سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «قَالَ الله تَعَالَى: يَا ابْنَ…

الإسلام > حديث > رياض الصالحين > حديث ٤٤٢

الحديث رقم ٤٤٢ من كتاب «بداية الكتاب» في رياض الصالحين، تحت باب: باب فضل الرجاء.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: - صلى الله عليه وسلم - يقول: «قال الله…

سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «قَالَ الله تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ، إنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ وَلَا أُبَالِي. يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَت ذُنُوبُك عَنَانَ السَّماءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي. يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقَيْتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، لأَتَيْتُكَ بقُرَابِها مَغْفِرَةً». رواه الترمذي، (١) وقال: «حديث حسن».

«عَنَانُ السَّماءِ» بفتح العين، قيل: هو مَا عَنَّ لَكَ مِنْهَا، أيْ: ظَهَرَ إِذَا رَفَعْتَ رَأَسَكَ، وقيل: هو السَّحَابُ. وَ «قُرابُ الأَرض» بضم القاف، وقيل: بكسرها، والضم أصح وأشهر، وَهُوَ: مَا يقارب مِلأَهَا، والله أعلم.

[٥٣ - باب الجمع بين الخوف والرجاء]

اعْلَمْ أَنَّ المُخْتَارَ لِلْعَبْدِ في حَالِ صِحَّتِهِ أَنْ يَكُونَ خَائفًا رَاجِيًا، وَيَكُونَ خَوْفُهُ وَرَجَاؤُهُ سَواءً، وفي حَالِ المَرَضِ يُمحَّضُ الرَّجاءُ، وقواعِدُ الشَّرْع مِنْ نصُوصِ الكِتَابِ والسُّنَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مُتظاهِرَةٌ عَلَى ذلك.

قَالَ الله تَعَالَى: {فَلَا يَأمَنُ مَكْرَ الله إِلَاّ القَوْمُ الخَاسِرونَ} [الأعراف: ٩٩]، وقال تَعَالَى: {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَاّ القَوْمُ الكافِرُونَ} [يوسف: ٨٧]، وقال تَعَالَى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وَجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [آل عمران: ١٠٦]، وقال تَعَالَى: {إنَّ رَبَكَ لَسَرِيعُ العِقَابِ ⦗١٥٨⦘ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأعراف: ١٦٦]، وقال تَعَالَى: {إنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} [الانفطار: ١٣ - ١٤]، وقال تَعَالَى: {فَأمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ وَأمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأمُّهُ هَاوِيَةٌ} [القارعة: ٦ - ٩] والآيات في هذا المعنى كثيرةٌ. فَيَجْتَمعُ الخَوفُ والرجاءُ في آيَتَيْنِ مُقْتَرِنَتَيْنِ أَو آيات أَو آية.

سند حديث: ٤٤٢ - وعن أنس - رضي الله عنه - قَالَ:

٤٤٢ - وعن أنس - رضي الله عنه - قَالَ:

شرح مبسّط لحديث: - صلى الله عليه وسلم - يقول: «قال الله…

أَخْبَرَ النبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم أنَّ الله تباركَ وتعالى قال في الحديثِ القدسيِّ: يا ابنَ آدمَ ما دمْتَ تدْعونِي وتَرْجو رَحْمتي، ولمْ تَقْنَطْ؛ سَتَرتُ ذنبَكَ ومحوتُه غير مبالٍ فيه؛ ولو كانَ هذا الذنب والمعصية من الكبائر.
يا ابن آدم: لو كَثُرَت ذُنوبُك كثرةً تَملَأُ ما بينَ السَّماءِ والأرضِ بحيث تَبلُغُ أقطارَها وتَعُمَّ نَواحِيَها، ثمَّ استَغفَرتَني؛ محوت وغَفَرتُ لك جميعَها غيرَ مُبالٍ بكَثرتِها.

يا ابنَ آدمَ: إنَّك لو أتيتَني بعدَ الموتِ بمِلْءِ الأرضِ ذُنوبًا ومَعاصِيَ، وكنتَ قد مِتَّ مُوحِّدًا لا تُشرِكُ بي شيئًا؛ لقابَلتُ هذه الذُّنوبَ والْمعاصِيَ، بمِلْئِ الأرض، مَغفِرةً؛ لأنَّني واسِعُ المغفرةِ، وأغفِرُ كل الذنوب إلا الشِّركَ.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • سعة رحمة الله تعالى ومغفرته وفضله.
  • فضل التوحيد، وأنَّ الله يغفر للموحدين الذنوب والمعاصي.
  • خطر الشرك وأن الله لا يغفر للمشركين.
  • قال ابن رجب: وقد تضمَّن هذا الحديث الأسباب الثلاثة التي تحصل بها مغفرة الذنوب: الأول: الدعاء مع الرجاء، الثاني: الاستغفار وطلب التوبة، الثالث: الموت على التوحيد.
  • هذا الحديث مما يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه، ويسمى بالحديث القدسي أو الإلهي، وهو الذي لفظه ومعناه من الله، غير أنه ليست فيه خصائص القرآن التي امتاز بها عما سواه، من التعبد بتلاوته والطهارة له والتحدي والإعجاز وغير ذلك.
  • الذنوب ثلاثة أنواع: الأول: الشرك بالله؛ وهذا لا يغفره الله، قال الله عز وجل: {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة}، الثاني: ظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من ذنوب ومعاصي؛ فإن الله عز وجل يغفر ذلك، ويتجاوز إن شاء، الثالث: ذنوب لا يترك الله منها شيئًا؛ وهي ظلم العباد بعضهم بعضًا، فلا بد من القصاص.

درجة الحديث: حسن

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: - صلى الله عليه وسلم - يقول: «قال الله…

📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي

[٥٢ ـ باب فضل الرجاء]

قال الله تعالى إخباراً عن العبد الصالح: (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا) [غافر: ٤٤، ٤٥] .

١/٤٤٠ ـ وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((قال الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حيث يذكرني ـ والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة ـ ومن تقرب إلى شبرا؛ تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا؛ تقربت إليه باعا، وإذا أقبل إلي يمشي أقبلت إليه أهرول)) متفق عليه، وهذا لفظ إحدى روايات مسلم. وتقدم شرحه في الباب قلبه.

٢/٤٤١ ـ وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاثة أيام يقول: ((لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل)) رواه مسلم.

٢/٤٤٢ ـ وعن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تعالى: ((يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي

شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة)) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.

((عنان السماء)) بفتح العين، قيل: هو ما عنَ لك منها، أي: ظهر إذا رفعت رأسك، وقيل: هو السحاب، و ((قراب الأرض)) بضم القاف، وقيل: بكسرها، والضم أصح وأشهر، وهو ما يقارب ملأها، والله أعلم.

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب فضل الرجاء، لما ذكر رحمه الله النصوص الدالة على الرجاء وعلى سعة فضل الله وكرمه، ذكر فضل الرجاء، وأن الإنسان ينبغي له أن يكون طامعاً في فضل الله عز وجل راجياً ما عنده.

ثم ذكر قول العبد الصالح وهو الرجل المؤمن من آل فرعون الذي يكتم إيمانه، وكان ناصحاً لقومه، يناصحهم ويبين لهم بالبرهان ما هم عليه من الباطل، وما عليه موسى من الحق، وفي النهاية قال لهم: (فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) [غافر: ٤٤] .

(وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ) يعني: أجعله مفوضاً إليه، لا أعتمد على غيره، ولا أرجو إلا إياه (إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) قال الله تعالى: (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا) أي: سيئات مكرهم (وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ) [غافر: ٤٥] .

ثم ذكر حديث أبي هريرة أن الله تعالى قال في الحديث القدسي: ((أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حيث يذكرني)) . أنا عند ظن عبدي بي: يعني أن الله عند ظن عبده به؛ إن ظن به خيراً فله، وإن ظن به سوى ذلك فله، ولكن متى يحسن الظن بالله عز وجل؟

يحسن الظن بالله إذا فعل ما يوجب فضل الله ورجاءه، فيعمل الصالحات ويحسن الظن بأن الله تعالى يقبله، أما أن يحسن الطن وهو لا يعمل؛ فهذا من باب التمني على الله، ومن أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني فهو عاجز.

حسن الظن بأن يوجد من الإنسان عمل يقتضي حسن الظن بالله عز وجل، فمثلاً إذا صليت أحسن الظن بالله بأن الله يقبلها منك، إذا صمت فكذلك، إذا تصدقت فكذلك، إذا عملت عملاً صالحاً أحسن الظن بأن الله تعالى يقبل منك، أما أن تحسن الظن بالله مع مبارزتك له بالعصيان فهذا دأب العاجزين الذين ليس عندهم رأس مالٍ يرجعون إليه.

ثم ذكر أن الله سبحانه وتعالى أكرم من عبده، فإذا تقرب الإنسان إلى الله شبراً؛ تقرب الله منه ذراعاً، وإن تقرب منه ذراعا ً، تقرب منه باعاً، وإن أتاه يمشي أتاه يهرول عز وجل، فهو أكثر كرما وأسرع إجابة من عبده.

وهذه الأحاديث وأمثالها مما يؤمن يه أهل السنة والجماعة على أنه حق حقيقة لله عز وجل، لكننا لا ندري كيف تكون هذه الهرولة، وكيف يكون هذا التقرب، فهو أمر ترجع كيفيته إلى الله، وليس لنا أن نتكلم فيه، لكن نؤمن بمعناه ونفوض كيفيته، إلى الله عز وجل.

ثم ذكر المؤلف أحاديث في هذا المعنى كلها تدل على أنه ينبغي للإنسان أن يحسن الظن بالله أن يحسن الظن بالله سبحانه وتعالى، ولكن مع فعل الأسباب التي توجب ذلك. نسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم لما فيه الخير والصلاح في الدنيا والآخرة.

[٥٣ ـ باب الجمع بين الخوف والرجاء]

اعلم أن المختار للعبد في حال صحته أن يكون خائفاً راجياً، ويكون خوفه ورجاؤه سواء، وفي حال المرض يمحض الرجاء.

وقواعد الشرع من نصوص الكتاب والسنة وغير ذلك متظاهرة على ذلك،

قال الله تعالى: (فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) [االأعراف: ٩٩] . وقال تعالى: (إِنَّهُ لا يَايْئسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) [يوسف: ٨٧] . وقال تعالى: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) [آل عمران: ١٠٦] وقال تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) [الأعراف: ١٦٧] . وقال تعالى: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ) [الانفطار: ١٣، ١٤] . وقال تعالى: (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ) [القارعة: ٦، ٩] . والآيات في هذا المعني كثيرة. فيجتمع الخوف والرجاء في آيتين مقترنتين أو آيات أو آية.

١/٤٤٣ ـ وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة، ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قنط من جنته أحد)) رواه مسلم.

٢/٤٤٤ ـ وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا

وضعت الجنازة واحتملها الناس أو الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة، قالت: قدموني قدموني، وإن كانت غير صالحة، قالت يا ويلها! أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعه صعق)) رواه البخاري.

٣/٤٤٥ ـ وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك)) رواه البخاري.

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: باب الجمع بين الخوف والرجاء، وتغليب الرجاء في حال المرض.

هذا الباب قد اختلف فيه العلماء هل الإنسان يغلب جانب الرجاء أو جانب الخوف؟ .

فمنهم من قال: يغلب جانب الرجاء مطلقاً، ومنهم من قال: يغلب جانب الخوف مطلقاً.

ومنهم من قال ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه سواء، لا يغلب هذا على هذا، ولا هذا على هذا؛ لأنه إن غلب جانب الرجاء؛ أمن مكر الله، وإن غلب جانب الخوف؛ يئس من رحمة الله.

وقال بعضهم: في حال الصحة يجعل رجاءه وخوفه واحداً كما اختاره النووي رحمه الله في هذا الكتاب، وفي حال المرض يغلب الرجاء

أو يمحضه.

وقال بعض العلماء أيضاً: إذا كان في طاعة؛ فليغلب الرجاء، وأن الله يقبل منه، وإذا كان فعل المعصية؛ فليغلب الخوف؛ لئلا يقدم على المعصية.

والإنسان ينبغي له أن يكون طبيب نفسه، إذا رأى من نفسه أنه أمن من مكر الله، وأنه مقيم على معصية الله، ومتمنٍ على الله. الأماني، فليعدل عن هذه الطريق، وليسلك طريق الخوف.

وإذا رأى أن فيه وسوسة، وأنه يخاف بلا موجب؛ فليعدل عن هذا الطريق وليغلب جانب الرجاء حتى يستوي خوفه ورجاؤه.

ثم ذكر المؤلف ـ رحمه الله ـ آيات جمع الله فيها ذكر ما يوجب الخوف، وذكر ما يوجب الرجاء، ذكر فيها أهل الجنة وأهل النار، وذكر فيها صفته عز وجل وأنه شديد العقاب وأنه غفور رحيم.

وتأمل قوله تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ) [المائدة: ٩٨، ٩٩] ؛ حيث إنه في مقام التهديد والوعيد قدم ذكر شدة العقاب (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) .

وفي حالة تحدثه عن نفسه وبيان كمال صفاته قال: (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ) [الحجر: ٤٩، ٥٠] ؛ فقدم ذكر المغفرة على ذكر العذاب؛ لأنه يتحدث عن نفسه عز وجل، وعن صفاته الكاملة ورحمته التي سبقت غضبه.

ثم ذكر المؤلف أحاديث في هذا المعنى تدل على أنه يجب على

الإنسان أن يجمع بين الخوف الرجاء، مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة؛ ما طمع بجنته أحد)) .

والمراد لو يعلم علم حقيقة وعلم كيفية لا أن المراد لو يعلم علم نظر وخبر؛ فإن المؤمن يعلم ما عند الله من العذاب لأهل الكفر والضلال، لكن حقيقة هذا لا تدرك الآن، لا يدركها إلا من رقع في ذلك ـ أعاذنا الله وإياكم من عذابه.

((ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قنط من جنته أحد)) ، والمراد حقيقة ذلك، وإلا فإن الكافر يعلم أن الله غفور رحيم، ويعلم معنى المغفرة، ويعلم معنى الرحمة.

وذكر المؤلف أحاديث في معنى ذلك مثل قوله: ((الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك)) .

شراك النعل يضرب به المثل في القرب؛ لأن الإنسان لا بس نعله، فالجنة أقرب إلى أحدنا من شراك نعله؛ لأنها ربما تحصل للإنسان بكلمة واحدة، والنار مثل ذلك، ربما تحدث النار بسبب كلمة يقولها القائل، مثل الرجل الذي كان يمر على صاحب معصية فينهاه ويزجره، فلما تعب قال: والله لا يغفر الله لفلان.

فقال الله تعالى: ((من ذا الذي يتألى علىَ ألا أغفر لفلان؛ قد غفرت له وأحبطت عملك)) ، قال أبو هريرة: تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته.

فالواجب على الإنسان أن يكون طبيب نفسه في كونه يغلب كونه الخوف أو الرجاء، إن رأى نفسه تميل إلى الرجاء وإلى التهاون بالواجبات وإلى انتهاك المحرمات استناداً إلى مغفرة الله ورحمته؛ فليعدل عن هذا الطريق، وإن رأى أن عنده وسواساً، وأن الله لا يقبل منه؛ فإنه يعدل عنه هذا الطريق.

📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي

في «ألفيته» :

٦

ورسموا منقطعاً عن رجل

وفي الأصول رسمه بالمرسل

قال الشيخ العراقي في «شرحها» : قلت وفي كلام غير واحد من أهل الحديث: إنه متصل في سنده مجهول، وحكاه الرشيد العطار في الغرر المجموعة عند الأكثرين واختاره شيخنا الحافظ أبو سعيد العلائي في كتاب «جامع التحصيل» قال المصنف: وقد وقع في حاشية بعض النسخ المعتمدة قال الخلودي حدثنا محمد بن المسيب الأرعياني حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري بهذا الحديث عن أبي أسامة بإسناده اهـ. وفي «النكت على الأطراف» للحافظ: وقع لنا أن مسلماً لم يسمعه من إبراهيم إنما سمعه من محمد بن المسيب عن إبراهيم، وأخرجه البزار في «مسنده» عن إبراهيم بن سعيد، وأخرجه أبو نعيم من طريق أبي يعلى وغيره عن إبراهيم بن سعيد اهـ.

قال الشيخ العراقي في «شرحها» : قلت وفي كلام غير واحد من أهل الحديث: إنه متصل في سنده مجهول، وحكاه الرشيد العطار في الغرر المجموعة عند الأكثرين واختاره شيخنا الحافظ أبو سعيد العلائي في كتاب «جامع التحصيل» قال المصنف: وقد وقع في حاشية بعض النسخ المعتمدة قال الخلودي حدثنا محمد بن المسيب الأرعياني حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري بهذا الحديث عن أبي أسامة بإسناده اهـ. وفي «النكت على الأطراف» للحافظ: وقع لنا أن مسلماً لم يسمعه من إبراهيم إنما سمعه من محمد بن المسيب عن إبراهيم، وأخرجه البزار في «مسنده» عن إبراهيم بن سعيد، وأخرجه أبو نعيم من طريق أبي يعلى وغيره عن إبراهيم بن سعيد اهـ.

٥٢ - باب فضل الرجاء

أي ما جاء فيه من الكتاب والسنة.

(قال الله تعالى) إخباراً أي مخبراً، ويجوز أن يكون منصوباً على المصدرية يكون الإخبار من أنواع القبول (عن العبد الصالح) هو مؤمن آل فرعون (وأفوض أمري إلى ا) أي أسلمه إلى الله تعالى ليعصمني من كل سوء (إن الله بصير بالعباد) فيجيزهم وكأنه جواب بوعد المفهوم من قوله (فوقاه الله سيئات ما مكروا) شدائد مكرهم، وقال البيضاوي: وقيل الضمير لموسى.

١٤٤٠ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي أنه قال: قال الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي) قال ابن الجوزي أي في الرجاء وأمل العفو، قال القاري في «شرح الحصن الحصين» : ويؤيده ما أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: «أمر الله بعبد إلى النار فلما وقف على شفيرها التفت وقال: أما وا يا رب إن

كان ظني بك لحسن فقال الله: ردوه أنا عند ظن عبدي بي» ذكره السيوطي في «البدور السافرة» ، وعليه فانظر بمعناه: أي الطرف الراجح، وقيل بمعنى اليقين، والمعنى أنا عند يقينه بي وعلمه بأن مصيره إليّ وحسابه عليّ وأن ما قضيت له به من خير أو شر فلا مرد له لديّ.

(فائدة) : الظن في الشرع ينقسم إلى واجب كحسن الظن با تعالى، وإلى حرام كسوء الظن به تعالى، قال تعالى: {وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم} (فصلت: ٢٣) وبكل من ظاهره العدالة، ومندوب وهو حسن الظن بمن ظاهره العدالة من المسلمين، وجائز كظن السوء بمن وقف مواقف التهم (وأنا معه) أي بالرحمة والتوفيق والإعانة والنصر (حيث ذكرني) بين الملأ أو في الخلاء (وا أفرح بتوبة عبده من أحدهم يجد ضالته) الذي هو في غاية الاحتياج إليها والاضطرار كما بينته رواية أخرى في الصحيح (بالفلاة) هي كما في «المصباح» الأرض التي لا ماء فيها وجمعها فلا، قال المصنف: قال العلماء: فرح اهو رضاه، قال المازري: الفرح ينقسم إلى وجوه منها السرور، والسرور يقارنه الرضى بالمسرور به، والمراد هنا أن الله يرضى توبة عبده أشد مما يرضى واجد ضالته بالفلاة فعبر عن الرضى بالفرح تأكيداً لمعنى الرضى في نفس السامع ومبالغة في تقريره (ومن تقرّب إليّ) أي إلى فضلي ورحمتي بصالح العمل (ذراعاً تقربت منه باعاً وإذا أقبل إليّ يمشي أقبلت إليه أهرول. متفق عليه) رواه البخاري في باب الرجاء ومسلم في باب التوبة (وهذا لفظ إحدى روايات مسلم وتقدم شرحه) أي شرح قوله ومن تقرّب الخ، الموهم ظاهره المكان وجواز الأعراض على الباري سبحانه (في الباب قبله) بما حاصل أنه مؤول بأن المراد بالتقرّب إليه التقرّب إلى فضله وإحسانه بصالح العمل، والمراد بتقربه تعالى من العامل إسباغ فضله عليه زيادة على قدر عمله (وروي في الصحيحين) أي في رواية أخرى (وأنا معه حين يذكرني بالنون) فيكون منصوباً على الظرفية الزمانية (و) روي (في هذه

الرواية بالثاء) أي المثلثة (وكلاهما) أي المرويين (صحيح) زاد في شرح مسلم بعد قوله صحيح ظاهر المعنى وأفرد الخبر باعتبار لفظ «كلا» وهو الأصح، قال تعالى: {كلتا الجنتين آتت أكلها} (الكهف: ٣٣) ويجوز مطابقة معناهما وقد اجتمع الاستعمالان في قوله:

كلاهما حين جد الجري بينهما

قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي

٢٤٤١ - (وعن جابر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل موته) أي قبل موت النبيّ (بثلاثة أيام) كما صرح به في مسلم (يقول: لا يموتن أحدكم إلا وهو محسن الظن با عزّ وجل) قال المصنف: وفي رواية «وهو يحسن الظن با» قال العلماء: هذا تحذير من القنوط وحث على الرجاء عند الخاتمة، وقد سبق «أنا عند ظن عبدي بي» قال العلماء: معنى إحسان الظن با أن يظن أنه يرحمه ويعفو عنه، قالوا وفي حال الصحة يكون خائفاً راجياً وسيأتي الخلاف في أنهما هل يكونان متساويين حينئذٍ أولا؟، وإذا دنت أمارات الموت غلب الرجاء أو محضه لأن مقصود الخوف الانكفاف عن المعاصي والقبائح والحرص على إكثار الطاعة وصالح العمل، وقد تعذر ذلك أو معظمه في هذه الحال فاستحب إحسان الظن المتضمن للافتقار إلى الله تعالى والإذعان له، ويؤيده حديث «يبعث كل عبد على ما مات عليه» قال العلماء: معناه يبعث على الحال التي مات عليها، قال القرطبي نهى أن يموتوا على غير حالة حسن الظن، وذلك ليس بمقدورهم بل المراد الأمر بتحسين الظن ليوافي الموت وهو عليه اهـ. ونظيره قوله تعالى: {ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} (البقرة: ١٣٢) وفي «الديباجة» للدميري في «مروج الذهب» عن فقير بن مسكين. قال: دخلت على الشافعي أعوده في مرض موته فقلت له كيف أصبحت يا أبا عبد الله قال أصبحت من الدنيا راحلاً ولإخواني مفارقاً

ولكأس المنية شارباً ولا أدري إلى الجنة تسير روحي فأهنيها أم إلى النار فأعزيها، وأنشأ يقول:

لما قسا قلبي وضاقت مذاهبي

جعلت الرجا مني لعفوك سلما

تعاظمني ذنبي فلما قرنته

بعفوك ربي كان عفوك أعظما اهـ.

وما يعزى للرافعي قوله:

إذا أمسى فراشي من تراب

وصرت مجاور الرب الرحيم

فهنون أحبائي وقولوا

لكل البشرى قدمت على كريم

٣٤٤٢ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: قال الله تعالى يا ابن آدم) نداء لم يرد به واحد معين عدل إليه ليعلم من يتأتى نداؤه، وآدم عربي مشتق من أديم الأرض أي وجهها، وأصله أأدم بهمزتين وزن أفعل فأبدلت الثانية ألفاً ومنع الصرف للعلمية والوزن، وقيل أعجمي وعليه فمنع صرفه للعلمية والعجمة وأضيف إليه المنادى للعموم لأن إضافته المفرد تقيده فالنداء هنا لا يختص به منادى دون آخر (إنك ما دعوتني ورجوتني) أي مدة دعائك إياي نفعاً وصلاحاً وتأميلك خبر ما عندي (غفرت لك ما كان منك) أي محوت ما كان من الذنوب منك كذنب الكفر بالإيمان وغيره بالاستغفار (ولا أبالي) بما كان منك منها عظم أولا، وذلك لحسن رجاء العبد وا عند حسن ظن عبده به (يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء) أي ما يملأ ما بينها وبين الأرض لو كان جسماً (ثم استغفرتني) أي سألتني غفران ذلك (غفرت لك) إياها وذلك لأنه تعالى كريم يقيل العثرات ويغفر الزلات وهذا مثال بالغ في الكثرة جيء به تنبيهاً على أن كرمه وفضله ورحمته لا تتناهى وأنها أكثر وأوسع مما ذكر (يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض) أي ما يقارب ملأها (خطايا) جمع خطيئة، قال في «الصحاح» : وكان الأصل خطائىء على فعائل فلما اجتمعت الهمزتان قلبت ياء لأن قبلها كسرة ثم استثقلت والجمع ثقيل وهو معتل مع ذلك فقلبت الياء ألفاً ثم قلبت الهمزة الأولى ياء لخفائها بين الألفين اهـ. (ثم لقيتني لا تشرك

بي) جملة في محل الحال من الفاعل (شيئاً) أي من الشرك أو من المعبودات (لأتيتك بقرابها مغفرة) أي لغفرتها لك وذلك لأن الإيمان به تعالى شرط في العفو عن الذنب غير الشرك لأنه أصل يبنى عليه قبول الطاعة والعفو عن المعصية، بخلاف الشرك إذ لا أصل معه يبنى عليه العفو عنه ولا بد أن يضم إلى الإيمان با تعالى الإيمان بنبيه محمد وبما جاء به هذا، والمراد من «أتيتك» غايته من المغفرة، أو إرادتها لاستحالته عليه وأتى به مشاكلة، والحديث من الأحاديث القدسية (رواه الترمذي وقال حديث حسن) زاد في «الجامع» بعد قوله حسن: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. قال الحافظ العلائي في الأربعين: قلت: يعني غريباً من جهة أنس، وقد روي من حديث ابن عباس وأبي ذر ثم أخرج حديث ابن عباس من طريق الطبراني وحديث أبي ذر من طريقين وقال بعد إخراجه رواه الحافظ أبو عوانة في «صحيحه» . قلت وذكر السخاوي في «تخريج الأربعين» الحديث التي جمعها المصنف أن لحديث أنس طريقاً آخر غير طريق الترمذي عند ابن فنجويه بنحو الحديث المذكور وقال بعد تخريجه سنده ضعيف والأوّل أصح (عنان السماء بفتح العين) المهملة وبنونين خفيفتين (قيل هو ما عنَّ) بتشديد النون (لك منها أي ظهر إذا رفعت رأسك، وقيل هو السحاب) هو ما اقتصر عليه صاحب «المصباح المنير» ، وعبارته: العنان قيل السحاب وزناً ومعنى الواحدة عنانة (وقراب الأرض بضم القاف وقيل بكسرها والضم أصح وأشهر، وهو ما يقارب ملأها) تقدم الكلام من المصنف أوائل باب الرجاء، وتقدم ما يتعلق به من الشرح ثمة.

📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري

[٥٢- باب فضل الرجاء]

قَالَ الله تَعَالَى إخباراً عن العبدِ الصالِحِ: {وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلى اللهِ إنَّ اللهَ بَصِيرٌ بالعِبَادِ فَوَقَاهُ الله سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا} [غافر (٤٤، ٤٥) ] .

يُخبر تعالى عن مؤمن آل فرعون حين دعاهم إلى التوحيد، وتصديق موسى، ونهاهم عن الشرك، فتوعَّدوه أنَّه قال: {فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ} [غافر (٤٤) ] . أي: وأتوكل عليه، وأستعين، فيعصمني عن كل سوء، {إن اله بصير بالعباد} ، فيهدي من يستحق الهداية ويضل من يستحق الإضلال، وله الحجة البالغة، والحكمة التامة، {فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا} ، ما أرادوا به من الشر.

قال قتادة: نجا مع موسى وكان قبطيًّا.

[٤٤٠] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أَنَّهُ قَالَ: «قَالَ الله - عز وجل -: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنا معه حَيْثُ يَذْكُرنِي، وَاللهِ، للهُ أفْرَحُ بِتَوبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أحَدِكُمْ يَجِدُ ضَالَّتَهُ بالفَلَاةِ، وَمَنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ شِبْراً، تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعاً، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعاً، تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعاً، وَإِذَا أقْبَلَ إِلَيَّ يَمْشِي أقْبَلْتُ إِلَيْهِ أُهَرْوِلُ» متفقٌ عليه، وهذا لفظ إحدى روايات مسلم. وتقدم شرحه في الباب قبله.

ورُوِيَ في الصحيحين: «وأنا معه حين يذكرني» بالنون، وفي هذه الرواية «حيث» بالثاء وكلاهما صحيح.

قوله عزَّ وجل: «أنا عند ظن عبدي بي» ، أي في الرجاء، وأمل العفو، «وأنا معه» ، أي: بالرحمة، والتوفيق، والإِعانة، والنصر، ... «حيث ذكرني في نفسه أو في الملأ» .

وفي الحديث: لطف الله بعباده، وفرحه بتوبتهم، وأن من تقرب إليه بطاعته، تقرب إليه بإحسانه، وفضله، وجزائه المضاعف.

[٤٤١] وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبلَ مَوْتِه بثَلاثَةِ أيّام، يقولُ: «لا يَمُوتَنّ أحَدُكُمْ إلا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بالله - عز وجل -» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: الحث على حسن الظن بالله تعالى، والتحذير من القنوط خصوصًا عند الخاتمة، قال الله تعالى: {وَلا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنتُم

مُّسْلِمُونَ} [آل عمران (١٠٢) ] ، وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - في مرض موته:

ولما قسى قلبي وضاقت مذاهبي ... ?? ... جعلت الرجَاء مني لعفوك سُلَّما ... ???

تعاظمني ذنبي فلما قرنته ... ? ... بعفوك ربي كان عفوك أعظما ... ??

[٤٤٢] وعن أنس - رضي الله عنه - قَالَ: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «قَالَ الله تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ، إنَّكَ ما دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ وَلا أُبَالِي. يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغت ذُنُوبُك عَنَانَ السماءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلا أُبَالِي. يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ لَوْ أتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايا، ثُمَّ لَقَيْتَنِي لا تُشْرِكُ بِي شَيْئاً، لأَتَيْتُكَ بقُرَابِها مَغْفِرَةً» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

«عَنَانُ السَّماءِ» بفتح العين، قيل: هو مَا عَنَّ لَكَ مِنْهَا، أيْ: ظَهَرَ إِذَا رَفَعْتَ رَأسَكَ، وقيل: هو السَّحَابُ. وَ «قُرابُ الأَرض» بضم القاف، وقيل: بكسرها، والضم أصح وأشهر، وَهُوَ: مَا يقارب مِلأَهَا، والله أعلم.

في هذا الحديث: بشارة عظيمة، وحلم، وكرم عظيم.

قال الحسن: أكثروا من الاستغفار في بيوتكم، وعلى موائدكم، وفي طرقكم، وأسواقكم، ومجالسكم، وأينما كنتم، فإنكم ما تدرون متى تنزل المغفرة.

وقال قتادة: إن هذا القرآن يدّلكم على دائكم ودوائكم، فأمَّا داؤكم فالذنوب، وأما دواؤكم فالاستغفار.

قال بعضهم:

أستغفر الله مما يعلمُ اللهُ ... ?? ... إِنَّ الشقيَّ لَمن لا يرحمُ اللهُ ... ???

مَا أحلمَ الله عمن لا يراقبه ... ?? ... كلٌّ مسيء ولكن يحلم اللهُ ... ??

فاستغفر الله مما كان من زلل ... ?? ... طوبى لِمَنْ كف عما يكره اللهُ ... ???

طوبى لِمَن حسنت منه سريرته ... ?? ... طوبى لِمَنْ ينتهي عما نهى الله ... ??

[٥٣- باب الجمع بين الخوف والرجاء]

اعْلَمْ أنَّ المُخْتَارَ لِلْعَبْدِ في حَالِ صِحَّتِهِ أنْ يَكُونَ خَائفاً رَاجِياً، وَيَكُونَ خَوْفُهُ وَرَجَاؤُهُ سَواءً، وفي حَالِ المَرَضِ يَتَمَحَّضُ الرَّجاءُ، وقواعِدُ الشَّرْع مِنْ الكِتَابِ والسُّنَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مُتظاهِرَةٌ عَلَى ذلك.

قَالَ الله تَعَالَى: {فَلا يَأمَنُ مَكْرَ الله إلا القَوْمُ الخَاسِرونَ} [الأعراف (٩٩) ] .

وقال تَعَالَى: {إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إلا القَوْمُ الكافِرُونَ} [يوسف (٨٧) ] .

الخوف يزجر العبد عن المعاصي، والرجاء يبعثه على الطاعات فلا يأمن العقوبة، ولا يقنط من الرحمة.

وقال تَعَالَى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وَجُوهٌ} [آل عمران (١٠٦) ] .

أي: تبيض وجوه المؤمنين يوم القيامة، وتسوّد وجوه الكافرين.

وقال ابن عباس: تبيضُّ وجوه أهل السنَّة والجماعة، وتسودُّ وجوه أهل البدعة والفرقة.

وقال تَعَالَى: {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأنعام (١٦٥) ] .

في هذا ترهيب وترغيب، وكل ما هو آت قريب.

وقال تَعَالَى: {إنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} [الانفطار (١٣، ١٤) ] .

الأبرار: الذين برُّوا وصدقوا في إيمانهم بأداء فرائض الله، واجتناب معاصيه، والفجار بضدِّ ذلك.

وقال تَعَالَى: {فَأمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأمُّهُ هَاوِيَةٌ} [القارعة (٦، ٩) ] .

أي: من رجحت حسناته على سيِّئاته فهو من أهل الجنة، ومن رجحت سيِّئاته على حسناته فهو من أهل النار.

والآيات في هذا المعنى كثيرةٌ معلومة. فَيَجْتَمعُ الخَوفُ والرجاءُ في آيَتَيْنِ مُقْتَرِنَتَيْنِ أَو آيات أَو آية.

{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر (٢٣) ] .

[٤٤٣] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤمِنُ مَا عِنْدَ الله مِنَ العُقُوبَةِ، مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الكَافِرُ مَا عِنْدَ الله مِنَ الرَّحْمَةِ، مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أحَدٌ» . رواه مسلم.

يشهد لهذا الحديث: قوله تعالى: {اعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} ، وقوله تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف (١٥٦) ] الآية.

[٤٤٤] وعن أَبي سعيد الخدرِيِّ - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إِذَا وُضِعَتِ الجنازةُ واحْتَمَلَهَا النَّاسُ أَوِ الرِّجَالُ عَلَى أعناقِهِمْ، فَإنْ كَانَتْ صَالِحَةً، قالتْ: قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي، وَإنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ، قالتْ: يَا وَيْلَهَا! أَيْنَ يَذْهَبُونَ بها؟ يَسْمَعُ صَوْتَها كُلُّ شَيْءٍ إلا الإنْسانُ، وَلَوْ سَمِعَهُ صَعِقَ» . رواه البخاري.

قولها: «قدموني قدموني» ، هو اشتياق إلى ما أعده الله للمؤمن من نعيم القبر وما بعده، وقول الآخر: (يَا ويلها، أين يذهبون بها» ، هو جزع وتحسر من الفاجر، ورهبة مما أُعد له من عذاب القبر وما بعده.

[٤٤٥] وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الجَنَّةُ أقْرَبُ إِلى أحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثْلُ ذلك» . رواه البخاري.

فيه: أن الطاعة موصلة إلى الجنة، وأن المعصية مقربة إلى النار.

وفي الحديث الآخر: «إن الرجل يتكلم بالكلمة ما يظن أنْ يبلغ ما بلغت،

📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي

[٥٢ ـ باب فضل الرجاء]

قال الله تعالى إخباراً عن العبد الصالح: (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا) [غافر: ٤٤، ٤٥] .

١/٤٤٠ ـ وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((قال الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حيث يذكرني ـ والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة ـ ومن تقرب إلى شبرا؛ تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا؛ تقربت إليه باعا، وإذا أقبل إلي يمشي أقبلت إليه أهرول)) متفق عليه، وهذا لفظ إحدى روايات مسلم. وتقدم شرحه في الباب قلبه.

٢/٤٤١ ـ وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاثة أيام يقول: ((لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل)) رواه مسلم.

٢/٤٤٢ ـ وعن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تعالى: ((يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي

شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة)) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.

((عنان السماء)) بفتح العين، قيل: هو ما عنَ لك منها، أي: ظهر إذا رفعت رأسك، وقيل: هو السحاب، و ((قراب الأرض)) بضم القاف، وقيل: بكسرها، والضم أصح وأشهر، وهو ما يقارب ملأها، والله أعلم.

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب فضل الرجاء، لما ذكر رحمه الله النصوص الدالة على الرجاء وعلى سعة فضل الله وكرمه، ذكر فضل الرجاء، وأن الإنسان ينبغي له أن يكون طامعاً في فضل الله عز وجل راجياً ما عنده.

ثم ذكر قول العبد الصالح وهو الرجل المؤمن من آل فرعون الذي يكتم إيمانه، وكان ناصحاً لقومه، يناصحهم ويبين لهم بالبرهان ما هم عليه من الباطل، وما عليه موسى من الحق، وفي النهاية قال لهم: (فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) [غافر: ٤٤] .

(وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ) يعني: أجعله مفوضاً إليه، لا أعتمد على غيره، ولا أرجو إلا إياه (إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) قال الله تعالى: (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا) أي: سيئات مكرهم (وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ) [غافر: ٤٥] .

ثم ذكر حديث أبي هريرة أن الله تعالى قال في الحديث القدسي: ((أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حيث يذكرني)) . أنا عند ظن عبدي بي: يعني أن الله عند ظن عبده به؛ إن ظن به خيراً فله، وإن ظن به سوى ذلك فله، ولكن متى يحسن الظن بالله عز وجل؟

يحسن الظن بالله إذا فعل ما يوجب فضل الله ورجاءه، فيعمل الصالحات ويحسن الظن بأن الله تعالى يقبله، أما أن يحسن الطن وهو لا يعمل؛ فهذا من باب التمني على الله، ومن أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني فهو عاجز.

حسن الظن بأن يوجد من الإنسان عمل يقتضي حسن الظن بالله عز وجل، فمثلاً إذا صليت أحسن الظن بالله بأن الله يقبلها منك، إذا صمت فكذلك، إذا تصدقت فكذلك، إذا عملت عملاً صالحاً أحسن الظن بأن الله تعالى يقبل منك، أما أن تحسن الظن بالله مع مبارزتك له بالعصيان فهذا دأب العاجزين الذين ليس عندهم رأس مالٍ يرجعون إليه.

ثم ذكر أن الله سبحانه وتعالى أكرم من عبده، فإذا تقرب الإنسان إلى الله شبراً؛ تقرب الله منه ذراعاً، وإن تقرب منه ذراعا ً، تقرب منه باعاً، وإن أتاه يمشي أتاه يهرول عز وجل، فهو أكثر كرما وأسرع إجابة من عبده.

وهذه الأحاديث وأمثالها مما يؤمن يه أهل السنة والجماعة على أنه حق حقيقة لله عز وجل، لكننا لا ندري كيف تكون هذه الهرولة، وكيف يكون هذا التقرب، فهو أمر ترجع كيفيته إلى الله، وليس لنا أن نتكلم فيه، لكن نؤمن بمعناه ونفوض كيفيته، إلى الله عز وجل.

ثم ذكر المؤلف أحاديث في هذا المعنى كلها تدل على أنه ينبغي للإنسان أن يحسن الظن بالله أن يحسن الظن بالله سبحانه وتعالى، ولكن مع فعل الأسباب التي توجب ذلك. نسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم لما فيه الخير والصلاح في الدنيا والآخرة.

[٥٣ ـ باب الجمع بين الخوف والرجاء]

اعلم أن المختار للعبد في حال صحته أن يكون خائفاً راجياً، ويكون خوفه ورجاؤه سواء، وفي حال المرض يمحض الرجاء.

وقواعد الشرع من نصوص الكتاب والسنة وغير ذلك متظاهرة على ذلك،

قال الله تعالى: (فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) [االأعراف: ٩٩] . وقال تعالى: (إِنَّهُ لا يَايْئسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) [يوسف: ٨٧] . وقال تعالى: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) [آل عمران: ١٠٦] وقال تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) [الأعراف: ١٦٧] . وقال تعالى: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ) [الانفطار: ١٣، ١٤] . وقال تعالى: (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ) [القارعة: ٦، ٩] . والآيات في هذا المعني كثيرة. فيجتمع الخوف والرجاء في آيتين مقترنتين أو آيات أو آية.

١/٤٤٣ ـ وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة، ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قنط من جنته أحد)) رواه مسلم.

٢/٤٤٤ ـ وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا

وضعت الجنازة واحتملها الناس أو الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة، قالت: قدموني قدموني، وإن كانت غير صالحة، قالت يا ويلها! أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعه صعق)) رواه البخاري.

٣/٤٤٥ ـ وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك)) رواه البخاري.

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ: باب الجمع بين الخوف والرجاء، وتغليب الرجاء في حال المرض.

هذا الباب قد اختلف فيه العلماء هل الإنسان يغلب جانب الرجاء أو جانب الخوف؟ .

فمنهم من قال: يغلب جانب الرجاء مطلقاً، ومنهم من قال: يغلب جانب الخوف مطلقاً.

ومنهم من قال ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه سواء، لا يغلب هذا على هذا، ولا هذا على هذا؛ لأنه إن غلب جانب الرجاء؛ أمن مكر الله، وإن غلب جانب الخوف؛ يئس من رحمة الله.

وقال بعضهم: في حال الصحة يجعل رجاءه وخوفه واحداً كما اختاره النووي رحمه الله في هذا الكتاب، وفي حال المرض يغلب الرجاء

أو يمحضه.

وقال بعض العلماء أيضاً: إذا كان في طاعة؛ فليغلب الرجاء، وأن الله يقبل منه، وإذا كان فعل المعصية؛ فليغلب الخوف؛ لئلا يقدم على المعصية.

والإنسان ينبغي له أن يكون طبيب نفسه، إذا رأى من نفسه أنه أمن من مكر الله، وأنه مقيم على معصية الله، ومتمنٍ على الله. الأماني، فليعدل عن هذه الطريق، وليسلك طريق الخوف.

وإذا رأى أن فيه وسوسة، وأنه يخاف بلا موجب؛ فليعدل عن هذا الطريق وليغلب جانب الرجاء حتى يستوي خوفه ورجاؤه.

ثم ذكر المؤلف ـ رحمه الله ـ آيات جمع الله فيها ذكر ما يوجب الخوف، وذكر ما يوجب الرجاء، ذكر فيها أهل الجنة وأهل النار، وذكر فيها صفته عز وجل وأنه شديد العقاب وأنه غفور رحيم.

وتأمل قوله تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ) [المائدة: ٩٨، ٩٩] ؛ حيث إنه في مقام التهديد والوعيد قدم ذكر شدة العقاب (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) .

وفي حالة تحدثه عن نفسه وبيان كمال صفاته قال: (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ) [الحجر: ٤٩، ٥٠] ؛ فقدم ذكر المغفرة على ذكر العذاب؛ لأنه يتحدث عن نفسه عز وجل، وعن صفاته الكاملة ورحمته التي سبقت غضبه.

ثم ذكر المؤلف أحاديث في هذا المعنى تدل على أنه يجب على

الإنسان أن يجمع بين الخوف الرجاء، مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة؛ ما طمع بجنته أحد)) .

والمراد لو يعلم علم حقيقة وعلم كيفية لا أن المراد لو يعلم علم نظر وخبر؛ فإن المؤمن يعلم ما عند الله من العذاب لأهل الكفر والضلال، لكن حقيقة هذا لا تدرك الآن، لا يدركها إلا من رقع في ذلك ـ أعاذنا الله وإياكم من عذابه.

((ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قنط من جنته أحد)) ، والمراد حقيقة ذلك، وإلا فإن الكافر يعلم أن الله غفور رحيم، ويعلم معنى المغفرة، ويعلم معنى الرحمة.

وذكر المؤلف أحاديث في معنى ذلك مثل قوله: ((الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك)) .

شراك النعل يضرب به المثل في القرب؛ لأن الإنسان لا بس نعله، فالجنة أقرب إلى أحدنا من شراك نعله؛ لأنها ربما تحصل للإنسان بكلمة واحدة، والنار مثل ذلك، ربما تحدث النار بسبب كلمة يقولها القائل، مثل الرجل الذي كان يمر على صاحب معصية فينهاه ويزجره، فلما تعب قال: والله لا يغفر الله لفلان.

فقال الله تعالى: ((من ذا الذي يتألى علىَ ألا أغفر لفلان؛ قد غفرت له وأحبطت عملك)) ، قال أبو هريرة: تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته.

فالواجب على الإنسان أن يكون طبيب نفسه في كونه يغلب كونه الخوف أو الرجاء، إن رأى نفسه تميل إلى الرجاء وإلى التهاون بالواجبات وإلى انتهاك المحرمات استناداً إلى مغفرة الله ورحمته؛ فليعدل عن هذا الطريق، وإن رأى أن عنده وسواساً، وأن الله لا يقبل منه؛ فإنه يعدل عنه هذا الطريق.

📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي

في «ألفيته» :

٦

ورسموا منقطعاً عن رجل

وفي الأصول رسمه بالمرسل

قال الشيخ العراقي في «شرحها» : قلت وفي كلام غير واحد من أهل الحديث: إنه متصل في سنده مجهول، وحكاه الرشيد العطار في الغرر المجموعة عند الأكثرين واختاره شيخنا الحافظ أبو سعيد العلائي في كتاب «جامع التحصيل» قال المصنف: وقد وقع في حاشية بعض النسخ المعتمدة قال الخلودي حدثنا محمد بن المسيب الأرعياني حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري بهذا الحديث عن أبي أسامة بإسناده اهـ. وفي «النكت على الأطراف» للحافظ: وقع لنا أن مسلماً لم يسمعه من إبراهيم إنما سمعه من محمد بن المسيب عن إبراهيم، وأخرجه البزار في «مسنده» عن إبراهيم بن سعيد، وأخرجه أبو نعيم من طريق أبي يعلى وغيره عن إبراهيم بن سعيد اهـ.

قال الشيخ العراقي في «شرحها» : قلت وفي كلام غير واحد من أهل الحديث: إنه متصل في سنده مجهول، وحكاه الرشيد العطار في الغرر المجموعة عند الأكثرين واختاره شيخنا الحافظ أبو سعيد العلائي في كتاب «جامع التحصيل» قال المصنف: وقد وقع في حاشية بعض النسخ المعتمدة قال الخلودي حدثنا محمد بن المسيب الأرعياني حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري بهذا الحديث عن أبي أسامة بإسناده اهـ. وفي «النكت على الأطراف» للحافظ: وقع لنا أن مسلماً لم يسمعه من إبراهيم إنما سمعه من محمد بن المسيب عن إبراهيم، وأخرجه البزار في «مسنده» عن إبراهيم بن سعيد، وأخرجه أبو نعيم من طريق أبي يعلى وغيره عن إبراهيم بن سعيد اهـ.

٥٢ - باب فضل الرجاء

أي ما جاء فيه من الكتاب والسنة.

(قال الله تعالى) إخباراً أي مخبراً، ويجوز أن يكون منصوباً على المصدرية يكون الإخبار من أنواع القبول (عن العبد الصالح) هو مؤمن آل فرعون (وأفوض أمري إلى ا) أي أسلمه إلى الله تعالى ليعصمني من كل سوء (إن الله بصير بالعباد) فيجيزهم وكأنه جواب بوعد المفهوم من قوله (فوقاه الله سيئات ما مكروا) شدائد مكرهم، وقال البيضاوي: وقيل الضمير لموسى.

١٤٤٠ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي أنه قال: قال الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي) قال ابن الجوزي أي في الرجاء وأمل العفو، قال القاري في «شرح الحصن الحصين» : ويؤيده ما أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: «أمر الله بعبد إلى النار فلما وقف على شفيرها التفت وقال: أما وا يا رب إن

كان ظني بك لحسن فقال الله: ردوه أنا عند ظن عبدي بي» ذكره السيوطي في «البدور السافرة» ، وعليه فانظر بمعناه: أي الطرف الراجح، وقيل بمعنى اليقين، والمعنى أنا عند يقينه بي وعلمه بأن مصيره إليّ وحسابه عليّ وأن ما قضيت له به من خير أو شر فلا مرد له لديّ.

(فائدة) : الظن في الشرع ينقسم إلى واجب كحسن الظن با تعالى، وإلى حرام كسوء الظن به تعالى، قال تعالى: {وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم} (فصلت: ٢٣) وبكل من ظاهره العدالة، ومندوب وهو حسن الظن بمن ظاهره العدالة من المسلمين، وجائز كظن السوء بمن وقف مواقف التهم (وأنا معه) أي بالرحمة والتوفيق والإعانة والنصر (حيث ذكرني) بين الملأ أو في الخلاء (وا أفرح بتوبة عبده من أحدهم يجد ضالته) الذي هو في غاية الاحتياج إليها والاضطرار كما بينته رواية أخرى في الصحيح (بالفلاة) هي كما في «المصباح» الأرض التي لا ماء فيها وجمعها فلا، قال المصنف: قال العلماء: فرح اهو رضاه، قال المازري: الفرح ينقسم إلى وجوه منها السرور، والسرور يقارنه الرضى بالمسرور به، والمراد هنا أن الله يرضى توبة عبده أشد مما يرضى واجد ضالته بالفلاة فعبر عن الرضى بالفرح تأكيداً لمعنى الرضى في نفس السامع ومبالغة في تقريره (ومن تقرّب إليّ) أي إلى فضلي ورحمتي بصالح العمل (ذراعاً تقربت منه باعاً وإذا أقبل إليّ يمشي أقبلت إليه أهرول. متفق عليه) رواه البخاري في باب الرجاء ومسلم في باب التوبة (وهذا لفظ إحدى روايات مسلم وتقدم شرحه) أي شرح قوله ومن تقرّب الخ، الموهم ظاهره المكان وجواز الأعراض على الباري سبحانه (في الباب قبله) بما حاصل أنه مؤول بأن المراد بالتقرّب إليه التقرّب إلى فضله وإحسانه بصالح العمل، والمراد بتقربه تعالى من العامل إسباغ فضله عليه زيادة على قدر عمله (وروي في الصحيحين) أي في رواية أخرى (وأنا معه حين يذكرني بالنون) فيكون منصوباً على الظرفية الزمانية (و) روي (في هذه

الرواية بالثاء) أي المثلثة (وكلاهما) أي المرويين (صحيح) زاد في شرح مسلم بعد قوله صحيح ظاهر المعنى وأفرد الخبر باعتبار لفظ «كلا» وهو الأصح، قال تعالى: {كلتا الجنتين آتت أكلها} (الكهف: ٣٣) ويجوز مطابقة معناهما وقد اجتمع الاستعمالان في قوله:

كلاهما حين جد الجري بينهما

قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي

٢٤٤١ - (وعن جابر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل موته) أي قبل موت النبيّ (بثلاثة أيام) كما صرح به في مسلم (يقول: لا يموتن أحدكم إلا وهو محسن الظن با عزّ وجل) قال المصنف: وفي رواية «وهو يحسن الظن با» قال العلماء: هذا تحذير من القنوط وحث على الرجاء عند الخاتمة، وقد سبق «أنا عند ظن عبدي بي» قال العلماء: معنى إحسان الظن با أن يظن أنه يرحمه ويعفو عنه، قالوا وفي حال الصحة يكون خائفاً راجياً وسيأتي الخلاف في أنهما هل يكونان متساويين حينئذٍ أولا؟، وإذا دنت أمارات الموت غلب الرجاء أو محضه لأن مقصود الخوف الانكفاف عن المعاصي والقبائح والحرص على إكثار الطاعة وصالح العمل، وقد تعذر ذلك أو معظمه في هذه الحال فاستحب إحسان الظن المتضمن للافتقار إلى الله تعالى والإذعان له، ويؤيده حديث «يبعث كل عبد على ما مات عليه» قال العلماء: معناه يبعث على الحال التي مات عليها، قال القرطبي نهى أن يموتوا على غير حالة حسن الظن، وذلك ليس بمقدورهم بل المراد الأمر بتحسين الظن ليوافي الموت وهو عليه اهـ. ونظيره قوله تعالى: {ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} (البقرة: ١٣٢) وفي «الديباجة» للدميري في «مروج الذهب» عن فقير بن مسكين. قال: دخلت على الشافعي أعوده في مرض موته فقلت له كيف أصبحت يا أبا عبد الله قال أصبحت من الدنيا راحلاً ولإخواني مفارقاً

ولكأس المنية شارباً ولا أدري إلى الجنة تسير روحي فأهنيها أم إلى النار فأعزيها، وأنشأ يقول:

لما قسا قلبي وضاقت مذاهبي

جعلت الرجا مني لعفوك سلما

تعاظمني ذنبي فلما قرنته

بعفوك ربي كان عفوك أعظما اهـ.

وما يعزى للرافعي قوله:

إذا أمسى فراشي من تراب

وصرت مجاور الرب الرحيم

فهنون أحبائي وقولوا

لكل البشرى قدمت على كريم

٣٤٤٢ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: قال الله تعالى يا ابن آدم) نداء لم يرد به واحد معين عدل إليه ليعلم من يتأتى نداؤه، وآدم عربي مشتق من أديم الأرض أي وجهها، وأصله أأدم بهمزتين وزن أفعل فأبدلت الثانية ألفاً ومنع الصرف للعلمية والوزن، وقيل أعجمي وعليه فمنع صرفه للعلمية والعجمة وأضيف إليه المنادى للعموم لأن إضافته المفرد تقيده فالنداء هنا لا يختص به منادى دون آخر (إنك ما دعوتني ورجوتني) أي مدة دعائك إياي نفعاً وصلاحاً وتأميلك خبر ما عندي (غفرت لك ما كان منك) أي محوت ما كان من الذنوب منك كذنب الكفر بالإيمان وغيره بالاستغفار (ولا أبالي) بما كان منك منها عظم أولا، وذلك لحسن رجاء العبد وا عند حسن ظن عبده به (يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء) أي ما يملأ ما بينها وبين الأرض لو كان جسماً (ثم استغفرتني) أي سألتني غفران ذلك (غفرت لك) إياها وذلك لأنه تعالى كريم يقيل العثرات ويغفر الزلات وهذا مثال بالغ في الكثرة جيء به تنبيهاً على أن كرمه وفضله ورحمته لا تتناهى وأنها أكثر وأوسع مما ذكر (يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض) أي ما يقارب ملأها (خطايا) جمع خطيئة، قال في «الصحاح» : وكان الأصل خطائىء على فعائل فلما اجتمعت الهمزتان قلبت ياء لأن قبلها كسرة ثم استثقلت والجمع ثقيل وهو معتل مع ذلك فقلبت الياء ألفاً ثم قلبت الهمزة الأولى ياء لخفائها بين الألفين اهـ. (ثم لقيتني لا تشرك

بي) جملة في محل الحال من الفاعل (شيئاً) أي من الشرك أو من المعبودات (لأتيتك بقرابها مغفرة) أي لغفرتها لك وذلك لأن الإيمان به تعالى شرط في العفو عن الذنب غير الشرك لأنه أصل يبنى عليه قبول الطاعة والعفو عن المعصية، بخلاف الشرك إذ لا أصل معه يبنى عليه العفو عنه ولا بد أن يضم إلى الإيمان با تعالى الإيمان بنبيه محمد وبما جاء به هذا، والمراد من «أتيتك» غايته من المغفرة، أو إرادتها لاستحالته عليه وأتى به مشاكلة، والحديث من الأحاديث القدسية (رواه الترمذي وقال حديث حسن) زاد في «الجامع» بعد قوله حسن: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. قال الحافظ العلائي في الأربعين: قلت: يعني غريباً من جهة أنس، وقد روي من حديث ابن عباس وأبي ذر ثم أخرج حديث ابن عباس من طريق الطبراني وحديث أبي ذر من طريقين وقال بعد إخراجه رواه الحافظ أبو عوانة في «صحيحه» . قلت وذكر السخاوي في «تخريج الأربعين» الحديث التي جمعها المصنف أن لحديث أنس طريقاً آخر غير طريق الترمذي عند ابن فنجويه بنحو الحديث المذكور وقال بعد تخريجه سنده ضعيف والأوّل أصح (عنان السماء بفتح العين) المهملة وبنونين خفيفتين (قيل هو ما عنَّ) بتشديد النون (لك منها أي ظهر إذا رفعت رأسك، وقيل هو السحاب) هو ما اقتصر عليه صاحب «المصباح المنير» ، وعبارته: العنان قيل السحاب وزناً ومعنى الواحدة عنانة (وقراب الأرض بضم القاف وقيل بكسرها والضم أصح وأشهر، وهو ما يقارب ملأها) تقدم الكلام من المصنف أوائل باب الرجاء، وتقدم ما يتعلق به من الشرح ثمة.

📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري

[٥٢- باب فضل الرجاء]

قَالَ الله تَعَالَى إخباراً عن العبدِ الصالِحِ: {وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلى اللهِ إنَّ اللهَ بَصِيرٌ بالعِبَادِ فَوَقَاهُ الله سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا} [غافر (٤٤، ٤٥) ] .

يُخبر تعالى عن مؤمن آل فرعون حين دعاهم إلى التوحيد، وتصديق موسى، ونهاهم عن الشرك، فتوعَّدوه أنَّه قال: {فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ} [غافر (٤٤) ] . أي: وأتوكل عليه، وأستعين، فيعصمني عن كل سوء، {إن اله بصير بالعباد} ، فيهدي من يستحق الهداية ويضل من يستحق الإضلال، وله الحجة البالغة، والحكمة التامة، {فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا} ، ما أرادوا به من الشر.

قال قتادة: نجا مع موسى وكان قبطيًّا.

[٤٤٠] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أَنَّهُ قَالَ: «قَالَ الله - عز وجل -: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنا معه حَيْثُ يَذْكُرنِي، وَاللهِ، للهُ أفْرَحُ بِتَوبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أحَدِكُمْ يَجِدُ ضَالَّتَهُ بالفَلَاةِ، وَمَنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ شِبْراً، تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعاً، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعاً، تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعاً، وَإِذَا أقْبَلَ إِلَيَّ يَمْشِي أقْبَلْتُ إِلَيْهِ أُهَرْوِلُ» متفقٌ عليه، وهذا لفظ إحدى روايات مسلم. وتقدم شرحه في الباب قبله.

ورُوِيَ في الصحيحين: «وأنا معه حين يذكرني» بالنون، وفي هذه الرواية «حيث» بالثاء وكلاهما صحيح.

قوله عزَّ وجل: «أنا عند ظن عبدي بي» ، أي في الرجاء، وأمل العفو، «وأنا معه» ، أي: بالرحمة، والتوفيق، والإِعانة، والنصر، ... «حيث ذكرني في نفسه أو في الملأ» .

وفي الحديث: لطف الله بعباده، وفرحه بتوبتهم، وأن من تقرب إليه بطاعته، تقرب إليه بإحسانه، وفضله، وجزائه المضاعف.

[٤٤١] وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبلَ مَوْتِه بثَلاثَةِ أيّام، يقولُ: «لا يَمُوتَنّ أحَدُكُمْ إلا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بالله - عز وجل -» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: الحث على حسن الظن بالله تعالى، والتحذير من القنوط خصوصًا عند الخاتمة، قال الله تعالى: {وَلا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنتُم

مُّسْلِمُونَ} [آل عمران (١٠٢) ] ، وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - في مرض موته:

ولما قسى قلبي وضاقت مذاهبي ... ?? ... جعلت الرجَاء مني لعفوك سُلَّما ... ???

تعاظمني ذنبي فلما قرنته ... ? ... بعفوك ربي كان عفوك أعظما ... ??

[٤٤٢] وعن أنس - رضي الله عنه - قَالَ: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «قَالَ الله تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ، إنَّكَ ما دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ وَلا أُبَالِي. يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغت ذُنُوبُك عَنَانَ السماءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلا أُبَالِي. يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ لَوْ أتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايا، ثُمَّ لَقَيْتَنِي لا تُشْرِكُ بِي شَيْئاً، لأَتَيْتُكَ بقُرَابِها مَغْفِرَةً» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

«عَنَانُ السَّماءِ» بفتح العين، قيل: هو مَا عَنَّ لَكَ مِنْهَا، أيْ: ظَهَرَ إِذَا رَفَعْتَ رَأسَكَ، وقيل: هو السَّحَابُ. وَ «قُرابُ الأَرض» بضم القاف، وقيل: بكسرها، والضم أصح وأشهر، وَهُوَ: مَا يقارب مِلأَهَا، والله أعلم.

في هذا الحديث: بشارة عظيمة، وحلم، وكرم عظيم.

قال الحسن: أكثروا من الاستغفار في بيوتكم، وعلى موائدكم، وفي طرقكم، وأسواقكم، ومجالسكم، وأينما كنتم، فإنكم ما تدرون متى تنزل المغفرة.

وقال قتادة: إن هذا القرآن يدّلكم على دائكم ودوائكم، فأمَّا داؤكم فالذنوب، وأما دواؤكم فالاستغفار.

قال بعضهم:

أستغفر الله مما يعلمُ اللهُ ... ?? ... إِنَّ الشقيَّ لَمن لا يرحمُ اللهُ ... ???

مَا أحلمَ الله عمن لا يراقبه ... ?? ... كلٌّ مسيء ولكن يحلم اللهُ ... ??

فاستغفر الله مما كان من زلل ... ?? ... طوبى لِمَنْ كف عما يكره اللهُ ... ???

طوبى لِمَن حسنت منه سريرته ... ?? ... طوبى لِمَنْ ينتهي عما نهى الله ... ??

[٥٣- باب الجمع بين الخوف والرجاء]

اعْلَمْ أنَّ المُخْتَارَ لِلْعَبْدِ في حَالِ صِحَّتِهِ أنْ يَكُونَ خَائفاً رَاجِياً، وَيَكُونَ خَوْفُهُ وَرَجَاؤُهُ سَواءً، وفي حَالِ المَرَضِ يَتَمَحَّضُ الرَّجاءُ، وقواعِدُ الشَّرْع مِنْ الكِتَابِ والسُّنَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مُتظاهِرَةٌ عَلَى ذلك.

قَالَ الله تَعَالَى: {فَلا يَأمَنُ مَكْرَ الله إلا القَوْمُ الخَاسِرونَ} [الأعراف (٩٩) ] .

وقال تَعَالَى: {إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إلا القَوْمُ الكافِرُونَ} [يوسف (٨٧) ] .

الخوف يزجر العبد عن المعاصي، والرجاء يبعثه على الطاعات فلا يأمن العقوبة، ولا يقنط من الرحمة.

وقال تَعَالَى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وَجُوهٌ} [آل عمران (١٠٦) ] .

أي: تبيض وجوه المؤمنين يوم القيامة، وتسوّد وجوه الكافرين.

وقال ابن عباس: تبيضُّ وجوه أهل السنَّة والجماعة، وتسودُّ وجوه أهل البدعة والفرقة.

وقال تَعَالَى: {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأنعام (١٦٥) ] .

في هذا ترهيب وترغيب، وكل ما هو آت قريب.

وقال تَعَالَى: {إنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} [الانفطار (١٣، ١٤) ] .

الأبرار: الذين برُّوا وصدقوا في إيمانهم بأداء فرائض الله، واجتناب معاصيه، والفجار بضدِّ ذلك.

وقال تَعَالَى: {فَأمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأمُّهُ هَاوِيَةٌ} [القارعة (٦، ٩) ] .

أي: من رجحت حسناته على سيِّئاته فهو من أهل الجنة، ومن رجحت سيِّئاته على حسناته فهو من أهل النار.

والآيات في هذا المعنى كثيرةٌ معلومة. فَيَجْتَمعُ الخَوفُ والرجاءُ في آيَتَيْنِ مُقْتَرِنَتَيْنِ أَو آيات أَو آية.

{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر (٢٣) ] .

[٤٤٣] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤمِنُ مَا عِنْدَ الله مِنَ العُقُوبَةِ، مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الكَافِرُ مَا عِنْدَ الله مِنَ الرَّحْمَةِ، مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أحَدٌ» . رواه مسلم.

يشهد لهذا الحديث: قوله تعالى: {اعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} ، وقوله تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف (١٥٦) ] الآية.

[٤٤٤] وعن أَبي سعيد الخدرِيِّ - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إِذَا وُضِعَتِ الجنازةُ واحْتَمَلَهَا النَّاسُ أَوِ الرِّجَالُ عَلَى أعناقِهِمْ، فَإنْ كَانَتْ صَالِحَةً، قالتْ: قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي، وَإنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ، قالتْ: يَا وَيْلَهَا! أَيْنَ يَذْهَبُونَ بها؟ يَسْمَعُ صَوْتَها كُلُّ شَيْءٍ إلا الإنْسانُ، وَلَوْ سَمِعَهُ صَعِقَ» . رواه البخاري.

قولها: «قدموني قدموني» ، هو اشتياق إلى ما أعده الله للمؤمن من نعيم القبر وما بعده، وقول الآخر: (يَا ويلها، أين يذهبون بها» ، هو جزع وتحسر من الفاجر، ورهبة مما أُعد له من عذاب القبر وما بعده.

[٤٤٥] وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الجَنَّةُ أقْرَبُ إِلى أحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثْلُ ذلك» . رواه البخاري.

فيه: أن الطاعة موصلة إلى الجنة، وأن المعصية مقربة إلى النار.

وفي الحديث الآخر: «إن الرجل يتكلم بالكلمة ما يظن أنْ يبلغ ما بلغت،

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.5 / 29.5
الإضاءة 67%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
الله أكبر