«الثَّرْثَارُ»: هُوَ كَثِيرُ الكَلَامِ تَكَلُّفًا. وَ «المُتَشَدِّقُ»…

الإسلام > حديث > رياض الصالحين > حديث ٦٣٠

الحديث رقم ٦٣٠ من كتاب «بداية الكتاب» في رياض الصالحين، تحت باب: باب حسن الخلق.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «الثرثار»: هو كثير الكلام تكلفا. و…

«الثَّرْثَارُ»: هُوَ كَثِيرُ الكَلَامِ تَكَلُّفًا. وَ «المُتَشَدِّقُ»: المُتَطَاوِلُ عَلَى النَّاسِ بِكَلَامِهِ، وَيَتَكَلَّمُ بِمَلءِ فِيهِ تَفَاصُحًا وَتَعْظِيمًا لِكَلامِهِ، وَ «المُتَفَيْهِقُ»: أصلُهُ مِنَ الفَهْقِ وَهُوَ الامْتِلَاءُ، وَهُوَ الَّذِي يَمْلأُ فَمَهُ بِالكَلَامِ وَيَتَوَسَّعُ فِيهِ، ويُغْرِبُ بِهِ تَكَبُّرًا وَارْتِفَاعًا، وَإظْهَارًا للفَضيلَةِ عَلَى غَيْرِهِ. ⦗٢٠٧⦘

وروى الترمذي (٢) عن عبد الله بن المباركِ رحِمه الله في تفسير حُسْنِ الخُلُقِ، قَالَ: «هُوَ طَلَاقَةُ الوَجه، وَبَذْلُ المَعروف، وَكَفُّ الأذَى».

[٧٤ - باب الحلم والأناة والرفق]

قَالَ الله تَعَالَى: {وَالكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنينَ} [آل عمران: ١٣٤]، وقال تَعَالَى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلينَ} [الأعراف: ١٩٩]، وقال تَعَالَى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أحْسَنُ فَإذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَاّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: ٣٤ - ٣٥]، وقال تَعَالَى: {وَلَمنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ}

[الشورى: ٤٣].

سند حديث: ٦٣٠ - وعن جابر - رضي الله عنه: أنَّ رسول…

٦٣٠ - وعن جابر - رضي الله عنه: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إنَّ مِنْ أحَبِّكُمْ إليَّ، وَأقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ، أحَاسِنَكُم أَخْلَاقًا، وَإنَّ أَبْغَضَكُمْ إلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي يَوْمَ القِيَامَةِ، الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ وَالمُتَفَيْهقُونَ» قالوا: يَا رسول الله، قَدْ عَلِمْنَا «الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ»، فمَا المُتَفَيْهقُونَ؟ قَالَ: «المُتَكَبِّرُونَ». رواه الترمذي، (١) وقال: «حديث حسن».

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «الثرثار»: هو كثير الكلام تكلفا. و…

يُحدِثُنا الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عما حصل لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، حيث قدم عليه عيينة بن حصن رضي الله عنه ، وكان من كبار قومه، فبدأ كلامه الفض بالتهجُّم والاستنكار، ثم عقَّبه بالمُعاتبة قائلاً: إِنَّك لا تُعطِينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل، فغضب عمر رضي الله عنه غضبا حتى كاد يضربه، ولكن قام بعض القُرَّاء ومنهم ابن أخي عيينة وهو الحر بن قيس مخاطبا الخليفة الراشد رضي الله عنه : يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم : "خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين" ، وإن هذا من الجاهلين، فوقف عمر عندها وكتم غضبه، ولم يتجاوزها؛ لأنه كان وقَّافا عند كتاب الله -رضي الله عنه وأرضاه-، فوقف وما ضرب الرجل؛ لأجل الآية التي تُلِيت على مسامعه.
فهذا هو أدب الصحابة رضي الله عنهم عند كتاب الله؛ لا يتجاوزونه، إذا قيل لهم هذا قول الله وَقَفُوا، مهما كان الأمر.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • منزلة قُرَّاء القرآن، وهم العلماء العاملون بأحكامه، لا المتكسبون بتلاوته في المآتم والأفراح.
  • أنه ينبغي لولي الأمر مجالسة القراء والفقهاء ليذكروه إذا نسي، ويعينوه إذا ذكر.
  • رأي أهل العلم لا يكون بهوى ولا لمصلحة، بل يكون نصرة لله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، فالحق أحب إليهم من أنفسهم وآبائهم وأبنائهم وعشيرتهم.
  • تحبب الحاكم لأهل العلم وأهل مشورته بأن يستجيب لطلباتهم ما لم يكن فيه معصية.
  • منقبة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بأنه كان وقَّافا عند حدود الله ممتثلا لأوامره، لا يتجاوزها ولا يتعدَّاها.
  • استحباب صبر الإمام على الرعية، والحرص على مصالحها؛ فقد ظهر صبر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في مواطن من هذا الحديث.
  • حكمة العالم في تذكير إمامه.
  • فضل الحلم والصفح عن الجهال.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «الثرثار»: هو كثير الكلام تكلفا. و…

📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي

٧٣- باب حُسن الخُلق

قال الله تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: ٤) ، وقال تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) (آل عمران: ١٣٤) .

١/٦٢١- وعن أنس رضي الله عنهُ قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً) . متفق عليه.

[الشَّرْحُ]

قال الحافظ النووي رحمه الله في كتابه رياض الصالحين في باب حسن الخلق، يعني باب الحث عليه، وفضيلته، وبيان من اتصف به من عباد الله، وحسن الخلق يكون مع الله ويكون مع عباد الله.

أما حسن الخلق مع الله: فهو الرضا بحكمه شرعاً وقدراً، وتلقي ذلك بالانشراح وعدم التضجر، وعدم الأسى والحزن، فإذا قدر الله على المسلم شيئاً يكرهه رضي بذلك واستسلم وصبر، وقال بلسانه وقلبه: رضيت بالله رباّ، وإذا حكم الله عليه بحكم شرعي؛ رضي واستسلم، وانقاد لشريعة الله عزّ وجلّ بصدر منشرح ونفس مطمئنة، فهذا حسن الخلق مع الله عزّ وجلّ.

أما مع الخَلق فيحسن الخُلق معهم بما قاله بعض العلماء: كف الأذى، وبذل الندى، وطلاقه الوجه، وهذا حسن الخلق.

كف الأذى بألا يؤذي الناس لا بلسانه ولا بجوارحه، وبذل الندى يعني العطاء، يبذل العطاء من مال وعلم وجاه وغير ذلك، وطلاقة الوجه بأن يلاقي الناس بوجه منطلق، ليس بعبوس، ولا مصعّرٍ خده، وهذا هو حسن الخلق.

ولا شك أن الذي يفعل هذا؛ فكيف الأذى ويبذل الندى ويجعل وجه منطلقاً؛ لا شكل أنه سيصبر على أذى الناس أيضاً، فإن الصبر على أذى الناس لا شك أنه من حسن الخُلق، فإن من الناس من يؤذي أخاه، وربما يعتدي عليه بما يضرّه؛ بأكل ماله، أو جحد حق له، أو ما أشبه ذلك، فيصبر ويحتسب الأجر من الله سبحانه وتعالى، والعاقبة للمتقين، وهذا كله من حسن الخلق مع الناس.

ثم صدّر المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب بقوله تعالى مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: ٤) ، وهذا معطوف على جواب القسم (نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ) (وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ) (القلم: ١-٤) . إنك: يعني يا محمد، لعلى خلق عظيم لم يتخلق أحد بمثله، في كل شيء؛ خلق مع الله، خلق مع عباد الله، في الشجاعة والكرم وحسن المعاملة وفي كل شيء، وكان عليه الصلاة والسلام خلقه القرآن يتأدب بآدابه؛ يمتثل أوامره ويجتنبُ نواهيه.

ثم ساق المؤلف جزءاً من آية آل عمران في قوله: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) (آل عمران١٣٤) ، وهذه من صفات المتقين الذين أعد الله لهم الجنة، كما قال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ

رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: ١٣٣-١٣٤) .

(وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) يعني الذين يكظمون غضبهم، إذا غضب، ملك نفسه وكظم غيظه، ولم يتعد على أحدٍ بموجب هذا الغضب.

(َ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاس) إذا أساءوا إليهم، (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) فإن هذا من الإحسان أن تعفو عمّن ظلمك، ولكن العفو له محل؛ إن كان المعتدي أهلاً للعفو فالعفو محمود، وإن لم يكن أهلاً للعفو؛ فإن العفو ليس بمحمود؛ لأن الله تعالى قال في كتابه: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّه) (الشورى: ٤٠) .

فلو أن رجلاً اعتدى عليك بضربك، أو أخذ مالك، أو إهانتك، أو ما أشبه ذلك، فهل الأفضل أن تعفو عنه أم لا؟

نقول في هذا تفصيل: إن كان الرجل شريراً، سيئاً، إذا عفوت عنه ازداد في الاعتداء عليك وعلى غيرك، فلا تعفُ عنه، خذ حقك منه بيدك، إلا أن تكون تحت ولاية شرعية فترفع الأمر إلى من له الولاية الشرعية، وإلا فتأخذه بيدك ما لم يترتب على ذلك ضرر أكبر.

والحاصل أهه إذا كان الرجل المعتدى سيئاً شريراً هذا ليس أهلاً للعفو فلا تعفُ عنه، بل الأفضل أن تأخذ بحقك؛ لأن الله يقول: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ) ، والعفو في مثل هذه الحال ليس بإصلاح.

والنفس ربما تأمرك أن تأخذ بحقك، ولكن كما قلت إذا كان الإنسان أهلاً للعفو فالأفضل أن تعفو عنه وإلا فلا.

* * *

٢/٦٢٢- وعنه رضي الله عنه قال: ما مسستُ ديباجاً ولا حريراً ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شممتُ رائحة قط أطيب من رائحة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد خدمتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فلما قال لي قط: أف، ولا قال لشيء فعلتهُ: لم فعلتهُ؟ ولا لشيءٍ لم أفعلهُ: ألا فعلت كذا؟. متفق عليه.

٣/٦٢٣-وعن الصعب بن جثامة رضي الله عنه قال: أهديتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم حماراً وحشياً، فردهُ على، فلما رأى ما في وجهي قال: ((إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم)) متفق عليه.

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف الحافظ النووي رحمه الله في كتابه رياض الصالحين في باب حسن الخلق ما نقله عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال ما مسست حريراً ولا ديباجاً ألين من يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكان أنس بن مالك رضي الله عنه قد خدم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين؛

جاءت به أمه حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فقالت: يا رسول الله، هذا أنس ابن مالك يخدمك، فقبل عليه الصلاة والسلام أن يخدمه لله، ودعا له أن يبارك الله له في ماله وولده، فبارك الله له في ماله وولده، حتى قيل إنه كان له بستان يثمر في السنة مرتين، من بركة المال الذي دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم به، أما أولاده فبلغوا مائة وعشرين ولداً، أولاده من صلبه، كل هذا ببركة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم.

يقول إنه ما مس ديباجاً ولا حريراً ألين من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت يده صلى الله عليه وسلم لينة إذا مسها الإنسان فإذا هي لينة.

وكما ألان الله يده فقد ألان الله سبحانه وتعالى قلبه، قال الله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُم) ْ يعني صرت ليناً لهم (وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) (آل عمران: ١٥٩) .

وكذلك أيضاً رائحته صلى الله عليه وسلم، ما شم طيباً قط أحسن من رائحة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان عليه الصلاة والسلام طيب الريح كثير استعمال الطيب، قال: ((حُبب إلي من دنياكم النساء والطيب، وجعل قرة عيني في الصلاة)) هو نفسه طيب صلى الله عليه وسلم، حتى كان الناس يتبادرون إلى أخذ عرقه صلى الله عليه وسلم من حسنه وطيبه، ويتبركون بعرق؛ لأن من خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم أننا نتبرك بعرقه وبريقه وبثيابه، أما غير الرسول فلا يتبرك بعرقه ولا بثيابه ولا بِريقه.

يقول: ولقد خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي أفّ قط، يعني ما تضجر منه أبداً، عشر سنوات يخدمه ما تضجر منه، والواحد منا إذا خدمه أحد أو صاحبه أحد لمدة أسبوع أو نحوه لابد أن يجد منه تضجراً، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم عشر سنوات وهذا الرجل يخدمه، ومع ذلك ما قال له أفّ قط.

ولا قال لشيءٍ فعلت لما فعلت كذا؟ حتى الأشياء التي يفعلها أنس اجتهاداً منه ما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يؤنبه أو يوبخه أو يقول لما فعلت كذا، مع أنه خادم، وكذلك ما قال لشيء لم أفعله لم لم تفعل كذا وكذا؟ فكان عليه الصلاة والسلام يعامله بما أرشده الله سبحانه وتعالى إليه في قوله: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف: ١٩٩) .

والعفو ما عفا من أخلاق الناس وما تيسر، يعني خذ من الناس ما تيسر، ولا تريد أن يكون الناس لك على ما تريد في كل شيء، من أراد أن يكون الناس له على ما يريد في كل شيء فاته كل شيء، ولكن خذ ما تيسر، عامل الناس بما إن جاءك قبلت وإن فاتك لم تغضب، ولهذا قال: ما قال لشيء لم أفعله لِمَ لَم تفعل كذا وكذا، وهذا من حسن خلقه عليه الصلاة والسلام.

ومن حسن خلقه صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يُداهن الناس في دين الله، ولا يفوته أن يطيب قلوبهم، فالصعب بن جثامة رضي الله عنه مرّ به النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم محرم، وكان الصعب بن جثامة عداءً رامياً، عداء: يعني سبوقاً، رامياً: يعني يجيد الرمي.

فلما نزل به النبي صلى الله عليه وسلم ضيفاً رأى أنه لا أحد أكرم ضيفاً منه، فذهب يصيد للرسول صلى الله عليه وسلم صيداً، فصاد له حماراً وحشياً وكان في الجزيرة العربية في ذلك الوقت كثيرٌ من الصيد، لكنها قلت صاد له حماراً وحشياً وجاء به إليه فرده النبي صلى الله عليه وسلم فَصَعُبَ ذلك على الصعب؛ كيف يرد النبي صلى الله عليه وسلم هديته؟ فتغير وجهه، فلما رأى ما في وجهه طيب قلبه وقال: ((إنا لم نرده عليك إلا أنا حُرم)) يعنى محرمون، والمحرم لا يأكل من الصيد الذي صيد من أجله.

فلو أن محرماً مر بك وأنت في بلدك وهو محرم وصدت له صيداً أو ذبحت له صيداً عندك، فإنه لا يحل له أن يأكل منه، وذلك لأنه ممنوع من أكل ما صيد من أجله، أما إذا لم تصده من أجله، فالصحيح أنه حلال له إذا لم تصده لأجله.

ولهذا أكل النبي صلى الله عليه وسلم من الصيد الذي صاده أبو قتادة رضي الله عنه؛ لأن أبا قتادة لم يصده من أجل الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا أحسن ما قيل في هذه المسألة، إنه إذا صيد الصيد من أجل المحرم كان حراماً عليه، وإن صاده الإنسان لنفسه وأطعم منه المحرم فلا بأس.

قال بعض العلماء: إن المحرم لا يأكل من الصيد مطلقاً؛ صيد من أجله أم لم يصد، قالوا لأن حديث الصعب بن جثامة متأخر عن حديث أبي قتادة، فإن حديث أبي قتادة كان في غزوة الحديبية في السنة السادسة، وحديث الصعب بن جثامة في حجة الوداع في السنة العاشرة، ويؤخذ بالأخر فالآخر.

ولكن القاعدة الأصولية الحديثية تأبى هذا القول؛ لأنه لا يصار إلى النسخ إلا إذا تعذر الجمع، فإذا أمكن الجمع فلا نسخ، والجمع هنا ممكن، وهو أن يقال: إن صيدَ لأجل المُحرم فحرام، وإن صاده الإنسان لنفسه وأطعم منه المحرم فلا بأس.

ويؤيد هذا حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((صيد البر حلالٌ ما لم تصيدوه أو يصد لكم)) ، وهذا تفصيل واضح؛ ما لم تصيدوه أو يصد لكم.

والحاصل أن هذا الحديث؛ حديث الصعب بن جثامة رضي الله عنه فيه فائدتان عظيمتان.

الأولي: أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يداهن أحداً في دين الله، وإلا قبل الهدية من الصعب، وسكت إرضاءً له ومداهنة له، لكنه عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يفعل هذا.

الثانية: أنه ينبغي للإنسان أن يجبر خاطر أخيه إذا فعل معه ما لا يحب، ويبين له السبب؛ لأجل أن تطيب نفسه، ويطمئن نفسه، ويطمئن قلبه، فإن هذا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ والله الموفق.

* * *

٤/٦٢٤- وعن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم فقال: ((البر حُسنُ الخُلق، والإثمُ ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناسُ)) رواه مسلم.

٥/٦٢٥- وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشاً ولا متفحشاً. وكان يقولُ: " إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً: متفق عليه.

٦/٦٢٦- وعن أبي الدرداء رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من شيءٍ أثقلُ في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلقِ، وإن الله يبغضُ الفاحش البذي)) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

(البذي) : هو الذي يتكلم بالفحش، ورديء الكلامِ.

[الشَّرْحُ]

هذه الأحاديث ساقها النووي رحمه الله في باب حسن الخلق من كتاب رياض الصالحين، وقد سبق شيء من هذه الأحاديث.

أما حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البر حسن الخلق) ، وقد تقدم شرح هذه الجملة، وبينا أن حسن الخلق يحصل

فيه الخير الكثير؛ لأن البر هو الخير الكثير.

وأما الإثم فقال هو: (ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس) يعني بما حاك في النفس، يعني لم تطمئن إليه النفس، بل ترددت فيه، وكرهت أن يطلع عليه الناس.

ولكن هذا خطاب للمؤمن، أما الفاسق فإن الإثم لا يحيك في صدره، ولا يهمه أن يطلع عليه الناس؛ بل يجاهر به ولا يبالى، لكن المؤمن لكون الله سبحانه وتعالى قد أعطاه نوراً في قلبه، إذا هم بالإثم حاك في صدره، وتردد فيه، وكره أن يطلع عليه الناس، فهذا الميزان إنما هو في حق المؤمنين.

أما الفاسقون فإنهم لا يهمهم أن يطلع الناس على آثامهم، ولا تحيك الآثام في صدورهم؛ بل يفعلوها والعياذ بالله بانطلاق وانشراح؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) (فاطر: ٨) .

فقد يزين للإنسان سوء العمل فينشرح له صدره، مثل ما نرى من أهل الفسق الذين يشربون الخمر، وتنشرح صدورهم له، والذين يتعاملون بالربا وتنشرح صدورهم لذلك، والذين يتعودون العهر والزنا وتنشرح صدورهم لذلك، ولا يبالون بهذا؛ بل ربما إذا فعلوا ذلك سراً ذهبوا يشيعونه ويعلنونه، مثل ما يوجد من بعض الفساق إذا ذهبوا إلى البلاد الخارجية الماجنة الفاجرة ورجعوا، قاموا يتحدثون فعلت كذا وفعلت كذا، يعني أنهم زنوا بكذا وزنوا بكذا والعياذ بالله- وشربوا الخمر وما أشبه ذلك.

وفي هذه الأحاديث بيان صفة الرسول صلى الله عليه وسلم وأنه لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً، يعني أنه صلى الله عليه وسلم بعيد عن الفحش طبعاً وكسباً، فلم يكن فاحشاً في نفسه ولا في غريزته؛ بل هو لين سهل، ولم يكن متفحشاً أي متطبعأً بالفحشاء؛ بل كان صلى الله عليه وسلم أبعد الناس عن الفحش في مقاله وفي فعاله صلى الله عليه وسلم.

وفيه أيضاً الحث على حسن الخلق، وأنه من أثقل ما يكون في الميزان يوم القيامة، وهذا من باب الترغيب فيه، فعليك يا أخي المسلم أن تحسن خلقك مع الله عزّ وجلّ؛ في تلقي أحكامه الكونية والشرعية، بصدر منشرح منقاد راضٍ مستسلم، وكذلك مع عباد الله فإن الله تعالي يحب المحسنين، والله الموفق.

* * *

٧/٦٢٧- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ قال: تقوى الله وحسنُ الخلقِ" وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار، فقال: " الفمُ والفرجُ".

رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.

٨/٦٢٨- وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم"

رواه الترمذي وقال: حديث حسنٌ صحيحٌ

[الشَّرْحُ]

هذه الأحاديث في بيان فضل حسن الخلق، ذكرها النووي - رحمه الله- في رياض الصالحين في باب حسن الخلق، ومنها عن أبي هريرة رضي اله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: ما أكثر ما يدخل الجنة؟ يعني ما هو الشيء الذي يكون سبباً لدخول الجنة كثيراً؟ فقال: (تقوى الله وحسن الخلق) .

تقوى الله تعالى، وهذه كلمة جامعة لفعل ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه هذه هي التقوى، أن تفعل ما أمرك الله به وأن تدع ما نهاك عنه؛ لأن التقوى مأخوذة من الوقاية، وهي أن يتخذ الإنسان ما يقيه من عذاب الله، ولا شيء يقي من عذاب الله إلا فعل الأوامر واجتناب النواهي.

وأكثر ما يدخل الناس النار الفم والفرج. الفم يعني بذلك قول اللسان فإن الإنسان قد يقول كلمة لا يُلقي لها بالاً يهوي بها في النار سبعين خريفاً، والعياذ بالله أي سبعين سنة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: (أفلا أخبرك بملاك ذلك كله؟) قلت بلى يا رسول الله، فأخذ بلسان نفسه وقال: (كف عليك هذا) قلت: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ يعني هل نؤاخذ بالكلام؟ قال (ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم-. أو قال: " على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم) .

ولما كان عمل اللسان سهلاً صار إطلاقه سهلاً؛ لأن الكلام لا يتعب به الإنسان، ليس كعمل اليد، وعمل الرجل، وعمل العين يتعب فيه الإنسان. فعلم اللسان لا يتعب في الإنسان، فتجده يتكلم كثيراً بأشياء تضره؛ كالغيبة، والنميمة، واللعن، والسب، والشتم، وهو لا يشعر بذلك، فيكتسب بهذا آثاماً كثيرة.

أما الفرج فالمراد به الزنا، وأخبث منه اللواط، فإن ذلك أيضاً تدعو النفس إليه كثيراً- ولا سيما من الشباب- فتهوي بالإنسان وتدرِّجه حتى يقع في الفاحشة وهو لا يعلم.

ولهذا سدَّ النبي صلى الله عليه وسلم كل باب يكون سبباً لهذه الفاحشة، فمنع من خلو الرجل بالمرأة، ومنع المرأة من كشف وجهها أمام الرجال الأجانب، ونهى المرأة أن تخضع بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض، إلى غير ذلك من السياج المنيع الذي جعله النبي صلى الله عليه وسلم حائلاً دون فعل هذه الفاحشة، لأن هذه الفاحشة تدعو إليها النفس، فهذا أكثر ما يدخل الناس النار: أعمال اللسان وأعمال الفرج، نسأل الله الحماية.

ثم ذكر أيضاً من فضائل حسن الخلق أن أحسن الناس أخلاقاً هم أكمل الناس إيماناً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً) وفي هذا دليلٌ على أن الإيمان يتفاوت، وأن الناس يختلفون فيه، فبعضهم في الإيمان أكمل من بعض بناء على الأعمال، وكلما كان الإنسان أحسن خلقاً كان أكمل إيماناً، وهذا حثٌ واضحٌ على أن الإنسان ينبغي له أن يكون حسن الخلق بقدر ما يستطيع.

قال: (وخياركم خياركم لنسائهم) المراد خيركم خيركم لأهله كما جاء ذلك في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) فينبغي للإنسان أن يكون مع أهله خير صاحب وخير محب وخير مُربًّ؛ لأن الأهل أحق بحسن خلقك من غيرهم. أبدا بالأقرب فالأقرب.

على العكس من ذلك حال بعض الناس اليوم وقبل اليوم؛ تجده مع الناس حسن الخلق، لكن مع أهله سيء الخلق والعياذ بالله، وهذا خلاف هدي النبي صلى الله عليه وسلم، والصواب أن تكون مع أهلك حسن الخلق ومع غيرهم أيضاً، لكن هم أولى بحسن الخلق من غيرهم.

ولهذا لما سئلت عائشة: ماذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قالت: كان في مهنة أهله. أي يساعدهم على مهمات البيت، حتى أنه صلى الله عليه وسلم كان يحلب الشاة لأهله، ويخصف نعله، ويرقع ثوبه، وهكذا ينبغي للإنسان مع أهله أن يكون من خير الأصحاب لهم.

* * *

٩/٦٢٩- وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن المؤمن ليدركُ بحسن خُلقه درجة الصائم القائم) رواه أبو داود.

١٠/٦٣٠- وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنا زعيم ببيت في ربضِ الجنةِ لمن ترك المراء، وإن كان مُحقاً، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب، وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه) حديث صحيح، رواه أبو داود بإسناد صحيح.

الزعيم: الضامنُ.

١١/٦٣١- وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن من أحبكم إلى، وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة، أحسانكم أخلاقاً وإن أبغضكم إلى، وأبعدكم مني يوم القيامة، الثرثارُون والمتشدقون والمتفيهقون" قالوا: يا رسول الله قد علمنا (الثرثارُون والمتُشدقون) فما المُتفيهقُون؟ قال: (المتكبرون) رواه الترمذي وقال: حديث حسنٌ.

(الثرثارُ) : هو كثيرُ الكلامِ تكلفاً. (والمُتشدقُ) : المتطاولُ على الناس بكلامه، ويتكلم بملء فيه تفاصحاً وتعظيماً لكلامه؛ والمتفيهقُ أصلهُ من الفهق وهو الامتلاءُ، وهو الذي يملأ فمه بالكلام ويتوسعُ فيه، ويغربُ به تكبراً وارتفاعاً، وإظهاراً للفضيلة على غيره.

وروى الترمذي عن عبد الله بن المبارك رحمه الله في تفسير حُسن الخُلقِ قال: هُو طلاقةُ الوجه، وبذلُ المعروف. وكف الأذى.

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف رحمه الله أحاديث متعددة في بيان حسن الخلق، وأن من أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاسنهم أخلاقاً، فكلما كنت أحسن خلقاً؛ كنت أقرب إلى الله ورسوله من غيرك، وأبعد الناس منزلة من رسول الله صلى الله عليه وسلم الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون.

الثرثارون الذين يكثرون الكلام ويأخذون المجالس عن الناس، فإذا جلس في المجلس أخذ الكلام عن غيره، وصار كأن لم يكن في المجلس إلا هو؛ يتكلم ولا يدع غيره يتكلم، وهذا لا شك أنه نوع من الكبرياء.

لكن لو فرضنا أن أهل المجلس فوضوه وقالوا أعطنا نصحية، أعطنا موعظة فتكلم فلا حرج، إنما الكلام العادي كونك تملك المجلس ولا تدع أحداً يتكلم، حتى إن بعض الناس يحب أن يتكلم لكن لا يستطيع أن يتكلم، يخشي من مقاطعة هذا الرجل الذي ملك المجلس بكلامه.

كذلك أيضاً المتشدقون، والمتشدق هو الذي يتكلم بملء شدقيه، تجده يتكلم وكأنه أفصح العرب تكبيراً وتبختراً، ومن ذلك من يتكلم باللغة العربية أمام العامة، فإن العامة لا يعرفون اللغة العربية، لو تكلمت بينهم باللغة العربية لعدّوا ذلك من باب التشدق في الكلام والتنطع، أما إذا كنت تدرس لطلبة فينبغي أن تتكلم باللغة العربية، لأجل أن تمرّنهم على اللغة العربية وعلى النطق بها، أما العامة الذين لا يعرفون فلا ينبغي أن تتكلم بينهم باللغة العربية، بل تكلم معهم بلغتهم التي يعرفون، ولا تغرب في الكلمات، يعني لا تأتي بكلمات غريبة تُشكِل عليهم، فإن ذلك من

التشدق في الكلام.

أما المتفيهقون فقد وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بالمتكبرين، المتكبر الذي يتكبر على الناس ويتفيهق، وإذا قام يمشي كأنه يمشي على روق من تكبره وغطرسته، فإن هذا لا شك خلق ذميم، ويجب على الإنسان أن يحذر منه؛ لأن الإنسان بشر فينبغي أن يعرف قدر نفسه، حتى لو أنعم الله عليه بمال، أو أنعم الله عليه بعلم، أو أنعم الله عليه بجاه، فينبغي أن يتواضع، وتواضع هؤلاء الذين أنعم الله عليهم بالمال والعلم والجاه افضل من تواضع غيرهم، ممن لا يكون كذلك.

ولهذا جاء في الحديث من الذين لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم: (عائل مستكبر) لأن العائل لا داعي لاستكباره، والعائل هو الفقير، فهؤلاء الذين منَّ الله عليهم بالعلم والمال والجاه كلما تواضعوا؛ صاروا أفضل ممن تواضع من غيرهم الذين لم يمنّ الله عليهم بذلك.

فينبغي لكل من أعطاه الله نعمة أن يزداد شكراً لله، وتواضعاً للحق وتواضعاً للخلق، وفقني الله وإياكم لأحاسن الأخلاق والأعمال، وجنبنا وإياكم سيئات الأخلاق والأعمال إنه جواد كريم.

[٧٤- باب الحلم والأناة والرفق]

قال تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: ١٣٤) .

وقال تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف: ١٩٩) .

وقال تعالى: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (فصلت: ٣٥) .

وقال تعالى: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (الشورى: ٤٣) .

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب الحلم، والأناة، والرفق.

هذه ثلاثة أمور متقاربة: الحلم، والأناة، والرفق.

أما الحلم: فهو أن يملك الإنسان نفسه عند الغضب، إذا حصل غضب وهو قادر فإنه يحلم، ولا يعاقب، ولا يعاجل بالعقوبة.

وأما الأناة فهو التأني في الأمور، وعدم العجلة، وألا يأخذ الإنسان الأمور بظاهرها فيتعجل، ويحكم على الشيء قبل أن يتأنى فيه وينظر.

وأما الرفق فهو معاملة الناس بالرق والهون، حتى وإن استحقوا ما يستحقون من العقوبة والنكال فإنه يرفق بهم.

ولكن هذا فيما إذا كان الإنسان الذي يرفق به محلاً للرفق، أما إذا لم

يكن محلاً للرفق فإن الله سبحانه وتعالى قال: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (النور: ٢) .

ثم ساق المؤلف أيات. قال في الأية الأولى قول الله تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: ١٣٤) ، هذه من جملة الأوصاف التي يتصف بها المتقون الذين أعدت لهم الجنة: أنهم يكظمون إذا غضبوا.

وفي قوله: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) دليلٌ على أنهم يشق عليهم ذلك، لكنهم يغلبون أنفسهم فيكظمون غيظهم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ليس الشديد بالصرعة)) الصرعة: يعني الذي يصرع الناس إذا صارعوه: ((وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)) . أما قوله تعالى: (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) فقد سبق الكلام عليه، وبيان التفصيل فيمن يستحق العفو ومن لا يتسحق، فالإنسان الشرير الذي لا يزداد بالعفو عنه إلا سواءاً وشراسة ومعاندة هذا لا يعفى عنه.

والإنسان الذي هو أهل للعفو. ينبغي للإنسان أن يعفوعنه؛ لأن الله يقول (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (الشورى: ٤٠) .

وأما الأية الثانية فهي قوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ

الْجَاهِلِينَ) (لأعراف: ١٩٩) ، قال خذ العفو ولم يقل أعف ولا أفعل العفو، بل قال: (خُذِ الْعَفْوَ) والمراد بالعفو هنا ما عفا وسهل من الناس؛ لأن الناس يعامل بعضهم بعضاً، فمن أراد من الناس أن يعاملوه على الوجه الذي يحب وعلى الوجه الأكمل؛ فهذا شيء يصعب عليه ويشق عليه ويتعب وراء الناس.

وأما من استرشد بهذه الأية، وأخذ ما عفا من الناس وما سهل، فما جاء منهم قبله، وما أضاعوه من حقه تركه، إلا إذا انتهكت محارم الله، فإن هذا هو الذي أرشد الله إليه؛ أن نأخذ العفو، فخذ ما تيسر من أخلاق الناس معاملتهم لك، والباقي أنت صاحب الفضل فيه إذا تركته.

(وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) يعني: مُر بما يتعارفه الناس ويعرفه الشرع من أمور الخير، ولا تسكت عن الأمر بالخير إذا كان الناس أخلوا به فيما بينك وبينهم أفعل ما تشاء في حقك، لكن الشيء المعروف ينبغي أن تأمر به.

(وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين) المراد بالجاهل هنا ليس هو الذي لا يعلم الحكم؛ بل الجاهل السفيه في التصرف، كما قال الله تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ) أي بسفاهة (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِم) (النساء: ١٧) .

فالجاهلون هنا هم السفهاء الذين يجهلون حقوق الغير، ويفرطون فيها، فأعرض عنهم ولا تبال بهم، وأنت إذا أعرضت عنهم ولم بتبال بهم فإنهم سوف يملون يوتعبون، ثم بعد ذلك يرجعون إلى صوابهم، ولكن إذا عاندتهم أو خاصمتهم أو أردت منهم أن يعطوك حقك كاملاً، فإنهم ربما بسفههم يعاندون ولا يأتون بالذي تريد.

فهذه ثلاثة أوامر من الله عزّ وجلَّ فيها الخير لو أننا سرنا عليها: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الاعراف: ١٩٩) .

قوله تعالى: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (الشورى: ٤٣) .

صبر: يعني على الأذي، وغفر: يعني تجاوز عنه إذا وقع به، إن ذلك لمن عزم الأمور: أي لمن معزومات الأمور، أي من الأمور التي تدل على عزم الرجل، وعلى حزمه، وعلى أنه قادر على نفسه مسيطر عليها، وذلك لأن الناس ينقسمون إلى أقسام بالنسبة لسيطرتهم على أنفسهم.

فمن الناس من لا يستطيع أن يسيطر على نفسه أبداً، ومن الناس من يستطيع لكن بمشقة شديدة، ومن الناس من يستطيع لكن بسهولة، يكون قد جلبه الله عزّ وجلَّ على مكارم الأخلاق، فيسهل عليه الصبر والغفران.

فالذي يصبر على أذى الناس ويتحمل ويحتسب الأجر من الله ويغفر لهم، هذا هو الذي صنع هذه المعزومة من الأمور أي من الشؤون، وهذا حث واضح على أنه ينبغي للإنسان أن يصبر ويغفر، وقد سبق لنا التفصيل في مسألة العفو عن الجناة والمعتدين، وأنه لا يمدح مطلقاً ولا يذم مطلقاً، يل ينظر إلى الإصلاح.

* * *

١/٦٣٢- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس: ((إن فيك خصلتين يُحبهما الله: الحلمُ والأناةُ)) رواهُ مسلم.

٢/٦٣٣- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله رفيقٌ

يحبٌ الرفق في الأمر كله" متفق عليه.

٣/٦٣٤- وعنها رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يُعطي على العنف ومالا يعطي على ما سواه)) رواه مسلم.

٤/٦٣٥- وعنها رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانهُ، ولا ينزعُ من شيءٍ إلا شانهُ" رواه مسلم.

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف - رحمه الله- هنا في سياق الأحاديث ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس، قال له: " إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة".

الحلم: عندما يثار الإنسان ويجنى عليه ويعتدى عليه يحلم، لكنه ليس كالحمار لا يبالي بما فعل به، يتأثر لكن يكون حليماً لا يتعجل بالعقوبة، حتى إذا صارت العقوبة خيراً من العفو أخذ بالعقوبة.

والأناة: التأني في الأمور وعدم التسرع، وما أكثر ما يهلك الإنسان ويزل بسبب التعجل في الأمور، وسواء في نقل الأخبار، أو في الحكم على ما سمع، أو في غير ذلك.

فمن الناس مثلاً من يتخطف الأخبار بمجرد ما يسمع الخبر يحدِّث به

وينقله، وقد جاء في الحديث ((كفي بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع)) .

ومن الناس من يتسرع في الحكم، سمع عن شخص شيئاً من الأشياء، ويتأكد أنه قاله أو أنه فعله ثم يتسرع في الحكم عليه، أنه أخطأ أو ضلّ أو ما أشبه ذلك، وهذا غلط، التأني في الأمور، كله خير.

ثم ذكر المؤلف أحاديث عائشة رضي الله عنها الثلاثة في باب الرفق، وأن الرفق محبوب إلى الله عزّ وجلَّ، وأنه ما كان في شيءٍ إلا زانه، ولا نزع من شيءٍ إلا شانه، ففيه الحثّ على أن يكون الإنسان رفيقاً في جميع شؤونه، رفيقاً في معاملة أهله، وفي معاملة إخوانه، وفي معاملة أصدقائه، وفي معاملة عامة الناس يرفق بهم، فإن الله عزّ وجلَّ رفيقٌ يحب الرفق.

ولهذا فإن الإنسان إذا عامل الناس بالرفق يجد لذة وانشراحاً، وإذا عاملهم بالشدة والعنف ندم، ثم قال ليتني لم أفعل، لكن بعد أن يفوت الأوان، أما إذا عاملهم بالرفق واللين والأناة انشرح صدره، ولم يندم على شيء فعله.

وفق الله الجميع لما فيه الخير والصلاح وحسن الأخلاق والآداب.

* * *

٥/٦٣٦- وعن أبي هريرة رضي الله عنهُ قال: قال: بال أعرابيٌ في المسجد، فقام الناسُ إليه ليقعوا فيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((دعوهُ وأريقُوا على بوله سجلاً من ماءٍ، أو ذنوباً من ماءٍ، فإنما بُعثتم ميسرين ولم تبعثوا مُعسرين)) رواه البخاري.

"السجل" بفتح السين المهملة وإسكان الجيم: وهي الدلو المُمتلئة ماءً، وكذلك الذنوبُ.

[الشَّرْحُ]

ساق المؤلف رحمه الله في باب الحلم والأناة والرفق في كتابه رياض الصالحين، حديث أبي هريرة رضي الله عنه؛ أن أعرابياً بال في المسجد.

أعرابي: يعني بدوي؛ والبدوي في الغالب لا يعرف أحكام الشرع؛ لأنه يعيش في البادية في إبله أو في غنمه، وليس له علم بشريعة الله، كما قال الله تعالى: (الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ) (التوبة: ٩٧) ، يعني أقرب ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله، لأنهم في باديتهم بعيدون عن الناس وعن العلم والشرع.

هذا الأعرابي دخل المسجد واحتاج إلى أن يبول، فبال في طائفة المسجد، أي تنحى وبال في المسجد، فهمّ الناس به أن يقعوا فيه وزجروه، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لهم: ((دعوه)) دعوه يقضي بوله، ((وأريقوا على بوله سجلاً من ماء أو ذنوباً من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)) فتركه الناس.

فلما قضى بوله صبّوا عليه ذنوباً من الماء، يعني دلواً من الماء، فطهر المحل، وزال المحذور، ثم دعا بالأعرابي وقال له: " إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من الأذى أو القذر، وإنما هي للصلاة وقراءة القرآن، والتكبير" أو كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم.

ففي هذا الحديث فوائد كثيرة:

منها: العذر بالجهل، وأن الإنسان الجاهل لا يعامل كما يعامل العالم؛ لأن العالم معاند، والجاهل متطلع للعلم فيعذر بجهله، ولهذا عذره النبي صلى الله عليه وسلم ورفق به.

ومنها: أن الشرع يقتضي دفع أعلى المفسدتين بأدناهما، يعني إذا كان هناك مفسدتان ولابد من ارتكاب أحدهما؛ فإن يرتكب الأسهل.

فهنا أمامنا مفسدتان:

الأولى: استمرار هذا الأعرابي في بوله، وهذه مفسدة.

والثانية: إقامته من بوله، وهذه مفسدة أيضاً، لكن هذه أكبر؛ لأن هذه يترتب عليها.

أولاً: الضرر على هذا البائل؛ لأن البائل إذا منع البول المتهيىء للخروج ففي ذلك ضرر، فربما تتأثر مجاري البول ومسالك البول.

ثانياً: أنه إذا قام فإما أن يقطع رافعاً ثوبه؛ لئلا تصيبه قطرات البول، وحينئذٍ تكون القطرات منتشرة في المكان، وربما تأتي على أفخاذه ويبقى مكشوف العورة أمام الناس وفي المسجد، وإما أن يدلي ثوبه، وحينئذٍ يتلوث الثوب ويتلوث البدن وهذه أيضاً مفسدة.

فلهذا ترك النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرجل يبول حتى انتهى، ثم أمر بأن يصب عليه ذنوباً من ماء.

وعلى هذا فيكون لدينا قاعدة: إذا اجتمعت مفسدتان لابد من ارتكاب إحداهما، فإنه يرتكب الأسهل والأخف، دفعاً للأعلى، كما إنه

إذا اجتمعت مصالح ولا يمكن فعل جميعها، فإنه يؤخذ بالأعلى فالأعلى، ففي المصالح يقدم الأعلى، وفي المفاسد يقدم الأسهل والأدنى.

ومن فوائد هذا الحديث: وجوب تطهير المسجد وأنه فرض كفاية؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((أريقوا على بوله سجلاً من ماء)) فيجب على من رأى نجاسة في المسجد أن يطهرها بنفسه، أو يبلغ من هو معني بالمسجد ومسؤول عنه حتى يقوم بتطهيرها.

ومنها: اشتراط طهارة مكان المصّلي، فالمصلّي يجب عليه أن يطهر ثوبه وبدنه ومكان صلاته، لابد من ذلك سواءً كانت أرضاً أو فراشاً أو غير ذلك، المهم أنه لابد من طهارة مكان المصلي.

ومنها: أن الأرض يكفي في تطهيرها أن يصب على النجاسة ماء مرة واحدة، فإذا عمرت بالماء طهرت، لكن إن كانت النجاسة ذات جرم كالغائط والروث وما أشبهها؛ فلابد من زوال هذا الجرم، وبعدها يطهر المحل بصب ماءٍ عليه.

ومنها: أنه لابد من الماء في تطهير النجاسة؛ لقوله:: ((أريقوا على بوله سجلاً من ماء)) وأن النجاسة لا تطهر بغير الماء، وهذا ما عليه أكثر العلماء.

والصحيح أن النجاسة تطهر بكل ما يزيلها من ماء أو بنزين، أو غيره، وإنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بصب الماء على مكان البول؛ لأنه أسرع في تطهير المكان، وإلا فمن الممكن أن يبقى المكان لا يصب عليه الماء، ثم مع الرياح والشمس تزول النجاسة ويطهر، لكن هذا أسرع وأسهل.

ومن المعلوم أنه في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم لا توجد هذه المزيلات الكيماوية أو البترولية، فلذلك كانوا يعتمدون في إزالة النجاسة على الماء، ولكن متى زالت النجاسة طهر المحل بأي مزيل كان؛ لأن النجاسة عين خبيثة نجسة، متى زالت عاد المحل إلى طهارته بأي شيءٍ كان.

ولهذا يطهر البول والغائط بالأحجار؛ يستجمر الإنسان بالحجر ثلاث مرات مع الإنقاء ويكفي.

وثوب المرأة الذي تجره إذا مر بالنجاسة ثم مر بعد ذلك بأرض طاهرة طهرته، وكان من عادة النساء في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أن المرأة إذا خرجت واتخذت ثوباً ضافياً يستر قدميها، وينجر من ورائها إلى شبر أو شبرين أن ذراع، ولكن لا يزيد على ذراع. هذا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، عهد النساء الطاهرات في الزمن الطاهر، فما بالك اليوم؟!

لكن مع الأسف أن المسلمين اليوم لا ينظرون إلى من سلف من هذه الأمة، ولكنهم ينظرون إلى من تأخر من هذه الأمة؛ إلى الخلف الذين قال الله فيهم: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً) (مريم: ٥٩) .

أصبحنا ننظر الآن إلى من خلف بل ننظر إلى ما دون ذلك؛ ننظر إلى أعدائنا؛ إلى اليهود والنصارى والمجوس والوثنيين وما أشبه ذلك، فنقتدي بهم في مثل هذه الألبسة، فترى النساء الآن كلما جاءت المجلة التي يسمونها البردة، ذهبن ينظرن إليها، ثم تذهب المرأة وتفعل مثل ما فعلوا.

وأقول: يجب على أولياء الأمور أن يمنعوا من تداول هذه المجلات،

وهذه البردات بين أيدي النساء؛ لأن المرأة ضعيفة؛ ضعيفة العقل وضعيفة الدين كما وصفها بهذا الرسول صلى الله عليه وسلم: ((ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن)) فتغتر وتنخدع بهذه المظاهر.

وكثيرٌ من الرجال مع الأسف الشديد هم رجال في ثياب رجال وإلا فهم نساء، التدبير للنساء عليهم، وهن القوامات عليهم، عكس ما أمر الله: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) (النساء: ٣٤) ، لكن أصبح الآن في كثير من الناس النساء قوامات على الرجال، هي التي تدبر الرجل، وهي التي تلبس ما شاءت، وتفعل ما شاءت، ولا تبالي بزوجها ولا بوليها.

فالواجب على الأولياء أن يمنعوا من تداول هذه المجلات التي تأتينا بهذه الأزياء البعيدة عن الزي الإسلامي، فالنساء في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إذا خرجن إلى السوق لبسن ثياباً طويلة حتى لا تبدو أقدامهن.

وأما في البيوت فكما يقول شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله: المرأة في بيتها في عهد الرسول عليها لباس يستر من كف اليد إلى كعب الرجل، وهي في البيت، ليس عندها إلا النساء أو رجال محارم، ومع ذلك تتستر من الكف إلى الكعب، كلها متسترة.

وبهذا نعرف فساد تصور من تصور قول الرسول صلى الله عليه وسلم لا تنظر المرأة إلى عورة المرأة، أن المرأة يجوز لها أن تقتصر في لباسها على لباسٍ يستر ما

بين السرة والركبة، يردن أن تخرج المرأة كاشفة كل بدنها إلا ما بين السرة والركبة، فمن قال هذا؟!

إن الرسول صلى الله عليه وسلم يخاطب الناظرة لا اللابسة يقول: ((لا تنظر المرأة إلى عورة المرأة)) ، يعني ربما تكون اللابسة قد كشفت ثوبها لقضاء حاجة من بول أو غائط، فيقول لا تنظر لعورتها، لم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم للمرأة أن تلبس ما يستر ما بين السرة والركبة فقط، من توهّم هذا فإنه من وحي الشيطان، ولننطر كيف كانت النساء في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم تلبس الثياب.

لذلك يجب أن نصَّحح هذا المفهوم الذي تدندن به كل امرأة ليس عندها فهم، وليس عندها نظر لمن سبق، نقول لها: هل تظنين أن الشرع الإسلامي يبيح للمرأة أن تخرج بين النساء ليس عليها إلا سروال قصير يستر ما بين السرة والركبة، فمن قال إن هذا هو الشرع الإسلامي؟ ومن قال إن هذا هو معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تنظر المرأة إلى عورة المرأة)) من قال هذا؟!

والرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((ولا الرجل إلى عورة الرجل)) ومع ذلك كان الرجال في عهده يلبسون رداءً وإزاراً، ويلبسون قميصاً، ولا يلبسون إزاراً فقط.

حتى أن الرجل الفقير الذي طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يزوجه المرأة التي وهبت نفسها للرسول ولم يردها، قال: زوجنيها، قال: ((ما معك من صداق)) قال: إزاري، لأنه فقير، كيف يكون الإزار مهراً للمرأة إن

أعطيتها أياه بقيت بلا إزار، وإن بقي عليك بقيت بلا مهر؟! ارجع فالتمس ولو خاتماً من حديد ولكنه لم يجد. فلم يكونوا - وهم الرجال- يقتصرون على ما بين السرة والركبة أبداً.

والحاصل أن العلم يحتاج إلى فقه، ويحتاج إلى نظر في حال الصحابة رضي الله عنهم؛ كيف فهموا النصوص فنطبقها، حتى دول الغرب الكافرة الآن أكثرهم يلبس ما يستر الصدر والفخذين، ولم يفهم أحد من هذا الحديث أن المعنى للمرأة ان تبقى مكشوفة البدن إلا ما بين السرة والركبة، ما فهم هذا أحدٌ أبداً.

فالحاصل أن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل ذيل المرأة - أي طرف ثوبها الذي يمشي على الأرض- إذا التقى بنجاسة ثم مرت على أرض طاهرة فإن الطاهر يطهره، فدل ذلك على أن النجاسة تطهر بكل ما يزيلها من ماء وغيره.

ومن فوائد حديث الأعرابي: حسن خلق الرسول صلى الله عليه وسلم، وتعليمه، ورفقه، وأن هذا هو الذي ينبغي لنا إذا دعونا إلى الله، أو أمرنا بمعروف، أو نهينا عن منكر أن نرفق؛ لأن الرفق يحصل به الخير، والعنف يحصل به الشر، ربما إذا عنفت أن يحصل من قبيلك ما يسمونه برد الفعل ولا يقبل منك شيئاً، يرد الشرع من أجلك، لكن إذا رفقت وتأنيت فهذا هو الأقرب إلى الإجابة.

ومنها: أن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل هذه الأمة مبعوثة، فقال: ((فإنما بعثتم)) مع أن المبعوث هو، لكن أمته يجب أن تقوم مقامه في الدعوة إلى دينه

صلى الله عليه وسلم، وأن يكون الإنسان كأنه المبعوث وكأنه الرسول في تبليغ الشرع، ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((ليبلغ الشاهد منكم الغائب)) فنحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم علينا أن نبلغ شرعه إلى جميع الناس، ولهذا قال: ((إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)) .

وفي هذا الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما كلم الأعرابي بهذا اللطف واللين، وقال إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيءٌ من الأذى والقذر، قال الأعرابي: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً، انظر كيف انشرح صدره بكلام محمد صلى الله عليه وسلم.

أما الجماعة من الصحابة رضي الله عنهم لما أغضبوه وانتهروه- وهو أعرابي لا يعرف- رأى أن الجنة والرحمة تكون له ولمحمد، وغيرهما لا يرحمون، وليته قال اللهم ارحمني ومحمداً وسكت، بل قال ولا ترحم معنا أحداً، فتحجر الرحمة، لكنه جاهل، والجاهل له حكمه.

فالحاصل أن الإنسان ينبغي له أن يرفق في الدعوة، وفي الأمر، وفي النهي. وجربوا وانظروا أيهما أصلح، ونحن نعلم علم اليقين أن الاصلح هو الرفق؛ لأن هذا هو الذي قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو الذي أتبعه في هديه صلى الله عليه وسلم، والله الموفق.

* * *

٦/٦٣٧- وعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يسروا ولا تُعسروا، وبشروا ولا تنفروا)) متفق عليه.

[الشَّرْحُ]

هذا الحديث ذكره النووي رحمه الله في باب الحلم والرفق والأناة في كتابه رياض الصالحين، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا)) .

هذه أربع جمل: الأولى قوله: ((يسروا)) يعني اسلكوا ما فيه اليسر والسهولة سواء كان فيما يتعلق بأعمالكم أو معاملاتكم مع غيركم، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم من هديه أنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس عنه.

فاختر الأيسر لك في كل أحوالك، في العبادات، في المعاملات مع الناس، في كل شيء؛ لأن اليسر هو الذي يريده الله عزّ وجلّ منا، ويريده بنا: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: ١٨٥) .

فمثلاً إذا كان لك طريقان إلى المسجد؛ أحدهما صعب فيه حصى وأحجار وأشواك والثاني سهل، فالأفضل أن تسلك الأسهل، وإذا كان هناك ماءان وأنت في الشتاء، وكان أحدهما بارد يؤلمك والثاني ساخن

ترتاح له، فالأفضل أن تستعمل الساخن، لأنه أيسر وأسهل، وإذا كان يمكن أن تحج على سيارة أو تحج على بعير والسيارة أسهل، فالحج على السيارة أفضل.

فالمهم أنه كل ما كان أيسر فهو أفضل ما لم يكن إثماً؛ لأن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تقول: كان الرسول صلى الله عليه وسلم ما خير بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً.

أما إذا كان فعل العبادة لا يتأتى إلا بمشقة، وهذه المشقة لا تسقطها عنك ففعلتها على مشقة، فهذا أجر يزداد لك، فإن إسباغ الوضوء على المكاره مما يرفع الله به الدرجات ويكفر به الخطأيا، لكن كون الإنسان يذهب إلى الأصعب مع إمكان الأسهل هذا خلاف الآفضل، فالأفضل اتباع الأسهل في كل شيء.

وانظر إلى الصوم، قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: ((لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر)) ، وفي حديث آخر ((وأخروا السحور)) لماذا؟ لأن تأخير السحور أقوى على الصوم مما لو تقدم، والمبادرة بالفطر أسهل وأيسر على النفس لا سيما مع طول النهار وشدة الظمأ.

فهذا وغيره من الشواهد يدل على أن الأيسر أفضل، فأنت يسِّر على

نفسك.

كذلك أيضاً في مزاولة الأعمال إذا رأيت أنك إذا سلكت هذا العمل فهو أسهل وأقرب ويحصل به المقصود؛ فلا تتعب نفسك في أعمال أخرى أكثر من اللازم وأنت لا تحتاج إليها؛ فافعل ما هو أسهل في كل شيء، وهذه قاعدة: أن اتباع الأسهل والأيسر هو الأرفق بالنفس والأفضل عند الله.

((ولا تعسروا)) يعني لا تسلكوا طرق العسر لا في عبادتكم، ولا في معاملاتكم، ولا في غير ذلك، فإن هذا منهي عنه فلا تعسر، ولهذا لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً واقفاً في الشمس، سأل عنه، قالوا يا رسول الله، هو صائم؛ نذر أن يصوم ويقف في الشمس، فنهاه وقال له لا تقف في الشمس؛ لأن هذا فيه عسر على الإنسان ومشقة، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول لا تعسر.

الجملة الثانية قال: ((وبشروا)) بشروا يعني اجعلوا طريقكم دائماً البشارة، بشروا أنفسكم وبشروا غيركم، يعني إذا عملت عملاً فاستبشر وبشر نفسك، فإذا عملت عملاً صالحاً فبشر نفسك بأنه سيقبل منك إذا اتقيت الله فيه، لأن الله يقول: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (المائدة: ٢٧) ، وإذا دعوت الله فبشر نفسك أن الله يستجيب لك؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم) (غافر: ٦٠) .

ولهذا قال بعض السلف من وفق للدعاء فليبشر بالإجابة؛ لأن الله قال: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم) (غافر: ٦٠) ، فأنت بشِّر نفسك

في كل عمل.

وهذا يؤيده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكره الطيرة ويعجبه الفأل؛ لأن الإنسان إذا تفاءل نشط واستبشر وحصل له خير، وإذا تشاءم فإنه يتحسر، وتضيق نفسه، ولا يقدم على العمل، ويعمل وكأنه مكره، فأنت بشر نفسك، كذلك بشر غيرك، فإذا جاءك إنسان، قال فعلت كذا وفعلت كذا وهو خائف فبشره، وأدخل عليه السرور.

لا سيما في عيادة المريض؛ فإذا عدت مريضاً فقل له أبشر بالخير، وأنت على خير، ودوام الحال من المحال، والإنسان عليه أن يصبر ويحتسب ويؤجر على ذلك، وما أشبه ذلك، وبشره قائلاً: أنت اليوم وجهك طيب، وما أشبه ذلك؛ لأنك بهذا تدخل عليه السرور، وتبشره، فاجعل طريقك هكذا فيما تعامل به نفسك وفيما تعامل به غيرك، الزم البشارة، وأدخل السرور على نفسك، وأدخل السرور على غيرك، فهذا هو الخير.

((ولا تنفروا)) يعني لا تنفروا الناس عن الأعمال الصالحة، ولا تنفروهم عن الطرق السليمة؛ بل شجعوهم عليها، حتى في العبادات لا تنفروهم.

ومن ذلك أن يطيل الإمام بالجماعة أكثر من السنة، فإن معاذ بن جبل رضي الله عنه كان إذا صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء، ذهب إلى قومه فصلى بهم تلك الصلاة، فدخل يوماً من الأيام في الصلاة، فشرع في سورةٍ طويلة، فانصرف رجلٌ وصلى وحده، فقيل نافق فلان، فذهب الرجل

للنبي صلى الله عليه وسلم ثم إن معاذاً أتى إلى رسول الله عليه الله عليه وسلم، فقال له: ((أفتان أنت يا معاذ)) .

وكذلك الرجل الآخر قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إن منكم منفرين فأيكم أمَّ الناس فليخفف)) .

فالتنفير لا ينبغي؛ فلا تنفر الناس بل لِنْ لهم، حتى في الدعوة إلى الله عزّ وجلّ لا تدعُهم إلى الله دعوة منفر، لا تقل إذا رأيت إنساناً على خطأ: يا فلان أنت خالفت، أنت عصيت، أنت فيك. إلى آخر، هذا ينفرهم، ويزيدهم في التمادي في المعصية، ولكن ادعهم بهونٍ ولين حتى يألفك ويألف ما تدعو إليه، وبذلك تمتثل أمر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ((بشروا ولا تنفروا)) .

فخذ هذا الحديث أيها الأخ، خذه رأس مالٍ لك ((يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا)) سر إلى الله عزّ وجلّ على هذا الأصل، وعلى هذا الطريق، وسر مع عباد الله على ذلك تجد الخير كله، والله الموفق.

* * *

٧/٦٣٨- وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من يحرم الرفق يحرم الخير كُله)) رواه مسلم.

٨/٦٣٩- وعن أبي هريرة رضي الله عنهُ أن رجلاٌ قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني: قال: ((لا تغضب)) فردد مراراً: قال: ((لا تغضب)) رواه البخاري.

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف رحمه الله حديثاً فيه الأمر بالرفق والحث عليه، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من يحرم الرفق يحرم الخير كله)) يعني أن الإنسان إذا حرم الرفق في الأمور فيما يتصرف فيه لنفسه، وفيما يتصرف فيه مع غيره، فإنه يحرم الخير كله أي فيما تصرف فيه، فإذا تصرف الإنسان بالعنف والشدة فإنه يحرم الخير فيما فعل

وهذا شيء مجرب ومشاهد أن الإنسان إذا صار يتعامل بالعنف والشدة؛ فإنه يحرم الخير ولا ينال الخير، وإذا كان يتعامل بالرفق والحلم والأناة وسعة الصدر؛ حصل على خيرٍ كثير، وعلى هذا فينبغي للإنسان الذي يريد الخير أن يكون دائماً رفيقاً حتى ينال الخير.

إما حديث أبي هريرة؛ فهو أن رجلاً قال يا رسول الله، أوصنى، قال ((لا تغضب)) فردد مراراً وهو يقول: أوصنى، فقال: ((لا تغضب)) والمعنى لا تكن سريع الغصب يستثيرك كل شيء؛ بل كل شيء؛ بل كن مطمئناً

متأنياً؛ لأن الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب الإنسان حتى يغلي القلب، ولهذا تنتفخ الأوداج؛ عروق الدم، وتحمر العين، ثم ينفعل الإنسان حتى يفعل شيئاً يندم عليه.

وإنما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرجل ألا يغضب دون أن يوصيه بتقوى الله أو بالصلاة أو بالصيام أو ما أشبه ذلك؛ لأن حال هذا الرجل تقتضي ذلك، ولهذا أوصى غيره بغير هذا الشيء؛ أوصى؟ أبا هريرة أن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وأن يوتر قبل أن ينام، وأوصى أبا الدرداء بمثل ذلك، أما هذا فأوصاه ألا يغضب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم علم من حاله أنه غضوب كثير الغضب، فلذلك قال لا تغضب.

والغضب يحمل الإنسان على أن يقول كلمة الكفر، على أن يطلق زوجته، على أن يضرب أمه، على أن يعق أباه، كما هو مشاهد ومعلوم، ثم تجد الإنسان من حين أن يتصرف يبرد ثم يندم ندماً عظيماً، وما أكثر الذين يسألون: غضبت علي زوجتي فطلقت، غضبت عليها فطلقتها بالثلاثة، غضبت علي فلانة فحرمت عليه، وما أشبه ذلك، فأنت لا تغضب. لا تغضب، فإن الغضب لا شك أنه يؤثر على الإنسان حتى يتصرف تصرف المجانين.

ولهذا قال بعض العلماء: إن الإنسان إذا غضب غضباً شديداً حتى لا يدري ما يقول؛ فإنه لا عبرة بقوله، ولا أثر لقوله؛ إن كان طلاقاً فإن امرأته لا تطلق، وإن كان دعاءً فإنه لا يستجاب؛ لأنه يتكلم بدون عقل وبدون تصور. نسأل الله لنا ولكم العافية والسلامة.

٩/٦٤٠- وعن أبي يعلى شداد بن أوسٍ رضي الله عنهُ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله كتب الإحسان على كل شيءٍ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدُكم شفرته، وليرح ذبيحتهُ)) رواه مسلم.

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف النووي -رحمه الله تعالى- في كتابه رياض الصالحين في باب الحِِلم والرفق والأناة في سياق الأحاديث الواردة في ذلك، نقل عن شداد بن أوس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة)) .

كتبه على كل شي: يعني في كل شيء كتب الإحسان في كل شيء، يعني أن الله عزّ وجلّ شرع الإحسان في كل شيء، حتى في القتل، وحتى في الذبح، وفي غير ذلك من الأمور. عليك أن تكون محسناً لما تقوم به.

((فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة)) . وذلك لأن إزهاق النفوس يكون بالقتل أحياناً، وبالذبح أحياناً.

فالذبح والنحر يكون فيما يحل أي: فيما يؤكل، ويكون النحر للإبل، والذبح فيما سواها، والنحر يكون في أسفل الرقبة مما يلي الصدر، والذبح يكون في أعلى الرقبة مما يلي الرأس، ولابد في الذبح والنحر من قطع الودجين، وهما العرقان الغليظان اللذان يجري منهما الدم ويتوزع

على بقية البدن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا)) "

ولا ينهر الدمَ إلا قطعُ الودجين، فالشرط في حل المذكى أو المنحور أن يقطع الودجان، أما الحلقوم الذي هو مجرى النفس، والمريء الذي هو مجرى الطعام، فقطعهما أكمل في الذبح والنحر، ولكن لي ذلك بشرط.

وأما القتل فيكون فيما لا يحل أكله، فيما أمر بقتله، وفيما أبيح قتله، ومما أمر بقتله الفأر كذلك العقرب، وكذلك الحية، وكذلك الكلب العقور، فتقتل هذه الأشياء، وكذلك كل مؤذٍ فإنه يقتل.

وعند العلماء قاعدة تقول: ما آذى طبعاً قتل شرعاً، يعني ما كان طبيعته الأذى فإنه يقتل شرعاً، وما لم يؤذ طبعاً ولكن صار منه أذية فلك قتله، لكن هذا الأخير مقيد، فلو آذاك النمل في البيت، وصار يحفر البيت ويفسده فلك قتله وإن كان منهياً عنه في الأصل، لكن إذا آذاك فلك قتله، وكذلك غيره مما لا يؤذي طبعاً ولكن تعرض منه الأذية فاقتله إذا لم يندفع إلا بالقتل. فمثلاً إذا أردت أن تقتل فأرة وقتلها مستحب فأحسن القتلة، أقتلها بما يزهق روحها حالاً، ولا تؤذها، ومن أذيتها ما يفعله بعض الناس حيث

يضع لها شيئاً شيئاً لاصقاً تلتصق به، ثم يدعها تموت جوعاً وعطشاً، وهذا لا يجوز، فإذا وضعت هذا اللاصق؛ فلابد أن تكرر مراجعته ومراقبته، حتى إذا وجدت شيئاً لاصقاً قتلته.

أما أن تترك هذا اللاصق يومين أو ثلاثة وتقع فيه الفارة وتموت عطشاً أو جوعاً، فإنه يخشى عليك أن تدخل النار بذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((دخلت النارَ امرأةٌ في هرة حبستها حتى ماتت لا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض)) .

المهم أن ما يشرع قتله فاقتله بأقرب ما يكون من إهلاكه وإتلافه، ومن ذلك الوزغ الذي يسمى السام الأبرص، ويسمى البرصي أيضاً، اقتله واحرص على أن تقتله بأن يموت في أول مرة، فهو أفضل وأعظم أجراً وأيسر له، وكذلك بقية الأشياء التي تقتل.

ومن ذلك من يقتل قصاصاً، لكن الذي يقتل قصاصاً فإنه يفعل به كما فعل في المقتول، ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع إليه قضية امرأة أتاها يهودي، وكان معها حلي، فقتلها وأخذ الحلي، لكن كيف قتلها، وضع رأسها على حجر وقتلها بالحجر الثاني، فرض رأسها بين حجرين. فأُتي إليها وفيها رمق من حياة، فقيل لها من قتلك؟ فلان، فلان، فلان، حتى ذكروا اليهودي فأشارت برأسها أن نعم، فأخذوا اليهودي

فاعترف، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يرضّ رأسه بين حجرين، فوُضع رأسه على حجر ثم ضرب بالحجر الثاني حتى مات؛ لأن هذا قصاص، والله عزّ وجلّ يقول: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (البقرة: ١٩٤) .

لكن لو وجب قتله بالحرابة، يعني أنه صار يقطع الطريق على الناس، يأخذ الأموال، ويقتل الناس، فهذا يقتل، لكن يقتل بالسيف إلا إذا كان قد مثل بمن قتله فيمثل به حسب ما فعل، يفعل به كما فعل.

فإن قال قائل: ما تقولون في الرجل إذا زنا وهو محصن فإنه يرجم بالحصى، أي بالحجر الصغير حتى يموت، وهذا يؤلمه ويؤذيه قبل أن يموت فهل يعارض ذلك هذا الحديث؟

فالجواب لا. لا يعارضه؛ لأنه يحمل على أحد أمرين:

الأول: إما أن يراد بإحسان القتلة ما وافق الشرع، وحينئذٍ يكون الرجم من إحسان القتلة؛ لأنه موافق للشرع.

والثاني: إما أن يُقال هذا مستثنى دلت عليه السنة؛ بل دل عليه القرآن الذي نسخ لفظه وبقي حكمه، ودل عليه صريح السنة.

فالزاني المحصن الذي تزوج وجامع زوجته، إذا زنا والعياذ بالله فإنه يؤتى به، وتؤخذ حجارة صغيرة أقل من البيضة ومثل التمرة تقريباً أو أكبر قليلاً يضرب ويرجم حتى يموت، ويتقى المَقاتل يعني لا يضرب في موضع يموت به سريعاً؛ بل يضرب علي ظهره وبطنه وما أشبه ذلك حتى يموت؛ لأن هذا هو الواجب.

والحكمة من هذا أن البدن الذي تلذذ بالشهوة المحرمة، عمَّت

الشهوة جميع بدنه، فمن الحكمة أن تعم العقوبة جميع بدنه، وهذا من حكمة الله عزّ وجلّ.

ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((وليحد أحدكم شفرته)) ، اللام هنا للأمر، ويحد: يعني يجعلها حديدة سريعة القطع، والشفرة السكين.

يعني إذا أردت أن تذبح فاذبح بسكين مشحوذة أي مسنونة، بحيث يكون ذلك أقرب إلى القطع بدون ألم.

((وليرح ذبيحته)) هذا أمر زائد على شحذ الشفرة، وذلك بأن يقطع بقوة، يضع السكين على الرقبة ثم يجرها بقوة، حتى يكون ذلك أسرع من كونه يجرها مرتين أو ثلاث، وبعض الناس يوفقه الله من مرة واحدة حتى يقطع الودجين والحلقوم والمريء؛ لأنه يأخذ السكين بقوة، وتكون السكين جيدة مشحوذة، فليسهل على الذبيحة أو المنحورة الموت.

ومن إراحة الذبيحة أن تضع رجلك على رقبتها، وتمسك الرأس باليد اليسرى وتذبح باليمنى، وحينئذٍ تكون مضجعة على الجنب الأيسر، ودع القوائم اليدين والرجلين وخلِّها تتحرك بسهولة؛ لأنك إذا أمسكت بها فإن هذا ضغط عليها، وإذا تركتها تتحرك بيدها ورجليها كان هذا أيسر لها، وفيه أيضاً فائدة وهي تفريغ الدم بهذه الحركة؛ لأنه مع الحركة والاضطراب يتفرغ الدم أكثر، وكلما تفرغ فهو أحسن.

وأما ما يفعله بعض العامة من أنه يأخذ بيدها اليسرى ويلويها على عنقها، ثم يبرك على قوائمها الثلاث رجل ويمسك بها حتى لا تتحرك أبداً؛ فهذا خلاف السنة، السنة أنك تضع الرجل على الرقبة ثم تدع القوائم

تتحرك؛ لأن ذلك أيسر لها وأشد فراغاً أو تفريغاً للدم.

فالشاهد من هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة)) فإن هذا من الرفق.

ولننتبه إذا قتل الإنسان بحدٍّ، يعني قتل وهو زانٍ أو قتل قصاصاً، فإنه يصلى عليه، ويدعى له بالرحمة والعفو مثل سائر المسلمين، لعل الله أن يعفو عنه ويرحمه.

أما من قُتل كافراً مرتدّاً فإنه لا يدعى له بالرحمة، ولا يغسل. مثل أن يقتل إنسان لا يصلى، فإنه يقتل مرتداً كافراً، هذا لا يغسل ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن مع المسلمين، ولا يدعى له بالرحمة، ومن دعا له بالرحمة فإنه آثم متبع غير سبيل المؤمنين؛ لقول الله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) (التوبة: ١١٣) .

📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي

بنفسه) قال العاقولي: الباء فيه للتعدية: أي يرفع نفسه ويعتقدها عظيمة مرتفعة المقدار على الناس، ويجوز أن تكون للمصاحبة: أي يرافقها ويوافقها على ما تريد من الاستعلاء ويعززها ويكرمها كما يكرم الخليل الخليل حتى تصير متكبرة. وفي الأساس ذهب به فرّ مع نفسه، ومن المجاز ذهب به الخيلاء اهـ (حتى يكتب في الجبارين) أي من جملتهم ومندرجاً غمارهم (فيصيبه ما أصابهم) أي من العذاب، وأتى به بلفظ ما الموصولة تفظيعاً في الوعيد (رواه الترمذي) في البر والصلة (وقال: حديث حسن. يذهب بنفسه: أي يرتفع ويتكبر) سكت عن الكلام على الباء وقد علمته.

٧٣ - باب حسن الخلق

بضم المعجمة واللام وقد تسكن تخفيفاً، وحسن الخلق: ملكة بالنفس يقتدر بها على صدور الأفعال الجميلة بسهولة، واختلف هل هو غريزي، أو كسبي؟

(قال الله تعالى) : ( {وإنك لعلى خلق عظيم} ) سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلقه فقالت: كان خلقه القرآن: أي آدابه وأوامره. وقال عليّ: الخلق العظيم آداب القرآن. وعبر ابن عباس عن الخلق بالدين والشرع، وذلك لا محالة رأس الخلق ووكيده، إما أن الظاهر من الآية أن الخلق الذي أثنى تعالى عليه به فهو كرم السجية وبراعة القريحة والملكة الجميلة وجودة الضرائب، ومنه قوله «بعثت لأتمم مكارم الأخلام» وقال الجنيد: سمى خلقه عظيماً إذ لم يكن همه سوى الحق سبحانه عاشر الخلق يخلقه وزايلهم بقلبه، فكان ظاهره مع الخلق وباطنه مع الحق. وفي وصية الحكماء: عليك بالخلق مع الخلق وبالصدق مع الحق وحسن الخلق خير كله. وقيل وصف خلقه بالعظم إشارة إلى أنه كان يؤدي كل مقام من رفق وغلظ حقه، فكان بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً، وكان يغلظ على الكفار وينتقم لله سبحانه.

(وقال تعالى)

( {والكاظمين الغيظ} ) الكافين عن إمضائه مع القدرة عليه ( {والعافين} ) التاركين ( {عن الناس} ) عقوبة استحقوها قبلهم ( {والله يحبّ} ) أي يثيب ( {المحسنين} ) إشارة إلى أن هؤلاء في مقام الإحسان.

١٦٢١ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله أحسن الناس خلقاً) كيف وقد قال «أدبني ربي فأحسن تأديبي» (متفق عليه) وعندهما من حديث البراء بن عازب «كان النبيّ أحسن الناس وجهاً وأحسنهم خلقاً» الحديث.

٢٦٢٢ - (وعنه قال: ما مست) بكسر السين وجاء بفتحها: من باب قتل، والمس الإفضاء باليد بلا حائل، هكذا قيدوه، كذا في «المصباح» (ديباجاً) بكسر الدال المهملة وسكون التحتية بعدها موحدة آخره جيم: وهو ثوب سداه ولحمته إبريسم ويقال هو معرّب، واختلف في الياء فقيل زائدة ووزنه فيعال ولذا يجمع على ديابيج، وقيل هي أصل والأصل دباج بالتضعيف فأبدل من أحد الضعفين حرف العلة ولذا ترد في الجمع إلى الأصل فيقال دبابيج بياء موحدة بعد الدار (ولا حريراً) هو الإبريسم وهو هنا من باب الترقي لأنه أنعم من الديباج (ألين من كفّ رسول الله) لا ينافيه ما جاء في صفته أنه شثن الكف والقدمين بالمعجمة والمثلثة، وضبطه الحافظ السيوطي بالمثناة الفوقية بدل المثلثة، وفسره الأصمعي بالغلظ مع الخشونة، فأورد عليه أنه جاء في صفته عند البخاري وغيره أنه لين الكف، فحلف أن لا يفسر شيئاً في الحديث، إما أن ذلك تفسير لشثنها لا في خصوص هذا الحديث والمراد منه فيه ميلها إلى الغلظ من غير قصر ولا خشونة: أي غلظ العضو لا خشونة الجلد وهذا محمود في الرجال كما في «النهاية» ، لأنه أشد لقبضهم لا في النساء، وإما لأن المراد اللين بحسب أصل الخلق والخشونة لعارض عمل أو سفر. والكفّ هي الراحة مع الأصابع، سميت

بذلك لأنها تكفّ الأذى عن البدن وهي مؤنثة. وقال ابن الأنباري: زعم من لا يوثق به أنها مذكر ولا يعرف تذكيرها عمن يوثق بعلمه، وأما كفّ مخضب فعلى معنى ساعد مخضب (ولا شممت) من باب تعب وشم يشم من باب قتل في لغة (رائحة قط) بفتح القاف وتشديد الطاء المهملة المضمومة: أي في زمن من الأزمنة الماضية (أطيب من رائحة رسول الله) وهي له عرض لازم غير منفك ومن ذاته غير مستمدّ من شيء خارج (ولقد خدمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين) هي مدة توطنه المدينة بعد هجرته إليها جاء به أهله إليه ليخدمه فأخدمه (فما قال لي قط أفّ) هو صوت دلّ على التضجر وهو مبنى على الكسر

والتنوين للتنكير، ومن فتح فعلى التخفيف وفيها لغات عديدة تقدمت الإشارة إليها، وفي ذلك حفظ أنس من الأفعال المحظورة، إذ لو وقعت منه لما سكت على شيء منها (ولا قال لشيء فعلته) جليلاً كان أو حقيراً كما يؤذن به تنكير شيء في سياق النفي (لم فعلته) سؤال عن سبب الفعل والباعث عليه (ولا لشيء لم أفعله ألا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام أداة عرض (فعلت كذا) وذلك منه كما تسليم منه لمولاه سبحانه وشهود لما يصدر من أقداره في عالم الشهادة، وأن ما ترك ولم يظهر مما لم يرد الله عدم ظهوره لا سبيل لظهوره فلا فائدة لطلب حصول ما لم يحصل ولا للسؤال عن السبب الحامل. وفيه كمال حسن خلقه، فإن شأن المجاورة والمخالطة تقتضي السؤال عن ذلك، ولكن حسن خلقه حمله على ألا يسأل عما وقع من خادمه (متفق عليه) .

٣٦٢٣ - (وعن الصعب) بتشديد المهملة الأولى وسكون الثانية آخره موحدة (ابن جثامة) بفتح الجيم وتشديد المثلثة، واسم جثامة يزيد بن قيس بن عبد الّله بن يعمر بن عوف بن عامر ابن ليث الليثي الحجازي، توفي (رضي الله عنه) في خلافة الصديق رضي الله عنه كذا في «التهذيب» للمصنف وفي «المستخرج المليح» لابن الجوزي، روى له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ـ

ستة عشر حديثاً، أخرج له في الصحيحين حديثان متفق عليهما وأحدهما يجمع حديثين للبخاري أحد الحديثين وما سوى ذلك متفق عليه (قال: أهديت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حماراً وحشياً) وهو أحد ما روي في هديته كما بينه الحافظ في أواخر الحج من «الفتح» (فرده عليّ) لأن المحرم لا يتعرض للصيد بوجه (فلما رأى ما في وجهي) من الأثر الناشيء فيه عن رد هديته فإن ذلك يكسر في نفس المهدي (قال: إنا لم نرده) بضم الدال على الأفصح إتباعاً لحركة الضمير، وقول القاضي بوجوب الضم فيه حينئذ رده المصنف في «شرح مسلم» بأنه أفصح، وإلا فيجوز فيه الكسر بضعف، والفتح هو أضعف منه، وممن ذكره ثعلب في الفصيح لكن غلطوه لكونه يوهم فصاحته ولم ينبه على ضعفه (عليك إلا لأنا حرم) بضمتين أي محرمون (متفق عليه) أخرجه البخاري في الحج وفي الهبة، ولفظه في الهبة «فلما رأى في وجهي» بإسقاط «ما» وأخرجه مسلم في الحج ورواه الترمذي فيه وقال: حسن صحيح، والنسائي وابن ماجه في الحج من «سننهما» .

٤٦٢٤ - (وعن النواس) بفتح النون وتشديد المهملة آخره سين مهملة (ابن سمعان) بفتح السين وكسرها، تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) مع الكلام على حديثه في باب الورع وترك الشبهات (قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن البر) أي الطاعة (والإثم) أي المعصية لأنها سببه (فقال البرّ) أي معظمه (حسن الخلق) وذلك لأنه يقتدر به صاحبه على محاسن الأفعال وترك رذائل الأعمال وهذا وضع الشريعة (والإثم ما حاك) بالمهملة أي تردد (في نفسك) أن تفعله لداعية النفس لفعله أو تتركه لكراهة النفس له لعدم وضوح جوازه شرعاً (وكرهت أن يطلع عليه الناس) أي فيعبرونه بفعله فإن النفس بطبعها تحب المدحة وتكره

المذمة (رواه مسلم) في البر والصلة.

٥٦٢٥ - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص) كذا فيما وقفت عليه بحذف الياء، وتقدم أن الأفصح إثباتها في مثله من كل منقوص حذفت لامه تخفيفاً (رضي الله عنهما قال: لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاحشاً) أي ليس ذا فحش في كلامه وأفعاله. والفحش ما يشتد قبحه من الأقوال والأفعال (ولا متفحشاً) أي متكلف ذلك ومتعمده (وكان يقول: إن من خياركم) عند البخاري «من أخيركم» بإثبات الألف في رواية وبحذفها في رواية الأصيلي، والأولى هي الأصل إلا أنهم تركوه غالباً فيها وفي شر (أحسنكم أخلاقاً) وذلك لما تقدم من دعاء حسن الخلق إلى المحاسن والانكفاف عن المساوي، ومن كان كذلك فلا شك في كونه من الخيار والأخيار، وقيل المراد منه هو لأنه أحسن خلقاً فيكون عاماً مراداً به خاص، والأول لما فيه من التهييج على التخلق بذلك أنسب (متفق عليه) أخرجه البخاري في صفة النبيّ وفي الأدب، وأخرجه مسلم في الفضائل، ورواه الترمذي في البرّ وقال: حسن صحيح.

٦٦٢٦ - (وعن أبي الدرداء) تقدمت ترجمته وبيان اسمه (رضي الله عنه) في باب ملاطفة اليتيم (أن النبي قال: ما من) مزيدة لتأكيد العموم المستفاد من (شيء) لكونه نكرة في سياق النفي وهو اسم ما وخبرها (أثقل في ميزان العبد المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق) وهذا الحديث ظاهر في أن نفس العمل بوزن بأن يجسد. وتجسد المعاني جائز كما جاء «يؤتى بالموت في صورة كبش» الحديث. وقد اختلف على ذلك في أقوال: ثانيها أن الموزون

الأعمال. ثالثها الموزون نفس العمل. وفي التقييد بالمؤمن إيماء إلى أن الكافر لا يوزن عمله لأنه لا طاعة له لتوزن في مقابلة كفره، وهو أحد قولين في ذلك أيضاً. وفيه إشارة إلى سوء خلق الكافر، وذلك لأنه ترك عبادة خالق كل شيء إلا عبادة من لا يخلق من شيء (وإن الله يبغض) بضم التحتية من الإبغاض، قال في «المصباح» : ولا يقال بغضته بغير ألف ويقال أبغضته فهو مبغض وبغضه الله بتشديد الغين فأبغضوه: أي لا يثنى عليه في عالم الملكوت خيراً أو لا يثيبه أو لا يوفقه (الفاحش البذيء. رواه الترمذي) في البر والصلة من «جامعه» (وقال: حديث صحيح) وفي «الجامع الصغير» بعد ذكر الحديث بلفظ «ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق» رواه أحمد وأبو داود. وعن أبي الدرداء بلفظ «ما من شيء يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق، وإن صاحب الخلق الحسن ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة» رواه الترمذي عن أبي الدرداء (البذي) بفتح الموحدة وكسر المعجمة وتشديد التحتية على وزن فعيل من بذا يبذو وبذاء بالفتح والمد: سفه وأفحش في منطقة وإن كان كلامه صدوقاً، كذا في «المصباح» (هو الذي يتكلم بالفحش) أي الخارج عن الاعتدال من القول (ورديء الكلام) وقال العاقولي: البذي هو السىء الخلق، وهو ملازم لما قبله لأن الفحش إنما يصدر عنه.

٧٦٢٧ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله عن أكثر ما يدخل الناس الجنة) أي من الأعمال والأقوال والأحوال (فقال: تقوى الله وحسن الخلق) قال ابن القيم: جمع بينهما لأن تقوى الله تصلح ما بين العبد وبين ربه، وحسن الخلق يصلح ما بينه وبين خلقه (وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال: الفم والفرج) وذلك لأنه يصدر من الفم الكفر والغيبة والنميمة ورمي الغير في المهالك وإبطال الحق وإبداء الباطل وغير ذلك مما أشار إليه الشارع بقوله «وهل يكبّ الناس على وجوههم/ أو قال على مناخرهم إلا

حصائد ألسنتهم» وبقوله «وإن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين خريفاً» والفرج يصدر منه الزنى واللواط (رواه الترمذي) في أبواب الصبر والصلة (وقال: حديث حسن صحيح) .

٨٦٢٨ - (وعنه قال: قال رسول الله: أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً) وقد تقدم حديث «البرّ حسن الخلق» فكلما كان العبد أحسن أخلاقاً كان أكمل إيماناً. وفيه دليل زيادة الإيمان ونقصانه (وخياركم) أي عند الله سبحانه (خياركم) أي في الظاهر (لنسائهم) وذلك بالبشاشة وطلاقة الوجه وكفّ الأذى وبذل الندى والصبر على إيذائها، فالتغاير بين المسند إليه والمسند حاصل (رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح) وأورده في «الجامع الصغير» بلفظ «إن أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً وألطفهم بأهله» وقال: رواه الترمذي والحاكم في «مستدركه» عن عائشة، وقد تقدم الحديث مع شرحه في باب الوصية بالنساء.

٩٦٢٩ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه) الباء فيه سببية، قال العاقولي: قيل هو بسط الوجه وبذل الندى وكفّ الأذى، وقيل هو ألا يخاصم ولا يخاصم من شدة معرفته بالله تعالى. وقال سهل: أدنى حسن الخلق الاحتمال وترك المكافأة والرحمة للظالم والاستغفار له والشفقة عليه: أي ليبلغ بحسن خلقه الداعي له إلى التحلي بالمحامد والتخلي عن المذامّ (درجة الصائم القائم)

أي أعلى الدرجات، فإن أعلى درجات الليل درجات القائم في التهجد، وأعلى درجات النهار درجات الصائم في حرّ الهواجر (رواه أبو داود) وكذا أخرجه ابن حبان في «صحيحه» كما في «الجامع الصغير» .

١٠٦٣٠ - (وعن أبي أمامة) بضم الهمزة وتخفيف الميمين واسمه صدى بن عجلان (رضي الله عنه قال: قال رسول الله: أنا زعيم ببيت في ربض الجنة) بفتح الراء والموحدة وضاد معجمة: ما حولها خارجاً عنها تشبيهاً بالأبنية التي تكون حول المدينة وتحت القلاع، قاله في «النهاية» (لمن ترك المراء) بالكسر مصدر كالمماراة وهي المجادلة، ويقال ماريته أيضاً: إذا طعنت في قوله تزييفاً للقول وتصغيراً للقائل، ولا يقال المراء إلا اعتراضاً بخلاف الجدال فإن يكون ابتداء واعتراضاً، قاله في «المصباح» (وإن كان محقاً) بضم أوله وكسر المهملة فيما يماري ويجادل: أي وإن كان ذا الحق في نفس الأمر، وذلك لأنه بعد أن يرشد خصمه إليه ويأبى عن قبوله، وليس من طالبي الاستبصار فلا ثمرة للمراء إلا تضييع الوقت فيما هو كالعبث (وببيت في وسط الجنة) الواو عاطفة على ما قبله: أي وأنا زعيم ببيت في وسطها وهو بفتح المهملة: أي متوسطها، ويجوز إسكان المهملة كما في «المصباح» (لمن ترك الكذب) أي الإخبار بخلاف الواقع، والمراد ترك المذموم منه وهو مالا مصلحة راجحة فيه. فيكون عاماً مخصوصاً مما عدا ذلك، إذ قد يكون مندوباً تارة كالكذب للإصلاح بين المتخاصمين وواجباً أخرى، كما إذا تيقن ترتب هلاك معصوم على صدقه بالإخبار عنه، ودليل التخصيص الأحاديث الواردة باستثناء ذلك (وإن كان مازحاً) أي بكذبه غير قاصد به الجد ولا يتناول التعريض فإنه ليس بكذب أصلاً كقول إبراهيم: {إني سقيم} أي سأسقم، وقوله في سارة إنهاأخته: أي باعتبار الإسلام وإطلاق الكذب على ذلك في بعض الأحاديث من مجاز المشاكلة: أي ظاهر صورته ذلك (وببيت في أعلى الجنة) هو ظاهر في أن المراد بوسط الجنة فيما قبله متوسط درجاتها ومنازلها، ففيه شرف كل من ترك الكذب وحسن الخلق على ما

قبله (لمن حسن) بتشديد السين المهملة (خلقه) وفي الإتيان به بصيغة التفعيل إيماء إلى مشقة التخلق بذلك والاحتياج فيه إلى مزاولة للنفس

ورياضة لها (حديث صحيح رواه أبو داود) في الأدب (بإسناد) هو رجال السند (صحيح) أي ولا علة بالمتن ولا شذوذ فلذا صحح المصنف المتن، وإلا فظاهر أنه لا يلزم من صحة الإسناد صحة المتن لجواز عروض شذوذ أو نكارة أو علة فادحة (الزعيم) بوزن عظيم بالزاي والعين المهملة والتحتية (الضامن) ومنه قوله تعالى: {قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم} (يوسف: ٧٢) .

١١٦٣١ - (وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله قال: إن من أحبكم إليّ) أي أكثركم حباً إليّ: أي اتباعاً لسنتي (وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة) أي في الجنة فإنها دار الراحة والجلوس، أما الموقف فالناس فيه قيام لرب العالمين، والنبيّ حينئذ قائم للشفاعة للعباد وتخليصهم مما هم فيه من الكرب إذ هو المقام المحمود الذي أعطيه يومئذ، ويوم تنازعه الوصفان قبله، ويحتمل ألاّ يكون من ذلك ويكون للأقرب منه (أحاسنكم أخلاقاً) جمع أفعل التفضيل هنا وأفرده في حديث أبي هريرة السابق، لأن المضاف إلى المعرفة يجوز فيه الوجهان، وأخلاقاً جمع خلق بضمتين أو بضم فسكون تخفيفاً ويجمع على خلائق أيضاً كما قاله الحافظ في كتاب الإنقاض في دفع الاعتراض (وإن أبغضكم إليّ وأبعدكم مني) حذف الظرف لدلالة ما قبله عليه أو لزيادة التفظيع للمعصية وشناعتها بتعميم البعد للمجلس والموقف لأن حذف المعمول يؤذن به. قال العاقولي في «شرح المصابيح» : هذا الحديث مبني على قاعدة هي أن المؤمنين من حيث الإيمان محبوبون ويتفاضلون بعد في صفات الخير وشعب الإيمان، فيتميز الفاضل بزيادة محبة، وقد يتفاوتون في الرذائل فيصيرون مبغوضين من حيث ذلك ويصير بعضهم أبغض من بعض، وقد يكون الشخص الواحد محبوباً من وجه مبغوضاً من وجه. وعلى هذه القاعدة فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحبّ المؤمنين كافة من حيث هم مؤمنون، وحبه لأحسنهم خلقاً أشد، ويبغض العصاة من حيث هم عاصون، وبغضه لأسوئهم

أخلاقاً أشد، كما يؤخذ ذلك من المعاملة. بل جاء عند البيهقي في «الشعب» «وإنّ أبغضكم إليّ وأبعدكم مني مساوئكم أخلاقاً الثرثارون» والحديث أورده في «المشكاة» من حديث أبي ثعلبة الخشني (الثرثارون والمتشدقون) بضم الميم وبفتح أوليه وكسر الدال المشددة (والمتفيهقون) أي إنهم الذين يتعمقون في الكلام، والتشدق: تكلف السجع والفصاحة والتصنع بالمقامات، وهو بضم الميم وفتح أوليه وكسر الهاء (قالوا) أي الحاضرون من الصحابة، ولم أقف على أسمائهم (يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون) كذا هو بالواو في الأصول على الحكاية لما وقع منه في لفظ الخبر، أي عرفنا المراد منهما (فما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون. رواه الترمذي وقال: حديث حسن) ورواه البيهقي بنحوه في «الشعب» من حديث ثعلبة الخشني، وليس فيه قالوا قد علمنا الخ (والثرثار) بالمثلثتين المفتوحتين بينهما راء ساكنة (هو كثير الكلام) تكلفاً. زاد العاقولي: وخروجاً عن الحق، والثرثرة كثرة الكلام وترديده (والتشدق: المتطاول على الناس بكلامه ويتكلم بملء فيه تفاصحاً وتعاظماً لكلامه) قال ابن الحاجب في «الشافية» : ويجىء بمعنى تفاعل ليدل على أن الفاعل أظهر أن أصله: أي الفعل حاصل له وهو منتف عنه: نحو تجاهلت وتغافلت اهـ.u وما نحن فيه من هذا: أي لإظهار أن عنده الفصاحة. وعظم الكلام وهما منتفيان عنه. وقال العاقولي: قيل المتشدق المتوسع في الكلام من غير احتياط واحتراز. وقيل هو المستهزىء بالناس يلوي شدقه بهم وعليهم (والمتفيهق أصله) أي اشتقاقه (من الفهق) بفتح الفاء وسكون الهاء وبالقاف (وهو الامتلاء) زاد العاقولي: والاتساع، يقال أفهقت الإناء ففهق فهقاً (وهو الذي يملأ فمه بالكلام ويتوسع فيه) بالإتيان بالزائد على الحاجة على سبيل الإطناب والإسهاب (ويغرب به) أي يأتي بالألفاظ الوحشية الاستعمال، الغير المألوفة في الكلام

(تكبراً) علة ملء الفم بالكلام (وارتفاعاً) علة التوسع فيه

(وإظهاراً للفضيلة على غيره) بالاطلاع على غريب الألفاظ والوصول إلى محاسن النفس والرضا عنها، وفي ذلك الإغماض عن محاسن السوى والإعراض عنها وهو الكبر.

(

وروى الترمذي) في «جامعة» (عن عبد الله بن المبارك) بن واضح الحنظلي التميمي مولاهم أبو عبد الرحمن المروزي الأئمة الأعلام، حمل عن أربعة آلاف شيخ، وروى عن ألف منهم، وقيل له: إلى متى تكتب العلم؟ فقال: لعل الكلمة التي أنتفع بها ما كتبتها بعد، قال ابن مهدي: كان ينسخ وحده وكان يفضله على الثوري، وقال: ما رأيت أنصح للأمة منه، وقال ابن عيينة: ما رأيت للصحابة عليه فضلاً إلا بصحبتهم للنبي وغزوهم معه، وقال: كان ففيهاً عالماً زاهداً سخياً شجاعاً شاعراً، وقال الفضيل: ما خلف بعده مثله، وقال ابن سعد: كان ثقة مأموناً إماماً حجة. ولد سنة ثماني عشرة ومائة ومات منصرفاً من الغزو بهيت سنة إحدى وثمانين ومائة، زاد غيره في رمضان، وقد بسطت ترجمته في كتابي «رجال الشمائل» (رحمه الله في تفسير حسن الخلق قال: هو طلاقة الوجه) أي فرح ظاهر البشرة ويقال هو طليق الوجه وطلقه، وقال أبو زيد: طلق الوجه متهلل بسام (وبذل المعروف) من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة للكلمة الطيبة باللسان وبذل الندى والإحسان باليد وغير ذلك من صنائع المعروف (وكف الأذى) من قول وفعل عن الناس. وقد جمع جماعة محاسن الأخلاق في قوله تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} (الأعراف: ١٩٩) وقيل حسن الخلق احتمال المكروه الذي ينزل به بحسن المداراة بترك حظه من الدنيا وتحمل الأذى من غير إفراط ولا تفريط، وقال الحافظ: حسن الخلق اختيار الفضائل وترك الرذائل، وقال السيوطي: قال الباجي: هو أن يظهر منه لمن يجالسه أو ورد عليه البشر والحلم والإشفاق والصبر على التعليم والتودد إلى الصغير والكبير، والله تعالى أعلم.

📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري

عظيمة مرتفعة المقدار على الناس، ويجوز أَن تكون للمصاحبة أَي يوافقها على ما تريد من الاستعلاء.

قلت: ويشهد لهذا قوله تعالى: {فَأَمَّا مَن طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات (٣٧: ٣٩) ] .

[٧٣- باب حسن الخلق]

قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم (٤) ] .

حسن الخلق: بسط الوجه وبذل المعروف، وكفُّ الأذى. وقال علي: الخلق العظيم آداب القرآن. وقال - صلى الله عليه وسلم -: «بُعثت لأُتمِّم مكارم الأخلاق» .

وقال تَعَالَى: {وَالكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران (١٣٤) ] الآية.

أي: إذا ثار بهم الغيظ كظموه وعفوا عمَّن أساء إليهم.

قال الثوري: الإِحسان أن تُحسن إلى المسيء.

وفي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاث أُقسم عليهنَّ: ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفوا إلا عِزًّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه» .

[٦٢١] وعن أنس - رضي الله عنه - قال: كَانَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أحْسَنَ النَّاس خُلُقاً. متفقٌ عَلَيْهِ.

كان حسن الخلق غريزة في النبي - صلى الله عليه وسلم - جبله الله عليها، واكتسابًا من القرآن، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «أَدبني ربي فأَحسن تأديِبِي» .

[٦٢٢] وعنه قَالَ: مَا مَسِسْتُ دِيبَاجاً وَلا حَرِيراً ألْيَنَ مِنْ كَفِّ ... رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَلا شَمَمْتُ رَائِحَةً قَطُّ أطْيَبَ مِنْ رَائِحَةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَلَقَدْ خدمتُ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَشْرَ سنين، فما قَالَ لي قَطُّ: أُفٍّ، وَلا قَالَ لِشَيءٍ فَعَلْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَه؟ وَلا لشَيءٍ لَمْ أفعله: ألا فَعَلْتَ كَذا؟. متفقٌ عَلَيْهِ.

قوله: (ألين من كف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) ، وورد في حديث آخر: أَنه شعث الكف والقدمين، فقيل: إن اللين بحسب أَصل الخلقة والخشونة لعرض عمل.

وفي الحديث: كمال خلقه - صلى الله عليه وسلم - وتسليمه للقدر.

[٦٢٣] وعن الصعب بن جَثَّامَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: أهديتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - حِمَاراً وَحْشِيّاً، فَرَدَّهُ عَلَيَّ، فَلَمَّا رأى مَا في وجهي، قَالَ: «إنّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلا أنّا حُرُمٌ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

في هذا الحديث: الحكم بالعلامة، لقوله: (فلما رأى ما في وجهي) .

وفيه: جواز رد الهداية لعلة، والاعتذار عن ردها تطيبًا لقلب المهدي.

[٦٢٤] وعن النَّوَاس بنِ سمعان - رضي الله عنه - قَالَ: سألتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عن البِرِّ وَالإثم، فَقَالَ: «البِرُّ: حُسنُ الخُلقِ، والإثمُ: مَا حاك في صدرِك، وكَرِهْتَ أن يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ» . رواه مسلم.

البر: الطاعة، والإِثم: المعصية، حسن الخلق يقتدر به صاحبه على فعل المحاسن وترك المساوئ، والإِثم يذم صاحبه، والنفس بطبعها تحب المدح، وتكره الذمَّ.

[٦٢٥] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قَالَ: لَمْ يكن رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فَاحِشاً وَلا مُتَفَحِّشاً، وكان يَقُولُ: «إنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أحْسَنَكُمْ أخْلَاقاً» . متفقٌ عَلَيْهِ.

الفحش: ما يشتد قبحه من الأَقوال والأَفعال. والتفحش: تكلّف ذلك، أي: ليس ذا فحش في كلامه وأَفعاله.

وقوله: «إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا» . لأَن حسن الخلق يدعو إِلى المحاسن، وترك المساوئ.

[٦٢٦] وعن أَبي الدرداءِ - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَا مِنْ شَيْءٍ أثْقَلُ في مِيزَانِ العبدِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ، وَإنَّ الله يُبْغِضُ الفَاحِشَ البَذِيَّ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

«البَذِيُّ» : هُوَ الَّذِي يتكلَّمُ بِالفُحْشِ ورديء الكلامِ.

في هذا الحديث: فضيلة حسن الخلق، لأَنه يورث لصاحبه محبة الله، ومحبة عباده.

وفيه: قبح الفحش والبذاءة، لأَنه يورث البغض من الله وعباده.

[٦٢٧] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: سُئِلَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عَنْ أكثرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: «تَقْوَى اللهِ وَحُسنُ الخُلُقِ» ، وَسُئِلَ عَنْ أكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ، فَقَالَ: «الفَمُ وَالفَرْجُ» . رواه الترمذي، وقال: ... «حديث حسن صحيح» .

التقوى تصلح ما بين العبد وبين ربه، وحسن الخلق يصلح ما بينه وبين خلقه.

[٦٢٨] وعنه، قال: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أكْمَلُ المُؤمنينَ إيمَاناً أحسَنُهُمْ خُلُقاً، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

كلما كان العبد أَحسن أَخلاقًا كان أَكمل إيمانًا.

وقوله: «وخياركم خياركم لنسائهم» . وذلك بالبشاشة وطلاقه الوجه، وكف الأَذى، وبذل الندى، والصبر على إيذائها. وفي رواية: «إِن أكمل المؤمنين إيمانًا أَحسنهم خلقًا وألطفهم بأهله» .

[٦٢٩] وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: سَمِعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إنَّ المُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بحُسْنِ خُلُقِه دَرَجَةَ الصَّائِمِ القَائِمِ» . رواه أَبُو داود.

في هذا الحديث: فضيلة حسن الخلق، وأَنه يبلغ صاحبه أَعْلى الدرجات. وبسط الوجه، وبذل الندى، وكف الأذى.

[٦٣٠] وعن أَبي أُمَامَة الباهِليِّ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أنَا زَعِيمٌ ببَيتٍ في ربَض الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ المِرَاءَ، وَإنْ كَانَ مُحِقّاً، وَبِبَيْتٍ في وَسَطِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الكَذِبَ، وَإنْ كَانَ مَازِحاً، وَبِبَيْتٍ في أعلَى الجَنَّةِ لِمَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ» . حديث صحيح، رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.

«الزَّعِيمُ» : الضَّامِنُ.

في هذا الحديث: استحباب ترك الجدال، وفي بعض الآثار: (إذا أراد الله بعبد خيرًا فتح له باب العلم، وأغلق عنه باب الجدل، وإذا أراد بعبد شرًا فتح له باب الجدل، وأَغلق عنه باب العلم) .

وفيه: الحث على التخلق بحسن الخلق وترك الكذب.

[٦٣١] وعن جابر - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إنَّ مِنْ أحَبِّكُمْ إليَّ، وَأقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِساً يَوْمَ القِيَامَةِ، أحَاسِنَكُم أخْلَاقاً، وَإنَّ أبْغَضَكُمْ إلَيَّ وَأبْعَدَكُمْ مِنِّي يَوْمَ القِيَامَةِ، الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ وَالمُتَفَيْهقُونَ» قالوا: يَا رسول الله، قَدْ عَلِمْنَا «الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ» ، فمَا المُتَفَيْهقُونَ؟ قَالَ: ... «المُتَكَبِّرُونَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

«الثَّرْثَارُ» : هُوَ كَثِيرُ الكَلَامِ تَكَلُّفاً. وَ «المُتَشَدِّقُ» : المُتَطَاوِلُ ... عَلَى النَّاسِ بِكَلَامِهِ، وَيَتَكَلَّمُ بِمَلءِ فِيهِ تَفَاصُحاً وَتَعْظِيماً لِكَلامِهِ، ... وَ «المُتَفَيْهِقُ» : أصلُهُ مِنَ الفَهْقِ وَهُوَ الامْتِلَاءُ، وَهُوَ الَّذِي يَمْلأُ فَمَهُ بِالكَلَامِ وَيَتَوَسَّعُ فِيهِ، ويُغْرِبُ بِهِ تَكَبُّراً وَارْتِفَاعاً، وَإظْهَاراً للفَضيلَةِ عَلَى غَيْرِهِ.

وروى الترمذي عن عبد الله بن المباركِ رحِمه الله في تفسير حُسْنِ الخُلُقِ، قَالَ: «هُوَ طَلَاقَةُ الوَجه، وَبَذْلُ المَعروف، وَكَفُّ الأذَى» .

قال الحافظ: حسن الخلق: اختيار الفضائل، وترك الرذائل، وقد جمع جماعة محاسن الأخلاق في قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف (١٩٩) ] .

[٧٤- باب الحلم والأناة والرفق]

قَالَ الله تَعَالَى: {وَالكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنينَ} [آل عمران (١٣٤) ] .

في هذه الآية تحريض على التخلُّق بالإِحسان إلى الناس من العفو عنهم وكظم الغيظ، وغير ذلك.

وقال تَعَالَى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأعْرِضْ عَنِ الجَاهِلينَ} ... [الأعراف (١٩٩) ] .

قال مجاهد: {خُذِ الْعَفْوَ} ، يعني: من أخلاق الناس من غير تجسُّس.

وقوله تعالى: {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} ، أي المعروف، وكل ما يعرفه الشرع، {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} إذا تسفه عليك الجاهل فلا تقابله بالسفه.

قال الشعبي: لما أنزل الله عزَّ وجلَّ على نبيه - صلى الله عليه وسلم - {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} قال: «ما هذا يَا جبريل؟» قال: «إنَّ الله أمرك أن تعفو عمَّن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك» .

وقال تَعَالَى: {وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أحْسَنُ فَإذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت (٣٤، ٣٥) ] .

قال ابن عباس: أمر الله المؤمنين بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإِساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوّهم كأنه وليٌّ حميم.

وقال قتادة: الحظ العظيم: الجنة.

وقال تَعَالَى: {وَلَمنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [الشورى (٤٣) ] .

أي: من صبر على الأذى ولم يجاز على السيئة، فإن ذلك من عزم الأمور المشكورة التي أمر الله بها.

[٦٣٢] وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لأَشَجِّ عَبْدِ القَيْسِ: «إنَّ فيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ وَالأنَاةُ» . رواه مسلم.

الحلم والأناة من صفات العقلاء. وسبب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك للأشج. ما جاء في حديث الوفد، أنهم لما وصلوا المدينة بادروا إِلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأقام الأَشج عند رحالهم فجمعها، وعقل ناقته، ولبس أَحسن ثيابه ثم أَقبل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقربه وأَجلسه إلى جانبه. ثم قال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم -: «تبايعوني على أَنفسكم، وقومكم» . فقال القوم: نعم. فقال الأشج: يَا رسول الله، إنك لم تزاول الرجل على شيء أشد عليه من دينه. نبايعك على أَنفسنا، ونرسل من يدعوهم. فمن أتبعنا كان منَّا، ومن أَبى قاتلناه. قال: «صدقت، إن فيك خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا الله. الحلم، والأناة» ، قال: يَا رسول

الله، أكانا فِيَّ أم حدثًا، قال: «بل قديم» . قال: الحمد الله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله.

[٦٣٣] وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ اللهَ رفيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّه» . متفقٌ عَلَيْهِ.

[٦٣٤] وعنها أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفقَ، وَيُعْطي عَلَى الرِّفق، مَا لا يُعْطِي عَلَى العُنْفِ، وَمَا لا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ» . رواه مسلم.

[٦٣٥] وعنها أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إنَّ الرِّفْقَ لا يَكُونُ في شَيْءٍ إلا زَانَهُ، وَلا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إلا شَانَهُ» . رواه مسلم.

الرِّفق: لين الجانب بالقول والفعل، والأَخذ بالأَسهل، وهو ضد العنف،

وهو الشدة والمشقة، فصاحب الرفق يدرك حاجته أَو بعضها، وصاحب العنف لا يدركها، وإِن أَدركها فبمشقة، وحريٌّ أن لا تتم.

[٦٣٦] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: بَال أعْرَابيٌّ في المسجدِ، فَقَامَ النَّاسُ إِلَيْهِ لِيَقَعُوا فِيهِ، فَقَالَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «دَعُوهُ وَأرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوباً مِنْ مَاءٍ، فَإنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَم تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» . رواه البخاري.

«السَّجْلُ» بفتح السين المهملة وإسكان الجيم: وَهِيَ الدَّلو الْمُمْتَلِئَةُ مَاءً، وَكَذلِكَ الذَّنُوبُ.

في هذا الحديث: الرفق في إنكار المنكر، وتعليم الجاهل.

وفي رواية ابن ماجة: فقال الأعرابي بعد أَن فقه: بأَبي وأُمي - صلى الله عليه وسلم -، فلم يؤنب ولم يسب، فقال: «إِن هذا المسجد لا يُبال فيه، وإِنما بُني لذكر الله، والصلاة فيه» .

وفي الحديث أيضًا: نجاسة بول الآدمي، ووجوب تنزيه المسجد، وأَنه يكتفي في ذلك بصب الماء عليها من غير تحجير.

[٦٣٧] وعن أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «يَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلا تُنَفِّرُوا» . متفقٌ عَلَيْهِ.

اليسر: ضد العسر. قال الله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج (٧٨) ] . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب» والتعسير يوجب التنفير.

[٦٣٨] وعن جريرِ بنِ عبدِ اللهِ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «مَنْ يُحْرَمِ الرِفْقَ، يُحْرَمِ الخَيْرَ كلَّهُ» . رواه مسلم.

فيه الحث على الرفق في جميع الأمور، قال الله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران (١٥٩) ] .

[٦٣٩] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رَجُلاً قَالَ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أوْصِني. قَالَ: «لا تَغْضَبْ» ، فَرَدَّدَ مِرَاراً، قَالَ: «لا تَغْضَبْ» . رواه البخاري.

الغضب: جماع الشر، وباب من مداخل الشيطان الثلاثة وهي: الغفلة، والشهوة، والغضب. قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: قد أفلح من عصم من الهوى، والغضب، والطمع.

[٦٤٠] وعن أَبي يعلى شَدَّاد بن أوسٍ - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إنَّ الله كَتَبَ الإحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإذَا قَتَلْتُم فَأحْسِنُوا القِتْلَة، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَليُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَه، وَلْيُرِح ذَبِيحَتَهُ» . رواه مسلم.

معنى إِحسان القتلة: أَن لا يقصد التعذيب للمقتول وإِحسان الذبحة أن يرفق بالبهيمة عند الذبح. قال الإِمام أحمد: ما أبهمت عليه البهائم فلم تبهم أَنها تعرف ربها، وتعرف أَنها تموت.

[٦٤١] وعن عائشة رضي الله عنها قالت: مَا خُيِّرَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَ أمْرَيْنِ قَطُّ إلا أَخَذَ أيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إثماً، فَإنْ كَانَ إثماً، كَانَ

📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي

٧٣- باب حُسن الخُلق

قال الله تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: ٤) ، وقال تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) (آل عمران: ١٣٤) .

١/٦٢١- وعن أنس رضي الله عنهُ قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً) . متفق عليه.

[الشَّرْحُ]

قال الحافظ النووي رحمه الله في كتابه رياض الصالحين في باب حسن الخلق، يعني باب الحث عليه، وفضيلته، وبيان من اتصف به من عباد الله، وحسن الخلق يكون مع الله ويكون مع عباد الله.

أما حسن الخلق مع الله: فهو الرضا بحكمه شرعاً وقدراً، وتلقي ذلك بالانشراح وعدم التضجر، وعدم الأسى والحزن، فإذا قدر الله على المسلم شيئاً يكرهه رضي بذلك واستسلم وصبر، وقال بلسانه وقلبه: رضيت بالله رباّ، وإذا حكم الله عليه بحكم شرعي؛ رضي واستسلم، وانقاد لشريعة الله عزّ وجلّ بصدر منشرح ونفس مطمئنة، فهذا حسن الخلق مع الله عزّ وجلّ.

أما مع الخَلق فيحسن الخُلق معهم بما قاله بعض العلماء: كف الأذى، وبذل الندى، وطلاقه الوجه، وهذا حسن الخلق.

كف الأذى بألا يؤذي الناس لا بلسانه ولا بجوارحه، وبذل الندى يعني العطاء، يبذل العطاء من مال وعلم وجاه وغير ذلك، وطلاقة الوجه بأن يلاقي الناس بوجه منطلق، ليس بعبوس، ولا مصعّرٍ خده، وهذا هو حسن الخلق.

ولا شك أن الذي يفعل هذا؛ فكيف الأذى ويبذل الندى ويجعل وجه منطلقاً؛ لا شكل أنه سيصبر على أذى الناس أيضاً، فإن الصبر على أذى الناس لا شك أنه من حسن الخُلق، فإن من الناس من يؤذي أخاه، وربما يعتدي عليه بما يضرّه؛ بأكل ماله، أو جحد حق له، أو ما أشبه ذلك، فيصبر ويحتسب الأجر من الله سبحانه وتعالى، والعاقبة للمتقين، وهذا كله من حسن الخلق مع الناس.

ثم صدّر المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب بقوله تعالى مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: ٤) ، وهذا معطوف على جواب القسم (نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ) (وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ) (القلم: ١-٤) . إنك: يعني يا محمد، لعلى خلق عظيم لم يتخلق أحد بمثله، في كل شيء؛ خلق مع الله، خلق مع عباد الله، في الشجاعة والكرم وحسن المعاملة وفي كل شيء، وكان عليه الصلاة والسلام خلقه القرآن يتأدب بآدابه؛ يمتثل أوامره ويجتنبُ نواهيه.

ثم ساق المؤلف جزءاً من آية آل عمران في قوله: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) (آل عمران١٣٤) ، وهذه من صفات المتقين الذين أعد الله لهم الجنة، كما قال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ

رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: ١٣٣-١٣٤) .

(وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) يعني الذين يكظمون غضبهم، إذا غضب، ملك نفسه وكظم غيظه، ولم يتعد على أحدٍ بموجب هذا الغضب.

(َ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاس) إذا أساءوا إليهم، (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) فإن هذا من الإحسان أن تعفو عمّن ظلمك، ولكن العفو له محل؛ إن كان المعتدي أهلاً للعفو فالعفو محمود، وإن لم يكن أهلاً للعفو؛ فإن العفو ليس بمحمود؛ لأن الله تعالى قال في كتابه: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّه) (الشورى: ٤٠) .

فلو أن رجلاً اعتدى عليك بضربك، أو أخذ مالك، أو إهانتك، أو ما أشبه ذلك، فهل الأفضل أن تعفو عنه أم لا؟

نقول في هذا تفصيل: إن كان الرجل شريراً، سيئاً، إذا عفوت عنه ازداد في الاعتداء عليك وعلى غيرك، فلا تعفُ عنه، خذ حقك منه بيدك، إلا أن تكون تحت ولاية شرعية فترفع الأمر إلى من له الولاية الشرعية، وإلا فتأخذه بيدك ما لم يترتب على ذلك ضرر أكبر.

والحاصل أهه إذا كان الرجل المعتدى سيئاً شريراً هذا ليس أهلاً للعفو فلا تعفُ عنه، بل الأفضل أن تأخذ بحقك؛ لأن الله يقول: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ) ، والعفو في مثل هذه الحال ليس بإصلاح.

والنفس ربما تأمرك أن تأخذ بحقك، ولكن كما قلت إذا كان الإنسان أهلاً للعفو فالأفضل أن تعفو عنه وإلا فلا.

* * *

٢/٦٢٢- وعنه رضي الله عنه قال: ما مسستُ ديباجاً ولا حريراً ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شممتُ رائحة قط أطيب من رائحة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد خدمتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فلما قال لي قط: أف، ولا قال لشيء فعلتهُ: لم فعلتهُ؟ ولا لشيءٍ لم أفعلهُ: ألا فعلت كذا؟. متفق عليه.

٣/٦٢٣-وعن الصعب بن جثامة رضي الله عنه قال: أهديتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم حماراً وحشياً، فردهُ على، فلما رأى ما في وجهي قال: ((إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم)) متفق عليه.

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف الحافظ النووي رحمه الله في كتابه رياض الصالحين في باب حسن الخلق ما نقله عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال ما مسست حريراً ولا ديباجاً ألين من يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكان أنس بن مالك رضي الله عنه قد خدم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين؛

جاءت به أمه حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فقالت: يا رسول الله، هذا أنس ابن مالك يخدمك، فقبل عليه الصلاة والسلام أن يخدمه لله، ودعا له أن يبارك الله له في ماله وولده، فبارك الله له في ماله وولده، حتى قيل إنه كان له بستان يثمر في السنة مرتين، من بركة المال الذي دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم به، أما أولاده فبلغوا مائة وعشرين ولداً، أولاده من صلبه، كل هذا ببركة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم.

يقول إنه ما مس ديباجاً ولا حريراً ألين من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت يده صلى الله عليه وسلم لينة إذا مسها الإنسان فإذا هي لينة.

وكما ألان الله يده فقد ألان الله سبحانه وتعالى قلبه، قال الله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُم) ْ يعني صرت ليناً لهم (وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) (آل عمران: ١٥٩) .

وكذلك أيضاً رائحته صلى الله عليه وسلم، ما شم طيباً قط أحسن من رائحة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان عليه الصلاة والسلام طيب الريح كثير استعمال الطيب، قال: ((حُبب إلي من دنياكم النساء والطيب، وجعل قرة عيني في الصلاة)) هو نفسه طيب صلى الله عليه وسلم، حتى كان الناس يتبادرون إلى أخذ عرقه صلى الله عليه وسلم من حسنه وطيبه، ويتبركون بعرق؛ لأن من خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم أننا نتبرك بعرقه وبريقه وبثيابه، أما غير الرسول فلا يتبرك بعرقه ولا بثيابه ولا بِريقه.

يقول: ولقد خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي أفّ قط، يعني ما تضجر منه أبداً، عشر سنوات يخدمه ما تضجر منه، والواحد منا إذا خدمه أحد أو صاحبه أحد لمدة أسبوع أو نحوه لابد أن يجد منه تضجراً، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم عشر سنوات وهذا الرجل يخدمه، ومع ذلك ما قال له أفّ قط.

ولا قال لشيءٍ فعلت لما فعلت كذا؟ حتى الأشياء التي يفعلها أنس اجتهاداً منه ما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يؤنبه أو يوبخه أو يقول لما فعلت كذا، مع أنه خادم، وكذلك ما قال لشيء لم أفعله لم لم تفعل كذا وكذا؟ فكان عليه الصلاة والسلام يعامله بما أرشده الله سبحانه وتعالى إليه في قوله: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف: ١٩٩) .

والعفو ما عفا من أخلاق الناس وما تيسر، يعني خذ من الناس ما تيسر، ولا تريد أن يكون الناس لك على ما تريد في كل شيء، من أراد أن يكون الناس له على ما يريد في كل شيء فاته كل شيء، ولكن خذ ما تيسر، عامل الناس بما إن جاءك قبلت وإن فاتك لم تغضب، ولهذا قال: ما قال لشيء لم أفعله لِمَ لَم تفعل كذا وكذا، وهذا من حسن خلقه عليه الصلاة والسلام.

ومن حسن خلقه صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يُداهن الناس في دين الله، ولا يفوته أن يطيب قلوبهم، فالصعب بن جثامة رضي الله عنه مرّ به النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم محرم، وكان الصعب بن جثامة عداءً رامياً، عداء: يعني سبوقاً، رامياً: يعني يجيد الرمي.

فلما نزل به النبي صلى الله عليه وسلم ضيفاً رأى أنه لا أحد أكرم ضيفاً منه، فذهب يصيد للرسول صلى الله عليه وسلم صيداً، فصاد له حماراً وحشياً وكان في الجزيرة العربية في ذلك الوقت كثيرٌ من الصيد، لكنها قلت صاد له حماراً وحشياً وجاء به إليه فرده النبي صلى الله عليه وسلم فَصَعُبَ ذلك على الصعب؛ كيف يرد النبي صلى الله عليه وسلم هديته؟ فتغير وجهه، فلما رأى ما في وجهه طيب قلبه وقال: ((إنا لم نرده عليك إلا أنا حُرم)) يعنى محرمون، والمحرم لا يأكل من الصيد الذي صيد من أجله.

فلو أن محرماً مر بك وأنت في بلدك وهو محرم وصدت له صيداً أو ذبحت له صيداً عندك، فإنه لا يحل له أن يأكل منه، وذلك لأنه ممنوع من أكل ما صيد من أجله، أما إذا لم تصده من أجله، فالصحيح أنه حلال له إذا لم تصده لأجله.

ولهذا أكل النبي صلى الله عليه وسلم من الصيد الذي صاده أبو قتادة رضي الله عنه؛ لأن أبا قتادة لم يصده من أجل الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا أحسن ما قيل في هذه المسألة، إنه إذا صيد الصيد من أجل المحرم كان حراماً عليه، وإن صاده الإنسان لنفسه وأطعم منه المحرم فلا بأس.

قال بعض العلماء: إن المحرم لا يأكل من الصيد مطلقاً؛ صيد من أجله أم لم يصد، قالوا لأن حديث الصعب بن جثامة متأخر عن حديث أبي قتادة، فإن حديث أبي قتادة كان في غزوة الحديبية في السنة السادسة، وحديث الصعب بن جثامة في حجة الوداع في السنة العاشرة، ويؤخذ بالأخر فالآخر.

ولكن القاعدة الأصولية الحديثية تأبى هذا القول؛ لأنه لا يصار إلى النسخ إلا إذا تعذر الجمع، فإذا أمكن الجمع فلا نسخ، والجمع هنا ممكن، وهو أن يقال: إن صيدَ لأجل المُحرم فحرام، وإن صاده الإنسان لنفسه وأطعم منه المحرم فلا بأس.

ويؤيد هذا حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((صيد البر حلالٌ ما لم تصيدوه أو يصد لكم)) ، وهذا تفصيل واضح؛ ما لم تصيدوه أو يصد لكم.

والحاصل أن هذا الحديث؛ حديث الصعب بن جثامة رضي الله عنه فيه فائدتان عظيمتان.

الأولي: أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يداهن أحداً في دين الله، وإلا قبل الهدية من الصعب، وسكت إرضاءً له ومداهنة له، لكنه عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يفعل هذا.

الثانية: أنه ينبغي للإنسان أن يجبر خاطر أخيه إذا فعل معه ما لا يحب، ويبين له السبب؛ لأجل أن تطيب نفسه، ويطمئن نفسه، ويطمئن قلبه، فإن هذا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ والله الموفق.

* * *

٤/٦٢٤- وعن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم فقال: ((البر حُسنُ الخُلق، والإثمُ ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناسُ)) رواه مسلم.

٥/٦٢٥- وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشاً ولا متفحشاً. وكان يقولُ: " إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً: متفق عليه.

٦/٦٢٦- وعن أبي الدرداء رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من شيءٍ أثقلُ في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلقِ، وإن الله يبغضُ الفاحش البذي)) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

(البذي) : هو الذي يتكلم بالفحش، ورديء الكلامِ.

[الشَّرْحُ]

هذه الأحاديث ساقها النووي رحمه الله في باب حسن الخلق من كتاب رياض الصالحين، وقد سبق شيء من هذه الأحاديث.

أما حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البر حسن الخلق) ، وقد تقدم شرح هذه الجملة، وبينا أن حسن الخلق يحصل

فيه الخير الكثير؛ لأن البر هو الخير الكثير.

وأما الإثم فقال هو: (ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس) يعني بما حاك في النفس، يعني لم تطمئن إليه النفس، بل ترددت فيه، وكرهت أن يطلع عليه الناس.

ولكن هذا خطاب للمؤمن، أما الفاسق فإن الإثم لا يحيك في صدره، ولا يهمه أن يطلع عليه الناس؛ بل يجاهر به ولا يبالى، لكن المؤمن لكون الله سبحانه وتعالى قد أعطاه نوراً في قلبه، إذا هم بالإثم حاك في صدره، وتردد فيه، وكره أن يطلع عليه الناس، فهذا الميزان إنما هو في حق المؤمنين.

أما الفاسقون فإنهم لا يهمهم أن يطلع الناس على آثامهم، ولا تحيك الآثام في صدورهم؛ بل يفعلوها والعياذ بالله بانطلاق وانشراح؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) (فاطر: ٨) .

فقد يزين للإنسان سوء العمل فينشرح له صدره، مثل ما نرى من أهل الفسق الذين يشربون الخمر، وتنشرح صدورهم له، والذين يتعاملون بالربا وتنشرح صدورهم لذلك، والذين يتعودون العهر والزنا وتنشرح صدورهم لذلك، ولا يبالون بهذا؛ بل ربما إذا فعلوا ذلك سراً ذهبوا يشيعونه ويعلنونه، مثل ما يوجد من بعض الفساق إذا ذهبوا إلى البلاد الخارجية الماجنة الفاجرة ورجعوا، قاموا يتحدثون فعلت كذا وفعلت كذا، يعني أنهم زنوا بكذا وزنوا بكذا والعياذ بالله- وشربوا الخمر وما أشبه ذلك.

وفي هذه الأحاديث بيان صفة الرسول صلى الله عليه وسلم وأنه لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً، يعني أنه صلى الله عليه وسلم بعيد عن الفحش طبعاً وكسباً، فلم يكن فاحشاً في نفسه ولا في غريزته؛ بل هو لين سهل، ولم يكن متفحشاً أي متطبعأً بالفحشاء؛ بل كان صلى الله عليه وسلم أبعد الناس عن الفحش في مقاله وفي فعاله صلى الله عليه وسلم.

وفيه أيضاً الحث على حسن الخلق، وأنه من أثقل ما يكون في الميزان يوم القيامة، وهذا من باب الترغيب فيه، فعليك يا أخي المسلم أن تحسن خلقك مع الله عزّ وجلّ؛ في تلقي أحكامه الكونية والشرعية، بصدر منشرح منقاد راضٍ مستسلم، وكذلك مع عباد الله فإن الله تعالي يحب المحسنين، والله الموفق.

* * *

٧/٦٢٧- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ قال: تقوى الله وحسنُ الخلقِ" وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار، فقال: " الفمُ والفرجُ".

رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.

٨/٦٢٨- وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم"

رواه الترمذي وقال: حديث حسنٌ صحيحٌ

[الشَّرْحُ]

هذه الأحاديث في بيان فضل حسن الخلق، ذكرها النووي - رحمه الله- في رياض الصالحين في باب حسن الخلق، ومنها عن أبي هريرة رضي اله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: ما أكثر ما يدخل الجنة؟ يعني ما هو الشيء الذي يكون سبباً لدخول الجنة كثيراً؟ فقال: (تقوى الله وحسن الخلق) .

تقوى الله تعالى، وهذه كلمة جامعة لفعل ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه هذه هي التقوى، أن تفعل ما أمرك الله به وأن تدع ما نهاك عنه؛ لأن التقوى مأخوذة من الوقاية، وهي أن يتخذ الإنسان ما يقيه من عذاب الله، ولا شيء يقي من عذاب الله إلا فعل الأوامر واجتناب النواهي.

وأكثر ما يدخل الناس النار الفم والفرج. الفم يعني بذلك قول اللسان فإن الإنسان قد يقول كلمة لا يُلقي لها بالاً يهوي بها في النار سبعين خريفاً، والعياذ بالله أي سبعين سنة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: (أفلا أخبرك بملاك ذلك كله؟) قلت بلى يا رسول الله، فأخذ بلسان نفسه وقال: (كف عليك هذا) قلت: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ يعني هل نؤاخذ بالكلام؟ قال (ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم-. أو قال: " على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم) .

ولما كان عمل اللسان سهلاً صار إطلاقه سهلاً؛ لأن الكلام لا يتعب به الإنسان، ليس كعمل اليد، وعمل الرجل، وعمل العين يتعب فيه الإنسان. فعلم اللسان لا يتعب في الإنسان، فتجده يتكلم كثيراً بأشياء تضره؛ كالغيبة، والنميمة، واللعن، والسب، والشتم، وهو لا يشعر بذلك، فيكتسب بهذا آثاماً كثيرة.

أما الفرج فالمراد به الزنا، وأخبث منه اللواط، فإن ذلك أيضاً تدعو النفس إليه كثيراً- ولا سيما من الشباب- فتهوي بالإنسان وتدرِّجه حتى يقع في الفاحشة وهو لا يعلم.

ولهذا سدَّ النبي صلى الله عليه وسلم كل باب يكون سبباً لهذه الفاحشة، فمنع من خلو الرجل بالمرأة، ومنع المرأة من كشف وجهها أمام الرجال الأجانب، ونهى المرأة أن تخضع بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض، إلى غير ذلك من السياج المنيع الذي جعله النبي صلى الله عليه وسلم حائلاً دون فعل هذه الفاحشة، لأن هذه الفاحشة تدعو إليها النفس، فهذا أكثر ما يدخل الناس النار: أعمال اللسان وأعمال الفرج، نسأل الله الحماية.

ثم ذكر أيضاً من فضائل حسن الخلق أن أحسن الناس أخلاقاً هم أكمل الناس إيماناً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً) وفي هذا دليلٌ على أن الإيمان يتفاوت، وأن الناس يختلفون فيه، فبعضهم في الإيمان أكمل من بعض بناء على الأعمال، وكلما كان الإنسان أحسن خلقاً كان أكمل إيماناً، وهذا حثٌ واضحٌ على أن الإنسان ينبغي له أن يكون حسن الخلق بقدر ما يستطيع.

قال: (وخياركم خياركم لنسائهم) المراد خيركم خيركم لأهله كما جاء ذلك في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) فينبغي للإنسان أن يكون مع أهله خير صاحب وخير محب وخير مُربًّ؛ لأن الأهل أحق بحسن خلقك من غيرهم. أبدا بالأقرب فالأقرب.

على العكس من ذلك حال بعض الناس اليوم وقبل اليوم؛ تجده مع الناس حسن الخلق، لكن مع أهله سيء الخلق والعياذ بالله، وهذا خلاف هدي النبي صلى الله عليه وسلم، والصواب أن تكون مع أهلك حسن الخلق ومع غيرهم أيضاً، لكن هم أولى بحسن الخلق من غيرهم.

ولهذا لما سئلت عائشة: ماذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قالت: كان في مهنة أهله. أي يساعدهم على مهمات البيت، حتى أنه صلى الله عليه وسلم كان يحلب الشاة لأهله، ويخصف نعله، ويرقع ثوبه، وهكذا ينبغي للإنسان مع أهله أن يكون من خير الأصحاب لهم.

* * *

٩/٦٢٩- وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن المؤمن ليدركُ بحسن خُلقه درجة الصائم القائم) رواه أبو داود.

١٠/٦٣٠- وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنا زعيم ببيت في ربضِ الجنةِ لمن ترك المراء، وإن كان مُحقاً، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب، وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه) حديث صحيح، رواه أبو داود بإسناد صحيح.

الزعيم: الضامنُ.

١١/٦٣١- وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن من أحبكم إلى، وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة، أحسانكم أخلاقاً وإن أبغضكم إلى، وأبعدكم مني يوم القيامة، الثرثارُون والمتشدقون والمتفيهقون" قالوا: يا رسول الله قد علمنا (الثرثارُون والمتُشدقون) فما المُتفيهقُون؟ قال: (المتكبرون) رواه الترمذي وقال: حديث حسنٌ.

(الثرثارُ) : هو كثيرُ الكلامِ تكلفاً. (والمُتشدقُ) : المتطاولُ على الناس بكلامه، ويتكلم بملء فيه تفاصحاً وتعظيماً لكلامه؛ والمتفيهقُ أصلهُ من الفهق وهو الامتلاءُ، وهو الذي يملأ فمه بالكلام ويتوسعُ فيه، ويغربُ به تكبراً وارتفاعاً، وإظهاراً للفضيلة على غيره.

وروى الترمذي عن عبد الله بن المبارك رحمه الله في تفسير حُسن الخُلقِ قال: هُو طلاقةُ الوجه، وبذلُ المعروف. وكف الأذى.

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف رحمه الله أحاديث متعددة في بيان حسن الخلق، وأن من أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاسنهم أخلاقاً، فكلما كنت أحسن خلقاً؛ كنت أقرب إلى الله ورسوله من غيرك، وأبعد الناس منزلة من رسول الله صلى الله عليه وسلم الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون.

الثرثارون الذين يكثرون الكلام ويأخذون المجالس عن الناس، فإذا جلس في المجلس أخذ الكلام عن غيره، وصار كأن لم يكن في المجلس إلا هو؛ يتكلم ولا يدع غيره يتكلم، وهذا لا شك أنه نوع من الكبرياء.

لكن لو فرضنا أن أهل المجلس فوضوه وقالوا أعطنا نصحية، أعطنا موعظة فتكلم فلا حرج، إنما الكلام العادي كونك تملك المجلس ولا تدع أحداً يتكلم، حتى إن بعض الناس يحب أن يتكلم لكن لا يستطيع أن يتكلم، يخشي من مقاطعة هذا الرجل الذي ملك المجلس بكلامه.

كذلك أيضاً المتشدقون، والمتشدق هو الذي يتكلم بملء شدقيه، تجده يتكلم وكأنه أفصح العرب تكبيراً وتبختراً، ومن ذلك من يتكلم باللغة العربية أمام العامة، فإن العامة لا يعرفون اللغة العربية، لو تكلمت بينهم باللغة العربية لعدّوا ذلك من باب التشدق في الكلام والتنطع، أما إذا كنت تدرس لطلبة فينبغي أن تتكلم باللغة العربية، لأجل أن تمرّنهم على اللغة العربية وعلى النطق بها، أما العامة الذين لا يعرفون فلا ينبغي أن تتكلم بينهم باللغة العربية، بل تكلم معهم بلغتهم التي يعرفون، ولا تغرب في الكلمات، يعني لا تأتي بكلمات غريبة تُشكِل عليهم، فإن ذلك من

التشدق في الكلام.

أما المتفيهقون فقد وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بالمتكبرين، المتكبر الذي يتكبر على الناس ويتفيهق، وإذا قام يمشي كأنه يمشي على روق من تكبره وغطرسته، فإن هذا لا شك خلق ذميم، ويجب على الإنسان أن يحذر منه؛ لأن الإنسان بشر فينبغي أن يعرف قدر نفسه، حتى لو أنعم الله عليه بمال، أو أنعم الله عليه بعلم، أو أنعم الله عليه بجاه، فينبغي أن يتواضع، وتواضع هؤلاء الذين أنعم الله عليهم بالمال والعلم والجاه افضل من تواضع غيرهم، ممن لا يكون كذلك.

ولهذا جاء في الحديث من الذين لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم: (عائل مستكبر) لأن العائل لا داعي لاستكباره، والعائل هو الفقير، فهؤلاء الذين منَّ الله عليهم بالعلم والمال والجاه كلما تواضعوا؛ صاروا أفضل ممن تواضع من غيرهم الذين لم يمنّ الله عليهم بذلك.

فينبغي لكل من أعطاه الله نعمة أن يزداد شكراً لله، وتواضعاً للحق وتواضعاً للخلق، وفقني الله وإياكم لأحاسن الأخلاق والأعمال، وجنبنا وإياكم سيئات الأخلاق والأعمال إنه جواد كريم.

[٧٤- باب الحلم والأناة والرفق]

قال تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: ١٣٤) .

وقال تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف: ١٩٩) .

وقال تعالى: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (فصلت: ٣٥) .

وقال تعالى: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (الشورى: ٤٣) .

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب الحلم، والأناة، والرفق.

هذه ثلاثة أمور متقاربة: الحلم، والأناة، والرفق.

أما الحلم: فهو أن يملك الإنسان نفسه عند الغضب، إذا حصل غضب وهو قادر فإنه يحلم، ولا يعاقب، ولا يعاجل بالعقوبة.

وأما الأناة فهو التأني في الأمور، وعدم العجلة، وألا يأخذ الإنسان الأمور بظاهرها فيتعجل، ويحكم على الشيء قبل أن يتأنى فيه وينظر.

وأما الرفق فهو معاملة الناس بالرق والهون، حتى وإن استحقوا ما يستحقون من العقوبة والنكال فإنه يرفق بهم.

ولكن هذا فيما إذا كان الإنسان الذي يرفق به محلاً للرفق، أما إذا لم

يكن محلاً للرفق فإن الله سبحانه وتعالى قال: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (النور: ٢) .

ثم ساق المؤلف أيات. قال في الأية الأولى قول الله تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: ١٣٤) ، هذه من جملة الأوصاف التي يتصف بها المتقون الذين أعدت لهم الجنة: أنهم يكظمون إذا غضبوا.

وفي قوله: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) دليلٌ على أنهم يشق عليهم ذلك، لكنهم يغلبون أنفسهم فيكظمون غيظهم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ليس الشديد بالصرعة)) الصرعة: يعني الذي يصرع الناس إذا صارعوه: ((وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)) . أما قوله تعالى: (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) فقد سبق الكلام عليه، وبيان التفصيل فيمن يستحق العفو ومن لا يتسحق، فالإنسان الشرير الذي لا يزداد بالعفو عنه إلا سواءاً وشراسة ومعاندة هذا لا يعفى عنه.

والإنسان الذي هو أهل للعفو. ينبغي للإنسان أن يعفوعنه؛ لأن الله يقول (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (الشورى: ٤٠) .

وأما الأية الثانية فهي قوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ

الْجَاهِلِينَ) (لأعراف: ١٩٩) ، قال خذ العفو ولم يقل أعف ولا أفعل العفو، بل قال: (خُذِ الْعَفْوَ) والمراد بالعفو هنا ما عفا وسهل من الناس؛ لأن الناس يعامل بعضهم بعضاً، فمن أراد من الناس أن يعاملوه على الوجه الذي يحب وعلى الوجه الأكمل؛ فهذا شيء يصعب عليه ويشق عليه ويتعب وراء الناس.

وأما من استرشد بهذه الأية، وأخذ ما عفا من الناس وما سهل، فما جاء منهم قبله، وما أضاعوه من حقه تركه، إلا إذا انتهكت محارم الله، فإن هذا هو الذي أرشد الله إليه؛ أن نأخذ العفو، فخذ ما تيسر من أخلاق الناس معاملتهم لك، والباقي أنت صاحب الفضل فيه إذا تركته.

(وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) يعني: مُر بما يتعارفه الناس ويعرفه الشرع من أمور الخير، ولا تسكت عن الأمر بالخير إذا كان الناس أخلوا به فيما بينك وبينهم أفعل ما تشاء في حقك، لكن الشيء المعروف ينبغي أن تأمر به.

(وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين) المراد بالجاهل هنا ليس هو الذي لا يعلم الحكم؛ بل الجاهل السفيه في التصرف، كما قال الله تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ) أي بسفاهة (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِم) (النساء: ١٧) .

فالجاهلون هنا هم السفهاء الذين يجهلون حقوق الغير، ويفرطون فيها، فأعرض عنهم ولا تبال بهم، وأنت إذا أعرضت عنهم ولم بتبال بهم فإنهم سوف يملون يوتعبون، ثم بعد ذلك يرجعون إلى صوابهم، ولكن إذا عاندتهم أو خاصمتهم أو أردت منهم أن يعطوك حقك كاملاً، فإنهم ربما بسفههم يعاندون ولا يأتون بالذي تريد.

فهذه ثلاثة أوامر من الله عزّ وجلَّ فيها الخير لو أننا سرنا عليها: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الاعراف: ١٩٩) .

قوله تعالى: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (الشورى: ٤٣) .

صبر: يعني على الأذي، وغفر: يعني تجاوز عنه إذا وقع به، إن ذلك لمن عزم الأمور: أي لمن معزومات الأمور، أي من الأمور التي تدل على عزم الرجل، وعلى حزمه، وعلى أنه قادر على نفسه مسيطر عليها، وذلك لأن الناس ينقسمون إلى أقسام بالنسبة لسيطرتهم على أنفسهم.

فمن الناس من لا يستطيع أن يسيطر على نفسه أبداً، ومن الناس من يستطيع لكن بمشقة شديدة، ومن الناس من يستطيع لكن بسهولة، يكون قد جلبه الله عزّ وجلَّ على مكارم الأخلاق، فيسهل عليه الصبر والغفران.

فالذي يصبر على أذى الناس ويتحمل ويحتسب الأجر من الله ويغفر لهم، هذا هو الذي صنع هذه المعزومة من الأمور أي من الشؤون، وهذا حث واضح على أنه ينبغي للإنسان أن يصبر ويغفر، وقد سبق لنا التفصيل في مسألة العفو عن الجناة والمعتدين، وأنه لا يمدح مطلقاً ولا يذم مطلقاً، يل ينظر إلى الإصلاح.

* * *

١/٦٣٢- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس: ((إن فيك خصلتين يُحبهما الله: الحلمُ والأناةُ)) رواهُ مسلم.

٢/٦٣٣- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله رفيقٌ

يحبٌ الرفق في الأمر كله" متفق عليه.

٣/٦٣٤- وعنها رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يُعطي على العنف ومالا يعطي على ما سواه)) رواه مسلم.

٤/٦٣٥- وعنها رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانهُ، ولا ينزعُ من شيءٍ إلا شانهُ" رواه مسلم.

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف - رحمه الله- هنا في سياق الأحاديث ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس، قال له: " إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة".

الحلم: عندما يثار الإنسان ويجنى عليه ويعتدى عليه يحلم، لكنه ليس كالحمار لا يبالي بما فعل به، يتأثر لكن يكون حليماً لا يتعجل بالعقوبة، حتى إذا صارت العقوبة خيراً من العفو أخذ بالعقوبة.

والأناة: التأني في الأمور وعدم التسرع، وما أكثر ما يهلك الإنسان ويزل بسبب التعجل في الأمور، وسواء في نقل الأخبار، أو في الحكم على ما سمع، أو في غير ذلك.

فمن الناس مثلاً من يتخطف الأخبار بمجرد ما يسمع الخبر يحدِّث به

وينقله، وقد جاء في الحديث ((كفي بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع)) .

ومن الناس من يتسرع في الحكم، سمع عن شخص شيئاً من الأشياء، ويتأكد أنه قاله أو أنه فعله ثم يتسرع في الحكم عليه، أنه أخطأ أو ضلّ أو ما أشبه ذلك، وهذا غلط، التأني في الأمور، كله خير.

ثم ذكر المؤلف أحاديث عائشة رضي الله عنها الثلاثة في باب الرفق، وأن الرفق محبوب إلى الله عزّ وجلَّ، وأنه ما كان في شيءٍ إلا زانه، ولا نزع من شيءٍ إلا شانه، ففيه الحثّ على أن يكون الإنسان رفيقاً في جميع شؤونه، رفيقاً في معاملة أهله، وفي معاملة إخوانه، وفي معاملة أصدقائه، وفي معاملة عامة الناس يرفق بهم، فإن الله عزّ وجلَّ رفيقٌ يحب الرفق.

ولهذا فإن الإنسان إذا عامل الناس بالرفق يجد لذة وانشراحاً، وإذا عاملهم بالشدة والعنف ندم، ثم قال ليتني لم أفعل، لكن بعد أن يفوت الأوان، أما إذا عاملهم بالرفق واللين والأناة انشرح صدره، ولم يندم على شيء فعله.

وفق الله الجميع لما فيه الخير والصلاح وحسن الأخلاق والآداب.

* * *

٥/٦٣٦- وعن أبي هريرة رضي الله عنهُ قال: قال: بال أعرابيٌ في المسجد، فقام الناسُ إليه ليقعوا فيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((دعوهُ وأريقُوا على بوله سجلاً من ماءٍ، أو ذنوباً من ماءٍ، فإنما بُعثتم ميسرين ولم تبعثوا مُعسرين)) رواه البخاري.

"السجل" بفتح السين المهملة وإسكان الجيم: وهي الدلو المُمتلئة ماءً، وكذلك الذنوبُ.

[الشَّرْحُ]

ساق المؤلف رحمه الله في باب الحلم والأناة والرفق في كتابه رياض الصالحين، حديث أبي هريرة رضي الله عنه؛ أن أعرابياً بال في المسجد.

أعرابي: يعني بدوي؛ والبدوي في الغالب لا يعرف أحكام الشرع؛ لأنه يعيش في البادية في إبله أو في غنمه، وليس له علم بشريعة الله، كما قال الله تعالى: (الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ) (التوبة: ٩٧) ، يعني أقرب ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله، لأنهم في باديتهم بعيدون عن الناس وعن العلم والشرع.

هذا الأعرابي دخل المسجد واحتاج إلى أن يبول، فبال في طائفة المسجد، أي تنحى وبال في المسجد، فهمّ الناس به أن يقعوا فيه وزجروه، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لهم: ((دعوه)) دعوه يقضي بوله، ((وأريقوا على بوله سجلاً من ماء أو ذنوباً من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)) فتركه الناس.

فلما قضى بوله صبّوا عليه ذنوباً من الماء، يعني دلواً من الماء، فطهر المحل، وزال المحذور، ثم دعا بالأعرابي وقال له: " إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من الأذى أو القذر، وإنما هي للصلاة وقراءة القرآن، والتكبير" أو كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم.

ففي هذا الحديث فوائد كثيرة:

منها: العذر بالجهل، وأن الإنسان الجاهل لا يعامل كما يعامل العالم؛ لأن العالم معاند، والجاهل متطلع للعلم فيعذر بجهله، ولهذا عذره النبي صلى الله عليه وسلم ورفق به.

ومنها: أن الشرع يقتضي دفع أعلى المفسدتين بأدناهما، يعني إذا كان هناك مفسدتان ولابد من ارتكاب أحدهما؛ فإن يرتكب الأسهل.

فهنا أمامنا مفسدتان:

الأولى: استمرار هذا الأعرابي في بوله، وهذه مفسدة.

والثانية: إقامته من بوله، وهذه مفسدة أيضاً، لكن هذه أكبر؛ لأن هذه يترتب عليها.

أولاً: الضرر على هذا البائل؛ لأن البائل إذا منع البول المتهيىء للخروج ففي ذلك ضرر، فربما تتأثر مجاري البول ومسالك البول.

ثانياً: أنه إذا قام فإما أن يقطع رافعاً ثوبه؛ لئلا تصيبه قطرات البول، وحينئذٍ تكون القطرات منتشرة في المكان، وربما تأتي على أفخاذه ويبقى مكشوف العورة أمام الناس وفي المسجد، وإما أن يدلي ثوبه، وحينئذٍ يتلوث الثوب ويتلوث البدن وهذه أيضاً مفسدة.

فلهذا ترك النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرجل يبول حتى انتهى، ثم أمر بأن يصب عليه ذنوباً من ماء.

وعلى هذا فيكون لدينا قاعدة: إذا اجتمعت مفسدتان لابد من ارتكاب إحداهما، فإنه يرتكب الأسهل والأخف، دفعاً للأعلى، كما إنه

إذا اجتمعت مصالح ولا يمكن فعل جميعها، فإنه يؤخذ بالأعلى فالأعلى، ففي المصالح يقدم الأعلى، وفي المفاسد يقدم الأسهل والأدنى.

ومن فوائد هذا الحديث: وجوب تطهير المسجد وأنه فرض كفاية؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((أريقوا على بوله سجلاً من ماء)) فيجب على من رأى نجاسة في المسجد أن يطهرها بنفسه، أو يبلغ من هو معني بالمسجد ومسؤول عنه حتى يقوم بتطهيرها.

ومنها: اشتراط طهارة مكان المصّلي، فالمصلّي يجب عليه أن يطهر ثوبه وبدنه ومكان صلاته، لابد من ذلك سواءً كانت أرضاً أو فراشاً أو غير ذلك، المهم أنه لابد من طهارة مكان المصلي.

ومنها: أن الأرض يكفي في تطهيرها أن يصب على النجاسة ماء مرة واحدة، فإذا عمرت بالماء طهرت، لكن إن كانت النجاسة ذات جرم كالغائط والروث وما أشبهها؛ فلابد من زوال هذا الجرم، وبعدها يطهر المحل بصب ماءٍ عليه.

ومنها: أنه لابد من الماء في تطهير النجاسة؛ لقوله:: ((أريقوا على بوله سجلاً من ماء)) وأن النجاسة لا تطهر بغير الماء، وهذا ما عليه أكثر العلماء.

والصحيح أن النجاسة تطهر بكل ما يزيلها من ماء أو بنزين، أو غيره، وإنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بصب الماء على مكان البول؛ لأنه أسرع في تطهير المكان، وإلا فمن الممكن أن يبقى المكان لا يصب عليه الماء، ثم مع الرياح والشمس تزول النجاسة ويطهر، لكن هذا أسرع وأسهل.

ومن المعلوم أنه في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم لا توجد هذه المزيلات الكيماوية أو البترولية، فلذلك كانوا يعتمدون في إزالة النجاسة على الماء، ولكن متى زالت النجاسة طهر المحل بأي مزيل كان؛ لأن النجاسة عين خبيثة نجسة، متى زالت عاد المحل إلى طهارته بأي شيءٍ كان.

ولهذا يطهر البول والغائط بالأحجار؛ يستجمر الإنسان بالحجر ثلاث مرات مع الإنقاء ويكفي.

وثوب المرأة الذي تجره إذا مر بالنجاسة ثم مر بعد ذلك بأرض طاهرة طهرته، وكان من عادة النساء في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أن المرأة إذا خرجت واتخذت ثوباً ضافياً يستر قدميها، وينجر من ورائها إلى شبر أو شبرين أن ذراع، ولكن لا يزيد على ذراع. هذا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، عهد النساء الطاهرات في الزمن الطاهر، فما بالك اليوم؟!

لكن مع الأسف أن المسلمين اليوم لا ينظرون إلى من سلف من هذه الأمة، ولكنهم ينظرون إلى من تأخر من هذه الأمة؛ إلى الخلف الذين قال الله فيهم: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً) (مريم: ٥٩) .

أصبحنا ننظر الآن إلى من خلف بل ننظر إلى ما دون ذلك؛ ننظر إلى أعدائنا؛ إلى اليهود والنصارى والمجوس والوثنيين وما أشبه ذلك، فنقتدي بهم في مثل هذه الألبسة، فترى النساء الآن كلما جاءت المجلة التي يسمونها البردة، ذهبن ينظرن إليها، ثم تذهب المرأة وتفعل مثل ما فعلوا.

وأقول: يجب على أولياء الأمور أن يمنعوا من تداول هذه المجلات،

وهذه البردات بين أيدي النساء؛ لأن المرأة ضعيفة؛ ضعيفة العقل وضعيفة الدين كما وصفها بهذا الرسول صلى الله عليه وسلم: ((ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن)) فتغتر وتنخدع بهذه المظاهر.

وكثيرٌ من الرجال مع الأسف الشديد هم رجال في ثياب رجال وإلا فهم نساء، التدبير للنساء عليهم، وهن القوامات عليهم، عكس ما أمر الله: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) (النساء: ٣٤) ، لكن أصبح الآن في كثير من الناس النساء قوامات على الرجال، هي التي تدبر الرجل، وهي التي تلبس ما شاءت، وتفعل ما شاءت، ولا تبالي بزوجها ولا بوليها.

فالواجب على الأولياء أن يمنعوا من تداول هذه المجلات التي تأتينا بهذه الأزياء البعيدة عن الزي الإسلامي، فالنساء في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إذا خرجن إلى السوق لبسن ثياباً طويلة حتى لا تبدو أقدامهن.

وأما في البيوت فكما يقول شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله: المرأة في بيتها في عهد الرسول عليها لباس يستر من كف اليد إلى كعب الرجل، وهي في البيت، ليس عندها إلا النساء أو رجال محارم، ومع ذلك تتستر من الكف إلى الكعب، كلها متسترة.

وبهذا نعرف فساد تصور من تصور قول الرسول صلى الله عليه وسلم لا تنظر المرأة إلى عورة المرأة، أن المرأة يجوز لها أن تقتصر في لباسها على لباسٍ يستر ما

بين السرة والركبة، يردن أن تخرج المرأة كاشفة كل بدنها إلا ما بين السرة والركبة، فمن قال هذا؟!

إن الرسول صلى الله عليه وسلم يخاطب الناظرة لا اللابسة يقول: ((لا تنظر المرأة إلى عورة المرأة)) ، يعني ربما تكون اللابسة قد كشفت ثوبها لقضاء حاجة من بول أو غائط، فيقول لا تنظر لعورتها، لم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم للمرأة أن تلبس ما يستر ما بين السرة والركبة فقط، من توهّم هذا فإنه من وحي الشيطان، ولننطر كيف كانت النساء في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم تلبس الثياب.

لذلك يجب أن نصَّحح هذا المفهوم الذي تدندن به كل امرأة ليس عندها فهم، وليس عندها نظر لمن سبق، نقول لها: هل تظنين أن الشرع الإسلامي يبيح للمرأة أن تخرج بين النساء ليس عليها إلا سروال قصير يستر ما بين السرة والركبة، فمن قال إن هذا هو الشرع الإسلامي؟ ومن قال إن هذا هو معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تنظر المرأة إلى عورة المرأة)) من قال هذا؟!

والرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((ولا الرجل إلى عورة الرجل)) ومع ذلك كان الرجال في عهده يلبسون رداءً وإزاراً، ويلبسون قميصاً، ولا يلبسون إزاراً فقط.

حتى أن الرجل الفقير الذي طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يزوجه المرأة التي وهبت نفسها للرسول ولم يردها، قال: زوجنيها، قال: ((ما معك من صداق)) قال: إزاري، لأنه فقير، كيف يكون الإزار مهراً للمرأة إن

أعطيتها أياه بقيت بلا إزار، وإن بقي عليك بقيت بلا مهر؟! ارجع فالتمس ولو خاتماً من حديد ولكنه لم يجد. فلم يكونوا - وهم الرجال- يقتصرون على ما بين السرة والركبة أبداً.

والحاصل أن العلم يحتاج إلى فقه، ويحتاج إلى نظر في حال الصحابة رضي الله عنهم؛ كيف فهموا النصوص فنطبقها، حتى دول الغرب الكافرة الآن أكثرهم يلبس ما يستر الصدر والفخذين، ولم يفهم أحد من هذا الحديث أن المعنى للمرأة ان تبقى مكشوفة البدن إلا ما بين السرة والركبة، ما فهم هذا أحدٌ أبداً.

فالحاصل أن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل ذيل المرأة - أي طرف ثوبها الذي يمشي على الأرض- إذا التقى بنجاسة ثم مرت على أرض طاهرة فإن الطاهر يطهره، فدل ذلك على أن النجاسة تطهر بكل ما يزيلها من ماء وغيره.

ومن فوائد حديث الأعرابي: حسن خلق الرسول صلى الله عليه وسلم، وتعليمه، ورفقه، وأن هذا هو الذي ينبغي لنا إذا دعونا إلى الله، أو أمرنا بمعروف، أو نهينا عن منكر أن نرفق؛ لأن الرفق يحصل به الخير، والعنف يحصل به الشر، ربما إذا عنفت أن يحصل من قبيلك ما يسمونه برد الفعل ولا يقبل منك شيئاً، يرد الشرع من أجلك، لكن إذا رفقت وتأنيت فهذا هو الأقرب إلى الإجابة.

ومنها: أن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل هذه الأمة مبعوثة، فقال: ((فإنما بعثتم)) مع أن المبعوث هو، لكن أمته يجب أن تقوم مقامه في الدعوة إلى دينه

صلى الله عليه وسلم، وأن يكون الإنسان كأنه المبعوث وكأنه الرسول في تبليغ الشرع، ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((ليبلغ الشاهد منكم الغائب)) فنحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم علينا أن نبلغ شرعه إلى جميع الناس، ولهذا قال: ((إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)) .

وفي هذا الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما كلم الأعرابي بهذا اللطف واللين، وقال إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيءٌ من الأذى والقذر، قال الأعرابي: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً، انظر كيف انشرح صدره بكلام محمد صلى الله عليه وسلم.

أما الجماعة من الصحابة رضي الله عنهم لما أغضبوه وانتهروه- وهو أعرابي لا يعرف- رأى أن الجنة والرحمة تكون له ولمحمد، وغيرهما لا يرحمون، وليته قال اللهم ارحمني ومحمداً وسكت، بل قال ولا ترحم معنا أحداً، فتحجر الرحمة، لكنه جاهل، والجاهل له حكمه.

فالحاصل أن الإنسان ينبغي له أن يرفق في الدعوة، وفي الأمر، وفي النهي. وجربوا وانظروا أيهما أصلح، ونحن نعلم علم اليقين أن الاصلح هو الرفق؛ لأن هذا هو الذي قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو الذي أتبعه في هديه صلى الله عليه وسلم، والله الموفق.

* * *

٦/٦٣٧- وعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يسروا ولا تُعسروا، وبشروا ولا تنفروا)) متفق عليه.

[الشَّرْحُ]

هذا الحديث ذكره النووي رحمه الله في باب الحلم والرفق والأناة في كتابه رياض الصالحين، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا)) .

هذه أربع جمل: الأولى قوله: ((يسروا)) يعني اسلكوا ما فيه اليسر والسهولة سواء كان فيما يتعلق بأعمالكم أو معاملاتكم مع غيركم، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم من هديه أنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس عنه.

فاختر الأيسر لك في كل أحوالك، في العبادات، في المعاملات مع الناس، في كل شيء؛ لأن اليسر هو الذي يريده الله عزّ وجلّ منا، ويريده بنا: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: ١٨٥) .

فمثلاً إذا كان لك طريقان إلى المسجد؛ أحدهما صعب فيه حصى وأحجار وأشواك والثاني سهل، فالأفضل أن تسلك الأسهل، وإذا كان هناك ماءان وأنت في الشتاء، وكان أحدهما بارد يؤلمك والثاني ساخن

ترتاح له، فالأفضل أن تستعمل الساخن، لأنه أيسر وأسهل، وإذا كان يمكن أن تحج على سيارة أو تحج على بعير والسيارة أسهل، فالحج على السيارة أفضل.

فالمهم أنه كل ما كان أيسر فهو أفضل ما لم يكن إثماً؛ لأن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تقول: كان الرسول صلى الله عليه وسلم ما خير بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً.

أما إذا كان فعل العبادة لا يتأتى إلا بمشقة، وهذه المشقة لا تسقطها عنك ففعلتها على مشقة، فهذا أجر يزداد لك، فإن إسباغ الوضوء على المكاره مما يرفع الله به الدرجات ويكفر به الخطأيا، لكن كون الإنسان يذهب إلى الأصعب مع إمكان الأسهل هذا خلاف الآفضل، فالأفضل اتباع الأسهل في كل شيء.

وانظر إلى الصوم، قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: ((لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر)) ، وفي حديث آخر ((وأخروا السحور)) لماذا؟ لأن تأخير السحور أقوى على الصوم مما لو تقدم، والمبادرة بالفطر أسهل وأيسر على النفس لا سيما مع طول النهار وشدة الظمأ.

فهذا وغيره من الشواهد يدل على أن الأيسر أفضل، فأنت يسِّر على

نفسك.

كذلك أيضاً في مزاولة الأعمال إذا رأيت أنك إذا سلكت هذا العمل فهو أسهل وأقرب ويحصل به المقصود؛ فلا تتعب نفسك في أعمال أخرى أكثر من اللازم وأنت لا تحتاج إليها؛ فافعل ما هو أسهل في كل شيء، وهذه قاعدة: أن اتباع الأسهل والأيسر هو الأرفق بالنفس والأفضل عند الله.

((ولا تعسروا)) يعني لا تسلكوا طرق العسر لا في عبادتكم، ولا في معاملاتكم، ولا في غير ذلك، فإن هذا منهي عنه فلا تعسر، ولهذا لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً واقفاً في الشمس، سأل عنه، قالوا يا رسول الله، هو صائم؛ نذر أن يصوم ويقف في الشمس، فنهاه وقال له لا تقف في الشمس؛ لأن هذا فيه عسر على الإنسان ومشقة، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول لا تعسر.

الجملة الثانية قال: ((وبشروا)) بشروا يعني اجعلوا طريقكم دائماً البشارة، بشروا أنفسكم وبشروا غيركم، يعني إذا عملت عملاً فاستبشر وبشر نفسك، فإذا عملت عملاً صالحاً فبشر نفسك بأنه سيقبل منك إذا اتقيت الله فيه، لأن الله يقول: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (المائدة: ٢٧) ، وإذا دعوت الله فبشر نفسك أن الله يستجيب لك؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم) (غافر: ٦٠) .

ولهذا قال بعض السلف من وفق للدعاء فليبشر بالإجابة؛ لأن الله قال: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم) (غافر: ٦٠) ، فأنت بشِّر نفسك

في كل عمل.

وهذا يؤيده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكره الطيرة ويعجبه الفأل؛ لأن الإنسان إذا تفاءل نشط واستبشر وحصل له خير، وإذا تشاءم فإنه يتحسر، وتضيق نفسه، ولا يقدم على العمل، ويعمل وكأنه مكره، فأنت بشر نفسك، كذلك بشر غيرك، فإذا جاءك إنسان، قال فعلت كذا وفعلت كذا وهو خائف فبشره، وأدخل عليه السرور.

لا سيما في عيادة المريض؛ فإذا عدت مريضاً فقل له أبشر بالخير، وأنت على خير، ودوام الحال من المحال، والإنسان عليه أن يصبر ويحتسب ويؤجر على ذلك، وما أشبه ذلك، وبشره قائلاً: أنت اليوم وجهك طيب، وما أشبه ذلك؛ لأنك بهذا تدخل عليه السرور، وتبشره، فاجعل طريقك هكذا فيما تعامل به نفسك وفيما تعامل به غيرك، الزم البشارة، وأدخل السرور على نفسك، وأدخل السرور على غيرك، فهذا هو الخير.

((ولا تنفروا)) يعني لا تنفروا الناس عن الأعمال الصالحة، ولا تنفروهم عن الطرق السليمة؛ بل شجعوهم عليها، حتى في العبادات لا تنفروهم.

ومن ذلك أن يطيل الإمام بالجماعة أكثر من السنة، فإن معاذ بن جبل رضي الله عنه كان إذا صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء، ذهب إلى قومه فصلى بهم تلك الصلاة، فدخل يوماً من الأيام في الصلاة، فشرع في سورةٍ طويلة، فانصرف رجلٌ وصلى وحده، فقيل نافق فلان، فذهب الرجل

للنبي صلى الله عليه وسلم ثم إن معاذاً أتى إلى رسول الله عليه الله عليه وسلم، فقال له: ((أفتان أنت يا معاذ)) .

وكذلك الرجل الآخر قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إن منكم منفرين فأيكم أمَّ الناس فليخفف)) .

فالتنفير لا ينبغي؛ فلا تنفر الناس بل لِنْ لهم، حتى في الدعوة إلى الله عزّ وجلّ لا تدعُهم إلى الله دعوة منفر، لا تقل إذا رأيت إنساناً على خطأ: يا فلان أنت خالفت، أنت عصيت، أنت فيك. إلى آخر، هذا ينفرهم، ويزيدهم في التمادي في المعصية، ولكن ادعهم بهونٍ ولين حتى يألفك ويألف ما تدعو إليه، وبذلك تمتثل أمر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ((بشروا ولا تنفروا)) .

فخذ هذا الحديث أيها الأخ، خذه رأس مالٍ لك ((يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا)) سر إلى الله عزّ وجلّ على هذا الأصل، وعلى هذا الطريق، وسر مع عباد الله على ذلك تجد الخير كله، والله الموفق.

* * *

٧/٦٣٨- وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من يحرم الرفق يحرم الخير كُله)) رواه مسلم.

٨/٦٣٩- وعن أبي هريرة رضي الله عنهُ أن رجلاٌ قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني: قال: ((لا تغضب)) فردد مراراً: قال: ((لا تغضب)) رواه البخاري.

[الشَّرْحُ]

ذكر المؤلف رحمه الله حديثاً فيه الأمر بالرفق والحث عليه، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من يحرم الرفق يحرم الخير كله)) يعني أن الإنسان إذا حرم الرفق في الأمور فيما يتصرف فيه لنفسه، وفيما يتصرف فيه مع غيره، فإنه يحرم الخير كله أي فيما تصرف فيه، فإذا تصرف الإنسان بالعنف والشدة فإنه يحرم الخير فيما فعل

وهذا شيء مجرب ومشاهد أن الإنسان إذا صار يتعامل بالعنف والشدة؛ فإنه يحرم الخير ولا ينال الخير، وإذا كان يتعامل بالرفق والحلم والأناة وسعة الصدر؛ حصل على خيرٍ كثير، وعلى هذا فينبغي للإنسان الذي يريد الخير أن يكون دائماً رفيقاً حتى ينال الخير.

إما حديث أبي هريرة؛ فهو أن رجلاً قال يا رسول الله، أوصنى، قال ((لا تغضب)) فردد مراراً وهو يقول: أوصنى، فقال: ((لا تغضب)) والمعنى لا تكن سريع الغصب يستثيرك كل شيء؛ بل كل شيء؛ بل كن مطمئناً

متأنياً؛ لأن الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب الإنسان حتى يغلي القلب، ولهذا تنتفخ الأوداج؛ عروق الدم، وتحمر العين، ثم ينفعل الإنسان حتى يفعل شيئاً يندم عليه.

وإنما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرجل ألا يغضب دون أن يوصيه بتقوى الله أو بالصلاة أو بالصيام أو ما أشبه ذلك؛ لأن حال هذا الرجل تقتضي ذلك، ولهذا أوصى غيره بغير هذا الشيء؛ أوصى؟ أبا هريرة أن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وأن يوتر قبل أن ينام، وأوصى أبا الدرداء بمثل ذلك، أما هذا فأوصاه ألا يغضب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم علم من حاله أنه غضوب كثير الغضب، فلذلك قال لا تغضب.

والغضب يحمل الإنسان على أن يقول كلمة الكفر، على أن يطلق زوجته، على أن يضرب أمه، على أن يعق أباه، كما هو مشاهد ومعلوم، ثم تجد الإنسان من حين أن يتصرف يبرد ثم يندم ندماً عظيماً، وما أكثر الذين يسألون: غضبت علي زوجتي فطلقت، غضبت عليها فطلقتها بالثلاثة، غضبت علي فلانة فحرمت عليه، وما أشبه ذلك، فأنت لا تغضب. لا تغضب، فإن الغضب لا شك أنه يؤثر على الإنسان حتى يتصرف تصرف المجانين.

ولهذا قال بعض العلماء: إن الإنسان إذا غضب غضباً شديداً حتى لا يدري ما يقول؛ فإنه لا عبرة بقوله، ولا أثر لقوله؛ إن كان طلاقاً فإن امرأته لا تطلق، وإن كان دعاءً فإنه لا يستجاب؛ لأنه يتكلم بدون عقل وبدون تصور. نسأل الله لنا ولكم العافية والسلامة.

٩/٦٤٠- وعن أبي يعلى شداد بن أوسٍ رضي الله عنهُ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله كتب الإحسان على كل شيءٍ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدُكم شفرته، وليرح ذبيحتهُ)) رواه مسلم.

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف النووي -رحمه الله تعالى- في كتابه رياض الصالحين في باب الحِِلم والرفق والأناة في سياق الأحاديث الواردة في ذلك، نقل عن شداد بن أوس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة)) .

كتبه على كل شي: يعني في كل شيء كتب الإحسان في كل شيء، يعني أن الله عزّ وجلّ شرع الإحسان في كل شيء، حتى في القتل، وحتى في الذبح، وفي غير ذلك من الأمور. عليك أن تكون محسناً لما تقوم به.

((فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة)) . وذلك لأن إزهاق النفوس يكون بالقتل أحياناً، وبالذبح أحياناً.

فالذبح والنحر يكون فيما يحل أي: فيما يؤكل، ويكون النحر للإبل، والذبح فيما سواها، والنحر يكون في أسفل الرقبة مما يلي الصدر، والذبح يكون في أعلى الرقبة مما يلي الرأس، ولابد في الذبح والنحر من قطع الودجين، وهما العرقان الغليظان اللذان يجري منهما الدم ويتوزع

على بقية البدن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا)) "

ولا ينهر الدمَ إلا قطعُ الودجين، فالشرط في حل المذكى أو المنحور أن يقطع الودجان، أما الحلقوم الذي هو مجرى النفس، والمريء الذي هو مجرى الطعام، فقطعهما أكمل في الذبح والنحر، ولكن لي ذلك بشرط.

وأما القتل فيكون فيما لا يحل أكله، فيما أمر بقتله، وفيما أبيح قتله، ومما أمر بقتله الفأر كذلك العقرب، وكذلك الحية، وكذلك الكلب العقور، فتقتل هذه الأشياء، وكذلك كل مؤذٍ فإنه يقتل.

وعند العلماء قاعدة تقول: ما آذى طبعاً قتل شرعاً، يعني ما كان طبيعته الأذى فإنه يقتل شرعاً، وما لم يؤذ طبعاً ولكن صار منه أذية فلك قتله، لكن هذا الأخير مقيد، فلو آذاك النمل في البيت، وصار يحفر البيت ويفسده فلك قتله وإن كان منهياً عنه في الأصل، لكن إذا آذاك فلك قتله، وكذلك غيره مما لا يؤذي طبعاً ولكن تعرض منه الأذية فاقتله إذا لم يندفع إلا بالقتل. فمثلاً إذا أردت أن تقتل فأرة وقتلها مستحب فأحسن القتلة، أقتلها بما يزهق روحها حالاً، ولا تؤذها، ومن أذيتها ما يفعله بعض الناس حيث

يضع لها شيئاً شيئاً لاصقاً تلتصق به، ثم يدعها تموت جوعاً وعطشاً، وهذا لا يجوز، فإذا وضعت هذا اللاصق؛ فلابد أن تكرر مراجعته ومراقبته، حتى إذا وجدت شيئاً لاصقاً قتلته.

أما أن تترك هذا اللاصق يومين أو ثلاثة وتقع فيه الفارة وتموت عطشاً أو جوعاً، فإنه يخشى عليك أن تدخل النار بذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((دخلت النارَ امرأةٌ في هرة حبستها حتى ماتت لا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض)) .

المهم أن ما يشرع قتله فاقتله بأقرب ما يكون من إهلاكه وإتلافه، ومن ذلك الوزغ الذي يسمى السام الأبرص، ويسمى البرصي أيضاً، اقتله واحرص على أن تقتله بأن يموت في أول مرة، فهو أفضل وأعظم أجراً وأيسر له، وكذلك بقية الأشياء التي تقتل.

ومن ذلك من يقتل قصاصاً، لكن الذي يقتل قصاصاً فإنه يفعل به كما فعل في المقتول، ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع إليه قضية امرأة أتاها يهودي، وكان معها حلي، فقتلها وأخذ الحلي، لكن كيف قتلها، وضع رأسها على حجر وقتلها بالحجر الثاني، فرض رأسها بين حجرين. فأُتي إليها وفيها رمق من حياة، فقيل لها من قتلك؟ فلان، فلان، فلان، حتى ذكروا اليهودي فأشارت برأسها أن نعم، فأخذوا اليهودي

فاعترف، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يرضّ رأسه بين حجرين، فوُضع رأسه على حجر ثم ضرب بالحجر الثاني حتى مات؛ لأن هذا قصاص، والله عزّ وجلّ يقول: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (البقرة: ١٩٤) .

لكن لو وجب قتله بالحرابة، يعني أنه صار يقطع الطريق على الناس، يأخذ الأموال، ويقتل الناس، فهذا يقتل، لكن يقتل بالسيف إلا إذا كان قد مثل بمن قتله فيمثل به حسب ما فعل، يفعل به كما فعل.

فإن قال قائل: ما تقولون في الرجل إذا زنا وهو محصن فإنه يرجم بالحصى، أي بالحجر الصغير حتى يموت، وهذا يؤلمه ويؤذيه قبل أن يموت فهل يعارض ذلك هذا الحديث؟

فالجواب لا. لا يعارضه؛ لأنه يحمل على أحد أمرين:

الأول: إما أن يراد بإحسان القتلة ما وافق الشرع، وحينئذٍ يكون الرجم من إحسان القتلة؛ لأنه موافق للشرع.

والثاني: إما أن يُقال هذا مستثنى دلت عليه السنة؛ بل دل عليه القرآن الذي نسخ لفظه وبقي حكمه، ودل عليه صريح السنة.

فالزاني المحصن الذي تزوج وجامع زوجته، إذا زنا والعياذ بالله فإنه يؤتى به، وتؤخذ حجارة صغيرة أقل من البيضة ومثل التمرة تقريباً أو أكبر قليلاً يضرب ويرجم حتى يموت، ويتقى المَقاتل يعني لا يضرب في موضع يموت به سريعاً؛ بل يضرب علي ظهره وبطنه وما أشبه ذلك حتى يموت؛ لأن هذا هو الواجب.

والحكمة من هذا أن البدن الذي تلذذ بالشهوة المحرمة، عمَّت

الشهوة جميع بدنه، فمن الحكمة أن تعم العقوبة جميع بدنه، وهذا من حكمة الله عزّ وجلّ.

ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((وليحد أحدكم شفرته)) ، اللام هنا للأمر، ويحد: يعني يجعلها حديدة سريعة القطع، والشفرة السكين.

يعني إذا أردت أن تذبح فاذبح بسكين مشحوذة أي مسنونة، بحيث يكون ذلك أقرب إلى القطع بدون ألم.

((وليرح ذبيحته)) هذا أمر زائد على شحذ الشفرة، وذلك بأن يقطع بقوة، يضع السكين على الرقبة ثم يجرها بقوة، حتى يكون ذلك أسرع من كونه يجرها مرتين أو ثلاث، وبعض الناس يوفقه الله من مرة واحدة حتى يقطع الودجين والحلقوم والمريء؛ لأنه يأخذ السكين بقوة، وتكون السكين جيدة مشحوذة، فليسهل على الذبيحة أو المنحورة الموت.

ومن إراحة الذبيحة أن تضع رجلك على رقبتها، وتمسك الرأس باليد اليسرى وتذبح باليمنى، وحينئذٍ تكون مضجعة على الجنب الأيسر، ودع القوائم اليدين والرجلين وخلِّها تتحرك بسهولة؛ لأنك إذا أمسكت بها فإن هذا ضغط عليها، وإذا تركتها تتحرك بيدها ورجليها كان هذا أيسر لها، وفيه أيضاً فائدة وهي تفريغ الدم بهذه الحركة؛ لأنه مع الحركة والاضطراب يتفرغ الدم أكثر، وكلما تفرغ فهو أحسن.

وأما ما يفعله بعض العامة من أنه يأخذ بيدها اليسرى ويلويها على عنقها، ثم يبرك على قوائمها الثلاث رجل ويمسك بها حتى لا تتحرك أبداً؛ فهذا خلاف السنة، السنة أنك تضع الرجل على الرقبة ثم تدع القوائم

تتحرك؛ لأن ذلك أيسر لها وأشد فراغاً أو تفريغاً للدم.

فالشاهد من هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة)) فإن هذا من الرفق.

ولننتبه إذا قتل الإنسان بحدٍّ، يعني قتل وهو زانٍ أو قتل قصاصاً، فإنه يصلى عليه، ويدعى له بالرحمة والعفو مثل سائر المسلمين، لعل الله أن يعفو عنه ويرحمه.

أما من قُتل كافراً مرتدّاً فإنه لا يدعى له بالرحمة، ولا يغسل. مثل أن يقتل إنسان لا يصلى، فإنه يقتل مرتداً كافراً، هذا لا يغسل ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن مع المسلمين، ولا يدعى له بالرحمة، ومن دعا له بالرحمة فإنه آثم متبع غير سبيل المؤمنين؛ لقول الله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) (التوبة: ١١٣) .

📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي

بنفسه) قال العاقولي: الباء فيه للتعدية: أي يرفع نفسه ويعتقدها عظيمة مرتفعة المقدار على الناس، ويجوز أن تكون للمصاحبة: أي يرافقها ويوافقها على ما تريد من الاستعلاء ويعززها ويكرمها كما يكرم الخليل الخليل حتى تصير متكبرة. وفي الأساس ذهب به فرّ مع نفسه، ومن المجاز ذهب به الخيلاء اهـ (حتى يكتب في الجبارين) أي من جملتهم ومندرجاً غمارهم (فيصيبه ما أصابهم) أي من العذاب، وأتى به بلفظ ما الموصولة تفظيعاً في الوعيد (رواه الترمذي) في البر والصلة (وقال: حديث حسن. يذهب بنفسه: أي يرتفع ويتكبر) سكت عن الكلام على الباء وقد علمته.

٧٣ - باب حسن الخلق

بضم المعجمة واللام وقد تسكن تخفيفاً، وحسن الخلق: ملكة بالنفس يقتدر بها على صدور الأفعال الجميلة بسهولة، واختلف هل هو غريزي، أو كسبي؟

(قال الله تعالى) : ( {وإنك لعلى خلق عظيم} ) سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلقه فقالت: كان خلقه القرآن: أي آدابه وأوامره. وقال عليّ: الخلق العظيم آداب القرآن. وعبر ابن عباس عن الخلق بالدين والشرع، وذلك لا محالة رأس الخلق ووكيده، إما أن الظاهر من الآية أن الخلق الذي أثنى تعالى عليه به فهو كرم السجية وبراعة القريحة والملكة الجميلة وجودة الضرائب، ومنه قوله «بعثت لأتمم مكارم الأخلام» وقال الجنيد: سمى خلقه عظيماً إذ لم يكن همه سوى الحق سبحانه عاشر الخلق يخلقه وزايلهم بقلبه، فكان ظاهره مع الخلق وباطنه مع الحق. وفي وصية الحكماء: عليك بالخلق مع الخلق وبالصدق مع الحق وحسن الخلق خير كله. وقيل وصف خلقه بالعظم إشارة إلى أنه كان يؤدي كل مقام من رفق وغلظ حقه، فكان بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً، وكان يغلظ على الكفار وينتقم لله سبحانه.

(وقال تعالى)

( {والكاظمين الغيظ} ) الكافين عن إمضائه مع القدرة عليه ( {والعافين} ) التاركين ( {عن الناس} ) عقوبة استحقوها قبلهم ( {والله يحبّ} ) أي يثيب ( {المحسنين} ) إشارة إلى أن هؤلاء في مقام الإحسان.

١٦٢١ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله أحسن الناس خلقاً) كيف وقد قال «أدبني ربي فأحسن تأديبي» (متفق عليه) وعندهما من حديث البراء بن عازب «كان النبيّ أحسن الناس وجهاً وأحسنهم خلقاً» الحديث.

٢٦٢٢ - (وعنه قال: ما مست) بكسر السين وجاء بفتحها: من باب قتل، والمس الإفضاء باليد بلا حائل، هكذا قيدوه، كذا في «المصباح» (ديباجاً) بكسر الدال المهملة وسكون التحتية بعدها موحدة آخره جيم: وهو ثوب سداه ولحمته إبريسم ويقال هو معرّب، واختلف في الياء فقيل زائدة ووزنه فيعال ولذا يجمع على ديابيج، وقيل هي أصل والأصل دباج بالتضعيف فأبدل من أحد الضعفين حرف العلة ولذا ترد في الجمع إلى الأصل فيقال دبابيج بياء موحدة بعد الدار (ولا حريراً) هو الإبريسم وهو هنا من باب الترقي لأنه أنعم من الديباج (ألين من كفّ رسول الله) لا ينافيه ما جاء في صفته أنه شثن الكف والقدمين بالمعجمة والمثلثة، وضبطه الحافظ السيوطي بالمثناة الفوقية بدل المثلثة، وفسره الأصمعي بالغلظ مع الخشونة، فأورد عليه أنه جاء في صفته عند البخاري وغيره أنه لين الكف، فحلف أن لا يفسر شيئاً في الحديث، إما أن ذلك تفسير لشثنها لا في خصوص هذا الحديث والمراد منه فيه ميلها إلى الغلظ من غير قصر ولا خشونة: أي غلظ العضو لا خشونة الجلد وهذا محمود في الرجال كما في «النهاية» ، لأنه أشد لقبضهم لا في النساء، وإما لأن المراد اللين بحسب أصل الخلق والخشونة لعارض عمل أو سفر. والكفّ هي الراحة مع الأصابع، سميت

بذلك لأنها تكفّ الأذى عن البدن وهي مؤنثة. وقال ابن الأنباري: زعم من لا يوثق به أنها مذكر ولا يعرف تذكيرها عمن يوثق بعلمه، وأما كفّ مخضب فعلى معنى ساعد مخضب (ولا شممت) من باب تعب وشم يشم من باب قتل في لغة (رائحة قط) بفتح القاف وتشديد الطاء المهملة المضمومة: أي في زمن من الأزمنة الماضية (أطيب من رائحة رسول الله) وهي له عرض لازم غير منفك ومن ذاته غير مستمدّ من شيء خارج (ولقد خدمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين) هي مدة توطنه المدينة بعد هجرته إليها جاء به أهله إليه ليخدمه فأخدمه (فما قال لي قط أفّ) هو صوت دلّ على التضجر وهو مبنى على الكسر

والتنوين للتنكير، ومن فتح فعلى التخفيف وفيها لغات عديدة تقدمت الإشارة إليها، وفي ذلك حفظ أنس من الأفعال المحظورة، إذ لو وقعت منه لما سكت على شيء منها (ولا قال لشيء فعلته) جليلاً كان أو حقيراً كما يؤذن به تنكير شيء في سياق النفي (لم فعلته) سؤال عن سبب الفعل والباعث عليه (ولا لشيء لم أفعله ألا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام أداة عرض (فعلت كذا) وذلك منه كما تسليم منه لمولاه سبحانه وشهود لما يصدر من أقداره في عالم الشهادة، وأن ما ترك ولم يظهر مما لم يرد الله عدم ظهوره لا سبيل لظهوره فلا فائدة لطلب حصول ما لم يحصل ولا للسؤال عن السبب الحامل. وفيه كمال حسن خلقه، فإن شأن المجاورة والمخالطة تقتضي السؤال عن ذلك، ولكن حسن خلقه حمله على ألا يسأل عما وقع من خادمه (متفق عليه) .

٣٦٢٣ - (وعن الصعب) بتشديد المهملة الأولى وسكون الثانية آخره موحدة (ابن جثامة) بفتح الجيم وتشديد المثلثة، واسم جثامة يزيد بن قيس بن عبد الّله بن يعمر بن عوف بن عامر ابن ليث الليثي الحجازي، توفي (رضي الله عنه) في خلافة الصديق رضي الله عنه كذا في «التهذيب» للمصنف وفي «المستخرج المليح» لابن الجوزي، روى له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ـ

ستة عشر حديثاً، أخرج له في الصحيحين حديثان متفق عليهما وأحدهما يجمع حديثين للبخاري أحد الحديثين وما سوى ذلك متفق عليه (قال: أهديت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حماراً وحشياً) وهو أحد ما روي في هديته كما بينه الحافظ في أواخر الحج من «الفتح» (فرده عليّ) لأن المحرم لا يتعرض للصيد بوجه (فلما رأى ما في وجهي) من الأثر الناشيء فيه عن رد هديته فإن ذلك يكسر في نفس المهدي (قال: إنا لم نرده) بضم الدال على الأفصح إتباعاً لحركة الضمير، وقول القاضي بوجوب الضم فيه حينئذ رده المصنف في «شرح مسلم» بأنه أفصح، وإلا فيجوز فيه الكسر بضعف، والفتح هو أضعف منه، وممن ذكره ثعلب في الفصيح لكن غلطوه لكونه يوهم فصاحته ولم ينبه على ضعفه (عليك إلا لأنا حرم) بضمتين أي محرمون (متفق عليه) أخرجه البخاري في الحج وفي الهبة، ولفظه في الهبة «فلما رأى في وجهي» بإسقاط «ما» وأخرجه مسلم في الحج ورواه الترمذي فيه وقال: حسن صحيح، والنسائي وابن ماجه في الحج من «سننهما» .

٤٦٢٤ - (وعن النواس) بفتح النون وتشديد المهملة آخره سين مهملة (ابن سمعان) بفتح السين وكسرها، تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) مع الكلام على حديثه في باب الورع وترك الشبهات (قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن البر) أي الطاعة (والإثم) أي المعصية لأنها سببه (فقال البرّ) أي معظمه (حسن الخلق) وذلك لأنه يقتدر به صاحبه على محاسن الأفعال وترك رذائل الأعمال وهذا وضع الشريعة (والإثم ما حاك) بالمهملة أي تردد (في نفسك) أن تفعله لداعية النفس لفعله أو تتركه لكراهة النفس له لعدم وضوح جوازه شرعاً (وكرهت أن يطلع عليه الناس) أي فيعبرونه بفعله فإن النفس بطبعها تحب المدحة وتكره

المذمة (رواه مسلم) في البر والصلة.

٥٦٢٥ - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص) كذا فيما وقفت عليه بحذف الياء، وتقدم أن الأفصح إثباتها في مثله من كل منقوص حذفت لامه تخفيفاً (رضي الله عنهما قال: لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاحشاً) أي ليس ذا فحش في كلامه وأفعاله. والفحش ما يشتد قبحه من الأقوال والأفعال (ولا متفحشاً) أي متكلف ذلك ومتعمده (وكان يقول: إن من خياركم) عند البخاري «من أخيركم» بإثبات الألف في رواية وبحذفها في رواية الأصيلي، والأولى هي الأصل إلا أنهم تركوه غالباً فيها وفي شر (أحسنكم أخلاقاً) وذلك لما تقدم من دعاء حسن الخلق إلى المحاسن والانكفاف عن المساوي، ومن كان كذلك فلا شك في كونه من الخيار والأخيار، وقيل المراد منه هو لأنه أحسن خلقاً فيكون عاماً مراداً به خاص، والأول لما فيه من التهييج على التخلق بذلك أنسب (متفق عليه) أخرجه البخاري في صفة النبيّ وفي الأدب، وأخرجه مسلم في الفضائل، ورواه الترمذي في البرّ وقال: حسن صحيح.

٦٦٢٦ - (وعن أبي الدرداء) تقدمت ترجمته وبيان اسمه (رضي الله عنه) في باب ملاطفة اليتيم (أن النبي قال: ما من) مزيدة لتأكيد العموم المستفاد من (شيء) لكونه نكرة في سياق النفي وهو اسم ما وخبرها (أثقل في ميزان العبد المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق) وهذا الحديث ظاهر في أن نفس العمل بوزن بأن يجسد. وتجسد المعاني جائز كما جاء «يؤتى بالموت في صورة كبش» الحديث. وقد اختلف على ذلك في أقوال: ثانيها أن الموزون

الأعمال. ثالثها الموزون نفس العمل. وفي التقييد بالمؤمن إيماء إلى أن الكافر لا يوزن عمله لأنه لا طاعة له لتوزن في مقابلة كفره، وهو أحد قولين في ذلك أيضاً. وفيه إشارة إلى سوء خلق الكافر، وذلك لأنه ترك عبادة خالق كل شيء إلا عبادة من لا يخلق من شيء (وإن الله يبغض) بضم التحتية من الإبغاض، قال في «المصباح» : ولا يقال بغضته بغير ألف ويقال أبغضته فهو مبغض وبغضه الله بتشديد الغين فأبغضوه: أي لا يثنى عليه في عالم الملكوت خيراً أو لا يثيبه أو لا يوفقه (الفاحش البذيء. رواه الترمذي) في البر والصلة من «جامعه» (وقال: حديث صحيح) وفي «الجامع الصغير» بعد ذكر الحديث بلفظ «ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق» رواه أحمد وأبو داود. وعن أبي الدرداء بلفظ «ما من شيء يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق، وإن صاحب الخلق الحسن ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة» رواه الترمذي عن أبي الدرداء (البذي) بفتح الموحدة وكسر المعجمة وتشديد التحتية على وزن فعيل من بذا يبذو وبذاء بالفتح والمد: سفه وأفحش في منطقة وإن كان كلامه صدوقاً، كذا في «المصباح» (هو الذي يتكلم بالفحش) أي الخارج عن الاعتدال من القول (ورديء الكلام) وقال العاقولي: البذي هو السىء الخلق، وهو ملازم لما قبله لأن الفحش إنما يصدر عنه.

٧٦٢٧ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله عن أكثر ما يدخل الناس الجنة) أي من الأعمال والأقوال والأحوال (فقال: تقوى الله وحسن الخلق) قال ابن القيم: جمع بينهما لأن تقوى الله تصلح ما بين العبد وبين ربه، وحسن الخلق يصلح ما بينه وبين خلقه (وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال: الفم والفرج) وذلك لأنه يصدر من الفم الكفر والغيبة والنميمة ورمي الغير في المهالك وإبطال الحق وإبداء الباطل وغير ذلك مما أشار إليه الشارع بقوله «وهل يكبّ الناس على وجوههم/ أو قال على مناخرهم إلا

حصائد ألسنتهم» وبقوله «وإن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين خريفاً» والفرج يصدر منه الزنى واللواط (رواه الترمذي) في أبواب الصبر والصلة (وقال: حديث حسن صحيح) .

٨٦٢٨ - (وعنه قال: قال رسول الله: أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً) وقد تقدم حديث «البرّ حسن الخلق» فكلما كان العبد أحسن أخلاقاً كان أكمل إيماناً. وفيه دليل زيادة الإيمان ونقصانه (وخياركم) أي عند الله سبحانه (خياركم) أي في الظاهر (لنسائهم) وذلك بالبشاشة وطلاقة الوجه وكفّ الأذى وبذل الندى والصبر على إيذائها، فالتغاير بين المسند إليه والمسند حاصل (رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح) وأورده في «الجامع الصغير» بلفظ «إن أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً وألطفهم بأهله» وقال: رواه الترمذي والحاكم في «مستدركه» عن عائشة، وقد تقدم الحديث مع شرحه في باب الوصية بالنساء.

٩٦٢٩ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه) الباء فيه سببية، قال العاقولي: قيل هو بسط الوجه وبذل الندى وكفّ الأذى، وقيل هو ألا يخاصم ولا يخاصم من شدة معرفته بالله تعالى. وقال سهل: أدنى حسن الخلق الاحتمال وترك المكافأة والرحمة للظالم والاستغفار له والشفقة عليه: أي ليبلغ بحسن خلقه الداعي له إلى التحلي بالمحامد والتخلي عن المذامّ (درجة الصائم القائم)

أي أعلى الدرجات، فإن أعلى درجات الليل درجات القائم في التهجد، وأعلى درجات النهار درجات الصائم في حرّ الهواجر (رواه أبو داود) وكذا أخرجه ابن حبان في «صحيحه» كما في «الجامع الصغير» .

١٠٦٣٠ - (وعن أبي أمامة) بضم الهمزة وتخفيف الميمين واسمه صدى بن عجلان (رضي الله عنه قال: قال رسول الله: أنا زعيم ببيت في ربض الجنة) بفتح الراء والموحدة وضاد معجمة: ما حولها خارجاً عنها تشبيهاً بالأبنية التي تكون حول المدينة وتحت القلاع، قاله في «النهاية» (لمن ترك المراء) بالكسر مصدر كالمماراة وهي المجادلة، ويقال ماريته أيضاً: إذا طعنت في قوله تزييفاً للقول وتصغيراً للقائل، ولا يقال المراء إلا اعتراضاً بخلاف الجدال فإن يكون ابتداء واعتراضاً، قاله في «المصباح» (وإن كان محقاً) بضم أوله وكسر المهملة فيما يماري ويجادل: أي وإن كان ذا الحق في نفس الأمر، وذلك لأنه بعد أن يرشد خصمه إليه ويأبى عن قبوله، وليس من طالبي الاستبصار فلا ثمرة للمراء إلا تضييع الوقت فيما هو كالعبث (وببيت في وسط الجنة) الواو عاطفة على ما قبله: أي وأنا زعيم ببيت في وسطها وهو بفتح المهملة: أي متوسطها، ويجوز إسكان المهملة كما في «المصباح» (لمن ترك الكذب) أي الإخبار بخلاف الواقع، والمراد ترك المذموم منه وهو مالا مصلحة راجحة فيه. فيكون عاماً مخصوصاً مما عدا ذلك، إذ قد يكون مندوباً تارة كالكذب للإصلاح بين المتخاصمين وواجباً أخرى، كما إذا تيقن ترتب هلاك معصوم على صدقه بالإخبار عنه، ودليل التخصيص الأحاديث الواردة باستثناء ذلك (وإن كان مازحاً) أي بكذبه غير قاصد به الجد ولا يتناول التعريض فإنه ليس بكذب أصلاً كقول إبراهيم: {إني سقيم} أي سأسقم، وقوله في سارة إنهاأخته: أي باعتبار الإسلام وإطلاق الكذب على ذلك في بعض الأحاديث من مجاز المشاكلة: أي ظاهر صورته ذلك (وببيت في أعلى الجنة) هو ظاهر في أن المراد بوسط الجنة فيما قبله متوسط درجاتها ومنازلها، ففيه شرف كل من ترك الكذب وحسن الخلق على ما

قبله (لمن حسن) بتشديد السين المهملة (خلقه) وفي الإتيان به بصيغة التفعيل إيماء إلى مشقة التخلق بذلك والاحتياج فيه إلى مزاولة للنفس

ورياضة لها (حديث صحيح رواه أبو داود) في الأدب (بإسناد) هو رجال السند (صحيح) أي ولا علة بالمتن ولا شذوذ فلذا صحح المصنف المتن، وإلا فظاهر أنه لا يلزم من صحة الإسناد صحة المتن لجواز عروض شذوذ أو نكارة أو علة فادحة (الزعيم) بوزن عظيم بالزاي والعين المهملة والتحتية (الضامن) ومنه قوله تعالى: {قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم} (يوسف: ٧٢) .

١١٦٣١ - (وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله قال: إن من أحبكم إليّ) أي أكثركم حباً إليّ: أي اتباعاً لسنتي (وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة) أي في الجنة فإنها دار الراحة والجلوس، أما الموقف فالناس فيه قيام لرب العالمين، والنبيّ حينئذ قائم للشفاعة للعباد وتخليصهم مما هم فيه من الكرب إذ هو المقام المحمود الذي أعطيه يومئذ، ويوم تنازعه الوصفان قبله، ويحتمل ألاّ يكون من ذلك ويكون للأقرب منه (أحاسنكم أخلاقاً) جمع أفعل التفضيل هنا وأفرده في حديث أبي هريرة السابق، لأن المضاف إلى المعرفة يجوز فيه الوجهان، وأخلاقاً جمع خلق بضمتين أو بضم فسكون تخفيفاً ويجمع على خلائق أيضاً كما قاله الحافظ في كتاب الإنقاض في دفع الاعتراض (وإن أبغضكم إليّ وأبعدكم مني) حذف الظرف لدلالة ما قبله عليه أو لزيادة التفظيع للمعصية وشناعتها بتعميم البعد للمجلس والموقف لأن حذف المعمول يؤذن به. قال العاقولي في «شرح المصابيح» : هذا الحديث مبني على قاعدة هي أن المؤمنين من حيث الإيمان محبوبون ويتفاضلون بعد في صفات الخير وشعب الإيمان، فيتميز الفاضل بزيادة محبة، وقد يتفاوتون في الرذائل فيصيرون مبغوضين من حيث ذلك ويصير بعضهم أبغض من بعض، وقد يكون الشخص الواحد محبوباً من وجه مبغوضاً من وجه. وعلى هذه القاعدة فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحبّ المؤمنين كافة من حيث هم مؤمنون، وحبه لأحسنهم خلقاً أشد، ويبغض العصاة من حيث هم عاصون، وبغضه لأسوئهم

أخلاقاً أشد، كما يؤخذ ذلك من المعاملة. بل جاء عند البيهقي في «الشعب» «وإنّ أبغضكم إليّ وأبعدكم مني مساوئكم أخلاقاً الثرثارون» والحديث أورده في «المشكاة» من حديث أبي ثعلبة الخشني (الثرثارون والمتشدقون) بضم الميم وبفتح أوليه وكسر الدال المشددة (والمتفيهقون) أي إنهم الذين يتعمقون في الكلام، والتشدق: تكلف السجع والفصاحة والتصنع بالمقامات، وهو بضم الميم وفتح أوليه وكسر الهاء (قالوا) أي الحاضرون من الصحابة، ولم أقف على أسمائهم (يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون) كذا هو بالواو في الأصول على الحكاية لما وقع منه في لفظ الخبر، أي عرفنا المراد منهما (فما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون. رواه الترمذي وقال: حديث حسن) ورواه البيهقي بنحوه في «الشعب» من حديث ثعلبة الخشني، وليس فيه قالوا قد علمنا الخ (والثرثار) بالمثلثتين المفتوحتين بينهما راء ساكنة (هو كثير الكلام) تكلفاً. زاد العاقولي: وخروجاً عن الحق، والثرثرة كثرة الكلام وترديده (والتشدق: المتطاول على الناس بكلامه ويتكلم بملء فيه تفاصحاً وتعاظماً لكلامه) قال ابن الحاجب في «الشافية» : ويجىء بمعنى تفاعل ليدل على أن الفاعل أظهر أن أصله: أي الفعل حاصل له وهو منتف عنه: نحو تجاهلت وتغافلت اهـ.u وما نحن فيه من هذا: أي لإظهار أن عنده الفصاحة. وعظم الكلام وهما منتفيان عنه. وقال العاقولي: قيل المتشدق المتوسع في الكلام من غير احتياط واحتراز. وقيل هو المستهزىء بالناس يلوي شدقه بهم وعليهم (والمتفيهق أصله) أي اشتقاقه (من الفهق) بفتح الفاء وسكون الهاء وبالقاف (وهو الامتلاء) زاد العاقولي: والاتساع، يقال أفهقت الإناء ففهق فهقاً (وهو الذي يملأ فمه بالكلام ويتوسع فيه) بالإتيان بالزائد على الحاجة على سبيل الإطناب والإسهاب (ويغرب به) أي يأتي بالألفاظ الوحشية الاستعمال، الغير المألوفة في الكلام

(تكبراً) علة ملء الفم بالكلام (وارتفاعاً) علة التوسع فيه

(وإظهاراً للفضيلة على غيره) بالاطلاع على غريب الألفاظ والوصول إلى محاسن النفس والرضا عنها، وفي ذلك الإغماض عن محاسن السوى والإعراض عنها وهو الكبر.

(

وروى الترمذي) في «جامعة» (عن عبد الله بن المبارك) بن واضح الحنظلي التميمي مولاهم أبو عبد الرحمن المروزي الأئمة الأعلام، حمل عن أربعة آلاف شيخ، وروى عن ألف منهم، وقيل له: إلى متى تكتب العلم؟ فقال: لعل الكلمة التي أنتفع بها ما كتبتها بعد، قال ابن مهدي: كان ينسخ وحده وكان يفضله على الثوري، وقال: ما رأيت أنصح للأمة منه، وقال ابن عيينة: ما رأيت للصحابة عليه فضلاً إلا بصحبتهم للنبي وغزوهم معه، وقال: كان ففيهاً عالماً زاهداً سخياً شجاعاً شاعراً، وقال الفضيل: ما خلف بعده مثله، وقال ابن سعد: كان ثقة مأموناً إماماً حجة. ولد سنة ثماني عشرة ومائة ومات منصرفاً من الغزو بهيت سنة إحدى وثمانين ومائة، زاد غيره في رمضان، وقد بسطت ترجمته في كتابي «رجال الشمائل» (رحمه الله في تفسير حسن الخلق قال: هو طلاقة الوجه) أي فرح ظاهر البشرة ويقال هو طليق الوجه وطلقه، وقال أبو زيد: طلق الوجه متهلل بسام (وبذل المعروف) من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة للكلمة الطيبة باللسان وبذل الندى والإحسان باليد وغير ذلك من صنائع المعروف (وكف الأذى) من قول وفعل عن الناس. وقد جمع جماعة محاسن الأخلاق في قوله تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} (الأعراف: ١٩٩) وقيل حسن الخلق احتمال المكروه الذي ينزل به بحسن المداراة بترك حظه من الدنيا وتحمل الأذى من غير إفراط ولا تفريط، وقال الحافظ: حسن الخلق اختيار الفضائل وترك الرذائل، وقال السيوطي: قال الباجي: هو أن يظهر منه لمن يجالسه أو ورد عليه البشر والحلم والإشفاق والصبر على التعليم والتودد إلى الصغير والكبير، والله تعالى أعلم.

📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري

عظيمة مرتفعة المقدار على الناس، ويجوز أَن تكون للمصاحبة أَي يوافقها على ما تريد من الاستعلاء.

قلت: ويشهد لهذا قوله تعالى: {فَأَمَّا مَن طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات (٣٧: ٣٩) ] .

[٧٣- باب حسن الخلق]

قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم (٤) ] .

حسن الخلق: بسط الوجه وبذل المعروف، وكفُّ الأذى. وقال علي: الخلق العظيم آداب القرآن. وقال - صلى الله عليه وسلم -: «بُعثت لأُتمِّم مكارم الأخلاق» .

وقال تَعَالَى: {وَالكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران (١٣٤) ] الآية.

أي: إذا ثار بهم الغيظ كظموه وعفوا عمَّن أساء إليهم.

قال الثوري: الإِحسان أن تُحسن إلى المسيء.

وفي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاث أُقسم عليهنَّ: ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفوا إلا عِزًّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه» .

[٦٢١] وعن أنس - رضي الله عنه - قال: كَانَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أحْسَنَ النَّاس خُلُقاً. متفقٌ عَلَيْهِ.

كان حسن الخلق غريزة في النبي - صلى الله عليه وسلم - جبله الله عليها، واكتسابًا من القرآن، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «أَدبني ربي فأَحسن تأديِبِي» .

[٦٢٢] وعنه قَالَ: مَا مَسِسْتُ دِيبَاجاً وَلا حَرِيراً ألْيَنَ مِنْ كَفِّ ... رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَلا شَمَمْتُ رَائِحَةً قَطُّ أطْيَبَ مِنْ رَائِحَةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَلَقَدْ خدمتُ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَشْرَ سنين، فما قَالَ لي قَطُّ: أُفٍّ، وَلا قَالَ لِشَيءٍ فَعَلْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَه؟ وَلا لشَيءٍ لَمْ أفعله: ألا فَعَلْتَ كَذا؟. متفقٌ عَلَيْهِ.

قوله: (ألين من كف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) ، وورد في حديث آخر: أَنه شعث الكف والقدمين، فقيل: إن اللين بحسب أَصل الخلقة والخشونة لعرض عمل.

وفي الحديث: كمال خلقه - صلى الله عليه وسلم - وتسليمه للقدر.

[٦٢٣] وعن الصعب بن جَثَّامَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: أهديتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - حِمَاراً وَحْشِيّاً، فَرَدَّهُ عَلَيَّ، فَلَمَّا رأى مَا في وجهي، قَالَ: «إنّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلا أنّا حُرُمٌ» . متفقٌ عَلَيْهِ.

في هذا الحديث: الحكم بالعلامة، لقوله: (فلما رأى ما في وجهي) .

وفيه: جواز رد الهداية لعلة، والاعتذار عن ردها تطيبًا لقلب المهدي.

[٦٢٤] وعن النَّوَاس بنِ سمعان - رضي الله عنه - قَالَ: سألتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عن البِرِّ وَالإثم، فَقَالَ: «البِرُّ: حُسنُ الخُلقِ، والإثمُ: مَا حاك في صدرِك، وكَرِهْتَ أن يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ» . رواه مسلم.

البر: الطاعة، والإِثم: المعصية، حسن الخلق يقتدر به صاحبه على فعل المحاسن وترك المساوئ، والإِثم يذم صاحبه، والنفس بطبعها تحب المدح، وتكره الذمَّ.

[٦٢٥] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قَالَ: لَمْ يكن رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فَاحِشاً وَلا مُتَفَحِّشاً، وكان يَقُولُ: «إنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أحْسَنَكُمْ أخْلَاقاً» . متفقٌ عَلَيْهِ.

الفحش: ما يشتد قبحه من الأَقوال والأَفعال. والتفحش: تكلّف ذلك، أي: ليس ذا فحش في كلامه وأَفعاله.

وقوله: «إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا» . لأَن حسن الخلق يدعو إِلى المحاسن، وترك المساوئ.

[٦٢٦] وعن أَبي الدرداءِ - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَا مِنْ شَيْءٍ أثْقَلُ في مِيزَانِ العبدِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ، وَإنَّ الله يُبْغِضُ الفَاحِشَ البَذِيَّ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

«البَذِيُّ» : هُوَ الَّذِي يتكلَّمُ بِالفُحْشِ ورديء الكلامِ.

في هذا الحديث: فضيلة حسن الخلق، لأَنه يورث لصاحبه محبة الله، ومحبة عباده.

وفيه: قبح الفحش والبذاءة، لأَنه يورث البغض من الله وعباده.

[٦٢٧] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: سُئِلَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عَنْ أكثرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: «تَقْوَى اللهِ وَحُسنُ الخُلُقِ» ، وَسُئِلَ عَنْ أكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ، فَقَالَ: «الفَمُ وَالفَرْجُ» . رواه الترمذي، وقال: ... «حديث حسن صحيح» .

التقوى تصلح ما بين العبد وبين ربه، وحسن الخلق يصلح ما بينه وبين خلقه.

[٦٢٨] وعنه، قال: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أكْمَلُ المُؤمنينَ إيمَاناً أحسَنُهُمْ خُلُقاً، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

كلما كان العبد أَحسن أَخلاقًا كان أَكمل إيمانًا.

وقوله: «وخياركم خياركم لنسائهم» . وذلك بالبشاشة وطلاقه الوجه، وكف الأَذى، وبذل الندى، والصبر على إيذائها. وفي رواية: «إِن أكمل المؤمنين إيمانًا أَحسنهم خلقًا وألطفهم بأهله» .

[٦٢٩] وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: سَمِعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إنَّ المُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بحُسْنِ خُلُقِه دَرَجَةَ الصَّائِمِ القَائِمِ» . رواه أَبُو داود.

في هذا الحديث: فضيلة حسن الخلق، وأَنه يبلغ صاحبه أَعْلى الدرجات. وبسط الوجه، وبذل الندى، وكف الأذى.

[٦٣٠] وعن أَبي أُمَامَة الباهِليِّ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أنَا زَعِيمٌ ببَيتٍ في ربَض الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ المِرَاءَ، وَإنْ كَانَ مُحِقّاً، وَبِبَيْتٍ في وَسَطِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الكَذِبَ، وَإنْ كَانَ مَازِحاً، وَبِبَيْتٍ في أعلَى الجَنَّةِ لِمَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ» . حديث صحيح، رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.

«الزَّعِيمُ» : الضَّامِنُ.

في هذا الحديث: استحباب ترك الجدال، وفي بعض الآثار: (إذا أراد الله بعبد خيرًا فتح له باب العلم، وأغلق عنه باب الجدل، وإذا أراد بعبد شرًا فتح له باب الجدل، وأَغلق عنه باب العلم) .

وفيه: الحث على التخلق بحسن الخلق وترك الكذب.

[٦٣١] وعن جابر - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إنَّ مِنْ أحَبِّكُمْ إليَّ، وَأقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِساً يَوْمَ القِيَامَةِ، أحَاسِنَكُم أخْلَاقاً، وَإنَّ أبْغَضَكُمْ إلَيَّ وَأبْعَدَكُمْ مِنِّي يَوْمَ القِيَامَةِ، الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ وَالمُتَفَيْهقُونَ» قالوا: يَا رسول الله، قَدْ عَلِمْنَا «الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ» ، فمَا المُتَفَيْهقُونَ؟ قَالَ: ... «المُتَكَبِّرُونَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

«الثَّرْثَارُ» : هُوَ كَثِيرُ الكَلَامِ تَكَلُّفاً. وَ «المُتَشَدِّقُ» : المُتَطَاوِلُ ... عَلَى النَّاسِ بِكَلَامِهِ، وَيَتَكَلَّمُ بِمَلءِ فِيهِ تَفَاصُحاً وَتَعْظِيماً لِكَلامِهِ، ... وَ «المُتَفَيْهِقُ» : أصلُهُ مِنَ الفَهْقِ وَهُوَ الامْتِلَاءُ، وَهُوَ الَّذِي يَمْلأُ فَمَهُ بِالكَلَامِ وَيَتَوَسَّعُ فِيهِ، ويُغْرِبُ بِهِ تَكَبُّراً وَارْتِفَاعاً، وَإظْهَاراً للفَضيلَةِ عَلَى غَيْرِهِ.

وروى الترمذي عن عبد الله بن المباركِ رحِمه الله في تفسير حُسْنِ الخُلُقِ، قَالَ: «هُوَ طَلَاقَةُ الوَجه، وَبَذْلُ المَعروف، وَكَفُّ الأذَى» .

قال الحافظ: حسن الخلق: اختيار الفضائل، وترك الرذائل، وقد جمع جماعة محاسن الأخلاق في قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف (١٩٩) ] .

[٧٤- باب الحلم والأناة والرفق]

قَالَ الله تَعَالَى: {وَالكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنينَ} [آل عمران (١٣٤) ] .

في هذه الآية تحريض على التخلُّق بالإِحسان إلى الناس من العفو عنهم وكظم الغيظ، وغير ذلك.

وقال تَعَالَى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأعْرِضْ عَنِ الجَاهِلينَ} ... [الأعراف (١٩٩) ] .

قال مجاهد: {خُذِ الْعَفْوَ} ، يعني: من أخلاق الناس من غير تجسُّس.

وقوله تعالى: {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} ، أي المعروف، وكل ما يعرفه الشرع، {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} إذا تسفه عليك الجاهل فلا تقابله بالسفه.

قال الشعبي: لما أنزل الله عزَّ وجلَّ على نبيه - صلى الله عليه وسلم - {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} قال: «ما هذا يَا جبريل؟» قال: «إنَّ الله أمرك أن تعفو عمَّن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك» .

وقال تَعَالَى: {وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أحْسَنُ فَإذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت (٣٤، ٣٥) ] .

قال ابن عباس: أمر الله المؤمنين بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإِساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوّهم كأنه وليٌّ حميم.

وقال قتادة: الحظ العظيم: الجنة.

وقال تَعَالَى: {وَلَمنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [الشورى (٤٣) ] .

أي: من صبر على الأذى ولم يجاز على السيئة، فإن ذلك من عزم الأمور المشكورة التي أمر الله بها.

[٦٣٢] وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لأَشَجِّ عَبْدِ القَيْسِ: «إنَّ فيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ وَالأنَاةُ» . رواه مسلم.

الحلم والأناة من صفات العقلاء. وسبب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك للأشج. ما جاء في حديث الوفد، أنهم لما وصلوا المدينة بادروا إِلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأقام الأَشج عند رحالهم فجمعها، وعقل ناقته، ولبس أَحسن ثيابه ثم أَقبل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقربه وأَجلسه إلى جانبه. ثم قال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم -: «تبايعوني على أَنفسكم، وقومكم» . فقال القوم: نعم. فقال الأشج: يَا رسول الله، إنك لم تزاول الرجل على شيء أشد عليه من دينه. نبايعك على أَنفسنا، ونرسل من يدعوهم. فمن أتبعنا كان منَّا، ومن أَبى قاتلناه. قال: «صدقت، إن فيك خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا الله. الحلم، والأناة» ، قال: يَا رسول

الله، أكانا فِيَّ أم حدثًا، قال: «بل قديم» . قال: الحمد الله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله.

[٦٣٣] وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ اللهَ رفيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّه» . متفقٌ عَلَيْهِ.

[٦٣٤] وعنها أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفقَ، وَيُعْطي عَلَى الرِّفق، مَا لا يُعْطِي عَلَى العُنْفِ، وَمَا لا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ» . رواه مسلم.

[٦٣٥] وعنها أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إنَّ الرِّفْقَ لا يَكُونُ في شَيْءٍ إلا زَانَهُ، وَلا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إلا شَانَهُ» . رواه مسلم.

الرِّفق: لين الجانب بالقول والفعل، والأَخذ بالأَسهل، وهو ضد العنف،

وهو الشدة والمشقة، فصاحب الرفق يدرك حاجته أَو بعضها، وصاحب العنف لا يدركها، وإِن أَدركها فبمشقة، وحريٌّ أن لا تتم.

[٦٣٦] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: بَال أعْرَابيٌّ في المسجدِ، فَقَامَ النَّاسُ إِلَيْهِ لِيَقَعُوا فِيهِ، فَقَالَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «دَعُوهُ وَأرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوباً مِنْ مَاءٍ، فَإنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَم تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» . رواه البخاري.

«السَّجْلُ» بفتح السين المهملة وإسكان الجيم: وَهِيَ الدَّلو الْمُمْتَلِئَةُ مَاءً، وَكَذلِكَ الذَّنُوبُ.

في هذا الحديث: الرفق في إنكار المنكر، وتعليم الجاهل.

وفي رواية ابن ماجة: فقال الأعرابي بعد أَن فقه: بأَبي وأُمي - صلى الله عليه وسلم -، فلم يؤنب ولم يسب، فقال: «إِن هذا المسجد لا يُبال فيه، وإِنما بُني لذكر الله، والصلاة فيه» .

وفي الحديث أيضًا: نجاسة بول الآدمي، ووجوب تنزيه المسجد، وأَنه يكتفي في ذلك بصب الماء عليها من غير تحجير.

[٦٣٧] وعن أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «يَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلا تُنَفِّرُوا» . متفقٌ عَلَيْهِ.

اليسر: ضد العسر. قال الله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج (٧٨) ] . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب» والتعسير يوجب التنفير.

[٦٣٨] وعن جريرِ بنِ عبدِ اللهِ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «مَنْ يُحْرَمِ الرِفْقَ، يُحْرَمِ الخَيْرَ كلَّهُ» . رواه مسلم.

فيه الحث على الرفق في جميع الأمور، قال الله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران (١٥٩) ] .

[٦٣٩] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رَجُلاً قَالَ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أوْصِني. قَالَ: «لا تَغْضَبْ» ، فَرَدَّدَ مِرَاراً، قَالَ: «لا تَغْضَبْ» . رواه البخاري.

الغضب: جماع الشر، وباب من مداخل الشيطان الثلاثة وهي: الغفلة، والشهوة، والغضب. قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: قد أفلح من عصم من الهوى، والغضب، والطمع.

[٦٤٠] وعن أَبي يعلى شَدَّاد بن أوسٍ - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إنَّ الله كَتَبَ الإحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإذَا قَتَلْتُم فَأحْسِنُوا القِتْلَة، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَليُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَه، وَلْيُرِح ذَبِيحَتَهُ» . رواه مسلم.

معنى إِحسان القتلة: أَن لا يقصد التعذيب للمقتول وإِحسان الذبحة أن يرفق بالبهيمة عند الذبح. قال الإِمام أحمد: ما أبهمت عليه البهائم فلم تبهم أَنها تعرف ربها، وتعرف أَنها تموت.

[٦٤١] وعن عائشة رضي الله عنها قالت: مَا خُيِّرَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَ أمْرَيْنِ قَطُّ إلا أَخَذَ أيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إثماً، فَإنْ كَانَ إثماً، كَانَ

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.6 / 29.5
الإضاءة 66%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل