً) المبالغة باعتبار الكمّ، فلا تحصى عدة المغفور لهم، وباعتبار الكيف فيغفر الصغائر والكبائر والفواحش {إن الله يغفر الذنوب جميعاً} (الزمر: ٥٣) وقوله: «إنه الخ» علة للأمر قبله.

وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا} اختلفت عبارات السلف

في التوبة النصوح ومرجعها إلى شيء واحد. قال عمربن الخطاب وأبيّبن كعب رضي الله عنهما: التوبة النصوح أن يتوب من الذنب ثم لا يعود إليه كما لا يعود اللبن إلى الضرع. قال الحسن البصري: هي أن يكون العبد نادماً على ما مضى مجمعاً على ألا يعود إليه، وقال الكلبي: هي أن يستغفر باللسان ويندم بالقلب ويمسك بالبدن. وقال ابن المسيب: «توبة نصوحا» تنصحون بها أنفسكم. جعلها ناصحة للتائب كضروب بمعنى ضارب، والأولون جعلوها بمعنى المفعول: أي: قد نصح فيها التائب ولم يشبها بغشّ. فهي إما بمعنى منصوح فيها كركوبة وحلوبة: أي: مركوبة ومحلوبة، أو بمعنى ناصحة: أي خالصة وصادقة قاله بعض المحققين. وقال الزرعي في «شرح المنازل» : النصح في التوبة يتضمن ثلاثة أشياء: أحدها تعميم جميع الذنوب واستغراقها بحيث لا تدع ذنباً إلا تناولته. والثاني إجماع العزم والصدق بكليته عليها بحيث لا يبقى عنده تردد ولا تلوّم ولا انتظار، بل يجمع عليها كل إرادته وعزيمته مبادراً بها. والثالث تخليصها من الشوائب والعلل القادحة في إخلاصها ووقوعها لمحض الخوف من الله تعالى وخشيته والرغبة فيما لديه والرهبة مما عنده، لا كمن يتوب لحفظ جاهه أو حرفته أو منصبه أو لحفظ حاله أو ماله أو استدعاء حمد الناس أو الهرب من ذمهم، أو نحو ذلك من العلل التي تقدح في صحتها وخلوصها تعالى، فالأول يتعلق بما يتوب منه، والثالث بما يتوب إليه، والأوسط يتعلق بذات التائب نفسه. ولا ريب أن

التوبة الجامعة لما ذكر تستلزم الغفران وتتضمنه وتمحق جميع الذنوب، وهي أكمل ما يكون من التوبة. انتهى ملخصاً.

١٤١ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: وا) فيه ندب

الحلف لتأكيد الأمر وتقويته ليبادروا إلى الإتيان بذلك (إني لأستغفر ا) أي: أطلب منه مغفرة تليق بمقامي المبرإ عن كل وصمة ذنب أو مخالفة ولو سهوا وقبل النبوة (وأتوب إليه) أي: أرجع إليه متنقلاً من شهود فرق إلى شهود جمع. ثم الجملة جواب القسم (في اليوم) وهو شرعاً: ما بين طلوع الفجر وغروب الشمس. قال السفاقسي: لم يرد ما فاؤه ياء وعينه واو إلا هذا اللفظ قيل: «ويوح» وهو من أسماء الشمس. وقيل: إنه بالموحدة (أكثر من سبعين مرة) إنما لم يحده بعدد مخصوص، لما علمت أن موجب الاستغفار والتوبة اللائقين به لا ينحصر ولأنهما يتكرارن بحسب الشهود والترقي. ثم في هذا تحريض للأمة على التوبة والاستغفار فإنه مع كونه معصوماً وكونه خير الخلائق يستغفر ويتوب سبعين مرة؛ واستغفاره ليس من الذنب بل من اعتقاده أن نفسه قاصرة في العبودية عما يليق بحضرة ذي الجلال والإكرام (رواه البخاري) وفي كتاب الأطراف بعد إخراجه لكن بلفظ «إني لأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم مائة مرة» وأخرجه البخاري وأبو عبد الرحمن يعني النسائي وأبو عيسى يعني الترمذي، وسيأتي فيه كلام في باب الاستغفار أواخر الكتاب.

١٥٢ - (وعن الأغر) بفتح الهمزة والغين المعجمة وتشديد الراء (ابن يسار) بفتح التحتية والمهملة (المزني) ويقال الجهني، وفي الصحابة أيضاً الأغر الغفاري وجعلهما بعض الحفاظ إنساناً واحداً. وقال الحافظ نور الدين الداودي: الحق أنهم ثلاثة، وانفرد مسلم بالإخراج للأغر المزني، وكذا أخرج عنه أبو داود والترمذي (رضي الله عنه قال: قال رسول الله: يا أيها الناس توبوا إلى ا) أي: ارجعوا إليه بامتثال ما أمركم به واجتناب ما نهاكم عنه، ومما أمركم به التوبة، فهي واجبة من كل ذنب ولو صغيرة إجماعاً كما تقدم (فإني أتوب) أي: أرجع رجوعاً يليق بي (إليه) أي: إلى شهوده أو إلى سؤاله أو

الحضور والصغار بين يديه (في اليوم مائة مرة. رواه مسلم) في «أواخر صحيحه» . قال في «السلاح» : ليس للأغر في الكتب الستة إلا هذا الحديث.

١٦٣ - (وعن أبي حمزة) بالحاء المهملة المفتوحة: كنى بذلك ببقلة فيها حموزة: أي: حموضة كان يحبها (أنس) بفتح أوليه (ابن مالك) بن النضر (الأنصاري) الخزرجي النجاري المدني ثم البصري (خادم رسول الله) حضراً وسفراً منذ قدم المدينة إلى أن توفي (رضي الله عنه) قال: قدم النبي إلى المدينة وأنا ابن عشر سنين ومات وأنا ابن عشرين سنة، غزا مع النبيّ ثماني غزوات، وروى الكثير، وعدة ما روى له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما في «مسند» بقيّبن مخلد ألفا حديث ومائتا حديث وستة وثمانون حديثاً، اتفق الشيخان منها على مائة وثمانية وستين حديثاً، وانفرد البخاري بثمانية ومسلم بسبعين. روى عن عدة من الصحابة، وروي عنه كثير، وخرّج عنه أصحاب المسانيد. ومن كراماته معه ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عنه قال: «دخل النبي عند أم سليم: يعني أمه، فأتته بتمر وسمن فقال: أعيدوا سمنكم في سقائه وتمركم في وعائه فإني صائم، ثم قام إلى ناحية البيت يصلي غير المكتوبة، فدعا لأم سليم وأهل بيتها، فقالت: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن لي خويصة، قال: وما هي؟ قالت خادمك أنس، ادع الله له، فما ترك خير آخرة ولا دنيا إلا دعا لي به: اللهم ارزقه مالاً وولداً وبارك به، قال: فإني لمن أكثر الأنصار مالاً» . وعنه قال: رزقت لصلبي سوى ولد ولدي خمسة وعشرين ومائة، وإن أرضي لتثمر في السنة مرّتين» . وكان ريحان بستانه يشم منه رائحة المسك، وقد ذكرت

زيادة في مناقبه ومآثره في «شرح الأذكار» . توفي على نحو فرسخ ونصف من البصرة في موضع يعرف بقصر أنس، وهو آخر من مات بها من الصحابة. والصحيح أنه توفي سنة ثلاث وتسعين وقد جاوز المائة. ولما مات قال مورّق العجلي: ذهب اليوم نصف العلم، وذلك أن أهل الأهواء كانوا إذا خالفونا في الحديث نقول لهم تعالوا إلى من سمعه من النبيّ (قال: قال رسول الله:) بفتح اللام جواباً للقسم المقدر: أي: وا (أفرح) أي: أشد فرحاً والمراد منه

هنا استحالة قيام حقيقته، إنما هي اعتزاز وطرب يجده الإنسان من نفسه عند ظفره بعرض يستكمل به نقصانه أو يسد به خلته: أي حاجته، أو يدفع به عن نفسه ضرراً أو نقصاً بالباري سبحانهـ غايته من الرضا لأن السرور يقارنه الرضا بالمسرور بهـ أو هو تشبيه مركب عقلي من غير نظر إلى مفردات التركيب، بل تؤخذ الزبدة من المجموع فتكون غايته ونهايته، وفائدة إبرازه في صورة التشبيه تقرير المعنى في ذهن السامع؛ أو تمثيلي بأن يتوهم للمشبه الحالات التي للمشبه به وينتزع له منها ما يناسبه.

فالحاصل أن المراد بقوله: «أفرح» أرضى (بتوبة عبده من) فرح (أحدكم) حال كونه قد (سقط على بعيره) قال في «النهاية» أي: يعثر على موضعه ويقع عليه كما يسقط الطائر على وكره اهـ. والمراد صادفه من غير قصد (وقد أضله) أي: ضيعه جملة حالية من الضمير في سقط فهي حال متداخلة (في أرض فلاة) من إضافة الموصوف إلى الصفة: أي: في أرض واسعة (متفق عليه. وفي رواية لمسلم) أي: انفرد بلفظها عن البخاري (أشد فرحاً بتوبة عبده) أي: رجوعه إلى طاعته وامتثال أمره (حين يتوب) أي: يرجع منتهياً (إليه) أي: يخلص في توبته بأن ينوي بها وجه الله لا غير، وبه يعلم أن قوله: (حين يتوب إليه) قيد لا بد منه لا يغني عنه قوله بتوبة عبده (من) فرح (أحدكم إذا كان) وفي نسخة «كان» (على راحلته) أي: التي يركبها من ناقة أو غيرها (بأرض فلاة) قضية كلام فتح الإله أنه بالإضافة وضبط بالقلم في أصل صحيح من الرياض بتنوين أرض (فانفلتت) أي: الراحلة (منه و) الحال أنه (عليها طعامه وشرابه) فله احتياج إليها لوجهين ركوبها، وكون زاده عليها (فأيس منها) لمبالغته في لحوقها أو في التفتيش عنها فلم يقدر عليها (فأتى شجرة فاضطجع في ظلها)

ليستريح مما حصل له من شدة التعب في مزيد الطلب حال (وقد أيس من راحلته) أي: من حصولها وحينئذٍ استسلم للموت لحضور أسبابه (فبينما) أصله بين، وما مزيدة لكفها عن الإضافة إلى المفرد (هو كذلك) أي: أيس، أو المشار إليه مفهوم من سياق الكلام: أي مستسلم (إذ هو بها قائمة عنده) وفيه على كون المشار إليه الأول الإشارة إلى أن الفرج مع الكرب واليسر مع العسر، قال تعالى: {فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا} (الشرح: ٥ - ٦) وقال: «لن يغلب عسر يسرين» وقال: «اشتدي أزمة تنفرجي» وعلى الثاني الإشارة إلى أن الاستسلام والخروج عن الحول والقوّة سبب لحصول المطالب وبلوغ المآرب، وليس المراد ترك مزاولة الأسباب بل ترك الركون إليها والاعتماد عليها، وا ولي

التوفيق (فأخذ بخطامها) فرحاً بها فرحاً لا نهاية له. قال في «النهاية» : وخطام البعير: أي: بكسر المعجمة: أن يؤخذ حبل من ليف أو شعر أو كتان فيجعل في أحد طرفيه حلقة، ثم يشد فيه الطرف الآخر حتى يصير كالحلقة. ثم يقلد البعير به ثم يثنى على خطمه قال المصنف في «شرح مسلم» نقلاً عن الغريبين للهروي نقلاً عن الأزهري: فإذا ضفر من الأدم فهو جرير اهـ. قال في «النهاية» : أما الذي يجعل في الأنف دقيقاً فهو الزمام. وقال المؤلف نقلاً عن صاحب «المطالع» : الزمام للإبل ما يشدّ به رءوسها من حبل وسير ونحوه لتنقاد به اهـ. (ثم قال من) أجل (شدة الفرح) لدهشه بل ربما قال (اللهمّ أنت عبدي وأنا ربك) وقوله: (أخطأ من شدة الفرح) استئناف بياني، كأن قائلاً يقول ما سبب خطئه؟ فقال أخطأ: أي تجاوز الصواب وهو قوله: أنت ربي وأنا عبدك إلى ما قاله من الخطأ، من أجل شدة الفرح، لما تقرر من أنه ربما اشتد حتى منع صاحبه هذا من إدراك البدهيات فضلاً عن غيرها. وجاء في المعنى أحاديث أخر منها: ما أخرجه ابن عساكر في «أماليه» عن

أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً «أفرح بتوبة عبده من العقيم الوالد، ومن الضالّ الواجد، ومن الظمآن الوارد» ومنها ما أخرجه العباسبن تركان الهمداني في كتاب التائبين مرسلاً «أفرح بتوبة التائب من الظمآن الوارد، ومن العقيم الوالد، ومن الضالّ الواجد، فمن تاب توبة نصوحا أنسى الله حافظيه وجوارحه وبقاع الأرض كلها خطاياه وذنوبه» أوردهما السيوطي في «الجامع الصغير» .

١٧٤ - (وعن أبي موسى عبد ابن قيس الأشعري رضي الله عنه) سبقت ترجمته في باب الإخلاص (عن النبي: إن الله تعالى يبسط يده بالليل) في «المفاتيح» : بسط اليد عبارة عن الطلب، لأن عادة الناس إذا طلب أحدهم شيئاً من أحد بسط كفه، أو هو عبارة عن الجود والتنزه عن المنع، أو هو عبارة عن رحمة الله وكثرة تجاوزه عن الذنوب. وقال القرطبي في «المفهم» : هذا الحديث أجري مجرى المثل الذي يفهم منه قبول التوبة واستدامة اللطف والرحمة، وهو تنزل عن مقتضى الغني القويّ القاهر إلى مقتضى اللطيف الرءوف الغافر. وقال الطيبي: لعله تمثيل، وشبه حال إرادته تعالى التوبة من عبده وأنها مما يحبه ويرضاه بحالة من ضاع له شيء نفيس لا غنى له عنه ثم وجده مع غيره، فإنه يمد يده إليه طالباً متضرّعاً، ثم استعمله في جانب المستعار منه وهو بسط اليد مبالغة في تناهي التشبيه وادعاء أن المشبه نوع من المشبه به، وللمؤلف فيه كلام يأتي بما فيه (ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل) أي: إنه يوسع جوده وفضله على العصاة بالليل ليلهموا التوبة بالنهار وبالنهار ليلهموا التوبة بالليل، فسق ذلك الكرم والجود علة للتوبة ما دام بابها مفتوحاً. قال في «فتح الإله» لابن حجر الهيتمي عن المشكاة: وقول النووي يبسط يده كناية عن قبول التوبة. قال المازري: لأن العرب إذا رضي أحدهم الشيء بسط يده لقبوله، وإذا كرهه فقبض يده عنه، لا يناسب قوله في الحديث «ليتوب مسيء النهار إلخ» لأن المعنى عليه ينحلّ إلى أنه ينقل التوبة بالليل ليتوب مسيء النهار إلخ.

وظاهر أنه ليس مراداً إذ قبوله التوبة بالليل ليس علة لتوبة مسيء النهار وعكسه، لأنه لا معنى لقبول التوبة قبل وجودها، وإنما المعنى أنه تعالى يقبلها بالليل ليتوب مسيئه، وبالنهار ليتوب مسيئه اهـ.

وقبول التوبة مستمرّ ما دام بابها مفتوحاً وإليه الإشارة بقوله: (حتى تطلع الشمس من مغربها) فحينئذٍ يغلق بابها، قال تعالى: {يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها} (الأنعام: ١٥٨) الآية، وكذا لا عبرة بالتوبة حال الغر غرة والمعاينة كما سيأتي قال تعالى: {فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا} (غافر: ٨٥) الآية (رواه مسلم) ورواه أحمد أيضاً كما في «الجامع الصغير» .

١٨٥ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه) تقدمت ترجمته في باب الإخلاص (قال: قال رسول الله: من تاب) أي: توبة صحيحة جامعة للشروط (قبل أن تطلع) بضم اللام (الشمس من مغربها) وتستمر طالعة إلى كبد السماء وحدّ الاستواء، ثم تعود لعادتها ومن يومئذٍ يغلق باب التوبة. وتردد بعض المحققين في أن هذا عام لمن وجد قبل الطلوع كذلك وبعده أو خاص بالأول لتقصيره بالتأخير دون الثاني (تاب الله عليه) أي: قبل توبته. قال المصنف: لا يجب على الله تعالى قبول التوبة إذا وجدت بشروطها عقلاً عند أهل السنة لكنه سبحانه وتعالى يقبلها كرماً منه وفضلاً، وقد عرفنا قبولها بالشرع والإجماع؛ ثم توبة الكافر من كفره مقطوع بقبولها وما سواها من أنواع التوبة هل قبولها مقطوع به أو مظنون؟ فيه خلاف لأهل السنة، اختار إمام الحرمين أنه مظنون وهو الأصح اهـ (رواه مسلم) .

١٩٦ - (وعن أبي عبد الرحمن عبد ابن عمربن الخطاب رضي الله عنهما) تقدمت ترجمته في باب الإخلاص أيضاً (عن النبي) في محل الحال أي حال كونه ناقلاً عن النبي (قال) : أي: النبيّ، ويحتمل على بعد عوده لابن عمر بيان للمنقول المرفوع

(إن الله عز) جده (وجلّ) شأنه (يقبل توبة العبد) أي: المذنب المكلف ذكراً أو أنثى كرماً منه وفضلاً كما سبق (ما لم يغرغر) أي: تصل روحه حلقومه من الغرغرة: وهي جعل الشراب في الفم، ثم يديره إلى أصل حلقومه فلا يبلعه، وهذا مأخوذ من قوله تعالى: {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن} (النساء: ١٨) وفسر ابن عباس حضوره بمعاينة ملك الموت وقال غيره: مراده تيقن الموت لا خصوص رؤية ملكه، لأنّ كثيراً من الناس لا يراه. وردّ بأن قوله تعالى: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم} (السجدة: ١١) يدل على أن كل أحد يراه، فمدعي العدم يلزمه الدليل عليه. قلت: وفي الاستدلال بهذا ما لا يخفى، إذ لا يلزم من توفيه لكل رؤية كل منهم له قيل: السرّ في عدم قبولها حين اليأس أن من شروطها عزمه على ألا يعود، وذلك إنما يتحقق مع تمكن التائب من الذنب وبقاء أوان الاختيار، وقال في «فتح الإله» بعد كلام قدمه: والحاصل أنه متى فرض الوصول لحالة لا تمكن الحياة بعدها عادة لا تصح منه حينئذٍ توبة ولا غيرها وهذا مراد الحديث بيغرغر ومتى لم يصل لذلك صحت منه التوبة وغيرها اهـ (رواه) الإمام الحافظ أبو عيسى محمدبن عيسى ابن سورة (الترمذي) بضم المثناة وفتحها وكسرها: نسبة إلى مدينة قديمة على طرف نهر بلخ الذي يقال له جيحون، كذا في «لبّ اللباب» للنيسابوري، وسكت عن بيان حركة ميمه وبينها السمعاني فقال بكسر الفوقية والميم وبضمهما وبفتح الفوقية وكسر الميم اهـ.

قال ابن سيد الناس: المتداول بين أهل تلك المدينة فتح الفوقية وكسر الميم، والذي نعرفه قديماً كسرهما معاً، والذي يقوله المتقنون من أهل المعرفة بضمهما اهـ. وهو الإمام الحافظ أحد الأئمة الستة، قيل كفّ في آخر عمره، وقيل إنه ولد أكمه. قال ابن حبان في «الثقات» : كان ممن جمع وصنف وحفظ وذاكر. ولد سنة (٢٠٩) مائتين وتسع. قال المستغفري: وتوفي في شهر رجب سنة ٢٩٧ سبع وتسعين ومائتين، وهذا هو الصحيح. وقول الخليلي إنه مات بعد الثمانين رده العراقي وغيره، بل قال بعضهم

إنه باطل. ومن كمال حفظه ما ذكره المروزي عنه قال: كنت في طريق مكة وكنت كتبت جزءين من أحاديث شيخ فمر بنا ذلك الشيخ فذهبت إليه وأنا أظن أن الجزءين معي وحملت معي جزءين كنت أظنهما إياهما فسألته القراءة فأجابني، فأخذت الجزءين فإذا هما بياض فتحيرت، فجعل الشيخ يقرأ عليّ من حفظه، ثم نظر فرأى البياض في يدي فقال: أما تستحي، فقصصت عليه القصة. وقلت له أحفظه كله، فقال اقرأ، فقرأت جميع ما قرأه على الولاء ولم أخطىء في حرف منه؛ فقال: ما مرّ بي مثلك قط. ثم الحديث رواه أحمد وابن ماجه وابن حبان والحاكم والبيهقي كما في «الجامع الصغير» (وقال) يعني الترمذي (حديث حسن) إن قلت: قد قال المصنف في «خطبة الكتاب» وألتزم فيه ألاّ أذكر إلا حديثاً صحيحاً. قلت: يحتمل أن يراد من الصحيح في كلامه السابق المقبول كما تقدم فيشمل الحسن. وفي فتاوي الحافظ ابن حجر العسقلاني التي جمعها تلميذه السخاوي: (مسألة) هل يطلق الصحيح على الحسن كما صنع النووي حيث قال في رياض الصالحين وألتزم ألا أذكر إلا حديثاً صحيحاً مع ذكره فيه الحسن. (الجواب) الحسن يصح إطلاق الصحيح عليه بشرط أن يكون حسنه لذاته، بخلاف الذي حسنه لغيره فإنه لا يكون حسناً حتى ينجبر بمجيئه من طريق أخرى فصاعداً، فإن كان فرداً لم ينجبر ولا يصير حسناً، بخلاف الحسن لذاته فإنه إذا جاء من وجه آخر صح إطلاق الصحة عليه بالنظر إلى

المجموع وهو حسن في حد ذاته، ومن أصحاب الحديث من أطلق الصحيح على كل ما يصلح للاحتجاج به سواء أكان من الصحيح أم من الحسن، وهذا ليس بشائع في المتأخرين، وقد نبه عليه ابن الصلاح في علوم الحديث، فلعل النووي سلك ذلك إن كان في كتابه المذكور ما هو حسن لغيره اهـ. قيل: والأولى حمل قوله السابق: وألتزم الخ على الغالب.

