قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الأشْعَرِيِّينَ إِذَا أرْمَلُوا في…

الإسلام > حديث > رياض الصالحين > حديث ٥٦٧

الحديث رقم ٥٦٧ من كتاب «بداية الكتاب» في رياض الصالحين، تحت باب: باب الإيثار والمواساة.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: - صلى الله عليه وسلم: «إن الأشعريين إذا…

قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الأشْعَرِيِّينَ إِذَا أرْمَلُوا في الغَزْوِ، أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بالمَديِنَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ في إنَاءٍ وَاحدٍ بالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأنَا مِنْهُمْ». متفقٌ عَلَيْهِ. (١)

«أرْمَلُوا»: فَرَغَ زَادُهُمْ أَوْ قَارَبَ الفَرَاغَ.

٦٣ - باب التنافس في أمور الآخرة والاستكثار مما يتبرك بِهِ

قَالَ الله تَعَالَى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين: ٢٦].

سند حديث: ٥٦٧ - وعن أَبي موسى - رضي الله عنه - قَالَ:

٥٦٧ - وعن أَبي موسى - رضي الله عنه - قَالَ:

شرح مبسّط لحديث: - صلى الله عليه وسلم: «إن الأشعريين إذا…

إن الأشعريين وهم قوم أبي موسى رضي الله عنه إذا قل طعامهم أو كانوا في الغزو للجهاد في سبيل الله جمعوا طعامهم واقتسموه بينهم بالمساواة، فلذلك استحقوا أن ينسبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نسبة شرف ومحبة، وهو كذلك منهم عليه السلام على طريقتهم في هذا الخلق العظيم من الإيثار ولزوم الطاعة.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • بيان فضيلة الأشعريين.
  • جواز تحديث الرجل بمناقب قومه.
  • فضيلة الإيثار والمواساة.
  • استحباب خلط الزاد في السفر والحضر أيضاً.
  • جواز التأمين التعاوني، وهو أن يدفع أفراد أموالًا تعطى للمحتاج منهم، ويكون الفائض لصالح الجميع.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: - صلى الله عليه وسلم: «إن الأشعريين إذا…

📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي

[٦٢- باب الإيثار والمواساة]

قال الله تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر: ٩)

وقال تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) (الانسان: ٨) إلى آخر الآيات.

[الشَّرْحُ]

فالإيثار في الواجبات الشرعية حرام، ولا يحل؛ أنه يستلزم إسقاط الواجب عليك.

وأما القسم الثاني: وهو المكروه أوالمباح: فالإيثار بالأمور المستحبة، وقد كرهه بعض أهل العلم وأباحه بعضهم، لكن تركه أولى لا شك إلا لمصلحته.

ومثاله: أن تؤثر غيرك في الصف الأول الذي أنت فيه، مثل أن تكون أنت في الصف الأول في الصلاة، فيدخل إنسان فتقوم عن مكانك وتؤثره به، فقد كره أهل العلم هذا، وقالوا: إن هذا دليلٌ على أن الإنسان يرغب عن الخير، والرغبة عن الخير مكروهة، إذ كيف تقدم غيرك إلى مكان فاضل أنت أحق به منه؟!

وقال بعض العلماء تركه أولى إلا إذا كان فيه مصلحة، كما لو كان أبوك وتخشى أن يقع في قلبه شيء عليك فتؤثره بمكانك الفاضل، فهذا لا بأس به.

القسم الثالث: وهو المباح: وهذا المباح قد يكون مستحباً، وذلك أن تؤثر غيرك في أمر غير تعبدي، أي تؤثر غيرك وتقدمه على نفسك في أمر غير تعبدي.

مثل: أن يكون معك طعام وأنت جائع، وصاحب لك جائع مثلك ففي هذه الحال إذا آثرته فإنك محمود على هذا الإيثار؛ لقول الله تبارك وتعالى في وصف الأنصار: (وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ

وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ َ) (الحشر: ٩) .

ووجه إيثارهم على أنفسهم أن المهاجرين لم اقدموا المدينة تلقاهم الأنصار بالإكرام والاحترام والإيثار بالمال، حتى أن بعضهم يقول لأخيه المهاجري: إن شئت أن أتنازل عن إحدى زوجتي لك فعلت؛ يعني يطلقها فيتزوجها المهاجريّ بعد بمضي عدتها. وهذا من شدة إيثاره رضي اله عنهم لإخوانهم المهاجرين.

وقال تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) (الانسان: ٨)

يعني يطعمون الطعام وهم يحبونه مسكيناً ويتيماً وأسيراً، ويتركون أنفسهم، هذا أيضاً من باب الإيثار.

* * *

١/٥٦٤- وعن أبي هُريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني مجهود، فأرسل إلى بعض نسائه، فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، ثم أرسل إلى أخرى، فقالت مثل ذلك، حتى قلن كلهن مثل ذلك: لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماءً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من يُضيفُ هذا الليلة؟)) فقال رجلٌ من الأنصارِ: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رحلهِ، فقال لأمرأته: أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي رواية قال لامراته: هل عندك شيء؟ فقالت: لا، إلا قوت صبياني. قال: علليهم بشيءٍ وإذا أرادوا العشاء، فنوميهم، وإذا دخل ضيفنا، فأطفئي السراج، وأريه أنا نأكلُ؛ فقعدوا وأكل الضيف وباتا طاويين، فلما أصبح، غدا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((لقد عجبَ الله من صنيعكما بضيفكما الليلة")) متفق عليه.

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في باب الإيثار على النفس هذا الحديث العظيم العجيب؛ الذي يبين حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حيث جاءه رجل فقال: ((يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني مجهود)) يعني مجهد من الفقر والجوع، وهو ضيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى زوجاته واحدة تلو الآخرى يسألها هل عندها شيء، فكانت كلّ واحدة تقول: ((لا والذي يعثك بالحق ما عندي إلا الماء)) .

تسعة أبيات للرسول عليه الصلاة والسلام ليس فيها إلا الماء، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لو شاء أن يسيّر الله الجبال معه ذهباً لسارت، لكنه عليه الصلاة والسلام كان أزهد الناس في الدنيا، كل بيوته التسعة ليس فيها شيء إلا الماء.

فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ((من يُضيف هذا الليلة)) يعني هذا الضيف.

فقال رجلٌ من الأنصار: ((أنا يا رسول)) أنا أضيفه. ((فانطلق به إلى رحله، فقال لآمراته: هل عندك شيء؟ قالت: لا؛ إلا قوت صبياني)) يعني ليس عندها في البيت إلا العشاء لهم تلك الليلة فقط. فقال: ((أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم)) وأمرها أن تشغل أولادها وتلهيهم.

حتى إذا جاء وقت الطعام نومتهم، وأطفأت المصباح، ورأت الضيف

أنهم يأكلون معه ففعلت، هدأت الصبيان وعللتهم ونومتهم، فناموا على غير عشاء، ثم إن العشاء لما قدم أطفأت المصباح وأرت الضيف أنها تأكل هي وزوجها معه، وهما لا يأكلان، فشبع الضيف وباتا طاويين، يعني غير متعشيين إكراماً لضيف الرسول صلى الله عليه وسلم.

ثم إنه أصبح فغدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الرسول عليه الصلاة والسلام أن الله قد عجب من صنيعهما تلك الليلة، والعجب هنا عجب استحسان، استحسن عز وجل صنيعهما من تلك الليلة لما يشتمل عليه من الفوائد العظيمة.

ففي هذا الحديث من الفوائد ما يلي:

أولاً: بيان حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما هو عليه من شظف العيش وقلة ذات اليد، مع أنه عليه الصلاة والسلام أكرم الخلق على الله، ولو كانت الدنيا تساوي عند الله شيئاً؛ لكان أبر الناس بها وأحقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنها لا تساوي شيئاً.

قال ابن القيم رحمه الله:

لو ساوت الدنيا جناح بعوضة ... لم يسق منها الرب ذا الكفران

لكنها والله أحقر عنده من ... ذا الجناح القاصر الطيران

أحقر من جناح البعوضة عند الله؛ فليست بشيء.

ومنها: حسن أدب الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم، فإن هذا الأنصاري رضي

الله عنه قال لزوجته: ((أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم)) ولم يقل أكرمي ضيفنا مع أن الذي أضافه في الحقيقة هو هذا الرجل، لكنه أضافه نيابة عن الرسول عليه الصلاة والسلام، فجعله ضيفاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومنها: إنه يجوز عرض الضيافة على الناس، ولا يعد هذا من المسالة المذمومة، أولاً لأنه لم يعين، فلم يقل: يا فلان ضيف هذا الرجل حتى نقول: إنه أحرجه، وإنما هو على سبيل العموم، فيجوز للإنسان مثلاً إذا نزل به ضيف وكان مشغولاً، أو ليس عنده ما يضيفه به، أن يقول لمن حوله: من مضيف هذا الرجل؟ ولا حرج في ذلك

ومنها: الإيثار العظيم من هذا الرجل الأنصاري، حيث بات هو وزوجته وصبيته من غير عشاء إكراماً لهذا الضيف الذي نزل ضيفاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومنها: أنه ينبغي للإنسان ألا يُري ضيفه أنه مانّ عليه، أو أن الضيف مضيق عليه، ومحرج له؛ لأن الرجل أمر بإطفاء المصباح حتى لا يظن الضيف أنه ضيق عليهم وحرمهم العشاء، وهذا مأخوذ من أدب الخليل إبراهيم عليه السلام حين نزلت به الملائكة ضيوفاً (فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ) (الذريات: ٢٦) ، حينئذٍ، لكنه راغ إلى أهله، أي ذهب بسرعة وخفية لئلا يخجل الضيف.

ومنها: أنه يجوز للإنسان أن يؤثر الضيف ونحوه على عائلته، وهذا في الآحوال النادرة العارضة، وإلا فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أبدا بنفسك

فتصدق عليها فإن فضل شيء فلأهلك))

ولكن إذا عرضت مثل هذه الأحوال؛ فلا حرج على الإنسان أن يقدم الضيف أو نحوه ممن يجب عليه إكرامه.

ومن تأمل سنة الرسول عليه الصلاة والسلام وهديه وهدي أصحابه؛ وجد فيها من مكارم الأخلاق ومعالي الآداب ما لو سار الناس عليه لنالوا بذلك رفعة الدنيا والآخرة. وفقنا الله وإياكم لما فيه الخير في الدنيا والآخرة.

٢/٥٦٥- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((طعام الإثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة)) متفق عليه.

وفي رواية لمسلم عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((طعامُ الواحد يكفي الإثنين، وطعام الإثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية)) .

٣/٥٦٦- وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينما نحنُ في سفرٍ مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجلٌ على راحلة لهُ، فجعل يصرفُ بصره يميناً وشمالاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من كان معه فضلُ ظهرٍ فليعد به على من لا ظهر له، ومن

كان له فضل زاد، فليعد به على من لا زاد له)) فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحدٍ منا في فضل. رواه مسلم..

٤/٥٦٧- وعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببردة منسوجة، فقالت نسجتها بيدي لأكسوكها، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم مُحتاجاً إليها، فخرج إلينا وإنها لإزاره، فقال فلان: اكسينها ما أحسنها!

فقال: ((نعم)) فجلس النبي صلى الله عليه وسلم في المجلس ثم رجع فطواها ثم أرسل بها إليه.

فقال له القوم: ما أحسنت! لبسها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجاً إليها، ثم سألتهُ، وعلمت أنهُ لا يرد سائلاً، فقال: إني والله ما سألتهُ لألبسها، إنما سألته لتكون كفني. قال سهل: فكانت كفنهُ. رواه البخاري

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف رحمه الله هذه الآحاديث الآربعة في باب الإيثار وهي حديث أبي هريرة، وجابر، وأبي سعيد، وسهل بن سعد.

ففي الحديثين الأولين، بين النبي صلى الله عليه وسلم إن طعام الواحد يكفي الإثنين، وأن طعام الإثنين يكفي الأربعة، وأن طعام الأربعة يكفي الثمانية، وهذا حث منه عليه الصلاة والسلام على الإيثار، يعني أنك لو أتيت بطعامك الذي قدرت أنه يكفيك، وجاء رجلٌ آخر فلا تبخل، لا تبخل عليه وتقول

هذا طعامي وحدي، بل أعطه حتى يكون كافياً للاثنين.

وكذلك لو جاء اثنان بطعامهما، ثم جاءهما اثنان، فلا يبخلان عليه ويقولان هذا طعامنا، بل يطمعانهما؛ فإن طعامهما يكفيهما ويكفي الإثنين، وهكذا الأربعة مع الثمانية.

وإنما ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام هذا من أجل أن يؤثر الإنسان بفضل طعامه على أخيه.

وكذلك أيضاً حديث أبي سعيد في قصة الرجل الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم على رحل له، فجعل يلتفت يميناً وشمالاً، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم فهم أن الرجل محتاج، فقال عليه الصلاة والسلام: ((من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له)) .

وذكر أنواعاً ولم يبادر فيقول من كان له فضل زاد مثلاً لئلا يخجل الرجل، بل قال: ((من كان له فضل ظهر)) ، والرجل لا يحتاج إلى الظهر، لأنه كان على راحلته، لكن هذا من حسن خطاب النبي صلى الله عليه وسلم.

يقول الراوي: ((حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل)) يعني أن الإنسان يبذل كل ما عنده حتى لا يبقى معه فضل، يعني من الطعام والشراب والرحل وغير ذلك، وهذا كله من باب الإيثار.

وأما الحديث الرابع حديث سهل بن سعد، فإن امرأة جاءت وأهدت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بردة، وكان صلى الله عليه وسلم لا يرد الهدية؛ بل يقبل الهدية ويثيب عليها صلوات الله وسلامه عليه، وهذا من كرمه وحسن خلقه، فتقدم رجل إليه، فقال: ما أحسن هذا، طلبها من النبي صلى الله عليه وسلم، ففعل الرسول عليه الصلاة

والسلام، خلعها وطواها، وأعطاه إياها.

فقيل للرجل: كيف تطلبها من النبي صلى الله عليه وسلم وأنت تعلم أنه لا يرد سائلاً؟ فقال: والله ما طلبتها لألبسها، ولكن لتكون كفني رضي الله عنه، فأبقاها عنده فصارت كفنه، ففي هذا إيثار النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه؛ لأنه آثر بها هذا الرجل مع أن الذي يظهر أنه في حاجة لها.

* * *

٥/٥٦٨- وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الأشعريين إذا أرملُوا في الغزوِ، أو قل طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموهُ بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم)) متفق عليه.

"ارملوا": فرغ زادهم، أو قارب الفراغ.

[٦٣- باب التنافس في أمور الآخرة والاستنكار مما يتبرك به]

قال الله تعالى: (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) (المطففين: ٢٦) .

١/٥٦٩- وعن سهل بن سعدٍ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بشراب، فشرب منهُ، وعن يمينه غُلام وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام ((أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟)) فقال الغلامُ: والله يا رسول الله، لا أوثرُ بنصيبي منك أحداً، فتلهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده. متفق عليه.

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف رحمه الله في آخر باب فضل الإيثار، حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وأصحابه الذين هم من الأشعريين من أهل اليمن، كانوا يتساعدون في أمورهم، فإذا أتاهم شيء من المال جمعوه ثم اقتسموه بينهم بالسوية. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فهم مني وأنا منهم)) قال ذلك تشجيعاً لما يفعلونه.

وهذا الحديث أصلُ في الجمعيات التعاونية التي يفعلها بعض الناس اليوم، تجتمع القبيلة على أن يضعوا صندوقاً يجمعون فيه ما يريد الله عز وجلّ من المال؛ إما بالنسبة وإما بالاجتهاد والترشيح، فيكون مثلاً على

كل واحد منهم أن يدفع اثنين في المائة من راتبه أو من كسبه أو ما أشبه ذلك، ويكون هذا الصندوق معداً للحوائج والنكبات التي تحصل على واحد منهم.

فهذا أصله حديث أبي موسى رضي الله عنه الذي سبق، فإذا جمع الناس صندوقاً على هذا النحو ليتساعدوا فيه على نكبات الزمان من الحوادث وغيرها، فإن لذلك أصلاً في السنة، وهو من الأمور المشروعة.

ولكن ينبغي أن نعمل أن هذا الصندوق قد يكون لمن يقع عليه الحادث، وقد يكون لمن يقع منه الحادث.

ِأما الأول: فأن يوضع الصندوق للناس لمساعدة الناس الذين يحصل عليهم جوائح؛ مثل جوائح تتلف زروعهم ومواشيهم، أو أمطار تهدم بيوتهم، أو ما أشبه ذلك، أو حوادث تحدث على سياراتهم من غيرهم، فيحتاجون إلى المساعدة؛ فهذا طيب ولا إشكال فيه.

أما الثاني: فهو للحوادث التي تقع من الشخص، فإذا فعل شخص حادثاً مثل دعس أحد أو ما أشبه ذلك يساعد، فهذا ينبغي أن ينظر في هذا الأمر؛ لأننا إذا وضعنا صندوقاً لهذا فإن السفهاء قد يتهورون، ولا يهمهم أن تقع الحوادث منهم، فإذا قدر أننا وضعنا صندوقاً لهذا الشيء فليكن ذلك بعد الدراسة؛ دراسة ما حدث من الشخص دراسة عميقة، وأنه لم يحدث منه تهورٌ ولم يحدث منه تفريطٌ، وإلا فلا ينبغي أن توضع الصناديق لمساعدة هؤلاء السفهاء الذين يوماً يدعسون شخصاً، ويوماً يصدمون سيارة وما أشبه ذلك، وربما يقع ذلك عن حال غير مرضية كسُكرٍ، أو عن

حال يفرط فيها الإنسان كالنوم وما أشبه ذلك.

والحاصل أن هذه الصناديق تكون على وجهين:

الوجه الأول: مساعدة من يحصل عليه حادث، فهذا طيب ولا إشكال فيه.

والوجه الثاني: أن يكون ممن يحصل منه حادث، فهذا إن وضع- ولا أحبذ أن يوضع، لكن إن وضع - فإنه يجب التحرز والتثبت من كون هذا الرجل الذي حصل منه الحادث لم يحصل منه تفريط ولا تعدِّ.

ثم إن هذا المال الذي يوضع في الصندوق ليس فيه زكاة مهما بلغ من القدر، وذلك لأنه ليس له مالك، ومن شروط وجوب الزكاة أن يكون المال له مالك، وهذا الصندوق ليس له مالك؛ بل من حصل عليه حادث فإنه يساعد منه، وأصحابه الذين وضعوا هذه النقود في هذا الصندوق فإنهم لا يملكون أخذها؛ لأنهم قد أخرجوها من أموالهم لمال من؛ لا لأحدٍ وإنما هو للمساعدة، وعلى هذا فلا يكون فيها زكاة.

ثم هاهنا مسألة يسأل عنها الكثير من الناس، وهي أنه يجتمع أناس من الموظفين مثلاً، ويقولون: سنخصم من كل راتب من رواتب هؤلاء النفر ألف ريال على كل واحد، أو عشرة في المائة من راتبه، يعني إما بالنسبة أو بالتعيين، ونعطيها واحداً منا، وفي الشهر الثاني نعطيها الثاني، وفي الشهر الثالث نعطيها الثالث، وفي الشهر الرابع نعطيها الرابع، حتى تدور عليهم ثم ترجع للأول للمرة الثانية، فبعض الناس يسأل عنها.

والجواب على هذا أن نقول: إن هذا صحيحٌ ولا بأس به، وليس فيه

حرج، ومن توهم أنه من باب القرض الذي جر نفعاً فقد وهم؛؛ لأني إذا سلفتُ أنا هؤلاء الإخوان الذين معي شيئاً فأنا لا آخذ أكثر مما أعطيت، وكونهم يقولون سوف يرجع إليه مال كثيرٌ نقول: نعم، ولكن لم يرجع عليه أكثر مما أعطى، فغاية ما فيه أنه سلف بشرط أن يوفى وليس في هذا شيء.

فهذا وهم من بعض الإخوان وهم بعض طلبة العلم الذين يظنون أن هذا من باب الربا؛ هذا ليس فيه ربا إطلاقاً، بل هو من باب التساعد والتعاون، وكثيراً ما يحتاج بعض الزملاء إلى أموال حاضرة تفك مشاكله، ويسلم من أن يذهب إلى أحد يتدين منه ويربي عليه، أو يذهب إلى بنك يأخذ منه بالربا أو ما أشبه ذلك، فهذه مصلحة وليس فيها مفسدة بأي وجه من الوجوه والله الموفق.

📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي

المصنف: في الحديث فضيلة الأشعريين وفضيلة الإيثار والمواساة وفضيلة خلط الأزواد في السفر وفضيلة جمعها في شيء عند قلتها ثم قسمها، وليس المراد من القسمة هنا المعروفة في كتب الفقه بشروطها ومنعها في الربويات واشتراط المساواة وغيرها، بل المراد إباحة بعضهم بعضاً ومواساتهم بالموجود (أرملوا: فرغ زادهم) هو ما اقتصر عليه في «شرح مسلم» (أو قارب الفراغ) وكأن الأول بيان موضوع اللفظ لغة. والثاني بيان المراد هنا لأن القسمة إنما تكون في الموجود لا في الذاهب رأساً، والله أعلم.

٦٣ - باب التنافس في أمور الآخرة والاستكثار مما يتبرك به

أي طلب ذلك لما جاء فيه. وفي «النهاية» : التنافس من المنافسة وهي الرغبة في الشيء والانفراد به، وهو من الشيء النفيس الجيد في نوعه اهـ. والاستكثار طلب لكثرة وقوله مما يتبرك متعلق به، والتبرك بالشيء لأسباب كأن كان فيه أثر صالح أو ظهر فيه آية أو كان قريب عهد بتكوين من الله سبحانه.

(قال الله تعالى) : ( {وفي ذلك فليتنافس} ) فليرتقب ( {المتنافسون} ) المرتقبون: وقال ابن عطية: التنافس في الشيء المغالاة فيه وأن يتبعه كل واحد نفسه فكأن نفسهما تتباريان فيه، قيل: هو من قولك: شيء نفيس فكأن هذا يعظمه الآخر ويستبقان إليه.

١ - (وعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي أتى بشراب) وهو كما في «المصباح» ما يشرب من المائعات، وكان ذلك كما قال الحافظ في بيت ميمونة أم المؤمنين (فشرب منه) فيه استحباب شرب البعض إذا كان ثمة غيره (وعن يمينه غلام) هو كما سيأتي في الأصل

عبد الله بن عباس، وقيل: هو الفضل أخوه، حكاه ابن بطال، قال الحافظ: والصواب الأول (وعن يساره الأشياخ) جمع شيخ من شاخ في السنّ إذا طعن فيها، وذلك من الخمسين سنة ففوق، ويطلق الشيخ لغة على من مهر في العلوم وإن لم يكن في السن كذلك فيقال الغلام، ويصلح كما قال الحافظ أن يعد من جملة الأشياخ خالد. قال: وقد روى ابن أبي حازم عن أبيه في حديث سهل بن سعد ذكر أبي بكر الصديق فيمن كان على يساره، ذكره ابن عبد البرّ وخطأه (فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء) جاء في رواية الترمذي عن ابن عباس: «فقال لي الشربة لك، فإن شئت آثرت بها خالداً» الحديث، قال الحافظ: قال ابن الجوزي: وإنما استأذن الغلام دون الأعرابي المذكور في حديث أنس من شربه للبن وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر الصديق. لأن الأعرابي لم يكن له علم بالشريعة فاستألفه بترك استئذانه بخلاف الغلام (فقال الغلام: وا يا رسول الله لا أوثر بنصيبي منك أحداً) أكد بالقسم وتوسيط ندائه بوصف الرسالة إيماء إلى أن العلة في عدم الإيثار ليس كونه شراباً، فإن الاهتمام بأمر المطاعم شأن البهائم، إنما هو لحلول أثر بركته عليه لكونه سؤره وفضله، وذلك يفزع إليه أرباب الأفهام ويتنافس فيه أولو الأحلام، فلذا عبر بقوله بنصيبي منك: أي من أثر بركتك وفيضك أحداً، والتنكير فيه للتعميم ليعم القريب والبعيد والمشرف والشريف، وفيه مزيد نباهة ابن عباس وجودة فكره إذ نظر إلى الأشياء في مكانها ولذا قال بقوله: عمر عند استجلاء أفكاره فيما يدلهم عليه من الأمور: «غص يا غواص» (فتله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في يده. متفق عليه) رواه البخاري بهذا اللفظ

في كتاب المظالم والغضب وفي كتاب الشرب وزاد بعد «احداً» قوله: يا رسولالله، وقال: بدل قوله: «فتله» فأعطاه إياه في يده، رواه مسلم في الأشربة، وأخرجه النسائي في الأشربة من «سننه» (تله بالتاء المثناة فوق) أي وتشديد اللام (أي وضعه) في «تحفة القاري» أي وضعه بقوّة. وفي «النهاية» : قيل: التل الصب فاستعير للالقاء يقال: تل يتل: إذا صب، وتل يتل: إذا سقط، والأول بالضم والثاني بالكسر في المضارع (وهذا الغلام) كما حكاه الحافظ عن ابن التين، وجاء كذلك في رواية الترمذي من حديث ابن عباس نفسه (هو ابن عباس) أي عبد الله بن عباس (رضي الله

عنهما) فإن هذا علم عليه بالغلبة كابن عمر وابن مسعود على عبد الله.

٢ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: بينا أيوب عليه السلام) قال العراقي في «شرح التقريب» : يقال: هو أيوب بن رزاح بن روم بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم (يغتسل عرياناً) فيه جواز الاغتسال عرياناً في الخلوة مع إمكان التستر، وهو مذهب الجمهور (فخرّ) بالخاء المعجمة: أي سقط (عليه جراد من ذهب) هذا ظاهر في سقوطه عليه من علوّ وهو إكرام من الله تعالى له، وهو معجزة في حقه، وهل كان جراداً حقيقة ذا روح، إلا أن جسمه من ذهب، أو كان على شكل الجراد ولا روح فيه؟ الأظهر الثاني. قال الجوهري: وليس المراد ذكر الجراد وإنما هو اسم جنس كبقر وبقرة، فحق مذكره أن لا يكون من لفظه لئلا يلتبس الواحد المذكر بالجمع (فجعل) شرح (أيوب يحثي في ثوبه) استكثاراً من البركة لكونه قريب عهد بتكوين من الله سبحانه (فناداه ربه عزّ وجلّ) لا يخفى ما في التعبير من الرب المؤذن بالتربية والإيصال إلى الكمال في هذا المقام وهذا النداء الله أعلم أنه كان بواسطة الملك لأن المخصوص بالسماع من حضرة الحق سبحانه من الأنبياء والمرسلين نبينا وموسى، ثم رأيت العراقي أشار إلى ما ذكرته وزاد احتمال كونه إلهاماً قال: ويجوز كونه كفاحاً كما وقع لموسى وفيه نقد ولعل وجهه ما ذكرنا، وقوله: (ألم أكن أغنيتك عما ترى) محكي لقول مقدر أو للنداء لما فيه من معنى القول، والقول محتمل لأن يراد منه غنى القلب، أو غنى المال، وفيه على الثاني أن أيوب كان غنياً شاكراً، ولا ينافيه قوله تعالى: {إنا وجدناه صابراً} لأن المراد صبره على البلاء أو على الفقر معه. والذي يظهر أن الله تعالى جمع لأيوب مقامي الصبر على الفقر والشكر على الغنى باعتبار حالتيه، فكان في نفس البلاء فقيراً صابراً وقبله وبعده غنياً شاكراً، ولذا قال تعالى: {إنا وجدناه صابراً} ثم قال: {نعم العبد} ففيه الإيماء إلى أنه غنيّ شاكر كما قال في حق سليمان {نعم العبد إنه أوّاب} مع أنه كان غنياً شاكراً

(قال: بلى) واستدرك من مفهوم ذلك قوله: (ولكن لا

📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري

أي: ومن سلم من الحرص الشديد الذي يحمله على ارتكاب المحارم، {فَأولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ، أي: الفائزون.

قال ابن زيد وغيره: من لم يأخذ شيئًا نهاه الله عنه، ولم يمنع الزكاة المفروضة فقد برئ من شح النفس.

وقال ابن مسعود: شح النفس: أكل مال الناس بالباطل. أما منع الإنسان ماله فبخل، وهو قبيح.

قال ابن عطية: شح النفس فقر لا يذهبه غنى المال بل يزيده.

وأما الأحاديث فتقدمت جملة مِنْهَا في الباب السابق.

[٥٦٣] وعن جابر - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «اتَّقُوا الظُّلْمَ؛ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ. وَاتَّقُوا الشُّحَّ؛ فَإنَّ الشُّحَّ أهْلَكَ مَنْ كَانَ

قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أنْ سَفَكُوا دِمَاءهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ» . رواه مسلم.

أي: استحلوا ما حرم الله عليهم حرصًا على المال، كما احتالوا على ما حرم الله عيهم من الشحوم، فأذابوها فباعوها واحتالوا لصيد السمك فحبلوا له يوم الجمعة وأخذوه يوم الأحد، وغير ذلك مما استحلوا به محارمهم وسفكوا به دماءهم.

[٦٢- باب الإيثار والمواساة]

قَالَ الله تَعَالَى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}

[الحشر (٩) ] .

يعني: فاقة وحاجة، أي: يقدمون المحاويج على حاجة أنفسهم.

وقال تَعَالَى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} ... [الدهر (٨) ] . إلى آخر الآيات

يعني: ويطعمون الطعام وهم يحبونه، ويشتهونه، مسكينًا، ويتيمًا، وأسيرًا، وإن كان كافرًا، لوجه الله تعالى لا لحظ النفس، وخوفًا من عذاب يوم القيامة، فوقاهم الله شرَّ ذلك اليوم، ولقاهم نضرة في وجوههم، وسرورًا في قلوبهم، وجزاهم بما صبروا على ترك الشهوات، وأداء الواجبات جنةً وحريرًا.

[٥٦٤] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: إنِّي مَجْهُودٌ، فَأرسَلَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ، فَقالت: وَالَّذي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا عِنْدِي إلا مَاءٌ، ثُمَّ أرْسَلَ إِلَى أُخْرَى، فَقَالَتْ مِثلَ ذَلِكَ، حَتَّى قُلْنَ كُلُّهُنَّ مِثلَ ذَلِكَ: لا وَالَّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ مَا عِنْدِي إلا مَاءٌ. فَقَالَ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ يُضيفُ هَذَا اللَّيْلَةَ؟» فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ: أنَا يَا رسولَ الله، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى رَحْلِهِ، فَقَالَ لامْرَأَتِهِ: أكرِمِي ضَيْفَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وفي روايةٍ قَالَ لامْرَأَتِهِ: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ فقَالَتْ: لا، إلا قُوتَ صِبيَانِي. قَالَ: فَعَلِّليهم بِشَيْءٍ وَإذَا أرَادُوا العَشَاءَ فَنَوِّمِيهمْ، وَإِذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا فَأطْفِئي السِّرَاجَ، وَأريهِ أنَّا نَأكُلُ. فَقَعَدُوا وَأكَلَ الضَّيْفُ وَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أصْبَحَ غَدَا عَلَى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: «لَقَدْ عَجبَ الله مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

هذا الحديث: أخرجه البخاري في التفسير، وفي فضائل الأنصار.

وفيه: استحباب الإيثار على النفس ولو كان محتاجًا، وكذلك على العيال إذا لم يضرهم.

[٥٦٥] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «طَعَامُ الاثْنَيْنِ كَافِي الثَّلَاثَةِ، وَطَعَامُ الثَّلَاثَةِ كَافِي الأربَعَةِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

وفي رواية لمسلمٍ عن جابر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «طَعَامُ الوَاحِدِ يَكْفِي الاثْنَيْنِ، وَطَعَامُ الاثْنَيْنِ يَكْفِي الأَرْبَعَةَ، وَطَعَامُ الأَرْبَعَة يَكْفِي الثَّمَانِية» .

المراد بذلك: الحض على المكارم، والتقنع بالكفاية، وأنه ينبغي للاثنين إدخال ثالث لطعامهما، وإدخال رابع أيضًا بحسب من يحضر.

وعند الطبراني: «كلوا جميعًا ولا تفرقوا فإن طعام الواحد يكفي الاثنين» . الحديث. فيؤخذ منه أن الكفاية تنشأ من بركة الاجتماع، وأن الجمع كلما زاد زادت البركة.

وفيه: إشارة إلى أن المواساة إذا حصلت حصل معها البركة.

وفيه: أنه ينبغي للمرء أن لا يستحقر ما عنده فيمتنع من تقديمه، فإن القليل قد يحصل به الاكتفاء.

[٥٦٦] وعن أَبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ، فَجَعَلَ يَصرِفُ بَصَرَهُ يَميناً وَشِمَالاً، فَقَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَليَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لا ظَهرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لا زَادَ لَهُ» . فَذَكَرَ مِنْ أصْنَافِ المالِ مَا ذكر حَتَّى رَأيْنَا أنَّهُ لا حَقَّ لأحَدٍ مِنَّا في فَضْلٍ. رواه مسلم.

في هذا الحديث: الأمر بالمواساة من الفاضل، وهو كحديث: إنك يا ابن آدم إن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول.

[٥٦٧] وعن سهل بن سعدٍ - رضي الله عنه - أنَّ أمْرَأةً جَاءَتْ إِلَى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ، فَقَالَتْ: نَسَجْتُها بِيَدَيَّ لأَكْسُوكَهَا، فَأَخَذَهَا النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُحْتَاجاً إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإنَّهَا إزَارُهُ، فَقَالَ فُلانٌ: اكْسُنِيهَا مَا أحْسَنَهَا! فَقَالَ:

«نَعَمْ» فَجَلَسَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في المَجْلِسُ، ثُمَّ رَجَعَ فَطَواهَا، ثُمَّ أرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ: فَقَالَ لَهُ الْقَومُ: مَا أحْسَنْتَ! لَبِسَهَا النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُحتَاجَاً إِلَيْهَا، ثُمَّ سَألْتَهُ وَعَلِمْتَ أنَّهُ لا يَرُدُّ سَائِلاً، فَقَالَ: إنّي وَاللهِ مَا سَألْتُهُ لألْبِسَهَا، إنَّمَا سَألْتُهُ لِتَكُونَ كَفنِي. قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ. رواه البخاري.

في هذا الحديث: جواز إعداد الشيء قبل الحاجة إليه.

وفيه: حسن خلق النبي - صلى الله عليه وسلم - وسعة جوده وقَبول الهدية.

[٥٦٨] وعن أَبي موسى - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الأشْعَرِيِّينَ إِذَا أرْمَلُوا في الغَزْوِ، أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بالمَديِنَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ في إنَاءٍ وَاحدٍ بالسَّوِيَّةِ فَهُمْ مِنِّي وَأنَا مِنْهُمْ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

«أرْمَلُوا» : فَرَغَ زَادُهُمْ أَوْ قَارَبَ الفَرَاغَ.

في الحديث: فضيلة الأشعريين، وفضيلة الإيثار، والمواساة، وفضيلة خلط الأزواد عند الحاجة.

٦٣- باب التنافس في أمور الآخرة والاستكثار مما يتبرك بِهِ

قَالَ الله تَعَالَى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين (٢٦) ] .

يعرف ذلك مما قبل الآية هو قوله تعالى: {كَلا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ *

وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ * إِنَّ الأَبْرَارَ

لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين (١٨: ٢٦) ] ، أي: فليتسابق المتسابقون، كقوله تعالى: {لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ} [الصافات (٦١) ] .

[٥٦٩] وعن سَهْلِ بن سَعدٍ - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أُتِيَ بِشَرابٍ، فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ الأشْيَاخُ، فَقَالَ لِلغُلَامِ: «أتَأذَنُ لِي أنْ أُعْطِيَ هؤُلاء؟» فَقَالَ الغُلامُ: لا وَاللهِ يَا رسولَ الله، لا أُوْثِرُ بِنَصِيبي مِنْكَ أحَداً. فَتَلَّهُ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في يَدِهِ. متفقٌ عَلَيْهِ.

«تَلَّهُ» بالتاءِ المثناة فوق: أيْ وَضَعَهُ. وَهذَا الغُلامُ هُوَ ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما.

في الحديث: أن سنَّة الشرب العامة تقديم الأيمن في كل موطن.

وفيه: أن من استحق شيئًا لم يدفع عنه إلا بإذنه.

قال ابن الجوزي: وأنه استأذن الغلام دون الأعرابي في الحديث الآخر؛ لأن الأعرابي لم يكن له علم بالشريعة، فاستألفه بترك استئذانه.

[٥٧٠] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «بَيْنَا أيُّوبُ - عليه السلام - يَغْتَسِلُ عُرْيَاناً، فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أيُّوبُ يَحْثِي في ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ - عز وجل -: يَا أيُّوبُ، ألَمْ أكُنْ أغْنَيتكَ عَمَّا تَرَى؟! قَالَ: بَلَى وَعِزَّتِكَ وَلَكِنْ لا غِنى بي عن بَرَكَتِكَ» . رواه البخاري.

في هذا الحديث: جواز الاغتسال عريانًا في الخلوة.

📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي

[٦٢- باب الإيثار والمواساة]

قال الله تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر: ٩)

وقال تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) (الانسان: ٨) إلى آخر الآيات.

[الشَّرْحُ]

فالإيثار في الواجبات الشرعية حرام، ولا يحل؛ أنه يستلزم إسقاط الواجب عليك.

وأما القسم الثاني: وهو المكروه أوالمباح: فالإيثار بالأمور المستحبة، وقد كرهه بعض أهل العلم وأباحه بعضهم، لكن تركه أولى لا شك إلا لمصلحته.

ومثاله: أن تؤثر غيرك في الصف الأول الذي أنت فيه، مثل أن تكون أنت في الصف الأول في الصلاة، فيدخل إنسان فتقوم عن مكانك وتؤثره به، فقد كره أهل العلم هذا، وقالوا: إن هذا دليلٌ على أن الإنسان يرغب عن الخير، والرغبة عن الخير مكروهة، إذ كيف تقدم غيرك إلى مكان فاضل أنت أحق به منه؟!

وقال بعض العلماء تركه أولى إلا إذا كان فيه مصلحة، كما لو كان أبوك وتخشى أن يقع في قلبه شيء عليك فتؤثره بمكانك الفاضل، فهذا لا بأس به.

القسم الثالث: وهو المباح: وهذا المباح قد يكون مستحباً، وذلك أن تؤثر غيرك في أمر غير تعبدي، أي تؤثر غيرك وتقدمه على نفسك في أمر غير تعبدي.

مثل: أن يكون معك طعام وأنت جائع، وصاحب لك جائع مثلك ففي هذه الحال إذا آثرته فإنك محمود على هذا الإيثار؛ لقول الله تبارك وتعالى في وصف الأنصار: (وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ

وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ َ) (الحشر: ٩) .

ووجه إيثارهم على أنفسهم أن المهاجرين لم اقدموا المدينة تلقاهم الأنصار بالإكرام والاحترام والإيثار بالمال، حتى أن بعضهم يقول لأخيه المهاجري: إن شئت أن أتنازل عن إحدى زوجتي لك فعلت؛ يعني يطلقها فيتزوجها المهاجريّ بعد بمضي عدتها. وهذا من شدة إيثاره رضي اله عنهم لإخوانهم المهاجرين.

وقال تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) (الانسان: ٨)

يعني يطعمون الطعام وهم يحبونه مسكيناً ويتيماً وأسيراً، ويتركون أنفسهم، هذا أيضاً من باب الإيثار.

* * *

١/٥٦٤- وعن أبي هُريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني مجهود، فأرسل إلى بعض نسائه، فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، ثم أرسل إلى أخرى، فقالت مثل ذلك، حتى قلن كلهن مثل ذلك: لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماءً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من يُضيفُ هذا الليلة؟)) فقال رجلٌ من الأنصارِ: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رحلهِ، فقال لأمرأته: أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي رواية قال لامراته: هل عندك شيء؟ فقالت: لا، إلا قوت صبياني. قال: علليهم بشيءٍ وإذا أرادوا العشاء، فنوميهم، وإذا دخل ضيفنا، فأطفئي السراج، وأريه أنا نأكلُ؛ فقعدوا وأكل الضيف وباتا طاويين، فلما أصبح، غدا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((لقد عجبَ الله من صنيعكما بضيفكما الليلة")) متفق عليه.

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في باب الإيثار على النفس هذا الحديث العظيم العجيب؛ الذي يبين حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حيث جاءه رجل فقال: ((يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني مجهود)) يعني مجهد من الفقر والجوع، وهو ضيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى زوجاته واحدة تلو الآخرى يسألها هل عندها شيء، فكانت كلّ واحدة تقول: ((لا والذي يعثك بالحق ما عندي إلا الماء)) .

تسعة أبيات للرسول عليه الصلاة والسلام ليس فيها إلا الماء، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لو شاء أن يسيّر الله الجبال معه ذهباً لسارت، لكنه عليه الصلاة والسلام كان أزهد الناس في الدنيا، كل بيوته التسعة ليس فيها شيء إلا الماء.

فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ((من يُضيف هذا الليلة)) يعني هذا الضيف.

فقال رجلٌ من الأنصار: ((أنا يا رسول)) أنا أضيفه. ((فانطلق به إلى رحله، فقال لآمراته: هل عندك شيء؟ قالت: لا؛ إلا قوت صبياني)) يعني ليس عندها في البيت إلا العشاء لهم تلك الليلة فقط. فقال: ((أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم)) وأمرها أن تشغل أولادها وتلهيهم.

حتى إذا جاء وقت الطعام نومتهم، وأطفأت المصباح، ورأت الضيف

أنهم يأكلون معه ففعلت، هدأت الصبيان وعللتهم ونومتهم، فناموا على غير عشاء، ثم إن العشاء لما قدم أطفأت المصباح وأرت الضيف أنها تأكل هي وزوجها معه، وهما لا يأكلان، فشبع الضيف وباتا طاويين، يعني غير متعشيين إكراماً لضيف الرسول صلى الله عليه وسلم.

ثم إنه أصبح فغدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الرسول عليه الصلاة والسلام أن الله قد عجب من صنيعهما تلك الليلة، والعجب هنا عجب استحسان، استحسن عز وجل صنيعهما من تلك الليلة لما يشتمل عليه من الفوائد العظيمة.

ففي هذا الحديث من الفوائد ما يلي:

أولاً: بيان حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما هو عليه من شظف العيش وقلة ذات اليد، مع أنه عليه الصلاة والسلام أكرم الخلق على الله، ولو كانت الدنيا تساوي عند الله شيئاً؛ لكان أبر الناس بها وأحقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنها لا تساوي شيئاً.

قال ابن القيم رحمه الله:

لو ساوت الدنيا جناح بعوضة ... لم يسق منها الرب ذا الكفران

لكنها والله أحقر عنده من ... ذا الجناح القاصر الطيران

أحقر من جناح البعوضة عند الله؛ فليست بشيء.

ومنها: حسن أدب الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم، فإن هذا الأنصاري رضي

الله عنه قال لزوجته: ((أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم)) ولم يقل أكرمي ضيفنا مع أن الذي أضافه في الحقيقة هو هذا الرجل، لكنه أضافه نيابة عن الرسول عليه الصلاة والسلام، فجعله ضيفاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومنها: إنه يجوز عرض الضيافة على الناس، ولا يعد هذا من المسالة المذمومة، أولاً لأنه لم يعين، فلم يقل: يا فلان ضيف هذا الرجل حتى نقول: إنه أحرجه، وإنما هو على سبيل العموم، فيجوز للإنسان مثلاً إذا نزل به ضيف وكان مشغولاً، أو ليس عنده ما يضيفه به، أن يقول لمن حوله: من مضيف هذا الرجل؟ ولا حرج في ذلك

ومنها: الإيثار العظيم من هذا الرجل الأنصاري، حيث بات هو وزوجته وصبيته من غير عشاء إكراماً لهذا الضيف الذي نزل ضيفاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومنها: أنه ينبغي للإنسان ألا يُري ضيفه أنه مانّ عليه، أو أن الضيف مضيق عليه، ومحرج له؛ لأن الرجل أمر بإطفاء المصباح حتى لا يظن الضيف أنه ضيق عليهم وحرمهم العشاء، وهذا مأخوذ من أدب الخليل إبراهيم عليه السلام حين نزلت به الملائكة ضيوفاً (فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ) (الذريات: ٢٦) ، حينئذٍ، لكنه راغ إلى أهله، أي ذهب بسرعة وخفية لئلا يخجل الضيف.

ومنها: أنه يجوز للإنسان أن يؤثر الضيف ونحوه على عائلته، وهذا في الآحوال النادرة العارضة، وإلا فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أبدا بنفسك

فتصدق عليها فإن فضل شيء فلأهلك))

ولكن إذا عرضت مثل هذه الأحوال؛ فلا حرج على الإنسان أن يقدم الضيف أو نحوه ممن يجب عليه إكرامه.

ومن تأمل سنة الرسول عليه الصلاة والسلام وهديه وهدي أصحابه؛ وجد فيها من مكارم الأخلاق ومعالي الآداب ما لو سار الناس عليه لنالوا بذلك رفعة الدنيا والآخرة. وفقنا الله وإياكم لما فيه الخير في الدنيا والآخرة.

٢/٥٦٥- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((طعام الإثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة)) متفق عليه.

وفي رواية لمسلم عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((طعامُ الواحد يكفي الإثنين، وطعام الإثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية)) .

٣/٥٦٦- وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينما نحنُ في سفرٍ مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجلٌ على راحلة لهُ، فجعل يصرفُ بصره يميناً وشمالاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من كان معه فضلُ ظهرٍ فليعد به على من لا ظهر له، ومن

كان له فضل زاد، فليعد به على من لا زاد له)) فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحدٍ منا في فضل. رواه مسلم..

٤/٥٦٧- وعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببردة منسوجة، فقالت نسجتها بيدي لأكسوكها، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم مُحتاجاً إليها، فخرج إلينا وإنها لإزاره، فقال فلان: اكسينها ما أحسنها!

فقال: ((نعم)) فجلس النبي صلى الله عليه وسلم في المجلس ثم رجع فطواها ثم أرسل بها إليه.

فقال له القوم: ما أحسنت! لبسها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجاً إليها، ثم سألتهُ، وعلمت أنهُ لا يرد سائلاً، فقال: إني والله ما سألتهُ لألبسها، إنما سألته لتكون كفني. قال سهل: فكانت كفنهُ. رواه البخاري

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف رحمه الله هذه الآحاديث الآربعة في باب الإيثار وهي حديث أبي هريرة، وجابر، وأبي سعيد، وسهل بن سعد.

ففي الحديثين الأولين، بين النبي صلى الله عليه وسلم إن طعام الواحد يكفي الإثنين، وأن طعام الإثنين يكفي الأربعة، وأن طعام الأربعة يكفي الثمانية، وهذا حث منه عليه الصلاة والسلام على الإيثار، يعني أنك لو أتيت بطعامك الذي قدرت أنه يكفيك، وجاء رجلٌ آخر فلا تبخل، لا تبخل عليه وتقول

هذا طعامي وحدي، بل أعطه حتى يكون كافياً للاثنين.

وكذلك لو جاء اثنان بطعامهما، ثم جاءهما اثنان، فلا يبخلان عليه ويقولان هذا طعامنا، بل يطمعانهما؛ فإن طعامهما يكفيهما ويكفي الإثنين، وهكذا الأربعة مع الثمانية.

وإنما ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام هذا من أجل أن يؤثر الإنسان بفضل طعامه على أخيه.

وكذلك أيضاً حديث أبي سعيد في قصة الرجل الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم على رحل له، فجعل يلتفت يميناً وشمالاً، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم فهم أن الرجل محتاج، فقال عليه الصلاة والسلام: ((من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له)) .

وذكر أنواعاً ولم يبادر فيقول من كان له فضل زاد مثلاً لئلا يخجل الرجل، بل قال: ((من كان له فضل ظهر)) ، والرجل لا يحتاج إلى الظهر، لأنه كان على راحلته، لكن هذا من حسن خطاب النبي صلى الله عليه وسلم.

يقول الراوي: ((حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل)) يعني أن الإنسان يبذل كل ما عنده حتى لا يبقى معه فضل، يعني من الطعام والشراب والرحل وغير ذلك، وهذا كله من باب الإيثار.

وأما الحديث الرابع حديث سهل بن سعد، فإن امرأة جاءت وأهدت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بردة، وكان صلى الله عليه وسلم لا يرد الهدية؛ بل يقبل الهدية ويثيب عليها صلوات الله وسلامه عليه، وهذا من كرمه وحسن خلقه، فتقدم رجل إليه، فقال: ما أحسن هذا، طلبها من النبي صلى الله عليه وسلم، ففعل الرسول عليه الصلاة

والسلام، خلعها وطواها، وأعطاه إياها.

فقيل للرجل: كيف تطلبها من النبي صلى الله عليه وسلم وأنت تعلم أنه لا يرد سائلاً؟ فقال: والله ما طلبتها لألبسها، ولكن لتكون كفني رضي الله عنه، فأبقاها عنده فصارت كفنه، ففي هذا إيثار النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه؛ لأنه آثر بها هذا الرجل مع أن الذي يظهر أنه في حاجة لها.

* * *

٥/٥٦٨- وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الأشعريين إذا أرملُوا في الغزوِ، أو قل طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموهُ بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم)) متفق عليه.

"ارملوا": فرغ زادهم، أو قارب الفراغ.

[٦٣- باب التنافس في أمور الآخرة والاستنكار مما يتبرك به]

قال الله تعالى: (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) (المطففين: ٢٦) .

١/٥٦٩- وعن سهل بن سعدٍ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بشراب، فشرب منهُ، وعن يمينه غُلام وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام ((أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟)) فقال الغلامُ: والله يا رسول الله، لا أوثرُ بنصيبي منك أحداً، فتلهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده. متفق عليه.

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف رحمه الله في آخر باب فضل الإيثار، حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وأصحابه الذين هم من الأشعريين من أهل اليمن، كانوا يتساعدون في أمورهم، فإذا أتاهم شيء من المال جمعوه ثم اقتسموه بينهم بالسوية. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فهم مني وأنا منهم)) قال ذلك تشجيعاً لما يفعلونه.

وهذا الحديث أصلُ في الجمعيات التعاونية التي يفعلها بعض الناس اليوم، تجتمع القبيلة على أن يضعوا صندوقاً يجمعون فيه ما يريد الله عز وجلّ من المال؛ إما بالنسبة وإما بالاجتهاد والترشيح، فيكون مثلاً على

كل واحد منهم أن يدفع اثنين في المائة من راتبه أو من كسبه أو ما أشبه ذلك، ويكون هذا الصندوق معداً للحوائج والنكبات التي تحصل على واحد منهم.

فهذا أصله حديث أبي موسى رضي الله عنه الذي سبق، فإذا جمع الناس صندوقاً على هذا النحو ليتساعدوا فيه على نكبات الزمان من الحوادث وغيرها، فإن لذلك أصلاً في السنة، وهو من الأمور المشروعة.

ولكن ينبغي أن نعمل أن هذا الصندوق قد يكون لمن يقع عليه الحادث، وقد يكون لمن يقع منه الحادث.

ِأما الأول: فأن يوضع الصندوق للناس لمساعدة الناس الذين يحصل عليهم جوائح؛ مثل جوائح تتلف زروعهم ومواشيهم، أو أمطار تهدم بيوتهم، أو ما أشبه ذلك، أو حوادث تحدث على سياراتهم من غيرهم، فيحتاجون إلى المساعدة؛ فهذا طيب ولا إشكال فيه.

أما الثاني: فهو للحوادث التي تقع من الشخص، فإذا فعل شخص حادثاً مثل دعس أحد أو ما أشبه ذلك يساعد، فهذا ينبغي أن ينظر في هذا الأمر؛ لأننا إذا وضعنا صندوقاً لهذا فإن السفهاء قد يتهورون، ولا يهمهم أن تقع الحوادث منهم، فإذا قدر أننا وضعنا صندوقاً لهذا الشيء فليكن ذلك بعد الدراسة؛ دراسة ما حدث من الشخص دراسة عميقة، وأنه لم يحدث منه تهورٌ ولم يحدث منه تفريطٌ، وإلا فلا ينبغي أن توضع الصناديق لمساعدة هؤلاء السفهاء الذين يوماً يدعسون شخصاً، ويوماً يصدمون سيارة وما أشبه ذلك، وربما يقع ذلك عن حال غير مرضية كسُكرٍ، أو عن

حال يفرط فيها الإنسان كالنوم وما أشبه ذلك.

والحاصل أن هذه الصناديق تكون على وجهين:

الوجه الأول: مساعدة من يحصل عليه حادث، فهذا طيب ولا إشكال فيه.

والوجه الثاني: أن يكون ممن يحصل منه حادث، فهذا إن وضع- ولا أحبذ أن يوضع، لكن إن وضع - فإنه يجب التحرز والتثبت من كون هذا الرجل الذي حصل منه الحادث لم يحصل منه تفريط ولا تعدِّ.

ثم إن هذا المال الذي يوضع في الصندوق ليس فيه زكاة مهما بلغ من القدر، وذلك لأنه ليس له مالك، ومن شروط وجوب الزكاة أن يكون المال له مالك، وهذا الصندوق ليس له مالك؛ بل من حصل عليه حادث فإنه يساعد منه، وأصحابه الذين وضعوا هذه النقود في هذا الصندوق فإنهم لا يملكون أخذها؛ لأنهم قد أخرجوها من أموالهم لمال من؛ لا لأحدٍ وإنما هو للمساعدة، وعلى هذا فلا يكون فيها زكاة.

ثم هاهنا مسألة يسأل عنها الكثير من الناس، وهي أنه يجتمع أناس من الموظفين مثلاً، ويقولون: سنخصم من كل راتب من رواتب هؤلاء النفر ألف ريال على كل واحد، أو عشرة في المائة من راتبه، يعني إما بالنسبة أو بالتعيين، ونعطيها واحداً منا، وفي الشهر الثاني نعطيها الثاني، وفي الشهر الثالث نعطيها الثالث، وفي الشهر الرابع نعطيها الرابع، حتى تدور عليهم ثم ترجع للأول للمرة الثانية، فبعض الناس يسأل عنها.

والجواب على هذا أن نقول: إن هذا صحيحٌ ولا بأس به، وليس فيه

حرج، ومن توهم أنه من باب القرض الذي جر نفعاً فقد وهم؛؛ لأني إذا سلفتُ أنا هؤلاء الإخوان الذين معي شيئاً فأنا لا آخذ أكثر مما أعطيت، وكونهم يقولون سوف يرجع إليه مال كثيرٌ نقول: نعم، ولكن لم يرجع عليه أكثر مما أعطى، فغاية ما فيه أنه سلف بشرط أن يوفى وليس في هذا شيء.

فهذا وهم من بعض الإخوان وهم بعض طلبة العلم الذين يظنون أن هذا من باب الربا؛ هذا ليس فيه ربا إطلاقاً، بل هو من باب التساعد والتعاون، وكثيراً ما يحتاج بعض الزملاء إلى أموال حاضرة تفك مشاكله، ويسلم من أن يذهب إلى أحد يتدين منه ويربي عليه، أو يذهب إلى بنك يأخذ منه بالربا أو ما أشبه ذلك، فهذه مصلحة وليس فيها مفسدة بأي وجه من الوجوه والله الموفق.

📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي

المصنف: في الحديث فضيلة الأشعريين وفضيلة الإيثار والمواساة وفضيلة خلط الأزواد في السفر وفضيلة جمعها في شيء عند قلتها ثم قسمها، وليس المراد من القسمة هنا المعروفة في كتب الفقه بشروطها ومنعها في الربويات واشتراط المساواة وغيرها، بل المراد إباحة بعضهم بعضاً ومواساتهم بالموجود (أرملوا: فرغ زادهم) هو ما اقتصر عليه في «شرح مسلم» (أو قارب الفراغ) وكأن الأول بيان موضوع اللفظ لغة. والثاني بيان المراد هنا لأن القسمة إنما تكون في الموجود لا في الذاهب رأساً، والله أعلم.

٦٣ - باب التنافس في أمور الآخرة والاستكثار مما يتبرك به

أي طلب ذلك لما جاء فيه. وفي «النهاية» : التنافس من المنافسة وهي الرغبة في الشيء والانفراد به، وهو من الشيء النفيس الجيد في نوعه اهـ. والاستكثار طلب لكثرة وقوله مما يتبرك متعلق به، والتبرك بالشيء لأسباب كأن كان فيه أثر صالح أو ظهر فيه آية أو كان قريب عهد بتكوين من الله سبحانه.

(قال الله تعالى) : ( {وفي ذلك فليتنافس} ) فليرتقب ( {المتنافسون} ) المرتقبون: وقال ابن عطية: التنافس في الشيء المغالاة فيه وأن يتبعه كل واحد نفسه فكأن نفسهما تتباريان فيه، قيل: هو من قولك: شيء نفيس فكأن هذا يعظمه الآخر ويستبقان إليه.

١ - (وعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي أتى بشراب) وهو كما في «المصباح» ما يشرب من المائعات، وكان ذلك كما قال الحافظ في بيت ميمونة أم المؤمنين (فشرب منه) فيه استحباب شرب البعض إذا كان ثمة غيره (وعن يمينه غلام) هو كما سيأتي في الأصل

عبد الله بن عباس، وقيل: هو الفضل أخوه، حكاه ابن بطال، قال الحافظ: والصواب الأول (وعن يساره الأشياخ) جمع شيخ من شاخ في السنّ إذا طعن فيها، وذلك من الخمسين سنة ففوق، ويطلق الشيخ لغة على من مهر في العلوم وإن لم يكن في السن كذلك فيقال الغلام، ويصلح كما قال الحافظ أن يعد من جملة الأشياخ خالد. قال: وقد روى ابن أبي حازم عن أبيه في حديث سهل بن سعد ذكر أبي بكر الصديق فيمن كان على يساره، ذكره ابن عبد البرّ وخطأه (فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء) جاء في رواية الترمذي عن ابن عباس: «فقال لي الشربة لك، فإن شئت آثرت بها خالداً» الحديث، قال الحافظ: قال ابن الجوزي: وإنما استأذن الغلام دون الأعرابي المذكور في حديث أنس من شربه للبن وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر الصديق. لأن الأعرابي لم يكن له علم بالشريعة فاستألفه بترك استئذانه بخلاف الغلام (فقال الغلام: وا يا رسول الله لا أوثر بنصيبي منك أحداً) أكد بالقسم وتوسيط ندائه بوصف الرسالة إيماء إلى أن العلة في عدم الإيثار ليس كونه شراباً، فإن الاهتمام بأمر المطاعم شأن البهائم، إنما هو لحلول أثر بركته عليه لكونه سؤره وفضله، وذلك يفزع إليه أرباب الأفهام ويتنافس فيه أولو الأحلام، فلذا عبر بقوله بنصيبي منك: أي من أثر بركتك وفيضك أحداً، والتنكير فيه للتعميم ليعم القريب والبعيد والمشرف والشريف، وفيه مزيد نباهة ابن عباس وجودة فكره إذ نظر إلى الأشياء في مكانها ولذا قال بقوله: عمر عند استجلاء أفكاره فيما يدلهم عليه من الأمور: «غص يا غواص» (فتله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في يده. متفق عليه) رواه البخاري بهذا اللفظ

في كتاب المظالم والغضب وفي كتاب الشرب وزاد بعد «احداً» قوله: يا رسولالله، وقال: بدل قوله: «فتله» فأعطاه إياه في يده، رواه مسلم في الأشربة، وأخرجه النسائي في الأشربة من «سننه» (تله بالتاء المثناة فوق) أي وتشديد اللام (أي وضعه) في «تحفة القاري» أي وضعه بقوّة. وفي «النهاية» : قيل: التل الصب فاستعير للالقاء يقال: تل يتل: إذا صب، وتل يتل: إذا سقط، والأول بالضم والثاني بالكسر في المضارع (وهذا الغلام) كما حكاه الحافظ عن ابن التين، وجاء كذلك في رواية الترمذي من حديث ابن عباس نفسه (هو ابن عباس) أي عبد الله بن عباس (رضي الله

عنهما) فإن هذا علم عليه بالغلبة كابن عمر وابن مسعود على عبد الله.

٢ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: بينا أيوب عليه السلام) قال العراقي في «شرح التقريب» : يقال: هو أيوب بن رزاح بن روم بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم (يغتسل عرياناً) فيه جواز الاغتسال عرياناً في الخلوة مع إمكان التستر، وهو مذهب الجمهور (فخرّ) بالخاء المعجمة: أي سقط (عليه جراد من ذهب) هذا ظاهر في سقوطه عليه من علوّ وهو إكرام من الله تعالى له، وهو معجزة في حقه، وهل كان جراداً حقيقة ذا روح، إلا أن جسمه من ذهب، أو كان على شكل الجراد ولا روح فيه؟ الأظهر الثاني. قال الجوهري: وليس المراد ذكر الجراد وإنما هو اسم جنس كبقر وبقرة، فحق مذكره أن لا يكون من لفظه لئلا يلتبس الواحد المذكر بالجمع (فجعل) شرح (أيوب يحثي في ثوبه) استكثاراً من البركة لكونه قريب عهد بتكوين من الله سبحانه (فناداه ربه عزّ وجلّ) لا يخفى ما في التعبير من الرب المؤذن بالتربية والإيصال إلى الكمال في هذا المقام وهذا النداء الله أعلم أنه كان بواسطة الملك لأن المخصوص بالسماع من حضرة الحق سبحانه من الأنبياء والمرسلين نبينا وموسى، ثم رأيت العراقي أشار إلى ما ذكرته وزاد احتمال كونه إلهاماً قال: ويجوز كونه كفاحاً كما وقع لموسى وفيه نقد ولعل وجهه ما ذكرنا، وقوله: (ألم أكن أغنيتك عما ترى) محكي لقول مقدر أو للنداء لما فيه من معنى القول، والقول محتمل لأن يراد منه غنى القلب، أو غنى المال، وفيه على الثاني أن أيوب كان غنياً شاكراً، ولا ينافيه قوله تعالى: {إنا وجدناه صابراً} لأن المراد صبره على البلاء أو على الفقر معه. والذي يظهر أن الله تعالى جمع لأيوب مقامي الصبر على الفقر والشكر على الغنى باعتبار حالتيه، فكان في نفس البلاء فقيراً صابراً وقبله وبعده غنياً شاكراً، ولذا قال تعالى: {إنا وجدناه صابراً} ثم قال: {نعم العبد} ففيه الإيماء إلى أنه غنيّ شاكر كما قال في حق سليمان {نعم العبد إنه أوّاب} مع أنه كان غنياً شاكراً

(قال: بلى) واستدرك من مفهوم ذلك قوله: (ولكن لا

📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري

أي: ومن سلم من الحرص الشديد الذي يحمله على ارتكاب المحارم، {فَأولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ، أي: الفائزون.

قال ابن زيد وغيره: من لم يأخذ شيئًا نهاه الله عنه، ولم يمنع الزكاة المفروضة فقد برئ من شح النفس.

وقال ابن مسعود: شح النفس: أكل مال الناس بالباطل. أما منع الإنسان ماله فبخل، وهو قبيح.

قال ابن عطية: شح النفس فقر لا يذهبه غنى المال بل يزيده.

وأما الأحاديث فتقدمت جملة مِنْهَا في الباب السابق.

[٥٦٣] وعن جابر - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «اتَّقُوا الظُّلْمَ؛ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ. وَاتَّقُوا الشُّحَّ؛ فَإنَّ الشُّحَّ أهْلَكَ مَنْ كَانَ

قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أنْ سَفَكُوا دِمَاءهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ» . رواه مسلم.

أي: استحلوا ما حرم الله عليهم حرصًا على المال، كما احتالوا على ما حرم الله عيهم من الشحوم، فأذابوها فباعوها واحتالوا لصيد السمك فحبلوا له يوم الجمعة وأخذوه يوم الأحد، وغير ذلك مما استحلوا به محارمهم وسفكوا به دماءهم.

[٦٢- باب الإيثار والمواساة]

قَالَ الله تَعَالَى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}

[الحشر (٩) ] .

يعني: فاقة وحاجة، أي: يقدمون المحاويج على حاجة أنفسهم.

وقال تَعَالَى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} ... [الدهر (٨) ] . إلى آخر الآيات

يعني: ويطعمون الطعام وهم يحبونه، ويشتهونه، مسكينًا، ويتيمًا، وأسيرًا، وإن كان كافرًا، لوجه الله تعالى لا لحظ النفس، وخوفًا من عذاب يوم القيامة، فوقاهم الله شرَّ ذلك اليوم، ولقاهم نضرة في وجوههم، وسرورًا في قلوبهم، وجزاهم بما صبروا على ترك الشهوات، وأداء الواجبات جنةً وحريرًا.

[٥٦٤] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: إنِّي مَجْهُودٌ، فَأرسَلَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ، فَقالت: وَالَّذي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا عِنْدِي إلا مَاءٌ، ثُمَّ أرْسَلَ إِلَى أُخْرَى، فَقَالَتْ مِثلَ ذَلِكَ، حَتَّى قُلْنَ كُلُّهُنَّ مِثلَ ذَلِكَ: لا وَالَّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ مَا عِنْدِي إلا مَاءٌ. فَقَالَ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ يُضيفُ هَذَا اللَّيْلَةَ؟» فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ: أنَا يَا رسولَ الله، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى رَحْلِهِ، فَقَالَ لامْرَأَتِهِ: أكرِمِي ضَيْفَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وفي روايةٍ قَالَ لامْرَأَتِهِ: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ فقَالَتْ: لا، إلا قُوتَ صِبيَانِي. قَالَ: فَعَلِّليهم بِشَيْءٍ وَإذَا أرَادُوا العَشَاءَ فَنَوِّمِيهمْ، وَإِذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا فَأطْفِئي السِّرَاجَ، وَأريهِ أنَّا نَأكُلُ. فَقَعَدُوا وَأكَلَ الضَّيْفُ وَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أصْبَحَ غَدَا عَلَى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: «لَقَدْ عَجبَ الله مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

هذا الحديث: أخرجه البخاري في التفسير، وفي فضائل الأنصار.

وفيه: استحباب الإيثار على النفس ولو كان محتاجًا، وكذلك على العيال إذا لم يضرهم.

[٥٦٥] وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «طَعَامُ الاثْنَيْنِ كَافِي الثَّلَاثَةِ، وَطَعَامُ الثَّلَاثَةِ كَافِي الأربَعَةِ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

وفي رواية لمسلمٍ عن جابر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «طَعَامُ الوَاحِدِ يَكْفِي الاثْنَيْنِ، وَطَعَامُ الاثْنَيْنِ يَكْفِي الأَرْبَعَةَ، وَطَعَامُ الأَرْبَعَة يَكْفِي الثَّمَانِية» .

المراد بذلك: الحض على المكارم، والتقنع بالكفاية، وأنه ينبغي للاثنين إدخال ثالث لطعامهما، وإدخال رابع أيضًا بحسب من يحضر.

وعند الطبراني: «كلوا جميعًا ولا تفرقوا فإن طعام الواحد يكفي الاثنين» . الحديث. فيؤخذ منه أن الكفاية تنشأ من بركة الاجتماع، وأن الجمع كلما زاد زادت البركة.

وفيه: إشارة إلى أن المواساة إذا حصلت حصل معها البركة.

وفيه: أنه ينبغي للمرء أن لا يستحقر ما عنده فيمتنع من تقديمه، فإن القليل قد يحصل به الاكتفاء.

[٥٦٦] وعن أَبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ، فَجَعَلَ يَصرِفُ بَصَرَهُ يَميناً وَشِمَالاً، فَقَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَليَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لا ظَهرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لا زَادَ لَهُ» . فَذَكَرَ مِنْ أصْنَافِ المالِ مَا ذكر حَتَّى رَأيْنَا أنَّهُ لا حَقَّ لأحَدٍ مِنَّا في فَضْلٍ. رواه مسلم.

في هذا الحديث: الأمر بالمواساة من الفاضل، وهو كحديث: إنك يا ابن آدم إن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول.

[٥٦٧] وعن سهل بن سعدٍ - رضي الله عنه - أنَّ أمْرَأةً جَاءَتْ إِلَى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ، فَقَالَتْ: نَسَجْتُها بِيَدَيَّ لأَكْسُوكَهَا، فَأَخَذَهَا النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُحْتَاجاً إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإنَّهَا إزَارُهُ، فَقَالَ فُلانٌ: اكْسُنِيهَا مَا أحْسَنَهَا! فَقَالَ:

«نَعَمْ» فَجَلَسَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في المَجْلِسُ، ثُمَّ رَجَعَ فَطَواهَا، ثُمَّ أرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ: فَقَالَ لَهُ الْقَومُ: مَا أحْسَنْتَ! لَبِسَهَا النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُحتَاجَاً إِلَيْهَا، ثُمَّ سَألْتَهُ وَعَلِمْتَ أنَّهُ لا يَرُدُّ سَائِلاً، فَقَالَ: إنّي وَاللهِ مَا سَألْتُهُ لألْبِسَهَا، إنَّمَا سَألْتُهُ لِتَكُونَ كَفنِي. قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ. رواه البخاري.

في هذا الحديث: جواز إعداد الشيء قبل الحاجة إليه.

وفيه: حسن خلق النبي - صلى الله عليه وسلم - وسعة جوده وقَبول الهدية.

[٥٦٨] وعن أَبي موسى - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الأشْعَرِيِّينَ إِذَا أرْمَلُوا في الغَزْوِ، أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بالمَديِنَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ في إنَاءٍ وَاحدٍ بالسَّوِيَّةِ فَهُمْ مِنِّي وَأنَا مِنْهُمْ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

«أرْمَلُوا» : فَرَغَ زَادُهُمْ أَوْ قَارَبَ الفَرَاغَ.

في الحديث: فضيلة الأشعريين، وفضيلة الإيثار، والمواساة، وفضيلة خلط الأزواد عند الحاجة.

٦٣- باب التنافس في أمور الآخرة والاستكثار مما يتبرك بِهِ

قَالَ الله تَعَالَى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين (٢٦) ] .

يعرف ذلك مما قبل الآية هو قوله تعالى: {كَلا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ *

وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ * إِنَّ الأَبْرَارَ

لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين (١٨: ٢٦) ] ، أي: فليتسابق المتسابقون، كقوله تعالى: {لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ} [الصافات (٦١) ] .

[٥٦٩] وعن سَهْلِ بن سَعدٍ - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أُتِيَ بِشَرابٍ، فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ الأشْيَاخُ، فَقَالَ لِلغُلَامِ: «أتَأذَنُ لِي أنْ أُعْطِيَ هؤُلاء؟» فَقَالَ الغُلامُ: لا وَاللهِ يَا رسولَ الله، لا أُوْثِرُ بِنَصِيبي مِنْكَ أحَداً. فَتَلَّهُ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في يَدِهِ. متفقٌ عَلَيْهِ.

«تَلَّهُ» بالتاءِ المثناة فوق: أيْ وَضَعَهُ. وَهذَا الغُلامُ هُوَ ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما.

في الحديث: أن سنَّة الشرب العامة تقديم الأيمن في كل موطن.

وفيه: أن من استحق شيئًا لم يدفع عنه إلا بإذنه.

قال ابن الجوزي: وأنه استأذن الغلام دون الأعرابي في الحديث الآخر؛ لأن الأعرابي لم يكن له علم بالشريعة، فاستألفه بترك استئذانه.

[٥٧٠] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «بَيْنَا أيُّوبُ - عليه السلام - يَغْتَسِلُ عُرْيَاناً، فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أيُّوبُ يَحْثِي في ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ - عز وجل -: يَا أيُّوبُ، ألَمْ أكُنْ أغْنَيتكَ عَمَّا تَرَى؟! قَالَ: بَلَى وَعِزَّتِكَ وَلَكِنْ لا غِنى بي عن بَرَكَتِكَ» . رواه البخاري.

في هذا الحديث: جواز الاغتسال عريانًا في الخلوة.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.5 / 29.5
الإضاءة 67%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
الله أكبر