«كَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥٢٣

الحديث رقم ١٥٢٣ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى وتزودوا فإن خير الزاد التقوى.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون…

«كَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ، فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾» رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ: مُرْسَلًا.

سند حديث: ١٥٢٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بِشْرٍ…

١٥٢٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بِشْرٍ: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:

⦗١٣٤⦘

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون…

أخبر ابن عباس رضي الله عنهما أن أهل اليمن كانوا يقصدون الحج بدون أن يتزودوا ويأخذوا ما يكفيهم من الطعام والشراب، ويقولون: نحن المعتمدون على الله عز وجل، ولا يكون المتوكل شرعيًّا إلا إذا أخذ بالأسباب المادية المألوفة، وإلا فهو تواكل، فإذا جاؤوا إلى مكة سألوا الناس أن يزوِّدوهم من الطعام والشراب، فأنزل الله تعالى: {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى}، فأمرهم الله عز وجل أن يأخذوا معهم ما يبلغهم سفرهم ويستغنون به عن سؤال الناس، وأخبر عز وجل أن خير الزاد هو خشية الله تعالى والعمل للآخرة، ومنه عدم التواكل، هذا مع إشارة إلى أن التزود للآخرة أولى بالاهتمام من التزود لسفر الدنيا، وليس فيه ذم التوكل؛ لأن ما فعلوه تأكل، أما التوكل فقطع التعلق بالأسباب مع فعلها.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • بيان سبب نزول الآية.
  • التزود للآخرة أولى بالاهتمام من التزود لسفر الدنيا.
  • ليس في الآية ذم للتوكل، وإنما فيها ذم التواكل.
  • دفع الضرر المتوقع أو الواقع لا ينافي التوكل، بل هو واجب.
  • ترك السؤال من التقوى، ويؤيده أن الله مدح من لم يسأل الناس إلحافًا.
  • التوكل لا يكون مع السؤال، وإنما التوكل المحمود ألا يستعين بأحد في شيء، وقيل هو قطع النظر عن الأسباب بعد تهيئة الأسباب كما قال عليه الصلاة والسلام: (اعقلها وتوكل).

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٥٢٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بِشْرٍ) بكسر المُوحَّدة وسكون الشِّين المعجمة، قال ابن خُلْفون: هو الحَريريُّ -بفتح الحاء المُهمَلة- البلخيُّ الزَّاهد، روى عنه البخاريُّ في «الحجِّ» و «هجرة النَبيِّ » [خ¦٣٩١٥] وروى عنه مسلمٌ، مات لخمسٍ خلَوْن من المُحرَّم سنة اثنتين (١) وثلاثين ومئتين، قال: وقد فرَّق بعض النَّاس بين يحيى بن بشرٍ البلخيِّ الزَّاهد (٢) وبين يحيى بن بشرٍ الحريريِّ، فجعلهما رجلين يروي البخاريُّ عن البلخيِّ، ويروي مسلمٌ عن الحريريِّ. انتهى. وكذا جعلهما ابن طاهرٍ وأبو عليٍّ الجيَّانيُّ واحدًا، والصَّواب التَّفرقة، قال: (حَدَّثَنَا شَبَابَةُ) بفتح الشِّين المعجمة وتخفيف المُوحَّدة الأولى، ابن سوَّارٍ (عَنْ وَرْقَاءَ) بفتح الواو وسكون الرَّاء ممدودًا، ابن عمرو بن كليبٍ اليشكريِّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ) بفتح العين وسكون الميم (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ أَهْلُ اليَمَنِ يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ) زاد ابن أبي حاتمٍ عن ابن عبَّاسٍ من وجهٍ آخر: يقولون: نحجُّ بيت الله، أفلا يطعمنا؟ (وَيَقُولُونَ: نَحْنُ المُتَوَكِّلُونَ) على الله تعالى (فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ) ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ: «المدينة» والأوَّل أصوب، لكنَّه (٣) ضُبِّب في «اليونينيَّة» عليه (٤) (سَأَلُوا النَّاسَ) الزَّاد (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى (٥): ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]) وليس فيه ذمُّ التَّوكُّل لأنَّ ما فعلوه تآكلٌ لا توكُّلٌ، لأنَّ التَّوكُّلَ قطعُ النَّظر عن الأسباب مع تهيئتها، لا ترك الأسباب بالكلِّيَّة، فدفع الضَّرر المُتوقَّع أو الواقع لا يناقض (٦) التَّوكُّل، بل هو واجبٌ كالهرب من الجدار الهاوي وإساغة

اللُّقمة بالماء والتَّداوي، وأمَّا ما رُوِي عن جماعةٍ من الصَّحابة والتَّابعين من ترك التَّداوي فيحتمل أن يكون المريض قد كُوشِف بأنَّه لا يبرأ، وعليه يُحمَل ترك الصِّدِّيق التَّداوي، أو يكون مشغولًا بخوف العاقبة، وعليه يُحمَل ما رُوِي أنَّ أبا الدَّرداء قِيلَ له: ما تشتكي؟ فقال: ذنوبي، فقِيلَ له: ألا ندعو لك طبيبًا؟ قال: الطَّبيب أمرضني، وقِيلَ غير ذلك.

وهذا الحديث أخرجه أبو داود في «الحجِّ»، والنَّسائيُّ في «السِّير» و «التَّفسير».

(رَوَاهُ) أي: الحديثَ المذكور (ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيانُ (عَنْ عَمْرٍو) يعني (١): ابن دينارٍ (عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا) لم يُذكرَ فيه ابن عبَّاسٍ، وكذا رواه سعيد بن منصور عن ابن عُيَيْنَة، وأخرجه الطَّبريُّ عن عمرو بن عليٍّ، وابنُ أبي حاتمٍ عن محمَّد بن عبد الله بن يزيد المقري (٢)، كلاهما عن ابن عيينة مُرسَلًا، قال ابن أبي حاتمٍ: وهو أصحُّ من رواية ورقاء، قال الحافظ ابن حجرٍ: قد اختُلِف فيه على ابن عيينة، فأخرجه النَّسائيُّ عن سعيد بن عبد الرَّحمن المخزوميِّ عنه موصولًا بذكر (٣) ابن عبَّاسٍ فيه؛ لكن حكى الإسماعيليُّ عن ابن صاعدٍ: أنَّ سعيدًا حدَّثهم به في «كتاب المناسك» موصولًا، قال: وحدَّثنا به في حديث عمرو بن دينارٍ، فلم يجاوز به عكرمة. انتهى. والمحفوظ عن ابن عُيَيْنَةَ ليس فيه ابن عبَّاسٍ؛ لكن لم ينفرد شَبَابةُ بوصله، فقد أخرجه الحاكم في «تاريخه» من طريق الفرات بن خالدٍ عن سفيان الثَّوريِّ عن ورقاء موصولًا، وأخرجه ابن أبي حاتمٍ من وجهٍ آخر عن ابن عبَّاسٍ، كما سبق.