٢٠٧ - (وعن زرّ) بكسر الزاي وتشديد الراء (ابن حبيش) بضم المهملة وفتح الموحدة وسكون التحتية آخره معجمة، وزرّ تابعي. قال في «الكشاف» : أدرك الجاهلية، سمع عمر وعلياً قال زرّ: قال لي أُبيّبن كعب: يازر ما تريد أن تدع آية إلا سألتني عنها. عاش مائة وعشرين سنة وتوفي سنة اثنتين وثمانين اهـ. (قال: أتيت صفوانبن عسال) بفتح المهملة وسكون الفاء وعسال بفتح المهملة الأولى وتشديد الثانية (رضي الله عنه) قال المصنف في «تهذيب الأسماء واللغات» : صفوان مرادي كوفي، غزا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اثنتي عشرة غزوة. ومن مناقبه أن عبد ابن مسعود روي عنه وروى عنه جماعة من التابعين. قال ابن

الجوزي في «المستخرج المليح من التلقيح» : روي له عن النبي أحد وعشرون حديثاً (أسأله عن المسح على الخفين) استئناف بياني لسبب المجيء إليه أو حال من فاعل أتيت (فقال ما جاء بك) أي: ما حملك على المجيء (يا زرّ، فقلت ابتغاء العلم) مفعول له (فقال: إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم) حقيقة وإن لم نشاهده للقاعدة المشهورة: أن كل ما ورد وأمكن حمله على ظاهره حمل عليه ما لم يرد ما يصرفه عنه: أي تكفّ أجنحتها عن الطيران وتنزل لسماع العلم. وقيل: هو مجاز إما عن التواضع نظيرـ {واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين} - أو عن المعونة وتيسير السعي في طلب العلم. والملائكة يحتمل كونهم ملائكة الرحمة ونحوهم من الساعين في مصالح بني آدم، ويحتمل أنهم كلهم. قيل: والأوّل أنسب بالمعنى الحقيقي والثاني بالمعنى المجازي

(رضا) منها (بما يطلب) أي: من العلوم، ورضا مفعول له: أي لأجل الرضا الحاصل منها أو لإرضائها بما يطلب، و «ما» يحتمل أن تكون موصولة والعائد محذوف، وأن تكون مصدرية (فقلت إنه قدحك) بفتح المهملة وتشديد الكاف: أي أثر مّا، وفي نسخة حيك (في صدري المسح على الخفين) فاعل حك، وقوله: (بعد الغائط) وهو في الأصل المكان المنخسف من الأرض، سمي به الخارج للمجاورة حال أو صفة (والبول، وكنت) بفتح التاء للمخاطب حال، و (امرأ) بفتح الراء تبعاً لحركة آخره عند الكوفيين، ومنع البصريون ذلك: أي شخصاً (من أصحاب النبي، فجئت أسألك هل سمعته يذكر في ذلك شيئاً؟) والمسؤول عنه قدر مدته بدليل قوله في الجواب (قال: نعم) أي: سمعته يذكر فيه ثم بين المسموع بقوله: (

كان يأمرنا إذا كنا سفراً) بفتح المهملة وسكون الفاء جمع سافر، وقيل: اسم جمع له إذ لم ينطقوا به (أو) شك من الراوي (مسافرين) جمع مسافر، شك هل قال سفراً أو قال مسافرين (ألا ننزع) بكسر الزاي مفعول يأمرنا (خفافنا) بكسر المعجمة جمع خف بضمها (ثلاثة أيام ولياليهن) أي: فإن نزع الخف، والمراد به ظهور شيء من محل

الفرض من القدم، يبل المدة، فإن كان محدثاً توضأ وضوءاً كاملاً، وإن كان بطهر المسح لزمه غسل قدميه فقط على الصحيح، وكالنزع فيما ذكر انقضاء المدة وبطلانها بنحو شك في انقضائها وغيره مما ذكروه في «الفروع» (إلا من جنابة) وكذا في معناه مما يوجب الغسل من حيض أو نفاس؛ فيلزمه نزعه، ولو غسل القدم في باطن الخف نزع الخف ولبسه على طهارة كاملة ثم يمسح على قدميه؛ فوجوب النزع لصحة المسح لا لارتفاع الحدث وصحة الصلاة؛ وفارق الحدث الأكبر الأصغر بأنه لا يتكرر تكرره فلا يشق النزع فيه؛ وكذا يلزمه النزع فيما إذا تنجست رجله في الخف وتعذر تطهيرها فيه وبه تبطل المدة؛ و (لكن) مفادها مخالفة ما قبلها نفياً أو إثباتاً مخففاً أو مثقلاً؛ وحينئذٍ فالتقدير أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كنا سفراً أن ننزع خفافنا من الجنابة في المدة المذكورة ولكن لا ننزعها فيها (من غائط أو بول أو نوم) وزعم بعضهم رد هذه الرواية لأن ظاهرها ينافي العطف بلكن ليس في محله؛ غاية ما فيه أنها تحتاج إلى تأويل حتى توافق تلك القاعدة (فقلت: هل سمعته) أي: النبي (يذكر في الهوى) مقصوراً أي الحب؛ يقال هوى كعلم يهوى هوى (شيئاً؟ قال: نعم كنا مع النبي في سفر، فبينا) قيل: ألفه مزيدة لكفه عن الإضافة إلى المفرد كما تقدم في بينما بل لكفها عن الإضافة للجملة؛ إلا أن رفع ما بعد بينما واجب؛ وبعد بينا جائز؛ بل الأحسن جر المصدر بعدها نظراً إلى أن ألفها ملحقة لإشباع الفتحة. وشذ من قال ألفها للتأنيث وجملة (نحن عنده) في محل الجر على الإضافة على القول الأول

(إذ) وذكر إذ هنا مع بينا يردّ على الحريري زعمه أن بينا لا تتلقى بها ولا بإذا بخلاف بينما. ويرد عليه الحديث الصحيح «بينا أنا نائم إذ جيء بمفاتيح الأرض فوضعت في يدي» (ناداه أعرابي) بفتح الهمزة اسم جمع؛ وهم سكان البوادي؛ والعرب يعم ذلك وسكان القرى، ونسب إلى الجمع؛ قيل: لأنه أجرى مجرى القبيلة كأنمار ولأنه لو نسب إلى الواحد أعني لفظ عرب فقيل عربيّ اشتبه المعنى؛ إذ العربيّ كل من كان من ولد إسماعيل سواء كان حاضراً أو بادياً، والأعرابيّ يختص بالأخير، وفي هذا المقام بسط أودعته في باب المساجد من «شرح الأذكار» ، وسيأتي في باب الحلم إن شاء الله تعالى (بصوت) متعلق بنادى (له جهورى) بفتح الجيم وإسكان الهاء؛ والياء فيه للنسبة، منسوب إلى جهور بصوته كما

في «النهاية» ، والجهورى الشديد العالي (يا محمد) لعله قبل تحريم ندائه باسمه، أو لم يكن يعلم ذلك لكونه ببادية بعيدة (فأجابه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحواً) مفعول مطلق: أي إجابة نحواً (من صوته) أي: في الرفع (هاؤم) قال أبو حيان في «النهر» : قال الكسائي وابن السكيت: يقال هاء للرجل وللاثنين رجلين أو امرأتين هاؤما وللرجال هاؤم وللمرأة هاء بهمزة مكسورة بغير ياء وللنساء هاؤنّ، ومعنى هاؤم: خذوا، وقد ذكرنا في «شرح التسهيل» فيها لغات. وهاؤم إن كان مدلولها تعالوا فهي متعدية للمفعول بواسطة إلى اهـ (فقلت له) أي: للأعرابيّ (ويحك) بفتح الواو والمهملة وإسكان المثناة بينهما: كلمة ترحم وتوجع تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها، وقد تستعمل في «المدح» كما في «النهاية» (اغضض) أي: أنقص (من صوتك، فإنك عند النبيّ. وقد نهيت عن هذا) أي: عن رفع الصوت وعلوّه بين يديه (فقال) لما قام عنده من الحال المقتضي للجهر بالصوت (وا لا أغضض) أي: من صوتي، حذف لدلالة الكلام السابق عليه (فقال الأعرابيّ) سائلاً النبي (المرء) لغة في امرىء: أي الشخص، والمراد منه ما يعم المثنى والجمع لتساوي

الكل في الحكم الآتي أو ما يقابلهما، وعلم حكمهما من تساويهما في مثل هذه الأحكام (يحبّ القوم) أي: الأخيار أحياءً وأمواتاً (ولما يلحق بهم) أي: في الأعمال وطرق الكمال: أي لم يعمل بعملهم، إذ لو عمله لكان منهم ومثلهم ولما لنفي الماضي المستمر فتدل على نفيه في الماضي والحال، بخلاف لم فإنها تدل على الماضي فقط (قال النبي) جواباً عن ذلك (المرء مع من أحبّ) فيه فضل حبّ الله ورسوله والأخيار أحياء وأمواتاً، ومن أفضل محبة الله ورسوله امتثال أمرهما واجتناب نهيهما والتزام الآدب الشرعية، ثم لا يلزم من كونه مع من أحبّ أن تكون منزلته وجزاؤه مثلهم من كل وجه، وقد جاء في «صحيح مسلم» حديث لأنس فيه مثل هذه البشرى، وفيه قال أنس: ما فرحنا بعد الإسلام فرحاً أشد مما فرحنا بقول النبيّ (المرء مع من أحبّ) .

قال القرطبي: وإنما كان فرحهم بهذا القول عنه

أشد من فرحهم بسائر أعمال البرّ لأنهم لم يسمعوا أن في أعمال البرّ ما يحصل به ذلك المعنى من القرب من النبيّ والكون معه إلا حبّ الله ورسوله، فأعظم بأمر يلحق المقصر بالمشمر والمتأخر بالمتقدم. ولما فهم أنس أن هذا اللفظ محمول على عمومه علق به رجاءه وحقق فيه ظنه فقال: أنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر، فأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بعملهم، والوجه الذي تمسك به أنس يشمل من المسلمين المحبين كل ذي نفس، فلذا تعلقت أطماعنا بذلك وإن كنا مقصرين، ورجونا رحمة الرحمن وإن كنا غير مستأهلين اهـ. (فما زال يحدثنا) إن كان من كلام صفوان كما هو الظاهر فالمحدّث لهم النبيّ، وإن كان من كلام زرّ فهو صفوان، ثم رأيت في «الترغيب» بعد أن روى قوله: «إن من قبل المغرب لباباً» مرفوعاً من طريق الترمذي، وفي رواية للترمذي وصححها أيضاً، قال: يعني زرّبن حبيش: فما برح: يعني: صفوان يحدثني حتى حدثني بأن الله عز وجلّ جعل بالمغرب باباً عرضه مسيرة سبعين عاماً للتوبة لا يغلق ما لم تطلع الشمس من قبله. وكذلك قوله تعالى: {يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها} (الأنعام: ١٥٨) الآية. وليس في هذه الروايات ولا الأولى تصريح برفعه كما صرّح به البيهقي وإسناده صحيح أيضاً اهـ. (حتى ذكر) في حديثه (باباً من المغرب مسيرة عرضه) أي بين طرفيه (أو يسير الراكب في عرضه) شكّ من الراوي (أربعين أو سبعين عاماً) لكمال سعته (قال سفيان) بتثليث السين وسكون الفاء، وهو ابن عيينة كما صرح به المزّي في أطرافه (أحد الرواة) لهذا الحديث: أي أحد رجال إسناده (قبل الشأم) بالهمز والقصر ويجوز ترك الهمز، والمد مع فتح الشين ضعيف: أي وهي غربي المدينة، وحدّها طولاً ما بين العريش والفرات وعرضاً من جبل طي من نحو القبلة إلى نحو أرض الروم وما سامت ذلك من البلاد.

وقال ابن حبان: أوله نابلس وآخره العريش اهـ (خلقه الله تعالى) أي أوجده (يوم خلق) أي أوجد (السموات والأرض مفتوحاً) حال، ويحتمل أن يكون مفعولاً ثانياً لخلق بتضمينه معنى جعل (للتوبة) أي لقبولها سواء كانت من الكفر أو من الذنب (لا يغلق) ذلك الباب المترتب عليه عدم قبولها (حتى تطلع الشمس منه) أي: من المغرب، ويحتمل من ذلك

الباب.

قال في «المفاتيح» : وإنما لم تقبل بعد طلوع الشمس من مغربها لأنه من علامات القيامة، فحينئذٍ كأنها ظهرت الساعة وظهور الساعة: انقضاء التكليف اهـ. (رواه الترمذي) بكسر الفوقية والميم، وقيل: بضمهما وقيل بفتح ثم كسر ميمها مع إعجام الذال: نسبة لمدينة قديمة على طرف جيحون نهر بلخ كما تقدم قريباً في ترجمته. ثم إنه روى الحديث بجملته في الدعوات وفي الزهد من قوله: «جاء أعرابيّ» إلى قوله: «المرء مع من أحبّ» وفي الطهارة: قصة المسح (وغيره) فروى النسائي في التفسير الحديث وليس فيه قصة المسح، وفي الطهارة بقصة المسح، ورواه ابن ماجه في الطهارة بقصة المسح وفي الفتن.

وروى مسلم وغيره قوله: «المرء مع من أحبّ» لكن في قصة أخرى.

وروى البيهقي حديث باب التوبة لكن باللفظ الذي نقلته عن «الترغيب» .

قال المنذري: وإسناده صحيح (وقال) يعني: الترمذي (حديث حسن صحيح) قال الحافظ ابن حجر في شرح نخبته: إذا جمع الصحيح والحسن في وصف حديث واحد فللتردد الحاصل من المجتهد في الناقل، هل اجتمعت فيه شروط الصحة أو قصر عنها، وهذا حيث يحصل منه التفرد بتلك الرواية. قال: ومحصّل الجواب أن تردد أئمة الحديث في ناقليه اقتضى للمجتهد ألا يصفه بأحد الوصفين، بل يقول فيه حسن: أي باعتبار وصف ناقله عند قوم، صحيح باعتبار وصفه عند قوم آخرين. وغاية ما فيه أنه حذف منه حرف التردد لأن حقه أن يقول حسن أو صحيح، كما حذف منه حرف العطف في الذي بعده، وعلى هذا فما قيل فيه حسن صحيح، دون ما قيل فيه صحيح، لأن الحزم أقوى من التردد، وهذا حيث حصل التفرد، وإلا، أي: وإن لم يحصل التفرد فإطلاق الوصفين معاً على الحديث يكون باعتبار إسنادين أحدهما صحيح والآخر حسن. وعلى هذا فما قيل فيه حسن صحيح فوق ما قيل فيه صحيح فقط إذا كان فرداً، لأن كثرة الطرق تقوى اهـ.

وقال الحافظ السيوطي: أو يكون المراد أنه حسن لذاته صحيح لغيره، أو أن المراد حسن باعتبار إسناده صحيح، أي أنه أصح شيء ورد في الباب، فإنه يقال أصح ما ورد كذا وإن كان حسناً أو ضعيفاً، والمراد أرجحه وأقله ضعفاً اهـ.

٨ - (وعن أبي سعيد) كنية (سعدبن مالكبن سنان) بكسر السين المهملة وبنونين بينهما ألف (الخدريّ) بضم المعجمة وسكون المهملة نسبة إلى خدرة بهذا الضبط وهو الأبجر بالموحدة فالجيم، بطن من الخزرج، وقيل خدرة أو الأبجر. ثم سعد وأبوه صحابيان، استشهد أبوه في وقعة أحد، وحينئذٍ فلا يظهر إفراد الضمير في قول الشيخ (رضي الله عنه) : وكان حقه رضي الله عنهما كما هو المطلوب عند ذكر صحابي ابن صحابي، روى لأبي سعيد عن النبيّ ألف ومائة وسبعون حديثاً اتفقا منها على ستة وأربعين، وانفرد البخاري بستة عشر، ومسلم باثنين وخمسين عن حنظلةبن أبي سفيان الجمحي عن أشياخه قالوا: لم يكن أحد من أحداث الصحابة أفقه من أبي سعيد، وفي رواية: أعلم، ومناقبه كثيرة. توفي بالمدينة يوم الجمعة سنة أربع وستين، وقيل وسبعين، ودفن بالبقيع (أنّ) بفتح الهمزة ويجوز كسرها بتقدير القول (نبيّ الله - صلى الله عليه وسلم - قال:) مرغباً في التوبة والإنابة إلى الله تعالى ومومئاً إلى صغر الذنب وإن عظم في جنب عفوه سبحانه (كان فيمن كان قبلكم) أي: من الأمم (رجل) اسم كان والظرف قبله حال منه، وقيل: الظرف صلة لمن الموصولة، وقوله: (قتل) خبر كان (تسعة وتسعين نفساً) أي: على وجه العدوان فهبت عليه نفحات الوصول، وآن إبان ساعة الإنابة والقبول (فسأل عن أعلم أهل الأرض) أي: في ذلك الوقت (فدل) بالبناء للمجهول (على راهب) أي: عابد من عباد بني إسرائيل (فأتاه فقال: إنه) عدل إليه عن حكاية لفظه وهو «إني» بضمير المتكلم، تنبيهاً على الأدب في حكاية مثل ذلك مما يكره النطق به فيؤتى فيه بضمير الغيبة كما قال الحاكي للفظ أبي طالب عند موته «فكان آخر ما كلمهم به أنه على ملة عبد المطلب» نبه عليه المؤلف في ذلك المقام من «شرح مسلم» (قتل تسعة وتسعين نفساً) عدواناً (فهل له من توبة؟) من مزيدة للتأكيد (فقال لا فـ) لما أوقعه في ميدان القنوط (قتله فكمل به مائة) من القتلى.

قال القرطبي: وهذا من الراهب دليل على قلة علمه وعدم فطنته حيث لم يصب وجه الفتيا ولا سلك طريق التحرّز في نفسه مما صار له القتل عادة معتادة، فقد صار هذا مثل الأسد الذي لا يبالي بمن يفترسه، فكان حقه ألا يشافهه بمنع التوبة مداراة لدفع القتل عن نفسه كما يدارى الأسد الضاري

لكنه أعان على نفسه، فإنه لما آيسه من التوبة قتله بحكم سبعيته ويأسه من رحمة الله وتوبته عليه (ثم) لما لم يزل لطف الله تعالى مصاحباً لذلك القاتل بقي في نفسه الرغبة في السؤال عن حاله فما زال يحثه على هذا الأمر حتى (سأل) ثانياً (عن أعلم أهل الأرض) أي: في ذلك الزمن (فدل على رجل) أتى به توطئة لقوله: (عالم فقال) عطف على مقدر أي فأتاه فقال وحذف لذكره في نطيره (إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟) أي: مقبولة (فقال) ناطقاً بالحق والصواب، مجيباً عن السؤال، منكراً على من ينفيها عنه (نعم، ومن) استفهام إنكار أي شيء (يحول) بالحاء المهملة، أي يكون حائلاً وفاصلاً (بينه) أي التائب من الذنب (وبين التوبة) وعبر بمن تغليباً أي لا مانع بينك وبينها من شخص ولا غيره، وأتى بضمير الغائب مراعاة لحسن الأدب في الخطاب، وهو ألا يضاف ما فيه لوم ولو على سبيل الرمز للمخاطب. وقبول توبة القاتل عمداً مذهب أهل العلم وإجماعهم، ولم يخالف أحد منهم إلا ابن عباس، وما نقل عن بعض السلف من خلاف ذلك فمراد قائله الزجر والتورية لا اعتقاد بطلان توبته، وهذا الحديث ظاهر فيما قاله أهل العلم، وهو إن كان شرعاً لمن قبلنا، وفي الاحتجاج به خلاف فليس هذا من موضع الخلاف، إنما موضعه إذا لم يرد شرعنا بموافقته وتقريره، فإن ورد كان شرعاً لنا بلا خلاف، وهذا ورد شرعنا به، قال تعالى: {والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون} - إلى قولهـ {إلا من تاب} (٦٨ - ٧٠) الآية.

وجاءت أحاديث كثيرة بمعنى ذلك. وأما قوله تعالى: {ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها} (النساء: ٩٣) فالصواب في معناه أن جزاءه جهنم وقد يجازى بها، وقد يجازى بغيرها، وقد لا يجازى بل يعفى عنه. كذا في «شرح مسلم» للمصنف. ثم إن العالم دلّ السائل على ما فيه نفعه بقوله: (انطلق إلى أرض كذا وكذا) اسمها بصرى، واسم القرية التي كان بها كفرة رواه الطبراني. ليفارق دار الفساد وأصحابه الذين كانوا يعينونه عليه ما داموا كذلك.

قال القرطبي: وبهذا يعرف فضل العلم على العبادة، لأن الأول

غلبت عليه الرهبانية واغترّ بوصف الناس له بالعلم فأفتى بغير علم فهلك في نفسه وأهلك غيره.

والثاني كان مشتغلاً بالعلم فوفق للحق فأحياه الله وأحيا به اهـ. وقوله: «كذا وكذا» كأن الراوي شك في اللفظ فكنى عنه بذلك، وهي من ألفاظ الكنايات مثل كيت وكيت، ومعناه مثل ذا، قاله في «النهاية» . وقوله: (فإن بها أناساً) بضم الهمزة (يعبدون الله تعالى فاعبد الله تعالى معهم) أتى بالمظهر والمقام للضمير استلذاذاً فذكر المحبوب محبوب (ولا ترجع إلى أرضك) أي: التي كنت بها زمن العصيان (فإنها أرض سوء) بفتح المهملة، وفيه تنبيه على وجه استبدال تلك الأرض بأرضه، وفيه الانقطاع عن إخوان السوء ومقاطعتهم ما داموا على حالهم واستبدال صحبة أهل الخير والعلم والصلاح والعبادة والورع ومن يقتدى به وينتفع بصحبته لتتأكد بذلك توبته وتقوى أوبته، فإن كل قرين يقتدي بقرينه (فانطلق) تائباً من زلته مفارقاً لمحلته قاصداً لما أمر بالرحلة إليه واستمرّ كذلك (حتى إذا نصف الطريق) بتخفيف الصاد المهملة المفتوحة: أي بلغ نصفها (أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله تعالى) قال القرطبي: هذا نصّ صريح في أن الله تعالى أطلع ملائكة الرحمة على ما في قلبه من صحة قصده إلى التوبة وحرصه عليها. وأن ذلك خفي على ملائكة العذاب حتى أخبر عنها بقوله: (وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قط) بضم الطاء ظرف لاستغراق الزمن الماضي، إذ لو اطلعت على ما فيه قلبه من التوبة لما صح لها أن تقول هذا ولا أن تنازع ملائكة الرحمة في قولها إنه جاء تائباً الخ، بل كانت تشهد بما في علمها كما شهد الأولون بما تحققوه، ولما كانت شهادة ملائكة الرحمة على إثبات وملائكة العذاب على عدم، وشهادة الإثبات مقدمة فلا جرم لما حصل التنازع بين الصنفين وخرج كلاهما عن الشهادة إلى الدعاوى بعث الله إليهما ملكاً حاكماً يفصل بينهما كما قال: (فأتاهم ملك في صورة آدمي) صوّر بصورته إخفاء عن الملائكة وتنويهاً ببني آدم،

وأن منهم من يصلح لأن يفصل بين الملائكة إذا تنازعوا (فجعلوه بينهم) حجة لمن قال بلزوم حكم المحكم للخصمين المتراضيين به (فقال: قيسوا ما بين الأرضين) أي: التي خرج منها والتي ذهب

إليها (فإلى أيتهما كان أدنى فهو له) أي لذلك الأدنى إليه منهما أي الجنة والعذاب (فقاسوا) أي ملائكة الصنفين (فوجدوه) أي التائب (أدنى) أي: أقرب (إلى) جهة (الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة) لكونه أقرب إلى أرض الصلاح.

قال القرطبي: وفيه دليل على أن الحاكم إذا تعارضت الأقوال عنده وتعذرت الشهادة مكنة الاستدلال بالقرائن على ترجيح بعض الدعاوى نفد الحكم بذلك كما فعله سليمان عليه السلام حيث قال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما، وقال المصنف: قياس الملائكة ما بين القريتين، وحكم الملك الذي جعلوه بينهم بذلك محمول على أن الله تعالى أمرهم عند اشتباه الأمر عليهم، واختلافهم فيه أن يحكموا رجلاً ممن يمر بهم، فمرّ الملك في صورة رجل فحكم بذلك اهـ. (متفق عليه) رواه البخاري في ذكر بني إسرائيل، ومسلم في التوبة، ورواه ابن ماجه في «سننه» .

قال المزي: قلت واللفظ المذكور لمسلم (وفي رواية في الصحيح) عند مسلم من حديث أبي سعيد أيضاً (فكان إلى القرية الصالحة) إسناد مجازي من إسناد الشيء إلى مكانه، كنهر جار، أي: الصالح من فيها، وفيه إيماء أن شرف المكان بشرف المكين، وما أحسن ما قيل:

بسكانها تغلو الديار وترخص

وقول الآخر:

وما حب الديار شغفن قلبي

ولكن حب من سكن الديار

{أقرب بشبر} أي: بعد الأمر للقرية الصالحة بأن تقرب فلا تخالف الرواية الآتية (فجعل من أهلها) أي: الجنة فأخذه أهلها ففيه مجاز إطلاق اللازم وإرادة الملزوم (وفي رواية) أخرى (في الصحيح) هي عندهما واللفظ للبخاري (فأوحى الله تعالى) أي: أشار (إلى هذه) إلى أرض الفساد (أن تباعدي) عن ذلك الإنسان بأن ينضام بعضها لبعض (و) أوحى أي أشار (إلى هذه) أي أرض الصلاح (أن تقربي) بانبساط أجزائها وامتدادها (وقال) أي الحكم (قيسوا ما بينهما، فوجدوه إلى هذه) أي: أرض

الصلاح (أقرب بشبر) بسبب امتدادها وانبساطها والزواء تلك وانقباضها (فغفر له) فأخذته ملائكة الرحمة، ففيه مجاز كما تقدم في نظيره.

قال القرطبي: يفهم منه أن الرجل كان أقرب إلى الأرض التي خرج منها، فلو تركت الأرض على حالها لقبضته ملائكة العذاب، لكن غمرته الألطاف الإلهية وسبقت له العناية الأزلية فقرّبت البعيد وألانت الحديد. ويستفاد منه أن الذنوب وإن عظمت فعفو الله أعظم منها، وأن من ألهمه الله صدق التوبة فقد سلك به طريق اللطف والقربة اهـ. (وفي رواية) أي في الصحيح أيضاً رواه مسلم (فناء) بتقديم الألف على الهمزة وفي نسخة من مسلم «نأى» بتقديم الهمزة عليها: أي: نهض مع ثقل ما أصابه من الموت (بصدره نحوها) وفيه دليل لصحبة توبته وصدق رغبته.

٢١٩ - (وعن عبد ابن كعببن مالك) بن كعب الأنصاري السلمي، أي: بفتحتين قال في «أسد الغابة» : ذكره أبو أحمد العسكري فيمن لحق بالنبي اهـ. (وكان قائد كعب رضي الله عنه من) بين (بنيه) وهم: عبد اهذا، وعبد الرحمن، وعبيد الله (حين) أي: زمن (عمي) أي: صار أعمى (قال) بيان للمرويّ عن عبد الله (سمعت كعببن مالك رضي الله عنه) شهد العقبة والمشاهد كلها إلا بدراً وتبوك، وجرح يوم أُحُد، أحد عشر جرحاً في سبيلالله، وهو أحد شعراء النبيّ المجاهدين بألسنتهم وأيديهم، وهم ثلاثة: حسان، وكعب، وابن رواحة. وكان حسان يقع في «الأنساب» ، وابن رواحة يعيرهم بالكفر، وكعب يخوفهم وقائع السيف. روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمانون حديثاً، اتفقا على ثلاثة منها، وانفرد البخاري بحديث مسلم بحديثين، توفي بالمدينة سنة خمسين رضي الله عنه (يحدث حديثه) مفعول مطلق أو منصوب بنزع الحافض (حين تخلف عن) الخروج مع (النبيّ) وفي نسخة: «عن رسول الله» (في غزوة تبوك) بفتح الفوقية وضم الموحدة،

يصرف إن أريد به المكان ولا يصرف أن أريد به البقعة، وكانت غزوة تبوك في التاسعة من الهجرة.

قال الفناوى في «شرح الموطأ» من رواية محمدبن الحسن: قيل سميت بتبوك لأنه رأى قوماً من أصحابه يبوكون عين تبوك. أي: يدخلون فيها القدح ويحركونه ليخرج الماء، فقال: ما زلتم تبوكونها تبوكاً اهـ. (قال كعب) : بيان لحديثه (لم أتخلف عن رسول الله) في غزوة غزاها قط وعدة الغزوات التي خرج فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنفسه سبع وعشرون، قاتل في تسعة منها بنفسه: بدر، وأحد، والمريسيع، والخندق، وقريظة، وخيبر، وفتح مكة على القول بأنها فتحت عنوة والصحيح عند أئمتنا خلافه، وحنين، والطائف. وقيل إنه قاتل بني النضير. وكانت سراياه التي بعث فيها سبعاً وأربعين سرية (إلا في غزوة تبوك) ثم استثنى من قوله: «لم أتخلف» الخ قوله: (غير أني قد تخلفت) أي: عنه (في غزوة بدر) قرية مشهورة تنسب إلى بدربن مخلدبن النضربن كنانة كان نزلها، وقيل: بدربن الحارث حافر بئرها، وقيل: بدر اسم البئر التي فيها سميت به لاستدراتها أو لصفائها ورؤية البدر فيها.

وحكى الواقدي عن غير واحد من شيوخ بني غفار إنكار هذا كله، قال: وإنما هي مالنا ومنازلنا وما ملكها أحد قط يقال له: بدر، وإنما هو علم عليها كغيرها من البلاد. والسبب في ترك استثناء بدر مع تبوك بلفظ واحد كونه تخلف في تبوك مختاراً لذلك مع تقدم الطلب وقوع العتاب على من تخلف بخلاف بدر في ذلك كله فلذا غاير بين التخلفين، قاله الحافظ في «الفتح» (ولم يعاتب أحد) من المسلمين هو بفتح الفوقية مبني للمجهول، وفي رواية: «لم يعاتب أحداً» (تخلف عنه) فيها (إنما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون يريدون عير قريش) علة لعدم العتاب.

والعير: الإبل التي عليها أحمالها. وذلك أن أبا سفيان كان بالشام في ثلاثين راكباً، منهم: عمروبن العاص، فأقبلوا في قافلة عظيمة فيها أموال قريش، حتى إذا كان قريباً من بدر بلغ النبي ذلك، فندب أصحابه إليهم وأخبرهم بكثرة المال وقلة الغدوّ، فلما بلغ النبيّ الروحاء أتاه الخبر عن مسير قريش ليمنعوا عن عيرهم، فكان سبب الحرب المشار إليها بقوله: (حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم) أي: من كفار قريش (على غير ميعاد) أي: موعد (ولقد شهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم

ـ ليلة العقبة) أي: الليلة التي بايع النبيّ الأنصار فيها على الإسلام وأن يؤووه وينصروه، وهي العقبة التي في طرف منى التي تضاف إليها جمرة العقبة، وكانت بيعة العقبة مرتين في السنة الأولى كانوا اثني عشر، وفي السنة الثانية سبعين كلهم من الأنصار بمسجد يقرب العقبة المذكورة، وإذا أطلق ذكر العقبة فالمراد الأخيرة (حين تواثقنا) بالمثلثة بعد الألف بدل من ليلة وتواثقنا (على الإسلام) أي: تبايعنا عليه وتعاهدنا وأخذ بعضنا على بعض الميثاق، وفي بعض النسخ «توافقنا» بالفاء بدل المثلثة (وما أحبّ أن لي بها) أي بدل الليلة أو العقبة (مشهد بدر) بالنصب اسم أن، أي: ما أحبّ أني شهدت بدراً ولم أشهدها قال ذلك لما ظهر له بحسب نظره أن ليلة العقبة كانت أفضل لأنها وقعت قبل الهجرة، والمسلمون قليل والإسلام ضعيف (وإن كانت بدر أذكر) بالنصب: أي أشهر ذكراً (في الناس منها) بالفضيلة، وقد قدموا في عدّ طباق الصحابة من شهد العقبة الثانية على من شهد بدراً (فكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة) بإسكان الزاي، ويقال: غزاة بفتح المعجمة والزاي وإبدال الواو ألفاً فهما مفرداً غزوات وعن ثعلب الغزوة المرة، والغزاة عمل سنة كاملة. ذكره أو المغازي من الفتح (تبوك أني) بفتح الهمزة هي ومدخولها اسم كان (لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني) فيه تفضيل الشيء على نفسه باعتبار تعدد

الزمان، كما فضل الكحل حال كونه في عين زيد مثلاً على نفسه حال كونه في عين غيره باعتبار تعدد المكان في قولهم: ما رأيت أحداً أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد (حين) أي: زمن (تخلفت عنه في تلك) الغزوة (وا ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة) بيان لكونه أيسر وكذا لكونه أقوى إن أريد به القوة العارضية الحاصلة بالأسباب، وإن أريد به القوّة في البدن فسكت عن ذكر ما يبينه

(ولم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد غزوة إلا ورّى بغيرها) أي أوهم، زاد أبو داود: وكان يقول: «الحرب خدعة» (حتى) غاية للتورية (كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حرّ شديد) يخاف منه الهلاك (واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً) ويقال مفازة: أي برية طويلة قليلة الماء وهو بفتح الميم، قيل: مأخوذ من فاز الرجل إذا هلك، وقيل على سبيل التفاؤل بفوزه ونجاته منها كما يقال للديغ: سليم (واستقبل عدداً كثيراً) وفي بعض نسخ الصحيح: عدواً، وكأن حكمة إعادة العامل أن هذا نوع غير معمول «استقبل» المذكور أولاً (فجلا للمسلمين أمرهم) بتخفيف اللام وتشديدها: أي كشفه وأوضحه وعرفهم ذلك من غير تورية (ليتأهبوا أهبة غزوهم) بضم الهمزة وإسكان الهاء، أي: ليستعدوا بما يحتاجون إليه في سفرهم، ثم هو كذا في نسخ الرياض بالمعجمة فالزاي، وهو كذلك في «صحيح مسلم» ، وفي «صحيح البخاري» «عدوهم» بالمهملتين وتشديد الواو (فأخبرهم بوجههم) أي: بقصده، وهو كذلك بالموحدة أوله، في بعض نسخ مسلم وفي غيره «توجههم» بالفوقية بدل الموحدة: أي مقصدهم (الذي يريد) وفي تلك «الذي يريدون» والعائد محذوف عليهما. وسبب تلك الغزوة أنه بلغه أن الروم تجمعت بالشام مع هرقل: أي لحربه، فندب الناس إلى الخروج لذلك (والمسلمون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثير) جملة حالية من فاعل غزا، وعدة من كان معه ثلاثون ألفاً، وعن أبي زرعة سبعون ألفاً، وفي رواية عنه أيضاً: أربعون

ألفاً، ووجه الجمع أن من قال كانوا سبعين عدّ التابع والمتبوع ومن قال ثلاثين أو أربعين عدّ المتبوعين أو أهل القتال (ولا يجمعهم كتاب حافظ) حال متداخلة، ثم روي في «صحيح البخاري» بتنوينهما، وفي «صحيح مسلم» بالإضافة.

قال ابن شهاب الزهري: (يريد) أي: كعب (بذلك) أي: بالكتاب الحافظ (الديوان) بكسر الدال على المشهور، وحكي فتحها فارسي معرب، وقيل: عربي (قال كعب: فقلّ رجل) وفي «البخاري» فما رجل (يريد أن يتغيب) أي: يغيب (إلا ظن أن ذلك سيخفى له) وقع في جميع نسخ مسلم بإسقاط «إلا» .

قال

المصنف في «شرحه» : والصواب إثباتها. قال القرطبي: هي لإيجاب ما تضمنته قلّ من معنى النفي، لأن معنى قلّ رجل: ما رجل، فكأنه قال: ما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن اهـ (ما لم ينزل فيه وحي من الله عزّ وجلّ) منبه على تغيبه (وغزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلك الغزوة حين طابت الثمار) أي: أينعت ونضجت وآن وقت أكلها (و) طابت (الظلال) بكسر الظاء المعجمة: جمع ظل (فأنا إليها أصعر) بالمهملتين: أي: أميل، والصعر: الميل (فتجهز رسول الله، و) تجهز (المسلمون معه وطفقت) من أفعال الشروع جعلت يقال: طفق بكسر الفاء وفتحها وبإبدال الفاء بموحدة (أغدو لكي أتجهز معه فأرجع ولم أقض) شيئاً من أمري (وأقول في نفسي أنا قادر على ذلك) أي: على التجهيز (إذا أردت) أي: لسعة الوقت (فلم يزل ذلك) أي التسويف في الأمر (يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد) بكسر الجيم: أي الاجتهاد في أمر السفر وشأنه (فأصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غادياً و) أصبح (المسلمون معه) أي: مصاحبين له في السفر (ولم أقض من جهازي) بفتح الجيم وكسرها: أي أهبه سفري (شيئاً ثم غدوت) أي: سرت أول النهار (فرجعت) من غدوي (ولم أقض شيئاً) أي: من جهازي (فلم يزل ذلك) أي: الغدو لقضاء الجهاز وعدم قضائه (يتمادى بي حتى أسرعوا) بالمهملات. وصحفه الكشميهني فرواه في «صحيح البخاري» «شرعوا» بحذف الهمزة وإعجام الشين (وتفارط) بفوقية ففاء وراء وطاء مهملتين (الغزو) بإعجام الغين: أي تقدم الغزاة، والفارط والفرط: المتقدم وجمعه أفراط (فهممت أن أرتحل فأدركهم فيا) قوم (ليتني فعلت) وخلصت من ورطة التخلف، وفيه الندم على ما فات من عمل البرّ، والنهي عنه على ما فات محمول على ما فات من الأعراض الفانية (ثم لم يقدر ذلك) أي: الارتحال (لي) وما لم يقدر لا يكون (فكنت إذا خرجت في الناس) أي المتخلفين من مؤمن معذور أو منافق

مغرور (بعد خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحزنني) بفتح التحتية وضم

الزاي من حزن ويجوز ضم التحتية وكسر الزاي من أحزن (أن) وفي نسخة «أنى» (لا أرى لي أسوة) فاعل يحزن. والظرف في محل الحال من أسوة، وهي بضم الهمزة وقد تكسر: القدوة (إلا رجلاً مغموصاً) بإعجام الغين وإهمال الصاد أي مطعوناً (عليه) في دينه محتقراً متهماً (في النفاق) أي إظهار الإسلام وإخفاء الكفر. ولا يخفى ما اشتملت عليه هذه الجملة من الاستعارة المكنية وما يتبعها من الاستعارة التخييلية (أو رجلاً ممن عذر ا) أي: عذره الله (من الضعفاء) بيان لمن (ولم يذكرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بلغ تبوك) هكذا في «نسخ الرياض» ممنوع الصرف على إرادة البقعة. قال المصنف: وهو في أكثر نسخ «الصحيحين» تبوكاً بالصرف، وكأنه صرفه لإرادة المكان دون البقعة (فقال وهو جالس في القول بتبوك: ما فعل كعببن مالك؟ فقال رجل من بني سلمة) بكسر اللام: بطن من الأنصار، واسم ذلك الرجل عبد ابن أنيس كما قاله الواقدي في «المغازي» (يا رسول الله حبسه برداه) بضم الباء، يعني: الرداء والإزار أو الرداء والقميص، وسماهما بردين لأن الإزار والقميص قد يكونان من برد والبرود ثياب من اليمن فيها خطوط، ويحتمل أن أحدهما كان برداً وتسمينهما بردين على طريقة العمرين والقمرين (والنظر في عطفيه) بكسر المهملة الأولى: أي جانبيه، كناية عن العجب.

قال القرطبي: وكأن هذا القائل كان في نفسه حقد على كعب ولعله كان منافقاً فنسب كعباً إلى الزهوّ والكبر، وكانت نسبة باطلة بدليل ردّ العدل الفاضل معاذبن جبل عليه كما قال: (فقال له معاذبن جبل رضي الله عنه بئسما) أي بئس هو قولاً (قلت، وا يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً) ففيه جواز ذمّ المتكلم بالعيب والقبيح في حق المسلم ونصرة المسلم في غيبته والرد عن عرضه. وما زعمه من احتمال نفاق القائل فيه نظر لأن عبد ابن أنيس لم يتهم بذلك. والأولى حمله على أنه صدر منه ذلك من غير فكر وروية وقصد إلى معايبه القبيحة الردية، والله أعلم بحقيقة الحال

(فسكت رسول الله) أي عن السؤال عن حال كعب، زاد مسلم على البخاري (فبينا هو على ذلك رأى رجلاً مبيضاً) بكسر التحتية اسم فاعل، من البياض: أي لابس البياض، يقال: هم المبيضة والمسودة بالكسر: أي لابسو البياض والسواد (يزول) أي يتحرك وينهض (به السراب) هو ما يظهر للإنسان في الهواجر في البراري كأنه ماء (فقال رسول الله: كن أبا خيثمة) لفظهُ لفظ الأمر ومعناه الدعاء، كما يقال أسلم: أي سلمكالله، قاله السهيلي.

وقال المصنف في «شرح مسلم» : قيل معناه أنت أبو خيثمة. قال ثعلب: العرب تقول كن زيداً: أي أنت زيد. قال القاضي عياض: والأشبه عندي أنّ كن هنا للتحقيق والوجود: أي لتوجد يا هذا الشخص أبا خيثمة حقيقة، وهذا الذي قاله القاضي هو الصواب وهو معنى قول «صاحب التحرير» : تقديره اللهم اجعله أبا خيثمة اهـ. (فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري) إذا فجائية والجملة بعدها في محل جرّ بالإضافة (و) أبو خيثمة (هو الذي تصدّق بصاع التمر حين لمزه المنافقون) واللمز: الطعن. انتهت زيادة مسلم. واسم أبي خيثمة عبد ابن خيثمة، وقيل: مالكبن قيس، ولهم: أبو خيثمة صحابي آخر اسمه: عبد الرحمنبن أبي سبرة الجعفي (قال كعب: فلما أن بلغني أن رسول الله) بفتح الهمزة هي ومعمولاها فاعل بلغ (قد توجه قافلاً) أي: راجعاً (من تبوك) بالصرف وعدمه على ما تقدم (حضرني بثي) جواب للما.

وعند البخاري: «حضرني همي» والبث أشد الحزن، وبه يعلم أن عطف الحزن عليه في قوله تعالى: {إنما أشكو بثي وحزني إلى ا} (يوسف: ٨٦) من عطف العام على الخاص لا المرادف خلافاً لما في شرح «بانت سعاد» لابن هشام (فطفقت) أي: أخذت من باب أفعال المقاربة تقدمت لغاتها (أتذكر الكذب) أي ما يقبله السامع من الآتي به والجملة خبر طفق (وأقول) عطف على خبر طفق (بما) كذا هو إثبات الألف في الأصول المصححة، ومقتضى قاعدة وجوب حذف ألف ما الاستفهامية إذا جرت نحو {عم يتساءلون}

أن يكون بحذفها ولعله جاء على الاستعمال القليل: أي أقول بأي شيء من الأعذار مطابقة للواقع أم لا كما يدل عليه السياق (أخرج من سخطه) بفتحتين أو بضم فسكون أي من كراهيته لتخلفي وعدم رضاه به (غداً وأستعين) عطف على أتذكر (على ذلك) أي المخرج لي من سخطه وعدم رضاه (بكل ذي) أي: صاحب (رأي من أهلي) ثم لا يشكل ما ذكره من تذكرة الكذب والاستعانة عليه بما تقرّر من عدالة الصحابة، لأنه رأى جواز فعل ذلك لما فيه من ارتكاب أخف الضررين دفعاً لأشدهما وهو سخطه. على أن الله سبحانه وتعالى قد حفظه من فعل ذلك وسلك به عنه بصدقه أحسن المسالك (فلما قيل) أي: تحدث وليس المراد منه تضعيف المخبر عنه (أن رسول الله) بكسر الهمزة محكي بالقول، وهو نائب الفاعل لأن الإسناد لفظي: أي قيل هذا اللفظ (قد أظل) بالمعجمة المشالة أي: أقبل ودنا كأنه ألقى عليه ظله (قادماً) حال من فاعل أظل (زاح عني الباطل) أي: زال وذهب، ويقال: أزاح أيضاً والمصدر زوحاً، قاله الأصمعي، وزيحا كما في «المصباح» ، وزيحانا قاله الكسائي، والمراد بالباطل ما كان عزم عليه من التنصل من سخطه بالإخبار بغير مطابق للواقع (حتى) استئنافية أو عاطفة (عرفت أني لم أنج) بفتح الهمزة وسكون النون وضم الجيم (منه) أي من سخطه نجاة نافعة (بشيء) أي: من الكذب، وفي نسخة «بشيء فيه كذب» (أبداً) أي لا أنجو به نجاة أبدية وإن نجوت به في الحال،

لكن يحصل خلافه عند كشف الله لنبيه عن حقيقة الأمر كما جرى للمنافقين، والأبد الزمن المستقبل (فأجمعت صدقه) أي: عزمت عليه، يقال أجمع أمره وعلى أمره وعزم عليه بمعنى (وأصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قادماً وكان إذا قدم) بكسر الدال مضارعه يقدم بفتحها (من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين) تحية المسجد، إنما كان يفعل ذلك ليبدأ بتعظيم بيت الله قبل بيته وليقوم بشكر نعمة الله عليه في سلامته، وليس ذلك في شرعه لأمته. كذا في «المفهم» .

ثم جملة «وكان» تحتمل العطف على جملة أصبح، والحالية من فاعل أصبح، (ثم

جلس للناس) أي ليسلموا عليه ويهنئوه بالسلامة (فلما فعل ذلك) أي: المذكور من صلاة التحية والجلوس للناس معتكفاً كما يومىء إليه علو مقامه فلذا دارت أفعاله بين الوجوب والندب. والاعتكاف يحصل بما زاد على الطمأنينة ولا يتوقف على الصوم (جاءه المخلفون) اسم مفعول: أي عن الخروج معه إلى تبوك.

قال أبو حيان في «النهر» : لفظ المخلفون يقتضي الذم والتحقير، وهي أمكن من لفظ المتخلفين إذ هم مفعول بهم ذلك اهـ. فطفقوا (ويعتذرون إليه) من تخلفهم عنه (ويحلفون له) على ما يعتذرون به (وكانوا بضعاً وثمانين رجلاً) والبضع والبضعة بكسر الباء الموحدة وسكون المعجمة: ما بين الثلاث إلى التسع من العدد. وفي هذا الرد على منع استعماله فيما فوق العشرين، ثم منهم من اعتذر بالمرض ومنهم من اعتذر بغيره مما هو كاذب فيه (فقبل منهم علانيتهم) بتخفيف التحتية اسم مصدر من علن الأمر يعلن علوناً كدخل أو من علن يعلن علناً كطرب أي: ما أظهروه إجراء للأحكام على ظاهر (وبايعهم) بالموحدة (واستغفر لهم) أي: سأل الله غفر ذنب المتخلف عنه (ووكل) بتخفيف الكاف (سرائرهم) جمع سريرة: أي ما أخفوه من النفاق وقصد الإخبار بخلاف الواقع (إلى) علم (ا) وفي الحديث: «إنما أحكم بالظواهر وا يتولى السرائر» (حتى جئت) حتى حرف ابتداء لدخولها على الماضي، وليست حرف جر بعدها أن مضمرة خلافاً لابن مالك فقد رده عليه ابن هشام بأنه لا يعرف له فيه سلفاً، ولا عاطفة لأنها لا تعطف الجمل خلافاً لابن السيد في زعمه إجازة ذلك. قال في «المغني» : وذلك لأن شرط معطوفها أن يكون جزءاً مما قبلها أو كجزئه ولا يتأتى ذلك إلا في المفردات اهـ. وحينئذٍ فالجملة مستأنفة (فلما) الفاء فصيحة أي جئت فسلما فلما (سلمت عليه تبسم تبسم المغضب) بفتح المهملة من الأول فعل ماض جواب لما، وضمها من الثاني مصدر مفعول مطلق، والمغضب اسم مفعول: أي الغضبان، وفي التعبير به دونه إيماء إلى أن الغضب منه إنما يكون عارضاً بسبب أمر يقتضيه، وإلا فخلقه الكريم الرضى والعفو والصفح والتجاوز عما لا معصية فيه من الأمور.

قال أنس: «خدمت النبي عشر سنين، فما قال لي لشيء فعلته لم فعلته، ولا لشيء تركته لم تركته» (ثم قال: تعال) بفتح اللام (فجئت) أي عقب الأمر من غير تراخ ففيه ما كان عليه الصحابة من البدار

لأداء أوامره (أمشي) جملة حالية (حتى) غاية لما قبله (جلست بين يديه فقال لي: ماذا) أي ما الذي (خلفك) أي ما كان سبب تخلفك عن الخروج معي لتبوك. وإسناد التخليف إليه مجاز عقلي (ألم تكن قد ابتعت) أي اشتريت (ظهرك) الظهر: هي الإبل التي تركب وجمعه ظهران بالضم (قلت: يا رسول الله إني وا لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج سخطه بـ) ـذكر (عذر) أبديه مورياً أو موجهاً (لقد أعطيت) بالبناء للمجهول (جدلاً) بفتح أوليه الجيم فالمهملة: أي فصاحة وقوة في الكلام وبراعة بحيث أخرج عن عهدة ما ينسب إليّ إذا أردت، ثم أكد ما قبله بقوله: (ولكني وا لقد علمت أني لئن حدثتك اليوم حديث كذب) بفتح فكسر (ترضى به عني) لفصاحته وبراعته الموهمة أنه كذلك في الواقع (ليوشكن ا) أن (يسخطك عليّ) يوشك بضم التحتية وكسر المعجمة مضارع أو شك وهو أكثر استعمالاً منه حتى أنكر الأصمعي مجيئه ماضياً، وإن كان مردوداً بمجيئه كذلك في كلامهم، وهو من أفعال المقاربة، ثم اللام في لقد علمت لام جواب القسم، وفي لئن مؤذنة بقسم مقدر أتى به تأكيداً للمقام، وقوله ليوشكن جوابه، واستغنى به عن جواب الشرط، وجملة القسم وجوابه علق عنها فعل العلم والقسم الأول وجوابه ساد مسد خبر لكن علة له، والتقدير: ولكني مع الحال المذكورة لا أفعل لعلمي بأن الله يجلي لك الأحوال ويظهر لك الصادق والكاذب من المقال، ففيه التنبيه على اجتناب المعاصي، فإنها وإن كانت قد تحلو ساعة مباشرتها بتزيين الشيطان وإغوائه إلا أنها مرة المجنى منقصة في المعنى لمن استنارت بصيرته وجليت سريرته (وإن حدثتك حديث صدق تجد) بكسر الجيم وتخفيف المهملة أي: تغضب (عليّ فيه) أي لأني ملوم بسببه واقع في المخالفة به،

وهذه الجملة الشرطية معطوفة على الأولى الواقعة بعد اللام المؤذنة بالقسم.

فقوله: (إني لأرجو فيه) أي: الصدق (عقبى الله عز وجل) جواب القسم، والعقبى بضم العين المهملة وسكون القاف: أي: العاقبة الحسنة أي: أرجو من الله تعالى أن يعقبني خيراً بتوبته علي وإرضاء نبيه عني، وقد حقق الله له رجاءه (وا ما كان لي من) مزيدة لاستغراق النفي

(عذر) أي: حقيقي في التخلف فأعتذر به (وا ما كنت قط) بفتح القاف وتشديد المهملة المضمومة على الأفصح (أقوى) أي في البدن (ولا أيسر) أي في المال (مني) هو المفضل عليه وتفضيل الشيء على نفسه باختلاف الزمان (حين) أي: وقت (تخلفت عنك فقال رسول الله: أما) بفتح الهمزة وتشديد الميم حرف فيه معنى الشرط والتفصيل (هذا فقد صدق فقم) الفاء فيه فصيحة: أي حيثما صدقت فقم (حتى يقضي ا) أي: يبدي في عالم الشهادة ما سبق به قضاؤه الأزلي (فيك) أي في شأنك: أي من المؤاخذة بجريرة ذنب التخلف المحرم من غير عذر أو العفو عنه أو التوبة عليه والرضى عنه لما تجرعته من مرارة الصدق الشاق عليك لما ترتب عليه فقمت (وثار) بالمثلثة: أي: وثب (رجال من بني سلمة) بفتح المهملة وكسر اللام: بطن من الأنصار (فاتبعوني فقالوا: وا ما علمناك أذنبت ذنباً) الجملة في محل المفعول الثاني لعلم (قبل هذا) التخلف (لقد عجزت) بفتح الجيم على الأفصح (في) تعليلية نحو: {لمسكم فيما أفضتم} (النور: ١٤) ألا تكون اعتذرت أي: بسبب عدم اعتذارك (إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما) أي: بمثل الذي (اعتذر به إليه المخلفون) فإن كان ذنباً لكونه كذباً لم تورّ (فقد كان كافيك) بالنصب خبر كان، و {ذنبك} مفعوله الثاني أو منصوب على نزع الخافض (استغفار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لك) اسم كان، وأعربه الحافظ فاعل الوصف، وعليه تكون كان تامة الوصف فاعلها والاستغفار فاعله (قال) كعب: (فوا ما زالوا يؤنبونني) بضم التحتية وفتح الهمزة ثم

نون مشددة مكسورة ثم موحدة، أي يلومونني أشد اللوم (حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأكذب نفسي) أي: أقول إنها كاذبة في قول السابق ما كان لي من عذر (ثم قلت لهم: هل لقي هذا) أي الصدق في المقال وذكر الواقع الذي لمتوني به (معي من) مزيدة (أحد) فيهون عليَّ

الأمر وأجد لي مساوياً في ذلك (قالوا نعم، لقيه رجلان قالا مثل ما قلت) أي من الإخبار بانتفاء العذر المانع من الخروج (وقيل لهما مثل ما قيل لك) أي: من انتظار ظهور ما سبق به القضاء في شأنهما (قال) كعب (قلت من هما؟ قالوا) : هما (مرارة) بضم الميم وتكرار الراء (ابن الربيع العامري) هذا لفظ مسلم، قال المصنف في «شرحه» : هكذا هو في جميع نسخ «العامري» وأنكره العلماء وقالوا: هو غلط إنما صوابه «العمرى» بفتح المهملة وإسكان الميم من بني عمروبن عوف، وكذا ذكره البخاري، وكذا نسبه ابن إسحاق وابن عبد البرّ وغيرهما من الأئمة.

وقال القاضي عياض: هو الصواب، ووقع عند مسلم أيضاً في النسخ «ربيعة» ووقع في البخاري «ابن الربيع» قال ابن عبد البرّ: يقال بالوجهين (وهلال) بوزن بلال (بن أمية) بن عامربن قيسبن عبد الأعلمبن عامربن كعببن واقفبن امرىء القيسبن مالكبن الأوس (الواقفي) بقاف ففاء منسوباً إلى بني واقف المذكور في النسب واسمه مالك: بطن من الأنصار (قال: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدراً) أي: غزوة بدر الكبرى وأهلها لهم الشرف الأعلى، ثم ما ذكره من شهودهما بدراً كذا في الصحيحين.

قال ابن الجوزي في «جامع المسانيد» إنه من أوهام الزهري فلم يذكرهما أحد في البدريين، وقد سئل الشرف الدمياطي عن كلام ابن الجوزي هذا فأقرّه عليه وأيده، نقله عنه ابن السبكي في ترجمته من «الطبقات الكبرى» ، وتعقبه الحافظ في «الفتح» بأن الظاهر من صنيع البخاري أن «قد شهدا بدراً» من كلام كعب، وممن جزم بأنه شهداها الأثرم، وتعقبه ابن الجوزي ونسبه إلى الغلط فلم يصب. واستدل بعضهم لكونهما لم يشهداها بما لا دليل فيه من هجرانه لهما وترك مثل ذلك في حق حاطب وقد فعل ما فعل فقال في حقه «إنه شهد بدراً، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر» الحديث، فلو شهداها لصفح عنهما كحاطب وليس ما يومىء إليه كلامه من عدم مؤاخذة البدري بما يعمل كذلك، وإنما صفح عن حاطب لتبين عذره في مكاتبته بخلاف كعب وصاحبيه إذ لا عذر لهما في التخلف انتهى ملخصاً.

(فقلت لي فيهما أسوة) بضم الهمزة وكسرها: أي قدوة وفي العبارة تجريد إذ هما الأسوة (قال) كعب: (فمضيت) أي: مصمماً على ما وقع مني من الإخبار بالصدق (حين ذكروهما لي) بمثل ذلك (ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كلامنا أيها الثلاثة) ففيه وجوب هوان من ظهرت منه المعصية فلم يسلم عليه إلى أن يقلع وتظهر توبته. كذا في «المفهم» وأي: بالضم

والثلاثة مرفوع على الصفة لأي تبعاً للفظها ومحلها نصب على الاختصاص.

حكى سيبويه عن العرب: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة، وهذا مثله (من بين) أي دون (من) أي سائر الذي (تخلف عنه) وذلك لرفع شأن هؤلاء الكرام وإعراضه عن باقي المتخلفين لأنهم اعتذروا، ومنهم المعذور حقيقة، ومنهم المنافقون اعتذروا ظاهراً فقبل منهم ذلك لأن الأحكام الشرعية مبناها عليه، وقد فضح الله سرائرهم وأظهر للمؤمنين ضمائرهم كما يأتي آخر الحديث (قال فاجتنبنا) بفتح الموحدة (الناس) أي: صاروا لنا مجانبين (أو) شك من الراوي (قال) فـ (تغيروا لنا) عما كنا نعهده من الأنس والوداد منهم (حتى تنكرت) غاية لما قبلها وتنكرت تغيرت (لي في نفسي الأرض) فاعل تنكر والظرفان متعلقان به: أي تغيرت لي لا لغيري في نفسي، أي عندهما لا في نفس الأمر.

وحاصله أن تكدر الأحوال يوهم النفس تغير الدار ويخيل إليها ما لم يقع بحال (فما هي) أي: الأرض الآن (بالأرض التي أعرف) والحاصل أنه لعظم ما اشتدّ عليه الأمر توهم أنه تغير عليه كل شيء حتى الأرض، فإنها توحشت وصارت كأنها غير الأرض التي كان يعرفها قبل ذلك (فلبثنا) أي: أقميها (على ذلك) المذكور من الانتظار لما يبدو في عالم الشهادة مما سبق به القضاء، وهجر الناس لنا (خمسين ليلة) أي: ونهاراً، وحذف اكتفاء بذكر قرينه للعلم به من السياق.

(فأما) بفتح الهمزة تفصيل لبعض حاله وحال صاحبيه (صاحباي) أي: المشاركان لي في هذا الحال (فاستكانا) أي: خضعا (وقعدا في بيوتهما يبكيان) أي: على خطيئتهما ففيه بكاء الإنسان على خطيئته، وفي الحديث: «وابك على خطيئتك وليسعك بيتك» (وأما أنا فكنت أشبّ القوم) بالمعجمة فالموحدة أي: أصغرهم سناً (وأجلدهم) أي: أقواهم (فكنت أخرج) إلى المسجد وغيره (فأشهد الصلاة) أي: المفروضة (مع النبيّ) أي أشهد الجماعة في الصلوات المكتوبات (وأطوف) بفتح الهمزة وبالمهملة أي: أمشي دائراً (في الأسواق) جمع سوق، وتقدم أنها سميت بذلك لسوق الناس بضائعهم إليها، وقيل: للوقوف فيها على الساق. وتعقب باختلاف المادة، ولعل من حكمة طوفانه في الأسواق أنها من محال كرم الله

وجوده بتيسير تلك الأمور المباعة لطالبها وربح جالبها وصاحبها فتعرض في محل الرحمات والفيوض المعنوية وهي المساجد وشهوده الصلوات، وفي محل الفضل والعطايا الدنيوية وهي الأسواق لنفحات الرحمن لتعود عليه بالتوبة، ويظفر بالمرام في الأوبة، ويتنصل عما وقع فيه من الحوبة (ولا يكلمني أحد) معطوفة على وأطوف ويصح كونها في محل الحال (وآتى رسول الله) تشرفاً برؤيته، واستمطاراً للفيوض الربانية من حضرته، وإراحة القلب من ألم الكرب، ففيه أن حبه له الأكيد، لم يغيره عنه ما صدر من الأمر فيه بالتبعيد (فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة) فيه الجلوس عقب الصلاة في المصلى للذكر والدعاء ونحوهما، والجملة في محل الحال، وأتردد هل رد عليه الصلاة والسلام بلسانه على السلام (فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه) بفتح المعجمة أي: أقول هل حركهما ناطقاً (برد السلام) عليّ كما هو قضية صفحه وعفوه، والانزجار يحصل بعدوله عن الجهر بذلك إلى الإسرار (أم لا) لقضية ما صدر مني من العصيان المقتضي للهجران.

وأم هنا منقطعة بمعنى بل لعدم تقدم الهمزة عليها (ثم أصلي قريباً منه) للنافلة والرواتب (وأسارقه النظر) بالمهملة والقاف: أي: أنظر إليه في خفية. ففيه أن مسارقة النظر في الصلاة وكذا الالتفات لا يبطلها (فإذا أقبلت على صلاتي أقبل علي) لما ورد من إقبال المولى سبحانه على المقبل بقلبه وقالبه على مولاهـ والمصطفى متخلق بأخلاقالله. ففيه أن الإقبال على مرضاة الله سبب لقبول أولياء الله (وإذا التفت نحوه) في صلاتي (أعرض عني) إذ الالتفات في الصلاة اختلاس من الشيطان كما ورد في الحديث مع ما ينبىء عنه من الغفلة الشاهد بها خبر «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه» (حتى إذا طال على ذلك) ابتدائية على الصحيح على ما في المغني أو غاية لمقدر: أي استمررت متصابراً حتى إذا طال عليّ ذلك (من) بيانية لذلك (جفوة) بفتح الجيم وسكون الفاء: أي إعراض (المسلمين) ويجوز أن يكون المشار إليه ما تقدم ومن ابتدائية أو تعليلية (مشيت) واستمررت في المشي (حتى تسورت) بتشديد الواو: أي علوت سور (جدار حائط) هو البستان إذا كان عليه دائر بناء.

وفي «الصحاح» : التسوّر النزول من الارتفاع ولا يكون إلا من فوق ويقال: هو الصعود إلى مكان مرتفع اهـ. وفيه جواز دخول الإنسان دار صديقه وقريبه

الذي يدل عليه ويعرف أنه لا يكره ذلك بغير إذنه بشرط أن يعلم أنه ليس هناك نحو زوجة مكشوفة (أبي قتادة) بفتح القاف الحارثبن ربعي بكسر الراء وسكون الموحدة وبالمهملة الأنصاري (وهو ابن عمي) أي بحائل، كذا قاله الكرماني. ووجهه أنهما يجتمعان في كعببن سلمة، وهو الجد الخامس لكعب والسادس لأبي قتادة وقيل: بل هو ابن عمه حقيقة وأن ربعياً والد أبي قتادة أخو مالك والد كعب (وأحب الناس إليّ) أي أكثرهم محبوبية إليّ لقرابته في النسب، أو لغير ذلك من السبب (فسلمت عليه فوا ما رد عليّ السلام) لعموم النهي عن كلام كعب وصاحبيه، ففيه عدم رد السلام على نحو المبتدع، وأن السلام كلام فيحنث به من حلف لا يكلم فلاناً فسلم عليه أو رده عليه وإن كان واجباً عليه، وإيثار طاعة الله ورسوله على مودة الصديق والقريب ونحوهما (فقلت له يا أبا قتادة أنشدك) بفتح الهمزة وضم الشين المعجمة أي أسألك (با) وأصله من النشيد وهو الصوت (هل تعلمني) أي بما تراه من الشواهد والآيات فلا ينافي ما جاء من إنكاره على سعدبن أبي وقاص في قوله: «مالك عن فلان فإني لأراه مؤمناً» فقال: «أو مسلماً» أي: إن الإيمان لكونه قلبياً لا سبيل إلى علمه والجزم به بخلاف الإسلام لتعلقه بالظاهر، ولذا أجابه أبو قتادة بقوله: الله ورسوله أعلم (أحب الله ورسوله) محبتهما طاعة أمرهما ومنها الإيمان وفعل الطاعات وترك مخالفتهما، وما أحسن ما قيل:

تعصي الإله وأنت تظهر حبه

هذا لعمري في القياس بديع

لو كان حبك صادقاً لأطعته

إن المحب لمن يحب مطيع

(فسكت) عن الجواب لما تقدم (فعدت) له (فناشدته) أي: نشدته والإتيان به من باب المفاعلة للمبالغة (فسكت فعدت) إليه (فناشدته فقال: الله ورسوله أعلم) والإتيان به من باب المفاعلة للمبالغة (فسكت فعدت) إليه (فناشدته فقال: الله ورسوله أعلم) .

قال القاضي عياض: لعل أبا قتادة لم يقصد بها تكليمه به لأنه منهي عن كلامه، وإنما قال ذلك لنفسه لما ناشده با، فقال أبو قتادة مظهراً لاعتقاده لا ليسمعه، إذ من حلف لا يكلم فلاناً فسأله عن شيء فقال: الله أعلم يريد إسماعه وجوابه حنث، فإن لم يرد ذلك فلا حنث اهـ.

قال القرطبي في «المفهم» : ويحتمل أن أبا قتادة فهم أن الكلام الذي نهى عنه إنما هو المقتضي

للمباسطة وإفادة المعاني لا مثل هذا المقتضى للإبعاد والمنافرة، ألا ترى أنه لم يرد عليه السلام ولا التفت لحديثه اهـ. (ففاضت عيناي) مجاز عقلي من الإسناد للمكان نحو نهر جار، ومعنى فاضت عيناي أي: كثرت دموع عيني (وتوليت) راجعاً من حيث أتيت (حتى تسورت الجدار فبينا) بألف الإشباع، وقيل: هي كافة لبين عن الإضافة كما تقدم، وقيل أصلها بينما بما الكافة فحذفت الميم تخفيفاً (أنا أمشي في سوق المدينة) علم بالغلبة على دار هجرته، وسميت بذلك لأنها يطاع الله فيها، والدين الطاعة (إذا نبطي) بفتح النون والموحدة: الفلاح، سمي به لأنه يستنبط الماء أي: يستخرجه، وسيأتي فيه زيادة في باب النهي عن تعذيب العبد والدابة (من نبط) بفتح أوليه أي فلاحي (أهل الشأم) بالهمزة الساكنة ويجوز تخفيفها ويقال: شآم بالهمزة بوزن يمان، وهو مذكر على المشهور، وقال الجوهري: يجوز تذكيره وتأنيثه، سمي بذلك باسم سامبن نوح واسمه بالسريانية شام.

وعن ابن الكلبي: سمي شاماً بشامات له حمر وسود وبيض. وقيل: سمي به لأنه عن شمال الأرض وقيل: غير ذلك، وتقدم أن حده من العريش إلى الفرات طولاً وقيل إلى باياس، وعرضاً من جبل طي من نحو القبلة إلى نحو أرض الروم وما سامت ذلك من البلاد، نقله المصنف في «التهذيب» عن الحافظ ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (ممن قدم بالطعام) حال كونه (يبيعه بالمدينة) ويصح كونها استئنافاً بيانياً (يقول) يجوز فيه ما في الذي قبله والثاني أقرب (من يدل) بضم المهملة (على كعببن مالك فطفق) أي: أخذ (الناس يشيرون له إليّ، حتى إذا جاءني دفع إليّ كتاباً من ملك غسان) بفتح المعجمة وتشديد المهملة آخره نون واسمه جبلةبن الأيهم وقيل: الحارثبن أبي سمرة (وكنت كاتباً) أي قارئاً من إطلاق اللازم وإرادة الملزوم (فقرأته فإذا فيه: أما بعد) بالبناء على الضم لحذف المضاف إليه ونية معناه (فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك) أي أعرض عنك (ولم

يجعلك الله بدار هوان) أي منقطعاً بدار تهان فيها (ولا) بدار أو حال (مضيعة) بسكون المعجمة ويجوز كسرها مع فتح الميم فيهما: أي في دار أو حال يضاع فيهما حقك: أي فإذا حصل لك ما عرض حلوله بك (فالحق) بفتح المهملة (بنا نواسك) بضم النون وكسر المهملة من المواساة، وحذفت التحتية لأنه في جواب الطلب، وفي بعض نسخ مسلم إثباتها، وهو كما قال المصنف صحيح: أي ونحن نواسيك قطعه عن جواب الأمر (فقلت حين قرأتها) أي: الكتابة المعبر عنها بالكتاب أو التأنيث باعتبار المعنى إذ هو في المعنى صحيفة (وهذه) الواقعة (أيضاً من البلاء) أي: الابتلاء ليترتب عليه ما يليق مما يصدر عنه من رسوخ قدم يحمد عليه أو أمر يوجب الندم (فتيممت) أي قصدت. ولمسلم: فتأممت وهي لغة (بها التنور) أنث الضمير في بها وفي قوله: (فسجرتها) بمهملة وجيم وراء: أي أوقدت الكتاب لما ذكر آنفاً، والتنور الذي يخبز فيه، قال في «النهاية» : يقال: إنه في جميع اللغات كذلك (حتى إذا مضت

أربعون) غاية لمقدر: أي استمررت على ذلك الأمر المذكور من غير زيادة عليه حتى مضت أربعون ليلة ويوماً (من الخمسين واستلبث) أي: أبطأ وجملة استلبث (الوحي) من زيادة مسلم على البخاري (إذا) فجائية (رسول رسول الله) في رواية الواقدي: أنه خزيمةبن ثابت قال: وهو الرسول إلى هلال ومرارة بذلك (يأتيني فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرك أن تعتزل امرأتك) وفي نسخة من التوشيح للحافظ السيوطي: هي عمرة بنت جبيربن صخر اهـ.

وفي نسخة من «تحفة القاري على البخاري» لشيخ الإسلام زكريا: هي عميرة بنت جبيربن صخر اهـ. وفي الأصلين المذكورين تحريف من الناسخ فليحرر. ونقل بعضهم عن الحافظ ابن حجر أن اسمها: جبرة، ثم رأيته قال في «الفتح» : هي عمرة بنت جبيربن صخربن أمية الأنصارية أمّ أولاده الثلاثة عبد الله وعبيد الله ومعبد، ويقال: اسم امرأته التي كانت عنده يومئذٍ خيرة بالمعجمة ثم التحتانية اهـ. وراجعت «أسد الغابة» لابن الأثير فلم أجد فيه ذكراً لأحد من هؤلاء الثلاثة والله أعلم.

(فقلت) ما المراد من اعتزالها (أطلقها) بضم همزة الاستفهام مقدرة بدليل قوله (أم ماذا) أي ما الذي

(أفعل؟ قال لا) تطلقها (بل اعتزلها) أمر بترك مخالطتها مخالطة الزوجات من الجماع ومقدماته كما فسره بقوله (فلا تقربنها، وأرسل) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (إلى صاحبيّ) بتشديد ياء المتكلم المدغم فيها ياء المثنى يأمرهما (بمثل ذلك) أي: الاعتزال المفسر بعدم قرب الزوجة (فقلت لامرأتي: الحقي) بهمزة وصل وفتح المهملة بعدها القاف (بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر) وقوله: «الحقي بأهلك» من كنايات الطلاق ولكونه لم ينوّه به لم يقع عليه (فجاءت امرأة هلالبن أمية) هي: خولة بنت عاصم قاله الحافظ ابن حجر، وقيل: اسمها عمرة بنت حبةبن صخر الأنصارية قاله ابن عبد البرّ (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت له) اللام للتبليغ (يا رسول الله إن هلالبن أمية شيخ) أي: ذو سنّ (ضائع) بالمعجمة وبعد الألف همزة ثم عين مهملة، وفسرته بقولها (ليس له خادم) أي: من يقوم بما يحتاجه من خدمة، يقع على الذكر والأنثى بلفظ واحد ويقال في المؤنث خادمة: ومنه حديث البخاري عن أبي سهل «أن امرأة أبي أسيد كانت خادمتهم في عرسهم» فإنه بالتاء في معظم الأصول (فهل تكره أن أخدمه) بضم المهملة (قال: لا) أي لا أكره أن تخدميه (ولكن) استدراك لما قد يتوهم من شمول الخدمة للتمتع بها (لا يقربنك) بضم الراء وفتح الموحدة بعدها نون توكيد، كناية عن الجماع (فقالت) لا حاجة إلى منعه من ذلك (إنه) أي الشأن. أو هلالاً (وا) جملة قسمية أتى بها لتأكيد المقال (ما به حركة) .

وفي نسخة: من حركة بزيادة من، والحركات بفتحات: أي داعية تحركه (إلى شيء) من الجماع ومقدماته لما هو فيه من الكرب، ثم الجملة قسمية وجوابها خبر إن، وفي نسخة بتقديم القسم على إن، وعليه فان، واسمها وخبرها جواب القسم (ووا) يحتمل العطف على جملة القسم السابقة ويحتمل الاستئناف (ما زال يبكي) على تخلفه المتسبب عليه ما آل إليه أمره (منذ كان من أمره) أي: شأنه (ما كان) من تخلفه عن الخروج وما ترتب عليه (إلى الآن) حال الإخبار.

وفي نسخة: إلى يومه هذا، وسكتت عما بعده لأنه يحتمل استمراره عليه وتركه له لما يرد عليه مما يقتضي حالاً من تلك الأحوال. قال كعب: (فقال) أي: أشار (لي بعض أهلي) لما

أمرت امرأتي بالذهاب لأهلها قال الحافظ لم أقف على اسمه (لو استأذنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في امرأتك) أي: في خدمتها (فقد أذن لامرأة هلالبن أمية أن تخدمه) وقد استشكل هذا بنهيه عن كلام الثلاثة.

وأجيب كلام الثلاثة، وأجيب بأنه يحتمل أنه عبر عن الإشارة بالقول كما أشرت إليه، أو أن النهي كان خاصاً بالرجال والقائل كان امرأة، أو كان هذا الكلام ممن يخدم المنهيّ عن كلامه فلم يدخل في النهي.

قال الحافظ في «الفتح» : لعله بعض ولده أو من النساء، ولم يقع النهي عن كلام الثلاثة للنساء اللاتي في بيوتهم، أو أن الذي كلمه كان منافقاً (فقلت لا أستأذن فيها رسول الله) وأشار إلى الفرق بين حاله وحال هلال بقوله: (وما يدريني) بضم التحتية (ماذا يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا استأذنته فيها) أي: من الإذن في ذلك أو المنع منه (وأنا رجل شاب) جملة حالية من فاعل يقول، وأشار به إلى وجه احتمال منعه دون هلال لكونه رجلاً شاباً، ويحتمل الإشارة به إلى خوف الوقوع معها لو أذن له في مقامها عنده من حدة الشباب فيقع في المحذور، أو إلى أنه ليس بضائع لقدرته على خدمة نفسه (فلبثت) أي أقمت (بذلك) أي: من ذلك المذكور من إرسال الزوجة (عشر ليال) أي: مع أيامها (فكمل) بتثليث الميم: أي تمّ بضمها إلى الأربعين السابقة على الأمر باعتزال الزوجة (خمسون ليلة) ويوماً واقتصر عليها في جميع ما ذكر لأنها الأصل والنهار تابع لها (من) ابتدائية (حين) بفتح النون لإضافته إلى جملة صدرها مبني (نهى) بالبناء للمفعول: أي وقع النهي للمسلمين غير من تقدم (عن كلامنا ثم صليت صلاة الفجر صباح) منصوب على الظرفية: أي في صباح تلك الليلة المكملة (خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا) الظرف الأول حال من فاعل صلى والثاني وصف لبيت (فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر) ها (اعنا) أي: عنا أيها الثلاثة وبينها بقوله: (قد ضاقت عليّ نفسي) أي: قلبي من فرط الوحشة والغمّ بحيث لا يسعها أنس ولا سرور (وضاقت عليّ) بتشديد التحتية.

وعند مسلم: وضاقت بي (الأرض بما رحبت) أي برحبها، فما مصدرية، والرحب بضم الراء وسكون

الحاء المهملتين: السعة (إذ سمعت صوت صارخ) هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه كما في «التوشيح» .c وفي «الفتح» أنه كذلك عند الواقدي وأن أبا بكر صاح: قد تاب الله على كعب، وحكاه ابن عائذ بلفظ «زعموا» .

قلت: وما في «الصحيح» مقدم عليه وأنه أسلميّ (أوفى) بالفاء أي: صعد وارتفع (على سلع) بفتح السين وسكون اللام: جبل بالمدينة معروف (يقول) جاهراً (بأعلى صوته) من إضافة الصفة إلى الموصوف، وفيه المذهب للبصريين من التأويل والكوفيين من إبقائه على ظاهره (يا كعببن مالك) بنصب «ابن» وفي «كعب» الضم والفتح (أبشر) حذف المفعول لتذهب النفس في طرف السرور كل مسلك (فخررت ساجداً) سجدة الشكر على اندفاع ما كان فيه من الحال وبلوغه إلى نعمة البشرى والإقبال. وفيه أن سجدة الشكر كانت معلومة عندهم معمولاً بها فيما بينهم (وعرفت) من هذا التبشير (أنه قد جاء فرج فآذن) بالمد والقصر: أي أعلم (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس بتوبة الله علينا) أي: بتوفيقه إيانا لها أو بتبرئته إيانا عن غفلة الذنب (حين صلى صلاة الفجر) ظرف لآذن (فذهب الناس يبشروننا) بالتوبة (فذهب قبل) بكسر ففتح: أي جهة (صاحبيّ) بتشديد الياء (مبشرون) .

قال الفربري في «الإقناع» : وخرج سعيدبن زيدبن عمروبن نفيل إلى هلال يبشره، فلما أخبره سجد ولقيه الناس يهنئونه فما استطاع المشي لما ناله من الضعف والحزن والبكاء حتى ركب حماراً، وبشر مرارةبن الربيع سلكانبن سلامة أو سلمةبن سلامةبن وقش فأقبل حتى توافوا، يعني: الثلاثة عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اهـ. (وركض إليّ رجل) هو الزبيربن العوّام.

وقال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يكون أبا قتادة لأنه كان فارس النبيّ أي جرى جرياً شديداً (فرساً، وسعى ساع من أسلم) هو: حمزةبن عمر الأسلمي (قبلي، وأوفى) بالفاء مقصوراً. أي أشرف وطلع (على الجبل فكان الصوت) أي وصول الصوت المذكور أي صوت الأسلمي المذكور بقرينة مجيئه له وطلبه شيئاً لبشارته (أسرع من) وصول صاحب (الفرس، فلما جاءني) الأسلمي (الذي سمعت صوته

يبشرني) جملة في محل الحال ويجوز كونها مستأنفة استئنافاً بيانياً كأن قائلاً يقول فيم سمعت صوته فقال يبشرني (نزعت له ثوبيّ) بتشديد التحتية (فكسوته إياهما ببشارته) ففيه استحباب إجازة البشير بخلعة وإلا فيغيرها. والخلعة أحسن وهي المعتادة، وفيه كسوة البشير وإن لم يملك غيره، وفيه جواز إظهار الفرح بأمور الخير والدين وجواز البذل والهبات عندها (وا ما أملك غيرهما) أي: من الثياب كما في رواية ابن أبي شيبة: «فوا ما أملك ثوبين غيرهما» فلا ينافي قوله السابق «إن عندي راحلتين» وقوله الآتي: «إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة» (يومئذٍ) أي وقت كسوتي له (واستعرت ثوبين) زاذ الواقدي، من أبي قتادة (فلبستهما وانطلقت أتأمم) أي أقصد (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتلقاني الناس فوجاً) أي: جماعة (فوجاً) أي تلقوني زمرة بعد زمرة وجماعة بعد جماعة (يهنئونني بالتوبة) أي: بقبولها أو بالتوفيق لها (ويقولون لي لتهنك) بكسر النون.

قال الحافظ: وزعم ابن التين شارح البخاري أنه بفتحها قال لأنه من هنىء، وفيه نظر (توبة الله عليك) فيه دليل على جواز التهنئة بأمور الخير بل على ندبها إذا كانت دينية فإنها إظهار السرور بما يسر به أخوه المسلم وإظهار المحبة وتصفية القلب بالمودة (حتى دخلت المسجد) غاية لمقدر أي فسرت وحالي ما ذكر أي من تهنئة الناس لي إلى أن دخلت المسجد، والأصح أن نصب المسجد لكونه اسم مكان مختص على التوسع (فإذا) فجائية (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس) في المسجد (حوله الناس) الظرف لغو وحوله الناس خير بعد خبر (فقام إليّ طلحةبن عبيد ا) أحد العشرة المبشرة (رضي الله عنه يهرول حتى صافحني وهنأني) فيه استحباب مصافحة القادم والقيام له إكراماً والهرولة إلى لقائه بشاشة وفرحاً.

قال كعب: (وا ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره) بالرفع صفة رجل، ويجوز نصبه على الحال لتخصيصه بالوصوف بالظرف (فكان كعب لا ينساها) أي تلك الأفعال الجميلة من القيام له والهرولة والمصافحة والتهنئة (لطلحة) .

قال القرطبي: أي إنها أكدت في قلبه محبته وألزمته حرمته

حتى عدها من الأيدي الجسيمة (قال كعب: فلما سلمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال) أي بعد رد السلام (وهو يبرق) بضم الراء: أي يلمع (وجهه) بالأنوار (من) تعليلية أي بسبب (السرور) بقبول الله تعالى توبتهم، ففيه ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام من الحبور عند ظفر أحد من أمته بنوع من الخيور حال من فاعل قال، ومقول القول (أبشر) بقطع الهمزة (بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك) أي سوى يوم إسلامه، وإنما لم يستثنه لأنه معلوم لا بد منه، وقيل: لا استثناء لأن يوم توبته مكمل ليوم إسلامه فهو خير من جميع أيامه وإن كان يوم إسلامه خيرها فيوم توبته المضاف إلى يوم إسلامه خير من يوم إسلامه المجرد عنها (فقلت أ) هذا المبشر به (من عندك يا رسول الله) أي: قلته اجتهاداً لأنك رأيت حصول مقصود الزجر بما وقع في هذه المدة (أم) هو وحي (من عند ا؟ قال: لا) أي: ليس من عندي (بل من عند الله عز وجل) قال في «الإقناع» بدل قوله «قال لا» قال من عند الله وتلا عليهم الآيات (وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سرّ) من أمر (استنار وجهه) أي: زاد نوراً إلى نوره.

وفي «النهاية» : «كان إذا سر فكأن وجهه المرآة وكان الجدر يرى شخصها في وجهه لشدة نوره وصفائه (حتى كأن وجهه قطعة قمر) غاية لما قبله، آثر ذكر القمر لأنه يتمكن من النظر إليه ويؤنس من شاهده من غير أذى يتولد عنه بخلاف الشمس لأنها تغشى البصر وتؤذي. ثم تشبيه بعض صفاته بنحو القمر والشمس جرى على عادة الشعراء والعرب في ذلك أو على سبيل التقريب والتمثيل وإلا فلا شيء يعادل شيئاً من أوصافه.

قيل: شبه وجهه في هذا الحديث بقطعة من القمر لا بكله مع أن المعهود في التشبيه الثاني لأن القصد الإشارة إلى موضع الاستنارة وهو الجبين، وفيه يظهر السرور فناسب أن يشبه ببعض القمر قالت عائشة: «مسروراً تبرق

أسارير وجهه» ولكون مراد كعب رضي الله عنه تشبيه بعض وجهه وهو جبينه إذا سر لم يشبهه بجميع القمر، وجاء في حديث آخر عنه تشبيه وجهه كله بدارة القمر فلزمه تشبيه بعضه ببعضه، وهذا أحسن مما قيل سبب الاقتصار في التشبيه على بعض القمر الاحتزاز عما فيه من السواد، لأن كون وجه التشبيه بالقمر ما فيه من الإضاءة والملاحة لا يخفى على أحد ولا يتوهم من التشبيه خلافه فلا حاجة للاحتراز (وكنا) معشر الصحابة المراقبين لمحاسن ذاته الملاحظين لأحواله (نعرف ذلك) أي: الموضع الذي يتبين فيه السرور وهو جبينه كما سبق من قول عائشة: مسوراً تبرق أسارير وجهه.

وفي «البخاري» : «كان يعرف ذلك (منه) وفي نسخة «فيه» والضمير يعود إلى الوجه (فلما جلست بين يديه قلت يا رسول الله إن من) شكر (توبتي) أي: من شكر الله على توبتي أي التوفيق لها وقبولها، أو إن من علامة صدق توبتي (أن أنخلع) أي أخرج (من مالي) أي: من جميعه (صدقة) مفعول له أو مطلق على تقدير أتصدق، أوفى معنى الحال: أي متصدقاً، أو على تضمين أنخلع معنى أتصدق: أي أتصدق متقرباً بها (إلى الله تعالى وإلى رسوله) أعاد الجار للاهتمام وتنبيهاً على أن التقرب إليه مطلوب على سبيل الاستقلال. قال تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع ا} (النساء: ٨٠) ، وقال القرطبي: أي إن على ذلك، فهي صيغة نذر والتزام، خرجت مخرج الشكر وابتغاء الثواب وأقرّه عليه النبي فكان ذلك جائزاً ولم يدخل في عموم النذر المنهي عنه، وعلى مقتضى هذا اللفظ قد وجب عليه إخراج كل ماله، لكن لما كان ذلك يؤدي إلى أن يبقى فقيراً محتاجاً وربما أفضى به إلى سؤال الناس وإلى الدخول في مفاسد، أمره بإمساك البعض كما قال كعب: (فقال رسول الله: أمسك عليك بعض مالك) أي دفعاً لضرر التصدق بكله (فهو خير لك) .

قال القرطبي: البعض المأمور بإمساكه من ماله هو الأكثر والمتصدق به هو الأقل كما قال في حديث سعد: «الثلث والثلث كثير» وفيما ذكره نظر فإنه متوقف على نص يشهد به، ولا دليل في حديث سعد لما ذكره لأن ما فيه إنما هو لمن كان في حال المرض مراعاة لمصلحة الورثة، والقصد هنا دفع ضرر الحاجة والفقر، وهو قد يحصل بإبقاء الأقل من ماله أو الشطر كما وقع من عمر رضي الله تعالى عنه لما تصدق بشطر ماله وأبقى الشطر الآخر لنفسه وأهله، والحديث في مسلم وغيره.

ثم رأيت في «الفتح» للحافظ أن عند أبي داود عن كعب: «إن من توبتي أن أخرج من مالي كله إلى الله ورسوله صدقة، قال: لا، قلت: نصفه؟ قال: لا، قلت: فثلثه؟ قال: نعم» ولابن مردويه من طريق ابن عيينة عن الزهري «فقال النبي: ويجزي عنك من ذلك الثلث» اهـ. وهو شاهد للقرطبي.

قال المصنف في «شرح مسلم» : ولا يخالف هذا: أي قوله أمسك عليك بعض مالك تصدق أبي بكر بجميع ماله أي وقبوله له فإنه كان صابراً راضياً اهـ. (فقلت: يا رسول الله إني

أمسك سهمي الذي بخيبر) بفتح المعجمة وسكون التحتية وفتح الموحدة آخره راء مهملة غير مصروف في أكثر الأصول مراداً به البقعة (وقلت يا رسول الله إن الله تعالى إنما أنجاني) من وصمة إثم التخلف عن المأمور به (بالصدق) أي بإخباري بالخبر المطابق للواقع وإن ترتب ما ترتب (وإن من) شكر أو صدق (توبتي ألا أحدث) أي إنسان حديثاً ما في أي شأن كان (إلا صدقاً ما بقيت) أي مدة بقائي ما لم يمنع من الصدق مانع. وإلا كأن كان فيه إفساد مصلحة للمسلمين في حروبهم أو نحو ذلك فلا، وفي الحديث المحافظة على سبب التوبة (فوا ما علمت أحداً من المسلمين) عند مسلم «ما أعلم أحداً» (أبلاه ا) أي: أنعم عليه ومنه قوله تعالى: {وفي ذلكم} (البقرة: ٤٩) - أي الإنجاء من فرعونـ {بلاء من ربكم عظيم} أي: نعمة عظمى، والبلاء يستعمل أيضاً في الشرّ كما قيل به في الآية بناء على أن المشار إليه ما فعله بهم آل فرعون من قتل الأبناء واستحياء النساء، ولكن إذا أطلق كان غالباً للشر فإذا أريد به الخير قيد كما قال في الحديث: «أحسن مما أبلاني ا» (في) ملازمة (صدق الحديث) مصدر مضاف إلى مفعوله (منذ ذكرت ذلك) الالتزام بملازمة الصدق (لرسول الله) إبلاء (أحسن مما أبلاني الله تعالى) به أي بتيسير الدوام على ذلك والوفاء بالالتزام.

قال الحافظ: فيه وفي قوله الآتي: «فوا ما أنعم» والحديث إلى قوله: «أعظم من صدقي رسول الله» شاهد على أن هذا السياق يورد ويراد به نفي الأفضلية لا المساواة لأن كعباً شاركه في ذلك رفيقاه، وقد نفى أن يكون أحد حصل له أحسن مما حصل له وهو كذلك لكنه لم ينف المساواة (وا ما تعمدت كذبة) قال المصنف: بفتح الكاف وكسرها كل ذلك مع إسكان الذال، وفي «المشارق» كذبة بكسر الفاء ويقال: بفتحها وأنكر بعضها الكسر إلا إذا أراد الحالة والهيئة، وليس هذا موضعها اهـ. وهو في البخاري «كذباً» بحذف الهاء (منذ) أي من حين (قلت ذلك) الالتزام (لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومي هذا) فيه أن الخطأ

والنسيان المحترز عنهما بالعمد غير مؤاخذ به الإنسان، وهما لا ينقصان الالتزام (وإني لأرجو) من فضله تعالى (أن يحفظني الله تعالى) من الكذب (فيما بقي) لأنه تعالى كريم يستحي أن ينزع السر من أهله، قال تعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} (الرعد: ١١) (قال) أي كعب مبيناً للآية التي نزلت فيها التوبة عليه وعلى صاحبيه (فأنزل الله تعالى) على نبيه وهو في بيت أم سلمة حين بقي الثلث الأخير من الليل كما جاء في كتاب «التفسير من صحيح البخاري» {لقد تاب ا} أدام توبته، وهي بالنسبة إلى النبي تشريف مكانته في إعلاء رتبته، لا أنه عن ذنب صدر من حضرته لعصمته.

وقال بعضهم: تاب الله {على النبي} أي تجاوز عنه {والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة} بالعين المضمومة والسين الساكنة بعدها راء مهملات أو وقتها وهي حالهم في غزوة تبوك وكان الرجلان يقتسمان التمرة والعشرة يعتقبون البعير الواحد، واشتد الحر حتى شربوا الفرث (حتى بلغ) أي: كعب في قراءته {وكونوا مع الصادقين} أي في الآيات الثلاث، وتمامها قوله تعالى {من بعد ما كاد تزيغ} (التوبة: ١١٧) بالمثناة الفوقية والتحتية: أي تميل وتذهب {قلوب فريق منهم} عن اتباعه إلى التخلف لما هم فيه من الشدة {ثم تاب عليهم} بالثبات {إنهم بهم رؤوف رحيم} ، وتاب {على الثلاثة الذي خلفوا} (التوبة: ١١٨) عن التوبة عليهم بقرينة {حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت} أي مع رحبها وسعتها فلا يجدون مكاناً يطمئنون إليه {وضاقت عليهم أنفسهم} قلوبهم للغمة والوحشة لتأخير توبتهم فلا يسعها سرور ولا أنس {وظنوا} أي: أيقنوا {أن لا ملجأ} يلجئون إليه {من

الله إلا إليه} (التوبة: ١١٨) .

قال في «الكشاف» : لا ملجأ من سخط الله إلا إلى استغفاره {ثم تاب عليهم} ألهمهم أسباب التوبة ووفقهم لها «ليتوبوا» / أي ليقبلها، وقيل: تاب عليهم قبل توبتهم و «ليتوبوا» أي: يداوموا عليها، وفي تفسير سورة البقرة من البيضاوي: أصل التوبة الرجوع فإذا وصف بها العبد كان رجوعاً عن المعصية إلى الطاعة وإذا وصف بها الباري تعالى أريد بها الرجوع عن العقوبة إلى المغفرة اهـ. {إن اهو التواب} على من تاب أي: يقبل توبته الصحيحة فضلاً منه وهو الرحيم. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا ا} بترك معاصيه {وكونوا مع الصادقين} في الأيمان والعهود بأن تلزموا الصدق.

(قال كعب) صرح بذكره للفصل بين سياق أحواله بذكر الآي القرآنية المنزلة في التوبة (وا ما أنعم الله عليّ من) زائدة للاستغراق (نعمة قط) أي في الزمن الماضي (بعد أن هداني للإسلام) أي دلني عليه وأوصلني له. وفي نسخة: هداني الله (أعظم) وصف لنعمة فتجوز قراءته منصوباً باعتبار محلها لزيادة من، ومجروراً باعتبار لفظها، ويجوز رفعه بتقدير هي أعظم (في نفسي من صدقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألا أكون كذبته) كذا في «الصحيحين» عند جميع رواتهما إلا الأصيلي من رواة البخاري فقال: «أن أكون» وليس بشيء، والصواب الأول وتخريجه أن لا زائدة كما قال عياض وتبعه المصنف وغيره، ومعناه: أن أكون كقوله تعالى: {ما منعك ألا تسجد} (الأعراف: ١٢) اهـ. وهذا بناء على أنه مستأنف عما قبله وأظهر منه ما ذكره الشيخ زكريا في حاشيته على البخاري المسماة «بتحفة القارىء» من أنه بدل من صدقي: أي أن لا نافية، قال: والمعنى ما أنعم الله عليّ نعمة هي أعظم من عدم كذبي فعدم هلاكي اهـ. وكذبته بفتح الذال المخففة: أي قلت له قولاً كذباً (فأهلك) بالنصب عطف على منصوب أن، وأهلك بكسر اللام على الفصيح المشهور، وحكي فتحها وهو شاذ وضعيف (كما هلك الذين كذبوا) أي: هلاكاً كهلاك الذين كذبوا الله القول في إدعاء الإيمان من المنافقين فالمفعول الثاني محذوف.

قال الراغب في «مفرداته» : يقال كذبته حديثاً، ومنهـ كذبوا الله ورسولهـ أي: القول الذي قاله فيتعدى إلى مفعولين نحو صدق في قوله تعالى:

{لقد صدق الله رسوله الرؤيا} (التوبة: ٩٥) اهـ (فإن الله تعالى قال للذين كذبوا) أي: عنهم (حين أنزل) على النبي (الوحي شرّ ما قال) أيّ: قول، قال: ويجوز أن يكون موصولاً اسمياً (لأحد) أي: عن أحد، ثم بين ذلك القول المجمل المنزل فيهم بقوله: (فقال ا) تبارك و {تعالى سيحلفون با لكم إذا انقلبتم} رجعتم {إليهم لتعرضوا عنهم} بترك المعاتبة {فأعرضوا عنهم} فأعطوهم طلبتهم {إنهم رجس} قذر لخبث باطنهم فلا يؤثر فيهم العقاب، بخلاف المؤمن إذا فرطت منه زلة فوبخ عليها طهره التوبيخ بالتوبة منها والاستغفار {ومأواهم جهنم} يعني تكفيهم النار عتاباً فلا تتكلفوا عتابهم ( {جزاء بما كانوا يكسبون بحلفون} ) أي: با ( {لكم لترضوا عنهم} ) أي: غرضهم بالحلف طلب رضاكم لينفعهم في دنياهم ( {فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضي عن القوم الفاسقين} ) أي: عنهم، وأتى بالظاهر موضعه نداء عليهم بسوء وصفهم المقتضي لعدم رضاه عنهم: أي ولا ينفعهم رضاكم عنهم مع سخطالله، بل يكونون عرضة لعاجل عقوبته وآجلها، في «الكشاف» قيل: إنما قيل لهم ذلك لئلا يتوهم متوهم أن رضا المؤمنين يقتضي رضاء الله عنهم (قال كعب: كنا خلفنا) بالبناء للمجهول، أخص (أيخا الثلاثة) بتأخير أمرنا وبيان شأننا فلم يقض فينا بشيء (عن أمر أولئك) المعتذرين (الذين) كذبوا الله ورسوله و (قبل منهم رسول الله) عذرهم في التخلف (حين حلفوا له) إنهم صادقون فيما اعتذروا به (فبايعهم) أي: عاقدهم على الإسلام وعاهدهم عنيه (واستغفر لهم) أي بنحو: غفر الله لكم (وأرجأ) أخر (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرنا) فلم يقض فيه بشيء (حتى قضى الله تعالى) أي: أبرز ما سبق قضاؤه (فيه) وأنزل فيه الآية فـ (بذلك) أي: فعن ذلك التخليف (قال الله تعالى: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} ) هو معنى ما

تقدم في تفسير الآية من قولنا خلفوا عن التوبة: أي

عن قبولها حالاً كما قبلت المعذرين وأرجأ أمر هؤلاء الثلاثة (وليس الذي ذكر) بالبناء للمجهول (مما خلفنا) أي: من تخليفنا المخبر عنه بقوله: «خلفوا» (تخلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا) عمن قبله من أولئك المعتذورين (وإرجاؤه) تأخيره (أمرنا) أي: بيانه وإيضاحه (عن) أي: عن أمر (من حلف له واعتذر إليه) من المعذين (فقبل منه) أفرد الضمير باعتبار لفظ من (متفق عليه) أي: رواه الشيخان وإن وقع بينهما اختلاف يسير في زيادة كلمة أو نقصها أو تقديم أو تأخير، وكذا أخرج الحديث أبو داود والترمذي والنسائي كما في «جامع الأصول» في كتاب الجهاد.

(وفي رواية: أن النبيّ خرج) من المدينة (في غزوة تبوك يوم الخميس، وكان يحبّ أن يخرج) لسفره (يوم الخميس) في «الصحيحين» من حديث كعب «قلما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر إلا يوم الخميس» ورواه النسائي.

(وفي رواية) للبخاري من حديث كعب (كان لا يقدم من سفر إلا نهاراً) ونهى عن طروق المسافر أهله ليلاً ما لم يشع خبر قدومه كأن كان في قفل ووصلوا لقرب البلد نهاراً وعلم ذلك الخبر لأهل البلد فلا بأس بالقدوم ليلاً حينئذٍ (في الضحى) لأنه أطيب ما في النهار لما فيه من حسن الهواء، وزيادة الأضواء: وخروج الناس للاجتماع واللقاء، وللتبايع ونحوه، ولذا شرعت فيه صلاة لئلا يستغرق الوقت بأمر الدنيا ويلهو بإخوانه عن إصلاح شأنه (فإذا قدم) بكسر الدال (بدأ بالمسجد) قبل دخول منزله اهتماماً به، وتعظيماً لشعائر الله تعالى، وتقديماً لحق الله تعالى على حق نفسه وأهله، وشكراً لنعمته عليه بسلامته من وعثاء السفر (فصل فيه ركعتين) تحية (ثم جلس فيه) ليسلم عليه الناس.

وفي الحديث فوائد أربعون بل أكثر: منها إباحة الغنيمة لهذه الأمة إذ قال يريدون عيراً لقريش، وفضيلة أهل بدر والعقبة، والمبايعة مع الإمام، وجواز الحلف من غير استحلاف، وتورية المقصد إذا دعت إليه ضرورة، والتأسف على ما فات من الخير، وتمني المتأسف عليه، وردّ الغيبة، وهجران أهل البدعة، وأن للإمام أن يؤدب بعض أصحابه بإمساك الكلام عنه، وترك من تاب الزوجة، واستحباب صلاة القادم، ودخوله المسجد أوّلاً، وتوجه الناس إليه عند قدومه، والحكم بالظاهر وقبول المعاذير، واستحباب البكاء على نفسه، وأن مسارقة النظر في الصلاة لا تبطلها، وفضيلة الصدق، وأن السلام ورده كلام/ وجواز دخول بستان صديقه بدون إذنه، وأن الكناية لا يقع بها الطلاق ما لم ينوه، وإيثار طاعة الله ورسوله على مودة القريب، وخدمة المرأة لزوجها، والاحتياط بمجانبة ما يخاف منه الوقوع في منهي عنه إذ كعب لم يستأذن في خدمته امرأته لذلك، وجواز إحراق ورقة فيها ذكر الله تعالى إذا كان لمصلحة، واستحباب التبشير عند تجدد النعمة واندفاع الكربة، واجتماع الناس عند الإمام في الأمور المهمة، وسروره بما يسر أصحابه، والتصدق بشيء عند ارتفاع الحزن والنهي عن التصدق بكل المال عند خوف عدم الصبر، وإجازة البشير بخلعة، وتخصيص اليمين بالنية: وجواز العارية، ومصافحة القادم، والقيام، والقيام له، واستحباب سجدة الشكر، والتزام مداومة الخير الذي انتفع به.

٢٢١٠ - (وعن أبي نجيد) بضم النون وفتح الجيم وسكون التحتية آخره دال مهملة، كنى باسم ابنه نجيد (عمران) بكسر العين المهملة (ابن الحصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين وإسكان التحتية بعدها نون ابن عبيدبن خلفبن عبدنهمبن حذيفةبن جهيمة بن عاضرةبن حبيشةبن كعببن عمرو، كذا قاله ابن منده وأبو نعيم. وقال أبو عمر: عبدنهمبن سالمبن عاضرة (الخزاعي) الكعبي (رضي الله عنهما) أسلم عام خيبر، وغزا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزوات، وبعثه عمربن الخطاب رضي الله عنه إلى البصرة ليفقه أهلها. قال محمدبن سيرين: لم نر في البصرة أحداً من أصحاب النبيّ يفضل على عمرانبن الحصين، وكان مجاب الدعوة ولم يشهد الفتنة. وروى له عن النبي مائة وثمانون حديثاً، اتفق الشيخان منها على ثمانية، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بتسعة: وكان تسلم عليه الملائكة في مرضه فاكتوى ففقد ذلك ثم عادت إليه، وكان به استسقاء طال به سنين وهو صابر عليه وشق بطنه وأخذ منه شحم وشق له سرير فبقي عليه ثلاثين سنة، ودخل

عليه رجل فقال، يا أبا نجيد وا إنه ليمنعي من عبادتك ما أرى بك، فقال: يا أخي فلا تجلس فوا إن أحبّ ذلك إليّ أحبه إلى الله تعالى، توفي بالبصرة سنة اثنتين وخمسين (أن امرأة من جهينة) وفي رواية أخرى لمسلم «جاءت امرأة من غامد» بغين معجمة وميم ودال مهملة.

قال المصنف: وهي بطن من جهينة. وقال الحافظ وليّ الدين العراقي في «مبهماته» : اسمها خولة بنت خويلد وفيها نزلت آية الظهار. وفي كلام بعضهم أن آية الظهار نزلت في خولة بنت ثعلبه انتهى ملخصاً. وقال ابن النحوي في «البدر المنير» : اسم الغامدية سبيعة، وقيل أبية بنت فرج، حكاهما الخطيب في «مبهماته» . وعدها أبو موسى الأصفهاني في الصحابة (أتت رسول الله: وهي حبلى من الزنى) من تعليلية ويصح كونه ابتدائية (فقالت: يا رسول الله أصبت حدا) أي: ما يلزم به الحد فيكون مجازاً مرسلاً (فأقمه عليّ) أي: لأطهر من تبعته في الآخرة. وفي مسلم أيضاً في حديث الغامدية «قالت طهرني» قال المصنف: فيه دليل على أن الحدّ يكفر ذنب المعصية التي حد لها، وقد جاء ذلك صريحاً في حديث عبادةبن الصامت، وهو قوله: «ومن فعل شيئاً من ذلك فعوقب به في الدنيا فهو كفارته» ولا نعلم فيه خلافاً، وإنما لم تقنع بالتوبة مع أنها محصلة لغرضها من سقوط الإثم، بل اختارت الرجم لأن حصول البراءة به وسقوط الإثم متيقن على حال، لاسيما وإقامته الحدّ بأمره. وأما التوبة فتخشى ألا تكون نصوحاً أو يختل بعض شروطها فأرادت حصول البراءة بطريق متيقن دون ما يطرقه الاحتمال انتهى ملخصاً (فدعا نبيّ الله) عبر عنها بنبيّ الله أولاً برسول الله تفننا في التعبير (وليها فقال: أحسن إليها) أمره بذلك خوفاً عليها من أن تحمل أقاربها الغيرة ولحوق العار بهم على أن يؤذوها، ورحمة لها إذ تابت ولحملها، فحرص عليها معها لما في نفوس الناس من النفرة من مثلها وإسماعها الكلام المؤذي ونحو ذلك، فنهى عن ذلك كله لذلك (فإذا وضعت) حملها (فائتنى بها) ففيه تأخير حدّ الزنى عن الحامل إلى أن تضع وتسقيه اللِّبَأ لئلا يموت الجنين وهو مجمع عليه. واختلف في اعتبار استغنائه عنها بلبن غيرها فالجمهور على اعتباره، فإن كان حدها الجلد لم تجلد حتى تضع بالإجماع (ففعل) أي: ما أمره به (فأمر بها نبيّ الله) أي: بأن

تهيأ للرجم لأنها كانت محصنة (فشدت عليها ثيابها) بالدال المهملة كذا في نسخ الرياض.

قال المصنف في «شرح مسلم» : فشكت عليها ثيابها، كذا هو في معظم النسخ «فشكت» وفي بعضها/ «فشدت» بالدال بدل الكاف وهو بمعنى الأول اهـ. ولم يذكر عياض في مشارقه

غير الكاف قال: أي جمعت أطرافها لتستر وخللت عليها بعيدان اهـ. وقيل معناه: أرسلت عليها ثيابها، والشك الاتصال واللصوق، وإنما فعلت ذلك لئلا ينكشف ثوبها في تقلبها وتكرر اضطرابها (ثم) بعد أن شدت ثيابها (أمر بها فرجمت) في عدم تعرضه لحضوره دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه أنه لا يلزم الإمام حضور الرجم، وكذا لا يلزم الشهود إذا ثبت بشهادتهم. وقال أبو حنيفة وأحمد، يحضر الإمام مطلقاً ويبدأ بالرجم إن ثبت بالإقرار وجاء عند النسائي: أنه رجم الغامدية ورماها بحجر. قالا: وتحضر للشهود إن ثبت بشهادتهم ويبدءون بالرجم (ثم) بعد غسلها وتكفينها (صلى) النبي (عليها) فيه دليل لمذهب الشافعي وآخرين من أن الإمام وأهل الفضل يصلون على المرجوم كما يصلي عليه غيرهم، وما قيل من أن ذكر صلاته ضعيف لكون أكثر الرواة لم يذكرها، أو من إن صلى فيه مؤول بأنه أمر بها، أو أنه أريد به المعنى الغوي: أي دعا ففاسد، لأن هذه الزيادة ثابتة في الصحيح وزيادة الثقة مقبولة، والتأويل خلاف الأصل لا يصار إليه إليه إلا إذا اضطرت الأدلة لارتكابه وليس هنا شيء من ذلك، فوجب حمله على ظاهره (فقال له عمر: تصلي عليها يا رسول الله وقد زنت؟) أي: أتصلي وهو استكشاف لحكمة صلاته عليها مع أنه وقع منها أمر يقتضي إهمال أمرها والإعراض عنها، وليس هو للإنكار (فقال) مبديا لما خفي على عمر رضي الله تعالى عنه فإنه نظر إلى ما صدر منها من الفعل القبيح وهو الزنى وغفل عما ختمت به أمرها وهو التوبة النصوح فنبهه بقوله: (لقد تابت توبة) صحيحة نصوحا (لو قسمت) بكمالها (بين سبعين) عاصياً (من أهل المدينة) أي: المنافقين

الذين بها: أي لو تاب المنافقون الذين بها يومئذٍ توبة صحيحة من نفاقهم كتوبتها (لوسعتهم) أي: لكفتهم في رفع آثامهم، فإذا رفعت ذنب الكفر فما دونه أولى، ولعل هذا حكمة قوله من أهل المدينة. قال في «البدر المنير» : وعند الطبراني «لقد تابت توبة لو تابها أهل المدينة لقبل منهم» (وهل وجدت) شيئاً تبذله في مرضاة الله (أفضل) أي: أعظم (من أن جادت بنفسها) ببذلها () أي: لمرضاته (عزّ وجلّ. رواه مسلم) ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وفي الحديث بيان عظم التوبة وأنها تحبّ

الذثبّ وتلحقي التائب بمن لم يقترب شيئاً من الذنب، وتكون سبباً لحوزه أنواع الفضل.

٢٣١١ - (وعن ابن عباس وأنسبن مالك) تقدمت ترجمتهما في باب الإخلاص (رضي الله عنهم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لو) ثبت (أن لابن آدم وادياً) مملوءاً (من ذهب أحبّ) وفي نسخة: لأحبّ: أي من حرصه الذي هو طبعه (أن يكون له واديان) أي: آخران كما هو الأنسب بحرصه، ويحتمل أن يراد واديان بما كان له أو لا فيكون المطلوب وادياً آخر. والأول أظهر (ولن يملأ جوفه إلا التراب) أي: إنه لا يزال حريصاً على الدنيا حتى يموت ويمتلىء جوفه من تراب قبره، وهذا حكم غالب النوع الإنساني الحرص على الدنيا، أما من لطف به وحفظ من ذلك ابتداء أو بالتوبة منه فمستثنى كما قال (ويتوب الله على من تاب) أي: إن الله تعالى يقبل التوبة من الحرص المذموم وغيره من المذمومات (متفق عليه) وفي «الجامع الصغير» للحافظ السيوطي بعد ذكر الحديث بنحوه أخرجه أحمد والشيخان والترمذي عن أنس وأحمد، والشيخان عن ابن عباس، والبخاري عن الزبير، وابن ماجه عن أبي هريرة، وأحمد عن أبي واقد، والبزار عن بريدة. وأخرج أحمد وابن حيان عن جابر مرفوعاً «لو كان لابن آدم واد من نخل لتمنى مثله ثم لتمنى مثله حتى يتمنى أودية، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب» اهـ. وفي «الديباج» للحافظ السيوطي: ورد في حديث أن الحديث المذكور كان في آخر سورة «لم يكن» فأخرج أحمد والترمذي والحاكم وصححاه عن أُبيّبن كعب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن فقرأ: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب} (البينة: ١) ، فال فرأ فيها: ولو أن ابن آدم سأل وادياً من مال فأعطيه لسأل ثانياً، ولو سأل ثانياً فأعطيه لسأل ثالثاً. ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب، وإن ذات الدين عند الحنيفية غير المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية، ومن يفعل خيراً فلن يكفره» اهـ.

٢٤١٢ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه) تقدمت ترجمته في باب الإخلاص (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: يضحك الله سبحانه إلى رجلين) قال القاضي عياض: الضحك في حقه تعالى: - لاستحالة قيام حقيقته بذاته سبحانه لكون من أوصاف الحادث - مجاز عن الرضى بفعلهما والثواب عليه، وحمد فعلهما ومحبته وتلقي رسله له بذلك، لأن الضحك من أحدنا إنما يكون عند موافقة ما يرضاه وسروره بمن يلقاه. قال: ويحتمل أن يكون المراد ضحك الملائكة الذين يوجهون لقبض روحهما وإدخالهما الجنة كما يقال قتل السلطان فلاناً: أي أمر به اهـ. (يقتل أحدهما) أي: الواحد منهما (الآخر) أي: صاحبه (ثم يدخلان الجنة) ثم بين ذلك الإجمال بقوله: (يقاتل هذا) يعني المسلم (في سبيل الله) لإعلاء كلمة الله (فيقتل) أي: يقتله كافر (ثم) للترتيب في الإخبار، أو يراد بها مجرد الترتيب من غير اعتبار انضمام التراخي إليه، فلا يعتبر تراخي إسلام الكافر عن قتله ذلك المسلم بل يحصل بإسلامه عقبه (يتوب الله على القاتل فيسلم فيستشهد) عطف الفعلين بالفاء إشارة إلى حصول الهداية عقب تعلق العناية بالعبد من غير تراخ إذ لا مانع لما أراد سبحانه، وإلى أنه لا يمكث بعد إسلامه زمناً يقترف فيه شيئاً من موبقات الذنوب بل عقب إسلامه استشهد فعمل قليلاً وحاز خيراً جليلاً ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ثم لا يلزم من تساويهما في دخول الجنة تساويهما في المنزلة، فإن تفاوت مراتب الجنان على حسب تفاوت مراتب الأعمال (متفق عليه) . وفي ختم المصنف الباب بهذا الحديث إشارة إلى أن الإنسان ينبغي له أن يتوب من الذنب الذي اقترفه وإن كان كبيرة، ولا يؤيسه ذاك من رحمة الله تعالى فإن اهو التواب الرحيم، والذنب وإن عظم قدره كالكبائر وكثرة عدده إذا قوبل

📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري

في هذا الحديث: فضل الإخلاص في العمل، وأنه ينجي صاحبه عند الكرب.

وفيه: فضل بر الوالدين وخدمتهما، وإيثارهما على الولد والأهل، وتحمُّل المشقة لأجلهما.

وفيه: العفة والانكفاف عن الحرام مع القدرة.

وفيه: فضل حسن العهد وأداء الأمانة، والسماحة في المعاملة.

[٢- باب التوبة]

قَالَ العلماءُ: التَّوْبَةُ وَاجبَةٌ مِنْ كُلِّ ذَنْب، فإنْ كَانتِ المَعْصِيَةُ بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ اللهِ تَعَالَى لا تَتَعلَّقُ بحقّ آدَمِيٍّ فَلَهَا ثَلاثَةُ شُرُوط:

أحَدُها: أنْ يُقلِعَ عَنِ المَعصِيَةِ.

والثَّانِي: أَنْ يَنْدَمَ عَلَى فِعْلِهَا.

والثَّالثُ: أنْ يَعْزِمَ أَنْ لا يعُودَ إِلَيْهَا أَبَداً. فَإِنْ فُقِدَ أَحَدُ الثَّلاثَةِ لَمْ تَصِحَّ تَوبَتُهُ.

وإنْ كَانَتِ المَعْصِيةُ تَتَعَلقُ بآدَمِيٍّ فَشُرُوطُهَا أرْبَعَةٌ: هذِهِ الثَّلاثَةُ، وأنْ يَبْرَأ مِنْ حَقّ صَاحِبِها، فَإِنْ كَانَتْ مالاً أَوْ نَحْوَهُ رَدَّهُ إِلَيْه، وإنْ كَانَت حَدَّ قَذْفٍ ونَحْوَهُ مَكَّنَهُ مِنْهُ أَوْ طَلَبَ عَفْوَهُ، وإنْ كَانْت غِيبَةً استَحَلَّهُ مِنْهَا. ويجِبُ أنْ يَتُوبَ مِنْ جميعِ الذُّنُوبِ، فَإِنْ تَابَ مِنْ بَعْضِها صَحَّتْ تَوْبَتُهُ عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ مِنْ ذلِكَ الذَّنْبِ وبَقِيَ عَلَيهِ البَاقي.

وَقَدْ تَظَاهَرَتْ دَلائِلُ الكتَابِ والسُّنَّةِ، وإجْمَاعِ الأُمَّةِ عَلَى وُجوبِ التَّوبةِ.

التوبة: الرجوع عن معصية الله تعالى إلى طاعته، وطلب الاستحلال مِنَ المقذوف ونحوه إن بلغه ذلك، وإلا كفى الاستغفار، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كفارةُ

من اغتبته أن تسغفر له»

قَالَ الله تَعَالَى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور (٣١) ] .

(لعل) في الأصل للترجي، وفي كلام الله تعالى للتحقيق؛ لأنَّ وعده واقع والآية تدل على وجوب التوبة من الصغائر والكبائر.

وَقالَ تَعَالَى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً} [نوح (١٠) ] .

وهذه الآية أيضًا تدل على وجوب الاستغفار من جميع الذنوب.

وَقالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحا} [التحريم (٨) ] .

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: التوبة النصوح أن يتوب من الذنب، ثم لا يعود إليه، كما لا يعود اللبن في الضرع.

[١٣] وعن أبي هريرةَ - رضي الله عنه - قَالَ: سمعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «والله إنِّي لأَسْتَغْفِرُ الله وأَتُوبُ إِلَيْه في اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً» . رواه البخاري.

في هذا الحديث: تحريض للأمة على التوبة والاستغفار.

قال ابن بطال: الأنبياء أشد الناس اجتهادًا في العبادة، لما أعطاهم الله تعالى من المعرفة، فهم دائبون في شكره، معترفون له بالتقصير.

[١٤] وعن الأَغَرِّ بنِ يسار المزنِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، تُوبُوا إِلى اللهِ واسْتَغْفِرُوهُ، فإنِّي أتُوبُ في اليَومِ مئةَ مَرَّةٍ» . رواه مسلم.

في هذا الحديث أيضًا: وجوب التوبة والاستغفار، واستمرار ذلك في كل وقت، وعلى كل حال.

[١٥] وعن أبي حمزةَ أنسِ بنِ مالكٍ الأنصاريِّ - خادِمِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «للهُ أفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ سَقَطَ عَلَى بَعِيرهِ وقد أضلَّهُ في أرضٍ فَلاةٍ» . مُتَّفَقٌ عليه.

وفي رواية لمُسْلمٍ: «للهُ أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يتوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتهِ بأرضٍ فَلاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابهُ فأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتى شَجَرَةً فاضطَجَعَ في ظِلِّهَا وقد أيِسَ مِنْ رَاحلَتهِ، فَبَينَما هُوَ كَذَلِكَ إِذْ هُوَ بِها قائِمَةً عِندَهُ، فَأَخَذَ بِخِطامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أنْتَ عَبدِي وأنا رَبُّكَ! أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ» .

في هذا الحديث: محبة الله تعالى لتوبة عبده حين يتوب إليه، وأنه يفرح بذلك فرحًا شديدًا يليق بجلاله.

وفيه: أنَّ ما قاله الإنسان في حال دهشته وذهوله لا يؤاخذ به.

وفيه: ضرب المثل بما يصل إلى الأفهام من الأمور المحسوسة.

وفيه: بركة الاستسلام لأمر الله تعالى.

[١٦] وعن أبي موسَى عبدِ اللهِ بنِ قَيسٍ الأشْعريِّ - رضي الله عنه - عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: «إنَّ الله تَعَالَى يَبْسُطُ يَدَهُ بالليلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، ويَبْسُطُ يَدَهُ بالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: طلب من اللطيف الرؤوف الغافر لعباده أن يتوبوا، ليتوب عليهم.

[١٧] وعن أبي هُريرةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ تَابَ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها تَابَ اللهُ عَلَيهِ» . رواه مسلم.

قبول التوبة مستمر ما دام بابها مفتوحًا، فإذا أغلق لم تقبل. قال الله تعالى {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً} [الأنعام (١٥٨) ] ، يعني: إذا طلعت الشمس من مغربها، لم ينفع الكافر إيمانه، ولا العاصي توبته.

[١٨] وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بنِ عمَرَ بنِ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهما عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: «إِنَّ الله - عز وجل - يَقْبَلُ تَوبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» . رواه الترمذي، وَقالَ: «حديث حسن» .

الغرغرة: وصول الروح الحلقوم. قال الله تعالى {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} [النساء (١٨) ] ، وقال تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} [غافر (٨٤، ٨٥) ] .

[١٩] وعن زِرِّ بن حُبَيْشٍ، قَالَ: أَتَيْتُ صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ - رضي الله عنه - أسْألُهُ عَن الْمَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ، فَقالَ: ما جاءَ بكَ يَا زِرُّ؟ فقُلْتُ: ابتِغَاء العِلْمِ، فقالَ: إنَّ المَلائكَةَ تَضَعُ أجْنِحَتَهَا لطَالبِ العِلْمِ رِضىً بِمَا يطْلُبُ. فقلتُ:

إنَّهُ قَدْ حَكَّ في صَدْري المَسْحُ عَلَى الخُفَّينِ بَعْدَ الغَائِطِ والبَولِ، وكُنْتَ امْرَءاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَجئتُ أَسْأَلُكَ هَلْ سَمِعْتَهُ يَذكُرُ في ذلِكَ شَيئاً؟ قَالَ: نَعَمْ، كَانَ يَأْمُرُنا إِذَا كُنَّا سَفراً - أَوْ مُسَافِرينَ - أنْ لا نَنْزعَ خِفَافَنَا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيالِيهنَّ إلا مِنْ جَنَابَةٍ، لكنْ مِنْ غَائطٍ وَبَولٍ ... ونَوْمٍ. فقُلْتُ: هَلْ سَمِعْتَهُ يَذْكرُ في الهَوَى شَيئاً؟ قَالَ: نَعَمْ، كُنّا مَعَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في سَفَرٍ، فبَيْنَا نَحْنُ عِندَهُ إِذْ نَادَاه أَعرابيٌّ بصَوْتٍ لَهُ جَهْوَرِيٍّ: يَا مُحَمَّدُ، فأجابهُ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - نَحْواً مِنْ صَوْتِه: «هَاؤُمْ» فقُلْتُ لَهُ: وَيْحَكَ! اغْضُضْ مِنْ صَوتِكَ فَإِنَّكَ عِنْدَ النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، وَقَدْ نُهِيتَ عَنْ هذَا! فقالَ: والله لا أغْضُضُ. قَالَ الأعرَابيُّ: المَرْءُ يُحبُّ القَوْمَ وَلَمَّا يلْحَقْ بِهِمْ؟ قَالَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ يَومَ القِيَامَةِ» . فَمَا زَالَ يُحَدِّثُنَا حَتَّى ذَكَرَ بَاباً مِنَ المَغْرِبِ مَسيرَةُ عَرْضِهِ أَوْ يَسِيرُ الرَّاكبُ في عَرْضِهِ أرْبَعينَ أَوْ سَبعينَ عاماً - قَالَ سُفْيانُ أَحدُ الرُّواةِ: قِبَلَ الشَّامِ - خَلَقَهُ الله تَعَالَى يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاواتِ والأَرْضَ مَفْتوحاً للتَّوْبَةِ لا يُغْلَقُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْهُ. رواه الترمذي وغيره، وَقالَ: «حديث حسن صحيح» .

قوله: «حك» ، أي: أثَّر. والهوى: الحب.

وفي الحديث: فضل حب الله ورسوله والأخيار أحياء وأمواتًا.

وفيه: فضل العلم وأهله، وفي صحيح مسلم، قال أنس: «ما فرحنا فرحًا أشد ما فرحنا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المرء مع من أحب» . وقال أنس: «

أنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر، فأرجو أن أكون معهم، وإن لم أعمل بعملهم» .

[٢٠] وعن أبي سَعيد سَعْدِ بنِ مالكِ بنِ سِنَانٍ الخدريِّ - رضي الله عنه - أنّ نَبِيَّ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وتِسْعينَ نَفْساً، فَسَأَلَ عَنْ أعْلَمِ أَهْلِ الأرضِ، فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ. فقال: إنَّهُ قَتَلَ تِسعَةً وتِسْعِينَ نَفْساً فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوبَةٍ؟ فقالَ: لا، فَقَتَلهُ فَكَمَّلَ بهِ مئَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرضِ، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ. فقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِئَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فقالَ: نَعَمْ، ومَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إِلى أرضِ كَذَا وكَذَا فإِنَّ بِهَا أُناساً يَعْبُدُونَ الله تَعَالَى فاعْبُدِ الله مَعَهُمْ، ولا تَرْجِعْ إِلى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أرضُ سُوءٍ، فانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ، فاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ ومَلائِكَةُ العَذَابِ. فَقَالتْ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِباً، مُقْبِلاً بِقَلبِهِ إِلى اللهِ تَعَالَى، وقالتْ مَلائِكَةُ العَذَابِ: إنَّهُ لمْ يَعْمَلْ خَيراً قَطُّ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ في صورَةِ آدَمِيٍّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ - أيْ حَكَماً - فقالَ: قِيسُوا ما بينَ الأرضَينِ فَإلَى أيّتهما كَانَ أدنَى فَهُوَ لَهُ. فَقَاسُوا فَوَجَدُوهُ أدْنى إِلى الأرْضِ التي أرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلائِكَةُ الرَّحمةِ» . مُتَّفَقٌ عليه.

وفي رواية في الصحيح: «فَكَانَ إلى القَريَةِ الصَّالِحَةِ أقْرَبَ بِشِبْرٍ فَجُعِلَ مِنْ أهلِهَا» .

وفي رواية في الصحيح: «فَأَوحَى الله تَعَالَى إِلى هذِهِ أَنْ تَبَاعَدِي،

وإِلَى هذِهِ أَنْ تَقَرَّبِي، وقَالَ: قِيسُوا مَا بيْنَهُما، فَوَجَدُوهُ إِلى هذِهِ أَقْرَبَ بِشِبْرٍ فَغُفِرَ لَهُ» . وفي رواية: «فَنَأى بصَدْرِهِ نَحْوَهَا» .

في هذا الحديث: فضل العلم على العبادة.

وفيه: والهجرة من دار العصيان، ومقاطعة إخوان السوء، واستبدالهم بصحبة أهل الخير والصلاح.

وفيه: دليل على أنَّ القاضي إذا تعارضت الأقوال عنده، يحكم بالقرائن.

وفيه: أن الذنوب وإن عظمت، فعفو الله أعظم منها. وأن من صدق في توبته، تاب الله عليه، ولو لم يعمل خيرًا إذا عزم على فعله.

[٢١] وعن عبدِ الله بن كعبِ بنِ مالكٍ، وكان قائِدَ كعبٍ - رضي الله عنه - مِنْ بَنِيهِ حِينَ عمِيَ، قَالَ: سَمِعتُ كَعْبَ بنَ مالكٍ - رضي الله عنه - يُحَدِّثُ بحَديثهِ حينَ تَخلَّفَ عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في غَزْوَةِ تَبُوكَ. قَالَ كعبٌ: لَمْ أتَخَلَّفْ عَنْ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في غَزْوَةٍ غزاها قط إلا في غزوة تَبُوكَ، غَيْرَ أنّي قَدْ تَخَلَّفْتُ في غَزْوَةِ بَدْرٍ، ولَمْ يُعَاتَبْ أَحَدٌ تَخَلَّفَ عَنْهُ؛ إِنَّمَا خَرَجَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - والمُسْلِمُونَ يُريدُونَ عِيرَ قُرَيْشٍ حَتَّى جَمَعَ الله تَعَالَى بَيْنَهُمْ وبَيْنَ عَدُوِّهمْ عَلَى غَيْر ميعادٍ. ولَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - لَيلَةَ العَقَبَةِ حينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الإِسْلامِ، وما أُحِبُّ أنَّ لي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ، وإنْ كَانَتْ بدرٌ أذْكَرَ في النَّاسِ مِنْهَا. وكانَ مِنْ خَبَري حينَ تَخَلَّفْتُ عَنْ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في غَزْوَةِ تَبُوكَ أنِّي لم أكُنْ قَطُّ أَقْوى ولا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عنْهُ في تِلكَ

الغَزْوَةِ،

وَالله ما جَمَعْتُ قَبْلَهَا رَاحِلَتَيْنِ قَطُّ حَتَّى جَمَعْتُهُمَا في تِلْكَ الغَزْوَةِ وَلَمْ يَكُنْ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُريدُ غَزْوَةً إلا وَرَّى بِغَيرِها حَتَّى كَانَتْ تلْكَ الغَزْوَةُ، فَغَزَاها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في حَرٍّ شَديدٍ، واسْتَقْبَلَ سَفَراً بَعِيداً وَمَفَازاً، وَاستَقْبَلَ عَدَداً كَثِيراً، فَجَلَّى للْمُسْلِمينَ أمْرَهُمْ ليتَأهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهمْ فأَخْبرَهُمْ بوَجْهِهِمُ الَّذِي يُريدُ، والمُسلِمونَ مَعَ رسولِ الله كثيرٌ وَلا يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ (يُريدُ بذلِكَ الدّيوَانَ) قَالَ كَعْبٌ: فَقَلَّ رَجُلٌ يُريدُ أنْ يَتَغَيَّبَ إلا ظَنَّ أنَّ ذلِكَ سيخْفَى بِهِ ما لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْيٌ مِنَ الله، وَغَزا رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - تِلْكَ الغَزوَةَ حِينَ طَابَت الثِّمَارُ وَالظِّلالُ، فَأنَا إلَيْهَا أصْعَرُ، فَتَجَهَّزَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وَالمُسْلِمُونَ مَعَهُ وطَفِقْتُ أغْدُو لكَيْ أتَجَهَّزَ مَعَهُ، فأرْجِعُ وَلَمْ أقْضِ شَيْئاً، وأقُولُ في نفسي: أنَا قَادرٌ عَلَى ذلِكَ إِذَا أَرَدْتُ، فَلَمْ يَزَلْ يَتَمادى بي حَتَّى اسْتَمَرَّ بالنَّاسِ الْجِدُّ، فأصْبَحَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - غَادياً والمُسْلِمُونَ مَعَهُ وَلَمْ أقْضِ مِنْ جِهَازي شَيْئاً، ثُمَّ غَدَوْتُ فَرَجَعْتُ وَلَمْ أقْضِ شَيئاً، فَلَمْ يَزَلْ يَتَمَادَى بي حَتَّى أسْرَعُوا وتَفَارَطَ الغَزْوُ، فَهَمَمْتُ أنْ أرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ، فَيَا لَيْتَني فَعَلْتُ، ثُمَّ لم يُقَدَّرْ ذلِكَ لي، فَطَفِقْتُ إذَا خَرَجْتُ في النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَحْزُنُنِي أنِّي لا أرَى لي أُسْوَةً، إلا رَجُلاً مَغْمُوصَاً عَلَيْهِ في النِّفَاقِ، أوْ رَجُلاً مِمَّنْ عَذَرَ اللهُ تَعَالَى ... مِنَ الضُّعَفَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى بَلَغَ

تَبُوكَ، فَقَالَ وَهُوَ جَالِسٌ في القَوْمِ بِتَبُوكَ: «ما فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ؟» فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: يا رَسُولَ اللهِ، حَبَسَهُ بُرْدَاهُ والنَّظَرُ في عِطْفَيْهِ. فَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ - رضي الله عنه -: بِئْسَ مَا قُلْتَ! واللهِ يا رَسُولَ اللهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إلا خَيْرَاً،

فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. فَبَيْنَا هُوَ عَلى ذَلِكَ رَأى رَجُلاً مُبْيِضاً يَزُولُ بِهِ السَّرَابُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ» ، فَإذَا هُوَ أبُو خَيْثَمَةَ الأنْصَارِيُّ وَهُوَ الَّذِي تَصَدَّقَ بِصَاعِ التَّمْرِ حِيْنَ لَمَزَهُ المُنَافِقُونَ.

قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ تَوَجَّهَ قَافِلاً مِنْ تَبُوكَ حَضَرَنِي بَثِّي، فَطَفِقْتُ أتَذَكَّرُ الكَذِبَ وأقُولُ: بِمَ أخْرُجُ مِنْ ... سَخَطِهِ ... غَدَاً؟ وأسْتَعِيْنُ عَلى ذَلِكَ بِكُلِّ ذِي رأْيٍ مِنْ أهْلِي، فَلَمَّا قِيْلَ: إنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قّدْ أظَلَّ قَادِمَاً، زَاحَ عَنّي البَاطِلُ حَتَّى عَرَفْتُ أَنِّي لَنْ أَنْجُوَ مِنْهُ بِشَيءٍ أَبَداً، فَأجْمَعْتُ صدْقَهُ وأَصْبَحَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قَادِماً، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالمَسْجِدِ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذلِكَ جَاءهُ المُخَلَّفُونَ يَعْتَذِرونَ إِلَيْه ويَحْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضْعاً وَثَمانينَ رَجُلاً، فَقَبِلَ مِنْهُمْ عَلانِيَتَهُمْ وَبَايَعَهُمْ واسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلى الله تَعَالَى، حَتَّى جِئْتُ، فَلَمَّا سَلَّمْتُ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغْضَبِ. ثُمَّ قَالَ: «تَعَالَ» ، فَجِئْتُ أمْشي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فقالَ لي: «مَا خَلَّفَكَ؟ ألَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟» قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ الله، إنّي والله لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أهْلِ الدُّنْيَا لَرَأيتُ أنِّي سَأخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ؛ لقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلاً، ولَكِنِّي والله لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ اليوم حَدِيثَ كَذبٍ تَرْضَى به عنِّي لَيُوشِكَنَّ الله أن يُسْخِطَكَ عَلَيَّ،

وإنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ إنّي لأَرْجُو فِيهِ عُقْبَى الله - عز وجل -، والله ما كَانَ لي مِنْ عُذْرٍ، واللهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ. قَالَ: فقالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «أمَّا هَذَا فقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ

اللهُ فيكَ» . وَسَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَة فاتَّبَعُوني فَقالُوا لِي: واللهِ مَا عَلِمْنَاكَ أذْنَبْتَ ذَنْباً قَبْلَ هذَا لَقَدْ عَجَزْتَ في أنْ لا تَكونَ اعتَذَرْتَ إِلَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - بما اعْتَذَرَ إليهِ المُخَلَّفُونَ، فَقَدْ كَانَ كَافِيكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَارُ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - لَكَ. قَالَ: فَوالله ما زَالُوا يُؤَنِّبُونَنِي حَتَّى أَرَدْتُّ أَنْ أرْجعَ إِلَى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فأُكَذِّبَ نَفْسِي، ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَقِيَ هذَا مَعِيَ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ، لَقِيَهُ مَعَكَ رَجُلانِ قَالا مِثْلَ مَا قُلْتَ، وَقيلَ لَهُمَا مِثْلَ مَا قيلَ لَكَ، قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هُما؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ الرَّبيع الْعَمْرِيُّ، وهِلَالُ ابنُ أُمَيَّةَ الوَاقِفِيُّ؟ قَالَ: فَذَكَرُوا لِي رَجُلَينِ صَالِحَينِ قَدْ شَهِدَا بَدْراً فيهِما أُسْوَةٌ، قَالَ: فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُما لِي. ونَهَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - عَنْ كَلامِنا أيُّهَا الثَّلاثَةُ مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، فاجْتَنَبَنَا النَّاسُ - أوْ قَالَ: تَغَيَّرُوا لَنَا - حَتَّى تَنَكَّرَتْ لي في نَفْسي الأَرْض، فَمَا هِيَ بالأرْضِ الَّتي أعْرِفُ، فَلَبِثْنَا عَلَى ذلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً. فَأمّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانا وقَعَدَا في بُيُوتِهِمَا يَبْكيَان. وأمَّا أنَا فَكُنْتُ أشَبَّ الْقَومِ وأجْلَدَهُمْ فَكُنْتُ أخْرُجُ فَأشْهَدُ الصَّلَاةَ مَعَ المُسْلِمِينَ، وأطُوفُ في الأَسْوَاقِ وَلا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ، وَآتِي رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فأُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَهُوَ في مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَأَقُولُ في نَفسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْه برَدِّ السَّلام أَمْ لا؟ ثُمَّ أُصَلِّي قَريباً مِنْهُ وَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أقْبَلْتُ عَلَى صَلاتِي نَظَرَ إلَيَّ وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أعْرَضَ عَنِّي،

حَتَّى إِذَا طَال ذلِكَ عَلَيَّ مِنْ جَفْوَةِ المُسْلِمينَ مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ جِدارَ حائِط أبي قَتَادَةَ وَهُوَ ابْنُ عَمِّي وأَحَبُّ النَّاس إِلَيَّ، فَسَلَّمْتُ عَلَيهِ فَوَاللهِ مَا رَدَّ عَليَّ السَّلامَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ، أنْشُدُكَ بالله هَلْ تَعْلَمُنِي

أُحِبُّ الله وَرَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم -؟ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ فَنَاشَدْتُهُ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ فَنَاشَدْتُهُ، فَقَالَ: اللهُ ورَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَفَاضَتْ عَيْنَايَ، وَتَوَلَّيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ الجِدَارَ، فَبَيْنَا أَنَا أمْشِي في سُوقِ الْمَدِينة إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ نَبَطِ ... أهْلِ الشَّام مِمّنْ قَدِمَ بالطَّعَامِ يَبيعُهُ بِالمَدِينَةِ يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؟ فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ إلَيَّ حَتَّى جَاءنِي فَدَفَعَ إِلَيَّ كِتَاباً مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ، وَكُنْتُ كَاتباً. فَقَرَأْتُهُ فإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ، فإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنا أنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللهُ بدَارِ هَوانٍ وَلا مَضْيَعَةٍ، فَالْحَقْ بنَا نُوَاسِكَ، فَقُلْتُ حِينَ قَرَأْتُهَا: وَهَذِهِ أَيضاً مِنَ البَلاءِ، فَتَيَمَّمْتُ بهَا التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهَا، حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ مِنَ الْخَمْسينَ وَاسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ إِذَا رسولُ ... رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يَأتِيني، فَقالَ: إنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَأمُرُكَ أنْ تَعْتَزِلَ امْرَأتَكَ، فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا أمْ مَاذَا أفْعَلُ؟ فَقالَ: لا، بَلِ اعْتَزِلْهَا فَلا تَقْرَبَنَّهَا، وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَيَّ بِمِثْلِ ذلِكَ. فَقُلْتُ لامْرَأتِي: الْحَقِي بِأهْلِكِ فَكُوني عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ في هَذَا الأمْرِ. فَجَاءتِ امْرَأةُ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ الله، إنَّ هِلَالَ بْنَ أمَيَّةَ شَيْخٌ ضَائِعٌ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ، فَهَلْ تَكْرَهُ أنْ أخْدُمَهُ؟ قَالَ: «لا، وَلَكِنْ لا يَقْرَبَنَّكِ» فَقَالَتْ: إِنَّهُ واللهِ ما بِهِ مِنْ حَرَكَةٍ إِلَى شَيْءٍ، وَوَالله مَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ

كَانَ مِنْ أمْرِهِ مَا كَانَ إِلَى يَومِهِ هَذَا. فَقَالَ لي بَعْضُ أهْلِي: لَو اسْتَأْذَنْتَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - في امْرَأَتِكَ فَقَدْ أَذِن لاِمْرَأةِ هلَال بْنِ أمَيَّةَ أنْ تَخْدُمَهُ؟ فَقُلْتُ: لا أسْتَأذِنُ فيها رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وَمَا يُدْرِيني مَاذَا يقُول رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إِذَا اسْتَأْذَنْتُهُ، وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌ! فَلَبِثْتُ بِذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ فَكَمُلَ لَنا

خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينَ نُهِيَ عَنْ كَلَامِنا، ثُمَّ صَلَّيْتُ صَلَاةَ الْفَجْرِ صَبَاحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحالِ الَّتي ذَكَرَ الله تَعَالَى مِنَّا، قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسي وَضَاقَتْ عَلَيَّ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أوفَى عَلَى سَلْعٍ يَقُولُ بِأعْلَى صَوتِهِ: يَا كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أبْشِرْ، فَخَرَرْتُ سَاجِداً، وَعَرَفْتُ أنَّهُ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ. فآذَنَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - النَّاسَ بِتَوْبَةِ الله - عز وجل - عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلاةَ الفَجْر فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا، فَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرونَ وَرَكَضَ رَجُلٌ ... إِلَيَّ فَرَساً وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أسْلَمَ قِبَلِي، وَأَوْفَى عَلَى الْجَبَلِ، فَكانَ الصَّوْتُ أسْرَعَ مِنَ الفَرَسِ، فَلَمَّا جَاءني الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُني نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُمَا إيَّاهُ بِبشارته، وَاللهِ مَا أمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ، وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبسْتُهُما، وَانْطَلَقْتُ أتَأمَّمُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَتَلَقَّاني النَّاسُ فَوْجاً ... فَوْجاً يُهنِّئونَني بالتَّوْبَةِ وَيَقُولُونَ لِي: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ الله عَلَيْكَ. حَتَّى ... دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - جَالِسٌ حَوْلَه النَّاسُ، فَقَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ - رضي الله عنه - يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَني وَهَنَّأَنِي، والله مَا قَامَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرينَ غَيرُهُ - فَكَانَ كَعْبٌ لا يَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ -.

قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ

مِنَ السُّرُور: «أبْشِرْ بِخَيْرِ يَومٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُذْ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ» فَقُلْتُ: أمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُول الله أَمْ مِنْ عِندِ الله؟ قَالَ: «لا، بَلْ مِنْ عِنْدِ الله - عز وجل -» ، وَكَانَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّ وَجْهَهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ وَكُنَّا نَعْرِفُ ذلِكَ مِنْهُ، فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ: يَا رسولَ الله،

إنَّ مِنْ تَوْبَتِي أنْ أنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولهِ. فَقَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «أمْسِكَ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ ... لَكَ» . فقلتُ: إِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيبَر. وَقُلْتُ: يَا رسولَ الله، إنَّ الله تَعَالَى إِنَّمَا أنْجَانِي بالصِّدْقِ، وإنَّ مِنْ تَوْبَتِي أنْ لا أُحَدِّثَ إلا صِدْقاً مَا بَقِيتُ، فوَالله مَا عَلِمْتُ أَحَداً مِنَ المُسْلِمينَ أبْلاهُ الله تَعَالَى في صِدْقِ الحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذلِكَ لِرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أحْسَنَ مِمَّا أبْلانِي الله تَعَالَى، واللهِ مَا تَعَمَّدْتُ كِذْبَةً مُنْذُ قُلْتُ ذلِكَ لِرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إِلَى يَومِيَ هَذَا، وإنِّي لأرْجُو أنْ يَحْفَظَنِي الله تَعَالَى فيما بَقِيَ، قَالَ: فأَنْزَلَ الله تَعَالَى: {لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ} حَتَّى بَلَغَ: {إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيم وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} حَتَّى بَلَغَ: {اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} ... [التوبة (١١٧: ١١٩) ] قَالَ كَعْبٌ: واللهِ ما أنْعَمَ الله عَليَّ مِنْ نعمةٍ قَطُّ بَعْدَ إذْ هَدَاني اللهُ للإِسْلامِ أَعْظَمَ في نَفْسِي مِنْ صِدقِي رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أنْ لا أكونَ كَذَبْتُهُ، فَأَهْلِكَ كما هَلَكَ الَّذينَ كَذَبُوا؛ إنَّ الله تَعَالَى قَالَ للَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أنْزَلَ الوَحْيَ شَرَّ مَا قَالَ لأَحَدٍ، فقال الله تَعَالَى: {سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [التوبة (٩٥، ٩٦) ]

قَالَ كَعْبٌ: كُنّا خُلّفْنَا أيُّهَا الثَّلَاثَةُ عَنْ أمْرِ أُولئكَ الذينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حِينَ حَلَفُوا لَهُ فَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ وأرجَأَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -

أمْرَنَا حَتَّى قَضَى الله تَعَالَى فِيهِ بذِلكَ. قَالَ الله تَعَالَى: {وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} وَليْسَ الَّذِي ذَكَرَ مِمَّا خُلِّفْنَا تَخلُّفُنَا عن الغَزْو، وإنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إيّانا وإرْجَاؤُهُ أمْرَنَا عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ واعْتَذَرَ إِلَيْهِ فقبِلَ مِنْهُ. مُتَّفَقٌ عليه.

وفي رواية: أنَّ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - خَرَجَ في غَزْوَةِ تَبْوكَ يَومَ الخَميسِ وكانَ يُحِبُّ أنْ يخْرُجَ يومَ الخمِيس.

وفي رواية: وكانَ لا يقْدمُ مِنْ سَفَرٍ إلا نَهَاراً في الضُّحَى، فإِذَا قَدِمَ بَدَأَ بالمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ فِيهِ.

في هذا الحديث: أكثر من أربعين فائدة، منها: فضيلة الصدق، والحكم بالظاهر، وأنَّ القوي في الدين يؤاخذ بأشد مما يؤاخذ ضعيف الدين.

وفيه: جواز هجران المذنب أكثر من ثلاث إذا ظهرت فائدته، ولم يترتب عليه مفسدة، واستحباب الصدقة عند التوبة. وبالله التوفيق.

[٢٢] وَعَنْ أبي نُجَيد - بضَمِّ النُّونِ وفتحِ الجيم - عِمْرَانَ بنِ الحُصَيْنِ الخُزَاعِيِّ رضي الله عنهما: أنَّ امْرَأةً مِنْ جُهَيْنَةَ أتَتْ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وَهِيَ حُبْلَى مِنَ الزِّنَى، فقالتْ: يَا رسولَ الله، أصَبْتُ حَدّاً فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعَا نَبيُّ الله - صلى الله عليه وسلم - وَليَّها، فقالَ: «أَحْسِنْ إِلَيْهَا، فإذا وَضَعَتْ فَأْتِني» فَفَعَلَ فَأَمَرَ بهَا نبيُّ الله - صلى الله عليه وسلم -، فَشُدَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا. فقالَ لَهُ عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيْهَا يَا رَسُول الله وَقَدْ

زَنَتْ؟ قَالَ: «لَقَدْ

تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أهْلِ المَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدْتَ أَفضَلَ مِنْ أنْ جَادَتْ بنفْسِها لله - عز وجل -؟!» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: دليل على أنَّ الحد يكفر الذنب، وأنه يصلي على المرجوم.

وفيه: بيان عظم التوبة، وأنها تَجُبُّ الذنب وإن عظم.

وفي رواية: «ثم أمر بها، فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها، فيقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها، فتنضَّح الدم على وجه خالد فسبَّها، فسمع النبي - صلى الله عليه وسلم - سبّه إياها، فقال: مهلاً يا خالد، فوالذي نفسي بيده، لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغُفر له، ثم أمر بها فصلى عليها ودُفنت» .

قال النووي: فيه: أن المكس من أقبح المعاصي والذنوب الموبقات، وذلك لكثرة مطالبات الناس له، وظلاماتهم عنده، تكرار ذلك منه، وانتهاكه للناس، وأخذ أموالهم بغير حقها، وصرفها في غير وجهها. انتهى والله المستعان.

[٢٣] وعن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما أنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: «لَوْ أنَّ لابنِ آدَمَ وَادِياً مِنْ ذَهَبٍ أحَبَّ أنْ يكُونَ لَهُ وَادِيانِ، وَلَنْ يَمْلأَ فَاهُ إلا التُّرَابُ، وَيَتْوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ» . مُتَّفَقٌ عليه.

في هذا الحديث: دليل على أنَّ الإِنسان لا يزال حريصًا على الدنيا حتى يموت، ويمتلئ جوفه من تراب قبره، إلا من لطف الله به. قال الله تعالى:

{إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} الآيات [المعارج (١٩: ٢٥) ] .

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.3 / 29.5
الإضاءة 79%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
أستغفر الله