«تَلَّهُ» بالتاءِ المثناة فوق: أيْ وَضَعَهُ. وَهذَا الغُلامُ هُوَ ابنُ عَبَّاسٍ…

الإسلام > حديث > رياض الصالحين > حديث ٥٦٨

الحديث رقم ٥٦٨ من كتاب «بداية الكتاب» في رياض الصالحين، تحت باب: باب التنافس في أمور الآخرة والاستكثار مما يتبرك به.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «تله» بالتاء المثناة فوق: أي وضعه. وهذا…

«تَلَّهُ» بالتاءِ المثناة فوق: أيْ وَضَعَهُ. وَهذَا الغُلامُ هُوَ ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما.

سند حديث: ٥٦٨ - وعن سَهْلِ بن سَعدٍ - رضي الله عنه…

٥٦٨ - وعن سَهْلِ بن سَعدٍ - رضي الله عنه: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أُتِيَ بِشَرابٍ، فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ الأشْيَاخُ، فَقَالَ لِلغُلَامِ: «أتَأَذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هؤُلاء؟» فَقَالَ الغُلامُ: لَا وَاللهِ يَا رسولَ الله، لَا أُوْثِرُ بِنَصِيبي مِنْكَ أحَدًا. فَتَلَّهُ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في يَدِهِ. متفقٌ عَلَيْهِ (١).

رواة الحديث

شرح حديث: «تله» بالتاء المثناة فوق: أي وضعه. وهذا…

📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي

[٦٣- باب التنافس في أمور الآخرة والاستنكار مما يتبرك به]

قال الله تعالى: (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) (المطففين: ٢٦) .

١/٥٦٩- وعن سهل بن سعدٍ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بشراب، فشرب منهُ، وعن يمينه غُلام وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام ((أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟)) فقال الغلامُ: والله يا رسول الله، لا أوثرُ بنصيبي منك أحداً، فتلهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده. متفق عليه.

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف رحمه الله في آخر باب فضل الإيثار، حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وأصحابه الذين هم من الأشعريين من أهل اليمن، كانوا يتساعدون في أمورهم، فإذا أتاهم شيء من المال جمعوه ثم اقتسموه بينهم بالسوية. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فهم مني وأنا منهم)) قال ذلك تشجيعاً لما يفعلونه.

وهذا الحديث أصلُ في الجمعيات التعاونية التي يفعلها بعض الناس اليوم، تجتمع القبيلة على أن يضعوا صندوقاً يجمعون فيه ما يريد الله عز وجلّ من المال؛ إما بالنسبة وإما بالاجتهاد والترشيح، فيكون مثلاً على

كل واحد منهم أن يدفع اثنين في المائة من راتبه أو من كسبه أو ما أشبه ذلك، ويكون هذا الصندوق معداً للحوائج والنكبات التي تحصل على واحد منهم.

فهذا أصله حديث أبي موسى رضي الله عنه الذي سبق، فإذا جمع الناس صندوقاً على هذا النحو ليتساعدوا فيه على نكبات الزمان من الحوادث وغيرها، فإن لذلك أصلاً في السنة، وهو من الأمور المشروعة.

ولكن ينبغي أن نعمل أن هذا الصندوق قد يكون لمن يقع عليه الحادث، وقد يكون لمن يقع منه الحادث.

ِأما الأول: فأن يوضع الصندوق للناس لمساعدة الناس الذين يحصل عليهم جوائح؛ مثل جوائح تتلف زروعهم ومواشيهم، أو أمطار تهدم بيوتهم، أو ما أشبه ذلك، أو حوادث تحدث على سياراتهم من غيرهم، فيحتاجون إلى المساعدة؛ فهذا طيب ولا إشكال فيه.

أما الثاني: فهو للحوادث التي تقع من الشخص، فإذا فعل شخص حادثاً مثل دعس أحد أو ما أشبه ذلك يساعد، فهذا ينبغي أن ينظر في هذا الأمر؛ لأننا إذا وضعنا صندوقاً لهذا فإن السفهاء قد يتهورون، ولا يهمهم أن تقع الحوادث منهم، فإذا قدر أننا وضعنا صندوقاً لهذا الشيء فليكن ذلك بعد الدراسة؛ دراسة ما حدث من الشخص دراسة عميقة، وأنه لم يحدث منه تهورٌ ولم يحدث منه تفريطٌ، وإلا فلا ينبغي أن توضع الصناديق لمساعدة هؤلاء السفهاء الذين يوماً يدعسون شخصاً، ويوماً يصدمون سيارة وما أشبه ذلك، وربما يقع ذلك عن حال غير مرضية كسُكرٍ، أو عن

حال يفرط فيها الإنسان كالنوم وما أشبه ذلك.

والحاصل أن هذه الصناديق تكون على وجهين:

الوجه الأول: مساعدة من يحصل عليه حادث، فهذا طيب ولا إشكال فيه.

والوجه الثاني: أن يكون ممن يحصل منه حادث، فهذا إن وضع- ولا أحبذ أن يوضع، لكن إن وضع - فإنه يجب التحرز والتثبت من كون هذا الرجل الذي حصل منه الحادث لم يحصل منه تفريط ولا تعدِّ.

ثم إن هذا المال الذي يوضع في الصندوق ليس فيه زكاة مهما بلغ من القدر، وذلك لأنه ليس له مالك، ومن شروط وجوب الزكاة أن يكون المال له مالك، وهذا الصندوق ليس له مالك؛ بل من حصل عليه حادث فإنه يساعد منه، وأصحابه الذين وضعوا هذه النقود في هذا الصندوق فإنهم لا يملكون أخذها؛ لأنهم قد أخرجوها من أموالهم لمال من؛ لا لأحدٍ وإنما هو للمساعدة، وعلى هذا فلا يكون فيها زكاة.

ثم هاهنا مسألة يسأل عنها الكثير من الناس، وهي أنه يجتمع أناس من الموظفين مثلاً، ويقولون: سنخصم من كل راتب من رواتب هؤلاء النفر ألف ريال على كل واحد، أو عشرة في المائة من راتبه، يعني إما بالنسبة أو بالتعيين، ونعطيها واحداً منا، وفي الشهر الثاني نعطيها الثاني، وفي الشهر الثالث نعطيها الثالث، وفي الشهر الرابع نعطيها الرابع، حتى تدور عليهم ثم ترجع للأول للمرة الثانية، فبعض الناس يسأل عنها.

والجواب على هذا أن نقول: إن هذا صحيحٌ ولا بأس به، وليس فيه

حرج، ومن توهم أنه من باب القرض الذي جر نفعاً فقد وهم؛؛ لأني إذا سلفتُ أنا هؤلاء الإخوان الذين معي شيئاً فأنا لا آخذ أكثر مما أعطيت، وكونهم يقولون سوف يرجع إليه مال كثيرٌ نقول: نعم، ولكن لم يرجع عليه أكثر مما أعطى، فغاية ما فيه أنه سلف بشرط أن يوفى وليس في هذا شيء.

فهذا وهم من بعض الإخوان وهم بعض طلبة العلم الذين يظنون أن هذا من باب الربا؛ هذا ليس فيه ربا إطلاقاً، بل هو من باب التساعد والتعاون، وكثيراً ما يحتاج بعض الزملاء إلى أموال حاضرة تفك مشاكله، ويسلم من أن يذهب إلى أحد يتدين منه ويربي عليه، أو يذهب إلى بنك يأخذ منه بالربا أو ما أشبه ذلك، فهذه مصلحة وليس فيها مفسدة بأي وجه من الوجوه والله الموفق.

📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي

المصنف: في الحديث فضيلة الأشعريين وفضيلة الإيثار والمواساة وفضيلة خلط الأزواد في السفر وفضيلة جمعها في شيء عند قلتها ثم قسمها، وليس المراد من القسمة هنا المعروفة في كتب الفقه بشروطها ومنعها في الربويات واشتراط المساواة وغيرها، بل المراد إباحة بعضهم بعضاً ومواساتهم بالموجود (أرملوا: فرغ زادهم) هو ما اقتصر عليه في «شرح مسلم» (أو قارب الفراغ) وكأن الأول بيان موضوع اللفظ لغة. والثاني بيان المراد هنا لأن القسمة إنما تكون في الموجود لا في الذاهب رأساً، والله أعلم.

٦٣ - باب التنافس في أمور الآخرة والاستكثار مما يتبرك به

أي طلب ذلك لما جاء فيه. وفي «النهاية» : التنافس من المنافسة وهي الرغبة في الشيء والانفراد به، وهو من الشيء النفيس الجيد في نوعه اهـ. والاستكثار طلب لكثرة وقوله مما يتبرك متعلق به، والتبرك بالشيء لأسباب كأن كان فيه أثر صالح أو ظهر فيه آية أو كان قريب عهد بتكوين من الله سبحانه.

(قال الله تعالى) : ( {وفي ذلك فليتنافس} ) فليرتقب ( {المتنافسون} ) المرتقبون: وقال ابن عطية: التنافس في الشيء المغالاة فيه وأن يتبعه كل واحد نفسه فكأن نفسهما تتباريان فيه، قيل: هو من قولك: شيء نفيس فكأن هذا يعظمه الآخر ويستبقان إليه.

١ - (وعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي أتى بشراب) وهو كما في «المصباح» ما يشرب من المائعات، وكان ذلك كما قال الحافظ في بيت ميمونة أم المؤمنين (فشرب منه) فيه استحباب شرب البعض إذا كان ثمة غيره (وعن يمينه غلام) هو كما سيأتي في الأصل

عبد الله بن عباس، وقيل: هو الفضل أخوه، حكاه ابن بطال، قال الحافظ: والصواب الأول (وعن يساره الأشياخ) جمع شيخ من شاخ في السنّ إذا طعن فيها، وذلك من الخمسين سنة ففوق، ويطلق الشيخ لغة على من مهر في العلوم وإن لم يكن في السن كذلك فيقال الغلام، ويصلح كما قال الحافظ أن يعد من جملة الأشياخ خالد. قال: وقد روى ابن أبي حازم عن أبيه في حديث سهل بن سعد ذكر أبي بكر الصديق فيمن كان على يساره، ذكره ابن عبد البرّ وخطأه (فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء) جاء في رواية الترمذي عن ابن عباس: «فقال لي الشربة لك، فإن شئت آثرت بها خالداً» الحديث، قال الحافظ: قال ابن الجوزي: وإنما استأذن الغلام دون الأعرابي المذكور في حديث أنس من شربه للبن وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر الصديق. لأن الأعرابي لم يكن له علم بالشريعة فاستألفه بترك استئذانه بخلاف الغلام (فقال الغلام: وا يا رسول الله لا أوثر بنصيبي منك أحداً) أكد بالقسم وتوسيط ندائه بوصف الرسالة إيماء إلى أن العلة في عدم الإيثار ليس كونه شراباً، فإن الاهتمام بأمر المطاعم شأن البهائم، إنما هو لحلول أثر بركته عليه لكونه سؤره وفضله، وذلك يفزع إليه أرباب الأفهام ويتنافس فيه أولو الأحلام، فلذا عبر بقوله بنصيبي منك: أي من أثر بركتك وفيضك أحداً، والتنكير فيه للتعميم ليعم القريب والبعيد والمشرف والشريف، وفيه مزيد نباهة ابن عباس وجودة فكره إذ نظر إلى الأشياء في مكانها ولذا قال بقوله: عمر عند استجلاء أفكاره فيما يدلهم عليه من الأمور: «غص يا غواص» (فتله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في يده. متفق عليه) رواه البخاري بهذا اللفظ

في كتاب المظالم والغضب وفي كتاب الشرب وزاد بعد «احداً» قوله: يا رسولالله، وقال: بدل قوله: «فتله» فأعطاه إياه في يده، رواه مسلم في الأشربة، وأخرجه النسائي في الأشربة من «سننه» (تله بالتاء المثناة فوق) أي وتشديد اللام (أي وضعه) في «تحفة القاري» أي وضعه بقوّة. وفي «النهاية» : قيل: التل الصب فاستعير للالقاء يقال: تل يتل: إذا صب، وتل يتل: إذا سقط، والأول بالضم والثاني بالكسر في المضارع (وهذا الغلام) كما حكاه الحافظ عن ابن التين، وجاء كذلك في رواية الترمذي من حديث ابن عباس نفسه (هو ابن عباس) أي عبد الله بن عباس (رضي الله

عنهما) فإن هذا علم عليه بالغلبة كابن عمر وابن مسعود على عبد الله.

٢ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: بينا أيوب عليه السلام) قال العراقي في «شرح التقريب» : يقال: هو أيوب بن رزاح بن روم بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم (يغتسل عرياناً) فيه جواز الاغتسال عرياناً في الخلوة مع إمكان التستر، وهو مذهب الجمهور (فخرّ) بالخاء المعجمة: أي سقط (عليه جراد من ذهب) هذا ظاهر في سقوطه عليه من علوّ وهو إكرام من الله تعالى له، وهو معجزة في حقه، وهل كان جراداً حقيقة ذا روح، إلا أن جسمه من ذهب، أو كان على شكل الجراد ولا روح فيه؟ الأظهر الثاني. قال الجوهري: وليس المراد ذكر الجراد وإنما هو اسم جنس كبقر وبقرة، فحق مذكره أن لا يكون من لفظه لئلا يلتبس الواحد المذكر بالجمع (فجعل) شرح (أيوب يحثي في ثوبه) استكثاراً من البركة لكونه قريب عهد بتكوين من الله سبحانه (فناداه ربه عزّ وجلّ) لا يخفى ما في التعبير من الرب المؤذن بالتربية والإيصال إلى الكمال في هذا المقام وهذا النداء الله أعلم أنه كان بواسطة الملك لأن المخصوص بالسماع من حضرة الحق سبحانه من الأنبياء والمرسلين نبينا وموسى، ثم رأيت العراقي أشار إلى ما ذكرته وزاد احتمال كونه إلهاماً قال: ويجوز كونه كفاحاً كما وقع لموسى وفيه نقد ولعل وجهه ما ذكرنا، وقوله: (ألم أكن أغنيتك عما ترى) محكي لقول مقدر أو للنداء لما فيه من معنى القول، والقول محتمل لأن يراد منه غنى القلب، أو غنى المال، وفيه على الثاني أن أيوب كان غنياً شاكراً، ولا ينافيه قوله تعالى: {إنا وجدناه صابراً} لأن المراد صبره على البلاء أو على الفقر معه. والذي يظهر أن الله تعالى جمع لأيوب مقامي الصبر على الفقر والشكر على الغنى باعتبار حالتيه، فكان في نفس البلاء فقيراً صابراً وقبله وبعده غنياً شاكراً، ولذا قال تعالى: {إنا وجدناه صابراً} ثم قال: {نعم العبد} ففيه الإيماء إلى أنه غنيّ شاكر كما قال في حق سليمان {نعم العبد إنه أوّاب} مع أنه كان غنياً شاكراً

(قال: بلى) واستدرك من مفهوم ذلك قوله: (ولكن لا

📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري

[٥٦٧] وعن سهل بن سعدٍ - رضي الله عنه - أنَّ أمْرَأةً جَاءَتْ إِلَى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ، فَقَالَتْ: نَسَجْتُها بِيَدَيَّ لأَكْسُوكَهَا، فَأَخَذَهَا النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُحْتَاجاً إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإنَّهَا إزَارُهُ، فَقَالَ فُلانٌ: اكْسُنِيهَا مَا أحْسَنَهَا! فَقَالَ:

«نَعَمْ» فَجَلَسَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في المَجْلِسُ، ثُمَّ رَجَعَ فَطَواهَا، ثُمَّ أرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ: فَقَالَ لَهُ الْقَومُ: مَا أحْسَنْتَ! لَبِسَهَا النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُحتَاجَاً إِلَيْهَا، ثُمَّ سَألْتَهُ وَعَلِمْتَ أنَّهُ لا يَرُدُّ سَائِلاً، فَقَالَ: إنّي وَاللهِ مَا سَألْتُهُ لألْبِسَهَا، إنَّمَا سَألْتُهُ لِتَكُونَ كَفنِي. قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ. رواه البخاري.

في هذا الحديث: جواز إعداد الشيء قبل الحاجة إليه.

وفيه: حسن خلق النبي - صلى الله عليه وسلم - وسعة جوده وقَبول الهدية.

[٥٦٨] وعن أَبي موسى - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الأشْعَرِيِّينَ إِذَا أرْمَلُوا في الغَزْوِ، أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بالمَديِنَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ في إنَاءٍ وَاحدٍ بالسَّوِيَّةِ فَهُمْ مِنِّي وَأنَا مِنْهُمْ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

«أرْمَلُوا» : فَرَغَ زَادُهُمْ أَوْ قَارَبَ الفَرَاغَ.

في الحديث: فضيلة الأشعريين، وفضيلة الإيثار، والمواساة، وفضيلة خلط الأزواد عند الحاجة.

٦٣- باب التنافس في أمور الآخرة والاستكثار مما يتبرك بِهِ

قَالَ الله تَعَالَى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين (٢٦) ] .

يعرف ذلك مما قبل الآية هو قوله تعالى: {كَلا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ *

وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ * إِنَّ الأَبْرَارَ

لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين (١٨: ٢٦) ] ، أي: فليتسابق المتسابقون، كقوله تعالى: {لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ} [الصافات (٦١) ] .

[٥٦٩] وعن سَهْلِ بن سَعدٍ - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أُتِيَ بِشَرابٍ، فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ الأشْيَاخُ، فَقَالَ لِلغُلَامِ: «أتَأذَنُ لِي أنْ أُعْطِيَ هؤُلاء؟» فَقَالَ الغُلامُ: لا وَاللهِ يَا رسولَ الله، لا أُوْثِرُ بِنَصِيبي مِنْكَ أحَداً. فَتَلَّهُ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في يَدِهِ. متفقٌ عَلَيْهِ.

«تَلَّهُ» بالتاءِ المثناة فوق: أيْ وَضَعَهُ. وَهذَا الغُلامُ هُوَ ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما.

في الحديث: أن سنَّة الشرب العامة تقديم الأيمن في كل موطن.

وفيه: أن من استحق شيئًا لم يدفع عنه إلا بإذنه.

قال ابن الجوزي: وأنه استأذن الغلام دون الأعرابي في الحديث الآخر؛ لأن الأعرابي لم يكن له علم بالشريعة، فاستألفه بترك استئذانه.

[٥٧٠] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «بَيْنَا أيُّوبُ - عليه السلام - يَغْتَسِلُ عُرْيَاناً، فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أيُّوبُ يَحْثِي في ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ - عز وجل -: يَا أيُّوبُ، ألَمْ أكُنْ أغْنَيتكَ عَمَّا تَرَى؟! قَالَ: بَلَى وَعِزَّتِكَ وَلَكِنْ لا غِنى بي عن بَرَكَتِكَ» . رواه البخاري.

في هذا الحديث: جواز الاغتسال عريانًا في الخلوة.

📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي

[٦٣- باب التنافس في أمور الآخرة والاستنكار مما يتبرك به]

قال الله تعالى: (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) (المطففين: ٢٦) .

١/٥٦٩- وعن سهل بن سعدٍ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بشراب، فشرب منهُ، وعن يمينه غُلام وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام ((أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟)) فقال الغلامُ: والله يا رسول الله، لا أوثرُ بنصيبي منك أحداً، فتلهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده. متفق عليه.

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف رحمه الله في آخر باب فضل الإيثار، حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وأصحابه الذين هم من الأشعريين من أهل اليمن، كانوا يتساعدون في أمورهم، فإذا أتاهم شيء من المال جمعوه ثم اقتسموه بينهم بالسوية. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فهم مني وأنا منهم)) قال ذلك تشجيعاً لما يفعلونه.

وهذا الحديث أصلُ في الجمعيات التعاونية التي يفعلها بعض الناس اليوم، تجتمع القبيلة على أن يضعوا صندوقاً يجمعون فيه ما يريد الله عز وجلّ من المال؛ إما بالنسبة وإما بالاجتهاد والترشيح، فيكون مثلاً على

كل واحد منهم أن يدفع اثنين في المائة من راتبه أو من كسبه أو ما أشبه ذلك، ويكون هذا الصندوق معداً للحوائج والنكبات التي تحصل على واحد منهم.

فهذا أصله حديث أبي موسى رضي الله عنه الذي سبق، فإذا جمع الناس صندوقاً على هذا النحو ليتساعدوا فيه على نكبات الزمان من الحوادث وغيرها، فإن لذلك أصلاً في السنة، وهو من الأمور المشروعة.

ولكن ينبغي أن نعمل أن هذا الصندوق قد يكون لمن يقع عليه الحادث، وقد يكون لمن يقع منه الحادث.

ِأما الأول: فأن يوضع الصندوق للناس لمساعدة الناس الذين يحصل عليهم جوائح؛ مثل جوائح تتلف زروعهم ومواشيهم، أو أمطار تهدم بيوتهم، أو ما أشبه ذلك، أو حوادث تحدث على سياراتهم من غيرهم، فيحتاجون إلى المساعدة؛ فهذا طيب ولا إشكال فيه.

أما الثاني: فهو للحوادث التي تقع من الشخص، فإذا فعل شخص حادثاً مثل دعس أحد أو ما أشبه ذلك يساعد، فهذا ينبغي أن ينظر في هذا الأمر؛ لأننا إذا وضعنا صندوقاً لهذا فإن السفهاء قد يتهورون، ولا يهمهم أن تقع الحوادث منهم، فإذا قدر أننا وضعنا صندوقاً لهذا الشيء فليكن ذلك بعد الدراسة؛ دراسة ما حدث من الشخص دراسة عميقة، وأنه لم يحدث منه تهورٌ ولم يحدث منه تفريطٌ، وإلا فلا ينبغي أن توضع الصناديق لمساعدة هؤلاء السفهاء الذين يوماً يدعسون شخصاً، ويوماً يصدمون سيارة وما أشبه ذلك، وربما يقع ذلك عن حال غير مرضية كسُكرٍ، أو عن

حال يفرط فيها الإنسان كالنوم وما أشبه ذلك.

والحاصل أن هذه الصناديق تكون على وجهين:

الوجه الأول: مساعدة من يحصل عليه حادث، فهذا طيب ولا إشكال فيه.

والوجه الثاني: أن يكون ممن يحصل منه حادث، فهذا إن وضع- ولا أحبذ أن يوضع، لكن إن وضع - فإنه يجب التحرز والتثبت من كون هذا الرجل الذي حصل منه الحادث لم يحصل منه تفريط ولا تعدِّ.

ثم إن هذا المال الذي يوضع في الصندوق ليس فيه زكاة مهما بلغ من القدر، وذلك لأنه ليس له مالك، ومن شروط وجوب الزكاة أن يكون المال له مالك، وهذا الصندوق ليس له مالك؛ بل من حصل عليه حادث فإنه يساعد منه، وأصحابه الذين وضعوا هذه النقود في هذا الصندوق فإنهم لا يملكون أخذها؛ لأنهم قد أخرجوها من أموالهم لمال من؛ لا لأحدٍ وإنما هو للمساعدة، وعلى هذا فلا يكون فيها زكاة.

ثم هاهنا مسألة يسأل عنها الكثير من الناس، وهي أنه يجتمع أناس من الموظفين مثلاً، ويقولون: سنخصم من كل راتب من رواتب هؤلاء النفر ألف ريال على كل واحد، أو عشرة في المائة من راتبه، يعني إما بالنسبة أو بالتعيين، ونعطيها واحداً منا، وفي الشهر الثاني نعطيها الثاني، وفي الشهر الثالث نعطيها الثالث، وفي الشهر الرابع نعطيها الرابع، حتى تدور عليهم ثم ترجع للأول للمرة الثانية، فبعض الناس يسأل عنها.

والجواب على هذا أن نقول: إن هذا صحيحٌ ولا بأس به، وليس فيه

حرج، ومن توهم أنه من باب القرض الذي جر نفعاً فقد وهم؛؛ لأني إذا سلفتُ أنا هؤلاء الإخوان الذين معي شيئاً فأنا لا آخذ أكثر مما أعطيت، وكونهم يقولون سوف يرجع إليه مال كثيرٌ نقول: نعم، ولكن لم يرجع عليه أكثر مما أعطى، فغاية ما فيه أنه سلف بشرط أن يوفى وليس في هذا شيء.

فهذا وهم من بعض الإخوان وهم بعض طلبة العلم الذين يظنون أن هذا من باب الربا؛ هذا ليس فيه ربا إطلاقاً، بل هو من باب التساعد والتعاون، وكثيراً ما يحتاج بعض الزملاء إلى أموال حاضرة تفك مشاكله، ويسلم من أن يذهب إلى أحد يتدين منه ويربي عليه، أو يذهب إلى بنك يأخذ منه بالربا أو ما أشبه ذلك، فهذه مصلحة وليس فيها مفسدة بأي وجه من الوجوه والله الموفق.

📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي

المصنف: في الحديث فضيلة الأشعريين وفضيلة الإيثار والمواساة وفضيلة خلط الأزواد في السفر وفضيلة جمعها في شيء عند قلتها ثم قسمها، وليس المراد من القسمة هنا المعروفة في كتب الفقه بشروطها ومنعها في الربويات واشتراط المساواة وغيرها، بل المراد إباحة بعضهم بعضاً ومواساتهم بالموجود (أرملوا: فرغ زادهم) هو ما اقتصر عليه في «شرح مسلم» (أو قارب الفراغ) وكأن الأول بيان موضوع اللفظ لغة. والثاني بيان المراد هنا لأن القسمة إنما تكون في الموجود لا في الذاهب رأساً، والله أعلم.

٦٣ - باب التنافس في أمور الآخرة والاستكثار مما يتبرك به

أي طلب ذلك لما جاء فيه. وفي «النهاية» : التنافس من المنافسة وهي الرغبة في الشيء والانفراد به، وهو من الشيء النفيس الجيد في نوعه اهـ. والاستكثار طلب لكثرة وقوله مما يتبرك متعلق به، والتبرك بالشيء لأسباب كأن كان فيه أثر صالح أو ظهر فيه آية أو كان قريب عهد بتكوين من الله سبحانه.

(قال الله تعالى) : ( {وفي ذلك فليتنافس} ) فليرتقب ( {المتنافسون} ) المرتقبون: وقال ابن عطية: التنافس في الشيء المغالاة فيه وأن يتبعه كل واحد نفسه فكأن نفسهما تتباريان فيه، قيل: هو من قولك: شيء نفيس فكأن هذا يعظمه الآخر ويستبقان إليه.

١ - (وعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي أتى بشراب) وهو كما في «المصباح» ما يشرب من المائعات، وكان ذلك كما قال الحافظ في بيت ميمونة أم المؤمنين (فشرب منه) فيه استحباب شرب البعض إذا كان ثمة غيره (وعن يمينه غلام) هو كما سيأتي في الأصل

عبد الله بن عباس، وقيل: هو الفضل أخوه، حكاه ابن بطال، قال الحافظ: والصواب الأول (وعن يساره الأشياخ) جمع شيخ من شاخ في السنّ إذا طعن فيها، وذلك من الخمسين سنة ففوق، ويطلق الشيخ لغة على من مهر في العلوم وإن لم يكن في السن كذلك فيقال الغلام، ويصلح كما قال الحافظ أن يعد من جملة الأشياخ خالد. قال: وقد روى ابن أبي حازم عن أبيه في حديث سهل بن سعد ذكر أبي بكر الصديق فيمن كان على يساره، ذكره ابن عبد البرّ وخطأه (فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء) جاء في رواية الترمذي عن ابن عباس: «فقال لي الشربة لك، فإن شئت آثرت بها خالداً» الحديث، قال الحافظ: قال ابن الجوزي: وإنما استأذن الغلام دون الأعرابي المذكور في حديث أنس من شربه للبن وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر الصديق. لأن الأعرابي لم يكن له علم بالشريعة فاستألفه بترك استئذانه بخلاف الغلام (فقال الغلام: وا يا رسول الله لا أوثر بنصيبي منك أحداً) أكد بالقسم وتوسيط ندائه بوصف الرسالة إيماء إلى أن العلة في عدم الإيثار ليس كونه شراباً، فإن الاهتمام بأمر المطاعم شأن البهائم، إنما هو لحلول أثر بركته عليه لكونه سؤره وفضله، وذلك يفزع إليه أرباب الأفهام ويتنافس فيه أولو الأحلام، فلذا عبر بقوله بنصيبي منك: أي من أثر بركتك وفيضك أحداً، والتنكير فيه للتعميم ليعم القريب والبعيد والمشرف والشريف، وفيه مزيد نباهة ابن عباس وجودة فكره إذ نظر إلى الأشياء في مكانها ولذا قال بقوله: عمر عند استجلاء أفكاره فيما يدلهم عليه من الأمور: «غص يا غواص» (فتله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في يده. متفق عليه) رواه البخاري بهذا اللفظ

في كتاب المظالم والغضب وفي كتاب الشرب وزاد بعد «احداً» قوله: يا رسولالله، وقال: بدل قوله: «فتله» فأعطاه إياه في يده، رواه مسلم في الأشربة، وأخرجه النسائي في الأشربة من «سننه» (تله بالتاء المثناة فوق) أي وتشديد اللام (أي وضعه) في «تحفة القاري» أي وضعه بقوّة. وفي «النهاية» : قيل: التل الصب فاستعير للالقاء يقال: تل يتل: إذا صب، وتل يتل: إذا سقط، والأول بالضم والثاني بالكسر في المضارع (وهذا الغلام) كما حكاه الحافظ عن ابن التين، وجاء كذلك في رواية الترمذي من حديث ابن عباس نفسه (هو ابن عباس) أي عبد الله بن عباس (رضي الله

عنهما) فإن هذا علم عليه بالغلبة كابن عمر وابن مسعود على عبد الله.

٢ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: بينا أيوب عليه السلام) قال العراقي في «شرح التقريب» : يقال: هو أيوب بن رزاح بن روم بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم (يغتسل عرياناً) فيه جواز الاغتسال عرياناً في الخلوة مع إمكان التستر، وهو مذهب الجمهور (فخرّ) بالخاء المعجمة: أي سقط (عليه جراد من ذهب) هذا ظاهر في سقوطه عليه من علوّ وهو إكرام من الله تعالى له، وهو معجزة في حقه، وهل كان جراداً حقيقة ذا روح، إلا أن جسمه من ذهب، أو كان على شكل الجراد ولا روح فيه؟ الأظهر الثاني. قال الجوهري: وليس المراد ذكر الجراد وإنما هو اسم جنس كبقر وبقرة، فحق مذكره أن لا يكون من لفظه لئلا يلتبس الواحد المذكر بالجمع (فجعل) شرح (أيوب يحثي في ثوبه) استكثاراً من البركة لكونه قريب عهد بتكوين من الله سبحانه (فناداه ربه عزّ وجلّ) لا يخفى ما في التعبير من الرب المؤذن بالتربية والإيصال إلى الكمال في هذا المقام وهذا النداء الله أعلم أنه كان بواسطة الملك لأن المخصوص بالسماع من حضرة الحق سبحانه من الأنبياء والمرسلين نبينا وموسى، ثم رأيت العراقي أشار إلى ما ذكرته وزاد احتمال كونه إلهاماً قال: ويجوز كونه كفاحاً كما وقع لموسى وفيه نقد ولعل وجهه ما ذكرنا، وقوله: (ألم أكن أغنيتك عما ترى) محكي لقول مقدر أو للنداء لما فيه من معنى القول، والقول محتمل لأن يراد منه غنى القلب، أو غنى المال، وفيه على الثاني أن أيوب كان غنياً شاكراً، ولا ينافيه قوله تعالى: {إنا وجدناه صابراً} لأن المراد صبره على البلاء أو على الفقر معه. والذي يظهر أن الله تعالى جمع لأيوب مقامي الصبر على الفقر والشكر على الغنى باعتبار حالتيه، فكان في نفس البلاء فقيراً صابراً وقبله وبعده غنياً شاكراً، ولذا قال تعالى: {إنا وجدناه صابراً} ثم قال: {نعم العبد} ففيه الإيماء إلى أنه غنيّ شاكر كما قال في حق سليمان {نعم العبد إنه أوّاب} مع أنه كان غنياً شاكراً

(قال: بلى) واستدرك من مفهوم ذلك قوله: (ولكن لا

📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري

[٥٦٧] وعن سهل بن سعدٍ - رضي الله عنه - أنَّ أمْرَأةً جَاءَتْ إِلَى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ، فَقَالَتْ: نَسَجْتُها بِيَدَيَّ لأَكْسُوكَهَا، فَأَخَذَهَا النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُحْتَاجاً إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإنَّهَا إزَارُهُ، فَقَالَ فُلانٌ: اكْسُنِيهَا مَا أحْسَنَهَا! فَقَالَ:

«نَعَمْ» فَجَلَسَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في المَجْلِسُ، ثُمَّ رَجَعَ فَطَواهَا، ثُمَّ أرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ: فَقَالَ لَهُ الْقَومُ: مَا أحْسَنْتَ! لَبِسَهَا النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُحتَاجَاً إِلَيْهَا، ثُمَّ سَألْتَهُ وَعَلِمْتَ أنَّهُ لا يَرُدُّ سَائِلاً، فَقَالَ: إنّي وَاللهِ مَا سَألْتُهُ لألْبِسَهَا، إنَّمَا سَألْتُهُ لِتَكُونَ كَفنِي. قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ. رواه البخاري.

في هذا الحديث: جواز إعداد الشيء قبل الحاجة إليه.

وفيه: حسن خلق النبي - صلى الله عليه وسلم - وسعة جوده وقَبول الهدية.

[٥٦٨] وعن أَبي موسى - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الأشْعَرِيِّينَ إِذَا أرْمَلُوا في الغَزْوِ، أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بالمَديِنَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ في إنَاءٍ وَاحدٍ بالسَّوِيَّةِ فَهُمْ مِنِّي وَأنَا مِنْهُمْ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

«أرْمَلُوا» : فَرَغَ زَادُهُمْ أَوْ قَارَبَ الفَرَاغَ.

في الحديث: فضيلة الأشعريين، وفضيلة الإيثار، والمواساة، وفضيلة خلط الأزواد عند الحاجة.

٦٣- باب التنافس في أمور الآخرة والاستكثار مما يتبرك بِهِ

قَالَ الله تَعَالَى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين (٢٦) ] .

يعرف ذلك مما قبل الآية هو قوله تعالى: {كَلا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ *

وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ * إِنَّ الأَبْرَارَ

لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين (١٨: ٢٦) ] ، أي: فليتسابق المتسابقون، كقوله تعالى: {لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ} [الصافات (٦١) ] .

[٥٦٩] وعن سَهْلِ بن سَعدٍ - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أُتِيَ بِشَرابٍ، فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ الأشْيَاخُ، فَقَالَ لِلغُلَامِ: «أتَأذَنُ لِي أنْ أُعْطِيَ هؤُلاء؟» فَقَالَ الغُلامُ: لا وَاللهِ يَا رسولَ الله، لا أُوْثِرُ بِنَصِيبي مِنْكَ أحَداً. فَتَلَّهُ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في يَدِهِ. متفقٌ عَلَيْهِ.

«تَلَّهُ» بالتاءِ المثناة فوق: أيْ وَضَعَهُ. وَهذَا الغُلامُ هُوَ ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما.

في الحديث: أن سنَّة الشرب العامة تقديم الأيمن في كل موطن.

وفيه: أن من استحق شيئًا لم يدفع عنه إلا بإذنه.

قال ابن الجوزي: وأنه استأذن الغلام دون الأعرابي في الحديث الآخر؛ لأن الأعرابي لم يكن له علم بالشريعة، فاستألفه بترك استئذانه.

[٥٧٠] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «بَيْنَا أيُّوبُ - عليه السلام - يَغْتَسِلُ عُرْيَاناً، فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أيُّوبُ يَحْثِي في ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ - عز وجل -: يَا أيُّوبُ، ألَمْ أكُنْ أغْنَيتكَ عَمَّا تَرَى؟! قَالَ: بَلَى وَعِزَّتِكَ وَلَكِنْ لا غِنى بي عن بَرَكَتِكَ» . رواه البخاري.

في هذا الحديث: جواز الاغتسال عريانًا في الخلوة.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.6 / 29.5
الإضاءة 66%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
سبحان الله