(٧) (بَابُ مُهَلِّ أَهْلِ مَكَّةَ لِلْحَجِّ وَالعُمْرَةِ) بضمِّ الميم وفتح الهاء (٤) وتشديد اللَّام، أي: موضع إهلالهم، وهو في الأصل: رفع الصَّوت بالتَّلبية، ثمَّ أُطلِق على نفس الإحرام اتِّساعًا، قال أبو البقاء: وهو مصدرٌ بمعنى الإهلال؛ كالمُدخَل والمُخرَج بمعنى: الإدخال والإخراج، قال البدر الدَّمامينيُّ: جعله هنا مصدرًا يحتاج إلى حذفٍ أو تأويلٍ ولا داعي إليه.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

بِكَسْر الْهَاء. وَقَالَ ابْن حزم، رَحمَه الله تَعَالَى: الْجحْفَة مَا بَين الْمغرب وَالشمَال من مَكَّة، وَمِنْهَا إِلَى مَكَّة اثْنَان وَثَمَانُونَ ميلًا وَالله تَعَالَى أعلم.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: رد على عَطاء وَالنَّخَعِيّ وَالْحسن فِي زعمهم أَن لَا شَيْء على من ترك الْمِيقَات وَلم يحرم، وَهُوَ يُرِيد الْحَج وَالْعمْرَة، وَهُوَ شَاذ. وَنقل ابْن بطال عَن مَالك وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ أَنه يرجع من مَكَّة إِلَى الْمِيقَات، وَاخْتلفُوا إِذا رَجَعَ: هَل عَلَيْهِ دم أم لَا؟ فَقَالَ مَالك وَالثَّوْري فِي رِوَايَة: لَا يسْقط عَنهُ الدَّم بِرُجُوعِهِ إِلَيْهِ محرما، وَهُوَ قَول ابْن الْمُبَارك. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِن رَجَعَ إِلَيْهِ فلبى فَلَا دم عَلَيْهِ بِرُجُوعِهِ إِلَيْهِ محرما، وَإِن لم يلب فَعَلَيهِ دم. وَقَالَ الثَّوْريّ فِي رِوَايَة، وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ: لَا دم عَلَيْهِ إِذا رَجَعَ إِلَى الْمِيقَات بعد إِحْرَامه على كل وَجه أَي: قبل أَن يطوف، فَإِن طَاف فالدم بَاقٍ، وَإِن رَجَعَ. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: الْإِحْرَام بِالْعُمْرَةِ لَا يلْزم أَن يكون من الْمَذْكُورَات، بل يَصح من الْجِعِرَّانَة، وَنَحْوهَا. قلت: هِيَ للمكي وَأما الآفاقي فَلَا يَصح لَهُ الْإِحْرَام بهَا إلَاّ من الْمَوَاضِع الْمَذْكُورَة.

٦ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: {وتَزَوَّدُوا فإنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} (الْبَقَرَة: ٧٩١) .)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التزود الْمَأْمُور بِهِ فِي قَول الله تَعَالَى: {وتزودوا} (الْبَقَرَة: ٧٩١) . وَإِنَّمَا أَمر بالتزود ليكف الَّذِي يحجّ وَجهه عَن النَّاس. قَالَ الْعَوْفِيّ: عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (كَانَ أنَاس يخرجُون من أَهْليهمْ لَيْسَ مَعَهم زَاد، يَقُولُونَ: نحجّ بَيت الله وَلَا يطعمنا؟ فَقَالَ الله: تزودوا مَا يكف وُجُوهكُم عَن النَّاس) وروى ابْن جرير وَابْن مرْدَوَيْه من حَدِيث عَمْرو بن عبد الْغفار عَن نَافِع عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: (كَانُوا إِذا أَحْرمُوا وَمَعَهُمْ أَزْوَادهم رموا بهَا واستأنفوا زادا آخر، فَأنْزل الله تَعَالَى: {وتزودوا فَإِن خير الزَّاد التَّقْوَى} (الْبَقَرَة: ٧٩١) . فنهوا عَن ذَلِك وَأمرُوا أَن يتزودوا الكعك والدقيق والسويق، ثمَّ لما أَمرهم بالزاد للسَّفر فِي الدُّنْيَا أرشدهم إِلَى زَاد الْآخِرَة، وَهُوَ اسْتِصْحَاب التَّقْوَى إِلَيْهَا، وَذكر أَنه خير من هَذَا وأنفع. قَالَ عَطاء الْخُرَاسَانِي: فِي قَوْله: {فَإِن خير الزَّاد التَّقْوَى} (الْبَقَرَة: ٧٩١) . يَعْنِي: زَاد الْآخِرَة، وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث قيس عَن جرير بن عبد الله عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (من تزَود فِي الدُّنْيَا يَنْفَعهُ فِي الْآخِرَة) . ثمَّ قَالَ: {واتقونِ يَا أولي الْأَلْبَاب} (الْبَقَرَة: ٧٩١) . يَقُول: اتَّقوا عقابي ونكالي وعذابي لمن خالفني، وَلم يأتمر بأَمْري يَا ذَوي الْعُقُول والأفهام.

٣٢٥١ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بِشْرٍ قَالَ حدَّثنا شَبابَةَ عنْ وَرْقَاءَ عَن عَمْرِو بنِ دِينَارٍ عَن عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَالَ كانَ أهْلُ اليَمَنِ يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ ويَقُولُونَ نَحْنُ المُتَوَكِّلُونَ فَإِذا قَدِمُوا المَدينةَ سًّلُوا النَّاسَ فأنْزلَ الله تَعَالَى وتَزَوَّدُوا فإنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يبين سَبَب نزُول الْآيَة الَّتِي ترْجم بهَا الْبَاب.

ذكر رِجَاله: وهم: سِتَّة: الأول: يحيى بن بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: أَبُو زَكَرِيَّا أحد عباد الله الصَّالِحين، مَاتَ سنة ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: شَبابَة، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَبعد الْألف بَاء أُخْرَى: ابْن سوار الْفَزارِيّ، مر فِي: بَاب الصَّلَاة على النُّفَسَاء، فِي كتاب الْحيض. الثَّالِث: وَرْقَاء مؤنث الأورق، ابْن عَمْرو بن كُلَيْب أَبُو بشر الْيَشْكُرِي، مر فِي: بَاب وضع المَاء فِي الْخَلَاء، الرَّابِع: عَمْرو، بِفَتْح الْعين: ابْن دِينَار، مر فِي: بَاب كتاب الْعلم. الْخَامِس: عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس. السَّادِس: عبد الله ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: إِن شَيْخه من أَفْرَاده وَإنَّهُ بلخي وَأَن شَبابَة مدائني وَأَن أصل وَرْقَاء من خوارزم، وَقيل؛ من الْكُوفَة، سكن الْمَدَائِن، وَأَن عَمْرو بن دِينَار مكي وَأَن عِكْرِمَة مدنِي وَأَصله من البربر.

ذكر من أخرجه غَيره أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحَج عَن أبي مَسْعُود أَحْمد بن الْفُرَات وَمُحَمّد بن عبد الله المخرمي، كِلَاهُمَا عَن شَبابَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير وَفِي التَّفْسِير عَن سعيد ابْن عبد الرَّحْمَن.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فَإِذا قدمُوا الْمَدِينَة) ، هَذِه رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (فَإِذا

قدمُوا مَكَّة) وَهُوَ الأصوب، كَذَا أخرجه أَبُو نعيم من طَرِيق مُحَمَّد بن عبد الله المخرمي عَن شَبابَة، وَهُوَ الْأَصَح. قَوْله: (التَّقْوَى) أَي: الخشية من الله تَعَالَى.

وَفِيه: من الْفِقْه: ترك سُؤال النَّاس من التَّقْوَى، أَلا يرى أَن الله تَعَالَى مدح قوما، فَقَالَ: {لَا يسْأَلُون النَّاس إلحافا} (الْبَقَرَة: ٣٧٢) . وَكَذَلِكَ معنى آيَة الْبَاب، أَي: تزودوا فَلَا تُؤْذُوا النَّاس بسؤالكم إيَّاهُم، وَاتَّقوا الْإِثْم فِي أذاهم بذلك. وَفِيه: أَن التَّوَكُّل، لَا يكون مَعَ السُّؤَال، وَإِنَّمَا التَّوَكُّل على الله بِدُونِ استعانة بِأحد فِي شَيْء، وَيبين ذَلِك قَوْله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (يدْخل الْجنَّة سَبْعُونَ ألفا بِغَيْر حِسَاب، وهم الَّذِي لَا يسْتَرقونَ وَلَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ) ، فَهَذِهِ أَسبَاب التَّوَكُّل وَصِفَاته، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: لما كَانَ التزود ترك الْمَسْأَلَة الْمنْهِي عَنْهَا فِي غير الْحَج، وَكَانَت حَرَامًا على الْأَغْنِيَاء قبل الْحَج، كَانَت فِي الْحَج أوكد حُرْمَة. وَفِيه: زجر عَن التكفف وترغيب فِي التعفف والقناعة بالإقلال، وَلَيْسَ فِيهِ مذمة للتوكل، نعم المذلة على سُؤَالهمْ إِذْ مَا كَانَ ذَلِك توكلاً بل تأكلاً، وَمَا كَانُوا متوكلين بل متأكلين، إِذْ التَّوَكُّل هُوَ قطع النّظر عَن الْأَسْبَاب مَعَ تهيئة الْأَسْبَاب، وَلِهَذَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (قيدها وتوكل) .

رَواهُ ابنُ عُيَيْنَةَ عنْ عَمْرٍ وعنْ عِكْرِمَةَ مُرْسلاً.

أَي: روى هَذَا الحَدِيث الْمَذْكُور سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن عِكْرِمَة مُرْسلا، يَعْنِي: لم يذكر ابْن عَبَّاس، وَهَكَذَا أخرجه سعيد بن مَنْصُور عَن ابْن عُيَيْنَة، وَكَذَا أخرجه الطَّبَرِيّ عَن عَمْرو بن عَليّ وَابْن أبي حَاتِم عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن يزِيد الْمقري، كِلَاهُمَا عَن ابْن عُيَيْنَة مُرْسلا. قَالَ ابْن أبي حَاتِم: وَهُوَ أصح من رِوَايَة وَرْقَاء، وَاخْتلف فِيهِ على ابْن عُيَيْنَة، فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى، عَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن المَخْزُومِي عَنهُ مَوْصُولا بِذكر ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَأخرجه الطَّبَرِيّ وَابْن أبي حَاتِم كَمَا ذَكرْنَاهُ مُرْسلا.

٧ - (بابُ مُهَلِّ أهْلِ مَكَّةَ لِلْحَجِّ وَالعُمْرَةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مهلّ أهل مَكَّة، أَي: مَوضِع إهلالهم، لِأَن لفظ: مهل، بِضَم الْمِيم وَفتح الْهَاء وَتَشْديد اللَّام، والإهلال رفع الصَّوْت بِالتَّلْبِيَةِ هُنَا. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى: وَإِنَّمَا يَقُوله بِفَتْح الْمِيم من لَا يعرف. قلت: هُوَ بِضَم الْمِيم اسْم مَكَان من الإهلال وَاسم زمَان أَيْضا، وَيكون مصدرا أَيْضا كالمدخل والمخرج بِمَعْنى الإدخال والأخراج، وأصل هَذِه الْمَادَّة لرفع الصَّوْت، وَمِنْه اسْتهلّ الصَّبِي إِذا صَاح عِنْد الْولادَة، وأهلَّ بِالتَّسْمِيَةِ عِنْد الذَّبِيحَة، وَأهل الْهلَال واستهل: إِذا تبين، وَأهل الْمُعْتَمِر إِذا رفع صَوته بِالتَّلْبِيَةِ.

٤٢٥١ - حدَّثنا مُوسى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا وُهَيْبٌ قَالَ حدَّثنا ابنُ طاوُوسٍ عنْ أبيهِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ إنَّ النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وقَّتَ لأِهْلِ المَدِينةِ ذَا الحُلَيْفةِ وَلأِهْلِ الشَّامِ الجُحفَةَ وَلأِهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المَنَازِلِ وَلأِهلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ هُنَّ لَهُنَّ ولِمَنْ أتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أرَادَ الحَجَّ والعُمْرَةَ ومَنْ كانَ دُونَ ذالِكَ فَمِنْ حيثُ أنشَأ حتَّى أهَلَّ أهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (حَتَّى أهلَّ أهلُ مَكَّة من مَكَّة) ، يَعْنِي: لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى الْخُرُوج إِلَى الْمِيقَات للْإِحْرَام، بل مهَّلهم لِلْحَجِّ أَي: مَوضِع إهلالهم لأجل الْحَج هُوَ مَكَّة، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَقَالَ الْكرْمَانِي: غَرَض البُخَارِيّ بَيَان أَن الْإِحْرَام لَا بُد وَأَن يكون من هَذِه الْمَوَاقِيت، فَمَا وَجه دلَالَته عَلَيْهِ إِذْ لَيْسَ فِيهِ إلَاّ أَن التَّلْبِيَة من ثمَّة؟ قلت: التَّلْبِيَة إِمَّا وَاجِبَة فِي الْإِحْرَام أَو سنة فِيهِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالإحرام لَا يَخْلُو مِنْهَا، فالمهلّ هُوَ الْمِيقَات. انْتهى. قلت: لَيْسَ غَرَضه مَا ذكره الْكرْمَانِي، وَإِنَّمَا غَرَضه بَيَان مهل أهل مَكَّة، وَلِهَذَا ترْجم بقوله: بَاب مهلَّ أهل مَكَّة لِلْحَجِّ وَالْعمْرَة، وَمحل الشَّاهِد هُوَ قَوْله: (حَتَّى أهل مَكَّة من مَكَّة) كَمَا ذكرنَا، وَهَذَا بِظَاهِرِهِ يدل على أَن مهلّهم هُوَ مَكَّة، سَوَاء كَانَ لِلْحَجِّ أَو الْعمرَة، وَلَكِن مهلّ أهل مَكَّة للْعُمْرَة الحلّ، كَمَا سَيَجِيءُ بَيَانه.

ذكر رِجَاله: وهم: خَمْسَة، قد ذكرُوا، ووهيب هُوَ ابْن خَالِد الْبَصْرِيّ، وَابْن طَاوُوس هُوَ عبد الله بن طَاوُوس، يروي عَن أَبِيه طَاوُوس الْيَمَانِيّ.

أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن مُعلى بن أَسد، وَمُسلم بن إِبْرَاهِيم فرقهم، وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن الرّبيع بن سُلَيْمَان صَاحب الشَّافِعِي، وَعَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وقَّت) أَي: عين وَقت، من التَّوْقِيت، وَهُوَ التَّعْيِين وأصل التَّوْقِيت أَن يَجْعَل للشَّيْء وَقت يخْتَص بِهِ، وَقَالَ عِيَاض: وَقت أَي حدد، وَقد يكون بِمَعْنى: أوجب، وَيُؤَيِّدهُ الرِّوَايَة الْمَاضِيَة بِلَفْظ: فرض. قَوْله: (قرن الْمنَازل) ، قد ذكرنَا تَفْسِير الْقرن فِي: بَاب فرض مَوَاقِيت الْحَج، وَكَذَلِكَ ذكرنَا تَفْسِير ذِي الحليفة والجحفة، وَهُنَاكَ ذكر لفظ: الْقرن، فَقَط وَهَهُنَا ذكر بِلَفْظ: قرن الْمنَازل، وَهُوَ جمع منزل. قَالَ الْكرْمَانِي: والمركب الإضافي هُوَ اسْم الْمَكَان، وَقد يقْتَصر على لفظ الْمُضَاف، كَمَا فِي الحَدِيث الْمُتَقَدّم. قلت: النُّكْتَة فِي ذكره هُنَا بِهَذِهِ اللَّفْظَة هِيَ أَن الْمَكَان الَّذِي يُسمى الْقرن موضعان أَحدهمَا فِي هبوط، وَهُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ: قرن الْمنَازل، وَالْآخر فِي صعُود وَهُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ: قرن الثعالب، وَالْمَعْرُوف الأول. وَذكر فِي (أَخْبَار مَكَّة) للفاكهي: أَن قرن الثعالب جبل مشرف على أَسْفَل منى، بَينه وَبَين مَسْجِد منى ألف وَخَمْسمِائة ذِرَاع. وَقيل لَهُ: قرن الثعالب لِكَثْرَة مَا كَانَ يأوي إِلَيْهِ من الثعالب، فَظهر أَن قرن الثعالب لَيْسَ من الْمَوَاقِيت، وَقد وَقع ذكره فِي حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فِي إتْيَان النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الطَّائِف يَدعُوهُم إِلَى الْإِسْلَام وردهم عَلَيْهِ. قَالَ: فَلم استفق إلَاّ وَأَنا بقرن الثعالب ... الحَدِيث، ذكره ابْن إِسْحَاق فِي (السِّيرَة النَّبَوِيَّة) . قَوْله: (ويلملم) بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وباللَاّمين وَسُكُون الْمِيم الأولى، غير منصرف. وَقَالَ عِيَاض: وَيُقَال: ألملم، وَهُوَ الأَصْل وَالْيَاء بدل مِنْهُ، وَهِي على ميلين من مَكَّة، وَهُوَ جبل من جبال تهَامَة. وَقَالَ ابْن حزم: هُوَ جنوب مَكَّة، وَمِنْه إِلَى مَكَّة ثَلَاثُونَ ميلًا. وَفِي (الْمُحكم) : يَلَمْلَم وألملم جبل. وَقَالَ الْبكْرِيّ: أَهله كنَانَة وتنحدر أوديته إِلَى الْبَحْر وَهُوَ فِي طَرِيق الْيمن إِلَى مَكَّة. وَهُوَ من كبار جبال تهَامَة. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: هُوَ وادٍ بِهِ مَسْجِد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَبِه عسكرت هوَازن يَوْم حنين. فَإِن قلت: مَا وَزنه؟ قلت: فعمعل: كصمحمح، وَلَيْسَ هُوَ من: لملمت، لِأَن ذَوَات الْأَرْبَعَة لَا تلحقها الزِّيَادَة فِي أَولهَا إلَاّ فِي الْأَسْمَاء الْجَارِيَة على أفعالها. نَحْو: مدحرج. قلت: فعلى هَذَا الْمِيم الأولى وَاللَّام الثَّانِيَة زائدتان؟ وَلِهَذَا قَالَ الْجَوْهَرِي فِي: بَاب الْمِيم وَفصل الْيَاء: يلم، ثمَّ قَالَ: يَلَمْلَم لُغَة فِي ألملم، وَهُوَ مِيقَات أهل الْيمن. وَحكى ابْن سيدة فِيهِ: يرمرم، براءين بدل اللَاّمين، وَقد جمع وَاحِد مَوَاقِيت الْإِحْرَام بنظم، وَهُوَ قَوْله:

(قرنَ يلملمُ ذُو الحليفة جحفةٌ ... قل: ذاتُ عرقٍ كلُّها مِيقَات)

(نجدٌ تهامةُ والمدينةُ مغربٌ ... شرقٌ وَهن إِلَى الْهدى مرقات)

قَوْله: (هن لَهُنَّ) أَي: هَذِه الْمَوَاقِيت لهَذِهِ الْبِلَاد، وَالْمرَاد أَهلهَا. وَكَانَ الأَصْل أَن يُقَال: هن لَهُم، لِأَن المُرَاد الْأَهْل، وَقد ورد ذَلِك فِي بعض الرِّوَايَات فِي (الصَّحِيح) . وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: هن، ضمير جمَاعَة مؤنث الْعَاقِل فِي الأَصْل، وَقد يُعَاد على مَا لَا يعقل، وَأكْثر ذَلِك فِي الْعشْرَة فَمَا دونهَا، فَإِذا جاوزها قَالُوهُ بهاء الْمُؤَنَّث، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: {إِن عدَّة الشُّهُور عِنْد الله اثْنَا عشر شهرا} (التَّوْبَة: ٦٣) . ثمَّ قَالَ: {مِنْهَا أَرْبَعَة حرم} (التَّوْبَة: ٦٣) . أَي: من الإثني عشر، ثمَّ قَالَ: {فَلَا تظلموا فِيهِنَّ أَنفسكُم} (التَّوْبَة: ٦٣) . أَي: فِي هَذِه الْأَرْبَعَة، وَقد قيل: فِي الْجَمِيع، وَهُوَ ضَعِيف شَاذ. قَوْله: (وَلمن أَتَى عَلَيْهِنَّ) ، أَي: على هَذِه الْمَوَاقِيت (من غَيْرهنَّ) أَي: من غير أهلهن، مثلا إِذا أَتَى الشَّامي إِلَى ذِي الحليفة، يكون مهلّه ذَا الحليفة، وَكَذَا الْبَاقِي نَحوه. قَوْله: (وَمن كَانَ دون ذَلِك) يَعْنِي من كَانَ بَين الْمِيقَات وَمَكَّة. قَوْله: (فَمن حَيْثُ أنشأ) ، الْفَاء جَوَاب الشَّرْط أَي: فمهله من حَيْثُ قصد الذّهاب إِلَى مَكَّة، يَعْنِي يهل من ذَلِك الْموضع. قَوْله: (حَتَّى أهل مَكَّة من مَكَّة) يَعْنِي: إِذا قصد الْمَكِّيّ الْحَج فمهلَّه من مَكَّة، وَأما إِذا قصد الْعمرَة فمهلُّه من الْحل لقضية عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، حِين أرسلها النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ أَخِيهَا عبد الرَّحْمَن إِلَى التَّنْعِيم لتَحْرِيم مِنْهُ. فَإِن قلت: قَوْله: (حَتَّى أهل مَكَّة من مَكَّة) أَعم من أَن يكون الْمَكِّيّ قَاصِدا لِلْحَجِّ وَالْعمْرَة، وَلِهَذَا ترْجم البُخَارِيّ بقوله: بَاب مهلَّ أهل مَكَّة لِلْحَجِّ وَالْعمْرَة. قلت: قَضِيَّة عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، تخصص هَذَا! وَلَكِن الظَّاهِر أَن البُخَارِيّ نظر إِلَى عُمُوم اللَّفْظ حَتَّى ترْجم بِهَذِهِ التَّرْجَمَة.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٥٢٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بِشْرٍ) بكسر المُوحَّدة وسكون الشِّين المعجمة، قال ابن خُلْفون: هو الحَريريُّ -بفتح الحاء المُهمَلة- البلخيُّ الزَّاهد، روى عنه البخاريُّ في «الحجِّ» و «هجرة النَبيِّ » [خ¦٣٩١٥] وروى عنه مسلمٌ، مات لخمسٍ خلَوْن من المُحرَّم سنة اثنتين (١) وثلاثين ومئتين، قال: وقد فرَّق بعض النَّاس بين يحيى بن بشرٍ البلخيِّ الزَّاهد (٢) وبين يحيى بن بشرٍ الحريريِّ، فجعلهما رجلين يروي البخاريُّ عن البلخيِّ، ويروي مسلمٌ عن الحريريِّ. انتهى. وكذا جعلهما ابن طاهرٍ وأبو عليٍّ الجيَّانيُّ واحدًا، والصَّواب التَّفرقة، قال: (حَدَّثَنَا شَبَابَةُ) بفتح الشِّين المعجمة وتخفيف المُوحَّدة الأولى، ابن سوَّارٍ (عَنْ وَرْقَاءَ) بفتح الواو وسكون الرَّاء ممدودًا، ابن عمرو بن كليبٍ اليشكريِّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ) بفتح العين وسكون الميم (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ أَهْلُ اليَمَنِ يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ) زاد ابن أبي حاتمٍ عن ابن عبَّاسٍ من وجهٍ آخر: يقولون: نحجُّ بيت الله، أفلا يطعمنا؟ (وَيَقُولُونَ: نَحْنُ المُتَوَكِّلُونَ) على الله تعالى (فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ) ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ: «المدينة» والأوَّل أصوب، لكنَّه (٣) ضُبِّب في «اليونينيَّة» عليه (٤) (سَأَلُوا النَّاسَ) الزَّاد (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى (٥): ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]) وليس فيه ذمُّ التَّوكُّل لأنَّ ما فعلوه تآكلٌ لا توكُّلٌ، لأنَّ التَّوكُّلَ قطعُ النَّظر عن الأسباب مع تهيئتها، لا ترك الأسباب بالكلِّيَّة، فدفع الضَّرر المُتوقَّع أو الواقع لا يناقض (٦) التَّوكُّل، بل هو واجبٌ كالهرب من الجدار الهاوي وإساغة

اللُّقمة بالماء والتَّداوي، وأمَّا ما رُوِي عن جماعةٍ من الصَّحابة والتَّابعين من ترك التَّداوي فيحتمل أن يكون المريض قد كُوشِف بأنَّه لا يبرأ، وعليه يُحمَل ترك الصِّدِّيق التَّداوي، أو يكون مشغولًا بخوف العاقبة، وعليه يُحمَل ما رُوِي أنَّ أبا الدَّرداء قِيلَ له: ما تشتكي؟ فقال: ذنوبي، فقِيلَ له: ألا ندعو لك طبيبًا؟ قال: الطَّبيب أمرضني، وقِيلَ غير ذلك.

وهذا الحديث أخرجه أبو داود في «الحجِّ»، والنَّسائيُّ في «السِّير» و «التَّفسير».

(رَوَاهُ) أي: الحديثَ المذكور (ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيانُ (عَنْ عَمْرٍو) يعني (١): ابن دينارٍ (عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا) لم يُذكرَ فيه ابن عبَّاسٍ، وكذا رواه سعيد بن منصور عن ابن عُيَيْنَة، وأخرجه الطَّبريُّ عن عمرو بن عليٍّ، وابنُ أبي حاتمٍ عن محمَّد بن عبد الله بن يزيد المقري (٢)، كلاهما عن ابن عيينة مُرسَلًا، قال ابن أبي حاتمٍ: وهو أصحُّ من رواية ورقاء، قال الحافظ ابن حجرٍ: قد اختُلِف فيه على ابن عيينة، فأخرجه النَّسائيُّ عن سعيد بن عبد الرَّحمن المخزوميِّ عنه موصولًا بذكر (٣) ابن عبَّاسٍ فيه؛ لكن حكى الإسماعيليُّ عن ابن صاعدٍ: أنَّ سعيدًا حدَّثهم به في «كتاب المناسك» موصولًا، قال: وحدَّثنا به في حديث عمرو بن دينارٍ، فلم يجاوز به عكرمة. انتهى. والمحفوظ عن ابن عُيَيْنَةَ ليس فيه ابن عبَّاسٍ؛ لكن لم ينفرد شَبَابةُ بوصله، فقد أخرجه الحاكم في «تاريخه» من طريق الفرات بن خالدٍ عن سفيان الثَّوريِّ عن ورقاء موصولًا، وأخرجه ابن أبي حاتمٍ من وجهٍ آخر عن ابن عبَّاسٍ، كما سبق.

(٧) (بَابُ مُهَلِّ أَهْلِ مَكَّةَ لِلْحَجِّ وَالعُمْرَةِ) بضمِّ الميم وفتح الهاء (٤) وتشديد اللَّام، أي: موضع إهلالهم، وهو في الأصل: رفع الصَّوت بالتَّلبية، ثمَّ أُطلِق على نفس الإحرام اتِّساعًا، قال أبو البقاء: وهو مصدرٌ بمعنى الإهلال؛ كالمُدخَل والمُخرَج بمعنى: الإدخال والإخراج، قال البدر الدَّمامينيُّ: جعله هنا مصدرًا يحتاج إلى حذفٍ أو تأويلٍ ولا داعي إليه.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

بِكَسْر الْهَاء. وَقَالَ ابْن حزم، رَحمَه الله تَعَالَى: الْجحْفَة مَا بَين الْمغرب وَالشمَال من مَكَّة، وَمِنْهَا إِلَى مَكَّة اثْنَان وَثَمَانُونَ ميلًا وَالله تَعَالَى أعلم.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: رد على عَطاء وَالنَّخَعِيّ وَالْحسن فِي زعمهم أَن لَا شَيْء على من ترك الْمِيقَات وَلم يحرم، وَهُوَ يُرِيد الْحَج وَالْعمْرَة، وَهُوَ شَاذ. وَنقل ابْن بطال عَن مَالك وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ أَنه يرجع من مَكَّة إِلَى الْمِيقَات، وَاخْتلفُوا إِذا رَجَعَ: هَل عَلَيْهِ دم أم لَا؟ فَقَالَ مَالك وَالثَّوْري فِي رِوَايَة: لَا يسْقط عَنهُ الدَّم بِرُجُوعِهِ إِلَيْهِ محرما، وَهُوَ قَول ابْن الْمُبَارك. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِن رَجَعَ إِلَيْهِ فلبى فَلَا دم عَلَيْهِ بِرُجُوعِهِ إِلَيْهِ محرما، وَإِن لم يلب فَعَلَيهِ دم. وَقَالَ الثَّوْريّ فِي رِوَايَة، وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ: لَا دم عَلَيْهِ إِذا رَجَعَ إِلَى الْمِيقَات بعد إِحْرَامه على كل وَجه أَي: قبل أَن يطوف، فَإِن طَاف فالدم بَاقٍ، وَإِن رَجَعَ. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: الْإِحْرَام بِالْعُمْرَةِ لَا يلْزم أَن يكون من الْمَذْكُورَات، بل يَصح من الْجِعِرَّانَة، وَنَحْوهَا. قلت: هِيَ للمكي وَأما الآفاقي فَلَا يَصح لَهُ الْإِحْرَام بهَا إلَاّ من الْمَوَاضِع الْمَذْكُورَة.

٦ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: {وتَزَوَّدُوا فإنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} (الْبَقَرَة: ٧٩١) .)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التزود الْمَأْمُور بِهِ فِي قَول الله تَعَالَى: {وتزودوا} (الْبَقَرَة: ٧٩١) . وَإِنَّمَا أَمر بالتزود ليكف الَّذِي يحجّ وَجهه عَن النَّاس. قَالَ الْعَوْفِيّ: عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (كَانَ أنَاس يخرجُون من أَهْليهمْ لَيْسَ مَعَهم زَاد، يَقُولُونَ: نحجّ بَيت الله وَلَا يطعمنا؟ فَقَالَ الله: تزودوا مَا يكف وُجُوهكُم عَن النَّاس) وروى ابْن جرير وَابْن مرْدَوَيْه من حَدِيث عَمْرو بن عبد الْغفار عَن نَافِع عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: (كَانُوا إِذا أَحْرمُوا وَمَعَهُمْ أَزْوَادهم رموا بهَا واستأنفوا زادا آخر، فَأنْزل الله تَعَالَى: {وتزودوا فَإِن خير الزَّاد التَّقْوَى} (الْبَقَرَة: ٧٩١) . فنهوا عَن ذَلِك وَأمرُوا أَن يتزودوا الكعك والدقيق والسويق، ثمَّ لما أَمرهم بالزاد للسَّفر فِي الدُّنْيَا أرشدهم إِلَى زَاد الْآخِرَة، وَهُوَ اسْتِصْحَاب التَّقْوَى إِلَيْهَا، وَذكر أَنه خير من هَذَا وأنفع. قَالَ عَطاء الْخُرَاسَانِي: فِي قَوْله: {فَإِن خير الزَّاد التَّقْوَى} (الْبَقَرَة: ٧٩١) . يَعْنِي: زَاد الْآخِرَة، وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث قيس عَن جرير بن عبد الله عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (من تزَود فِي الدُّنْيَا يَنْفَعهُ فِي الْآخِرَة) . ثمَّ قَالَ: {واتقونِ يَا أولي الْأَلْبَاب} (الْبَقَرَة: ٧٩١) . يَقُول: اتَّقوا عقابي ونكالي وعذابي لمن خالفني، وَلم يأتمر بأَمْري يَا ذَوي الْعُقُول والأفهام.

٣٢٥١ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بِشْرٍ قَالَ حدَّثنا شَبابَةَ عنْ وَرْقَاءَ عَن عَمْرِو بنِ دِينَارٍ عَن عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَالَ كانَ أهْلُ اليَمَنِ يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ ويَقُولُونَ نَحْنُ المُتَوَكِّلُونَ فَإِذا قَدِمُوا المَدينةَ سًّلُوا النَّاسَ فأنْزلَ الله تَعَالَى وتَزَوَّدُوا فإنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يبين سَبَب نزُول الْآيَة الَّتِي ترْجم بهَا الْبَاب.

ذكر رِجَاله: وهم: سِتَّة: الأول: يحيى بن بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: أَبُو زَكَرِيَّا أحد عباد الله الصَّالِحين، مَاتَ سنة ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: شَبابَة، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة وَبعد الْألف بَاء أُخْرَى: ابْن سوار الْفَزارِيّ، مر فِي: بَاب الصَّلَاة على النُّفَسَاء، فِي كتاب الْحيض. الثَّالِث: وَرْقَاء مؤنث الأورق، ابْن عَمْرو بن كُلَيْب أَبُو بشر الْيَشْكُرِي، مر فِي: بَاب وضع المَاء فِي الْخَلَاء، الرَّابِع: عَمْرو، بِفَتْح الْعين: ابْن دِينَار، مر فِي: بَاب كتاب الْعلم. الْخَامِس: عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس. السَّادِس: عبد الله ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: إِن شَيْخه من أَفْرَاده وَإنَّهُ بلخي وَأَن شَبابَة مدائني وَأَن أصل وَرْقَاء من خوارزم، وَقيل؛ من الْكُوفَة، سكن الْمَدَائِن، وَأَن عَمْرو بن دِينَار مكي وَأَن عِكْرِمَة مدنِي وَأَصله من البربر.

ذكر من أخرجه غَيره أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحَج عَن أبي مَسْعُود أَحْمد بن الْفُرَات وَمُحَمّد بن عبد الله المخرمي، كِلَاهُمَا عَن شَبابَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير وَفِي التَّفْسِير عَن سعيد ابْن عبد الرَّحْمَن.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فَإِذا قدمُوا الْمَدِينَة) ، هَذِه رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (فَإِذا

قدمُوا مَكَّة) وَهُوَ الأصوب، كَذَا أخرجه أَبُو نعيم من طَرِيق مُحَمَّد بن عبد الله المخرمي عَن شَبابَة، وَهُوَ الْأَصَح. قَوْله: (التَّقْوَى) أَي: الخشية من الله تَعَالَى.

وَفِيه: من الْفِقْه: ترك سُؤال النَّاس من التَّقْوَى، أَلا يرى أَن الله تَعَالَى مدح قوما، فَقَالَ: {لَا يسْأَلُون النَّاس إلحافا} (الْبَقَرَة: ٣٧٢) . وَكَذَلِكَ معنى آيَة الْبَاب، أَي: تزودوا فَلَا تُؤْذُوا النَّاس بسؤالكم إيَّاهُم، وَاتَّقوا الْإِثْم فِي أذاهم بذلك. وَفِيه: أَن التَّوَكُّل، لَا يكون مَعَ السُّؤَال، وَإِنَّمَا التَّوَكُّل على الله بِدُونِ استعانة بِأحد فِي شَيْء، وَيبين ذَلِك قَوْله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (يدْخل الْجنَّة سَبْعُونَ ألفا بِغَيْر حِسَاب، وهم الَّذِي لَا يسْتَرقونَ وَلَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ) ، فَهَذِهِ أَسبَاب التَّوَكُّل وَصِفَاته، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: لما كَانَ التزود ترك الْمَسْأَلَة الْمنْهِي عَنْهَا فِي غير الْحَج، وَكَانَت حَرَامًا على الْأَغْنِيَاء قبل الْحَج، كَانَت فِي الْحَج أوكد حُرْمَة. وَفِيه: زجر عَن التكفف وترغيب فِي التعفف والقناعة بالإقلال، وَلَيْسَ فِيهِ مذمة للتوكل، نعم المذلة على سُؤَالهمْ إِذْ مَا كَانَ ذَلِك توكلاً بل تأكلاً، وَمَا كَانُوا متوكلين بل متأكلين، إِذْ التَّوَكُّل هُوَ قطع النّظر عَن الْأَسْبَاب مَعَ تهيئة الْأَسْبَاب، وَلِهَذَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (قيدها وتوكل) .

رَواهُ ابنُ عُيَيْنَةَ عنْ عَمْرٍ وعنْ عِكْرِمَةَ مُرْسلاً.

أَي: روى هَذَا الحَدِيث الْمَذْكُور سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن عِكْرِمَة مُرْسلا، يَعْنِي: لم يذكر ابْن عَبَّاس، وَهَكَذَا أخرجه سعيد بن مَنْصُور عَن ابْن عُيَيْنَة، وَكَذَا أخرجه الطَّبَرِيّ عَن عَمْرو بن عَليّ وَابْن أبي حَاتِم عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن يزِيد الْمقري، كِلَاهُمَا عَن ابْن عُيَيْنَة مُرْسلا. قَالَ ابْن أبي حَاتِم: وَهُوَ أصح من رِوَايَة وَرْقَاء، وَاخْتلف فِيهِ على ابْن عُيَيْنَة، فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى، عَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن المَخْزُومِي عَنهُ مَوْصُولا بِذكر ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَأخرجه الطَّبَرِيّ وَابْن أبي حَاتِم كَمَا ذَكرْنَاهُ مُرْسلا.

٧ - (بابُ مُهَلِّ أهْلِ مَكَّةَ لِلْحَجِّ وَالعُمْرَةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مهلّ أهل مَكَّة، أَي: مَوضِع إهلالهم، لِأَن لفظ: مهل، بِضَم الْمِيم وَفتح الْهَاء وَتَشْديد اللَّام، والإهلال رفع الصَّوْت بِالتَّلْبِيَةِ هُنَا. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى: وَإِنَّمَا يَقُوله بِفَتْح الْمِيم من لَا يعرف. قلت: هُوَ بِضَم الْمِيم اسْم مَكَان من الإهلال وَاسم زمَان أَيْضا، وَيكون مصدرا أَيْضا كالمدخل والمخرج بِمَعْنى الإدخال والأخراج، وأصل هَذِه الْمَادَّة لرفع الصَّوْت، وَمِنْه اسْتهلّ الصَّبِي إِذا صَاح عِنْد الْولادَة، وأهلَّ بِالتَّسْمِيَةِ عِنْد الذَّبِيحَة، وَأهل الْهلَال واستهل: إِذا تبين، وَأهل الْمُعْتَمِر إِذا رفع صَوته بِالتَّلْبِيَةِ.

٤٢٥١ - حدَّثنا مُوسى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا وُهَيْبٌ قَالَ حدَّثنا ابنُ طاوُوسٍ عنْ أبيهِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ إنَّ النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وقَّتَ لأِهْلِ المَدِينةِ ذَا الحُلَيْفةِ وَلأِهْلِ الشَّامِ الجُحفَةَ وَلأِهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المَنَازِلِ وَلأِهلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ هُنَّ لَهُنَّ ولِمَنْ أتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أرَادَ الحَجَّ والعُمْرَةَ ومَنْ كانَ دُونَ ذالِكَ فَمِنْ حيثُ أنشَأ حتَّى أهَلَّ أهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (حَتَّى أهلَّ أهلُ مَكَّة من مَكَّة) ، يَعْنِي: لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى الْخُرُوج إِلَى الْمِيقَات للْإِحْرَام، بل مهَّلهم لِلْحَجِّ أَي: مَوضِع إهلالهم لأجل الْحَج هُوَ مَكَّة، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَقَالَ الْكرْمَانِي: غَرَض البُخَارِيّ بَيَان أَن الْإِحْرَام لَا بُد وَأَن يكون من هَذِه الْمَوَاقِيت، فَمَا وَجه دلَالَته عَلَيْهِ إِذْ لَيْسَ فِيهِ إلَاّ أَن التَّلْبِيَة من ثمَّة؟ قلت: التَّلْبِيَة إِمَّا وَاجِبَة فِي الْإِحْرَام أَو سنة فِيهِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالإحرام لَا يَخْلُو مِنْهَا، فالمهلّ هُوَ الْمِيقَات. انْتهى. قلت: لَيْسَ غَرَضه مَا ذكره الْكرْمَانِي، وَإِنَّمَا غَرَضه بَيَان مهل أهل مَكَّة، وَلِهَذَا ترْجم بقوله: بَاب مهلَّ أهل مَكَّة لِلْحَجِّ وَالْعمْرَة، وَمحل الشَّاهِد هُوَ قَوْله: (حَتَّى أهل مَكَّة من مَكَّة) كَمَا ذكرنَا، وَهَذَا بِظَاهِرِهِ يدل على أَن مهلّهم هُوَ مَكَّة، سَوَاء كَانَ لِلْحَجِّ أَو الْعمرَة، وَلَكِن مهلّ أهل مَكَّة للْعُمْرَة الحلّ، كَمَا سَيَجِيءُ بَيَانه.

ذكر رِجَاله: وهم: خَمْسَة، قد ذكرُوا، ووهيب هُوَ ابْن خَالِد الْبَصْرِيّ، وَابْن طَاوُوس هُوَ عبد الله بن طَاوُوس، يروي عَن أَبِيه طَاوُوس الْيَمَانِيّ.

أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن مُعلى بن أَسد، وَمُسلم بن إِبْرَاهِيم فرقهم، وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن الرّبيع بن سُلَيْمَان صَاحب الشَّافِعِي، وَعَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وقَّت) أَي: عين وَقت، من التَّوْقِيت، وَهُوَ التَّعْيِين وأصل التَّوْقِيت أَن يَجْعَل للشَّيْء وَقت يخْتَص بِهِ، وَقَالَ عِيَاض: وَقت أَي حدد، وَقد يكون بِمَعْنى: أوجب، وَيُؤَيِّدهُ الرِّوَايَة الْمَاضِيَة بِلَفْظ: فرض. قَوْله: (قرن الْمنَازل) ، قد ذكرنَا تَفْسِير الْقرن فِي: بَاب فرض مَوَاقِيت الْحَج، وَكَذَلِكَ ذكرنَا تَفْسِير ذِي الحليفة والجحفة، وَهُنَاكَ ذكر لفظ: الْقرن، فَقَط وَهَهُنَا ذكر بِلَفْظ: قرن الْمنَازل، وَهُوَ جمع منزل. قَالَ الْكرْمَانِي: والمركب الإضافي هُوَ اسْم الْمَكَان، وَقد يقْتَصر على لفظ الْمُضَاف، كَمَا فِي الحَدِيث الْمُتَقَدّم. قلت: النُّكْتَة فِي ذكره هُنَا بِهَذِهِ اللَّفْظَة هِيَ أَن الْمَكَان الَّذِي يُسمى الْقرن موضعان أَحدهمَا فِي هبوط، وَهُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ: قرن الْمنَازل، وَالْآخر فِي صعُود وَهُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ: قرن الثعالب، وَالْمَعْرُوف الأول. وَذكر فِي (أَخْبَار مَكَّة) للفاكهي: أَن قرن الثعالب جبل مشرف على أَسْفَل منى، بَينه وَبَين مَسْجِد منى ألف وَخَمْسمِائة ذِرَاع. وَقيل لَهُ: قرن الثعالب لِكَثْرَة مَا كَانَ يأوي إِلَيْهِ من الثعالب، فَظهر أَن قرن الثعالب لَيْسَ من الْمَوَاقِيت، وَقد وَقع ذكره فِي حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فِي إتْيَان النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الطَّائِف يَدعُوهُم إِلَى الْإِسْلَام وردهم عَلَيْهِ. قَالَ: فَلم استفق إلَاّ وَأَنا بقرن الثعالب ... الحَدِيث، ذكره ابْن إِسْحَاق فِي (السِّيرَة النَّبَوِيَّة) . قَوْله: (ويلملم) بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وباللَاّمين وَسُكُون الْمِيم الأولى، غير منصرف. وَقَالَ عِيَاض: وَيُقَال: ألملم، وَهُوَ الأَصْل وَالْيَاء بدل مِنْهُ، وَهِي على ميلين من مَكَّة، وَهُوَ جبل من جبال تهَامَة. وَقَالَ ابْن حزم: هُوَ جنوب مَكَّة، وَمِنْه إِلَى مَكَّة ثَلَاثُونَ ميلًا. وَفِي (الْمُحكم) : يَلَمْلَم وألملم جبل. وَقَالَ الْبكْرِيّ: أَهله كنَانَة وتنحدر أوديته إِلَى الْبَحْر وَهُوَ فِي طَرِيق الْيمن إِلَى مَكَّة. وَهُوَ من كبار جبال تهَامَة. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: هُوَ وادٍ بِهِ مَسْجِد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَبِه عسكرت هوَازن يَوْم حنين. فَإِن قلت: مَا وَزنه؟ قلت: فعمعل: كصمحمح، وَلَيْسَ هُوَ من: لملمت، لِأَن ذَوَات الْأَرْبَعَة لَا تلحقها الزِّيَادَة فِي أَولهَا إلَاّ فِي الْأَسْمَاء الْجَارِيَة على أفعالها. نَحْو: مدحرج. قلت: فعلى هَذَا الْمِيم الأولى وَاللَّام الثَّانِيَة زائدتان؟ وَلِهَذَا قَالَ الْجَوْهَرِي فِي: بَاب الْمِيم وَفصل الْيَاء: يلم، ثمَّ قَالَ: يَلَمْلَم لُغَة فِي ألملم، وَهُوَ مِيقَات أهل الْيمن. وَحكى ابْن سيدة فِيهِ: يرمرم، براءين بدل اللَاّمين، وَقد جمع وَاحِد مَوَاقِيت الْإِحْرَام بنظم، وَهُوَ قَوْله:

(قرنَ يلملمُ ذُو الحليفة جحفةٌ ... قل: ذاتُ عرقٍ كلُّها مِيقَات)

(نجدٌ تهامةُ والمدينةُ مغربٌ ... شرقٌ وَهن إِلَى الْهدى مرقات)

قَوْله: (هن لَهُنَّ) أَي: هَذِه الْمَوَاقِيت لهَذِهِ الْبِلَاد، وَالْمرَاد أَهلهَا. وَكَانَ الأَصْل أَن يُقَال: هن لَهُم، لِأَن المُرَاد الْأَهْل، وَقد ورد ذَلِك فِي بعض الرِّوَايَات فِي (الصَّحِيح) . وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: هن، ضمير جمَاعَة مؤنث الْعَاقِل فِي الأَصْل، وَقد يُعَاد على مَا لَا يعقل، وَأكْثر ذَلِك فِي الْعشْرَة فَمَا دونهَا، فَإِذا جاوزها قَالُوهُ بهاء الْمُؤَنَّث، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: {إِن عدَّة الشُّهُور عِنْد الله اثْنَا عشر شهرا} (التَّوْبَة: ٦٣) . ثمَّ قَالَ: {مِنْهَا أَرْبَعَة حرم} (التَّوْبَة: ٦٣) . أَي: من الإثني عشر، ثمَّ قَالَ: {فَلَا تظلموا فِيهِنَّ أَنفسكُم} (التَّوْبَة: ٦٣) . أَي: فِي هَذِه الْأَرْبَعَة، وَقد قيل: فِي الْجَمِيع، وَهُوَ ضَعِيف شَاذ. قَوْله: (وَلمن أَتَى عَلَيْهِنَّ) ، أَي: على هَذِه الْمَوَاقِيت (من غَيْرهنَّ) أَي: من غير أهلهن، مثلا إِذا أَتَى الشَّامي إِلَى ذِي الحليفة، يكون مهلّه ذَا الحليفة، وَكَذَا الْبَاقِي نَحوه. قَوْله: (وَمن كَانَ دون ذَلِك) يَعْنِي من كَانَ بَين الْمِيقَات وَمَكَّة. قَوْله: (فَمن حَيْثُ أنشأ) ، الْفَاء جَوَاب الشَّرْط أَي: فمهله من حَيْثُ قصد الذّهاب إِلَى مَكَّة، يَعْنِي يهل من ذَلِك الْموضع. قَوْله: (حَتَّى أهل مَكَّة من مَكَّة) يَعْنِي: إِذا قصد الْمَكِّيّ الْحَج فمهلَّه من مَكَّة، وَأما إِذا قصد الْعمرَة فمهلُّه من الْحل لقضية عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، حِين أرسلها النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ أَخِيهَا عبد الرَّحْمَن إِلَى التَّنْعِيم لتَحْرِيم مِنْهُ. فَإِن قلت: قَوْله: (حَتَّى أهل مَكَّة من مَكَّة) أَعم من أَن يكون الْمَكِّيّ قَاصِدا لِلْحَجِّ وَالْعمْرَة، وَلِهَذَا ترْجم البُخَارِيّ بقوله: بَاب مهلَّ أهل مَكَّة لِلْحَجِّ وَالْعمْرَة. قلت: قَضِيَّة عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، تخصص هَذَا! وَلَكِن الظَّاهِر أَن البُخَارِيّ نظر إِلَى عُمُوم اللَّفْظ حَتَّى ترْجم بِهَذِهِ التَّرْجَمَة.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.4 / 29.5
الإضاءة 78%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله