«أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: ارْكَبْهَا، قَالَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٦٩٠

الحديث رقم ١٦٩٠ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ركوب البدن.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن النبي ﷺ رأى رجلا يسوق بدنة، فقال…

«أَنَّ النَّبِيَّ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: ارْكَبْهَا، قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ، قَالَ: ارْكَبْهَا، قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ، قَالَ: ارْكَبْهَا. ثَلَاثًا».

سند حديث: ١٦٩٠ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ…

١٦٩٠ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ وَشُعْبَةُ قَالَا: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أن النبي ﷺ رأى رجلا يسوق بدنة، فقال…

لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا يسوق بدنة، هو في حاجة إلى ركوبها قال له: اركبها، ولكون الهدي معظما عندهم لا يُتعرض له استفهم الصحابي بأنها بدنة مهداة إلى البيت، فقال: اركبها وإن كانت مهداة إلى البيت، فعاوده الثانية والثالثة، فقال: اركبها، مغلظًا له الخطاب ومبينًا له جواز ركوبها ولو كانت هديًا، فركبها الرجل.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • تعظيم العرب للهدي، واحترامه في قلوبهم، ثم جاء الإسلام فزاد من احترامه.
  • مشروعية إهداء الإبل.
  • جواز ركوب الهدي وحلبه مع الحاجة إلى ذلك، بما لا يضره.
  • جواز الأخذ بالرخصة وترك إجهاد النفس.
  • جواز الشدة في الإنكار إذا استدعى الأمر ذلك.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أن النبي ﷺ رأى رجلا يسوق بدنة، فقال…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

لمن وقع في الهلاك، أو لمن يستحقُّه، أو هي بمعنى الهلاك، أو مشقَّة العذاب، أو الحزن، أو وادٍ في جهنم، أو بئرٍ، أو بابٍ، لها أقوالٌ، فيحتمل إجراؤها على هذا المعنى هنا لتأخُّر المخاطب عن امتثال أمره ؛ لقول الرَّاوي: (فِي) المرَّة (الثَّالِثَةِ أَوْ فِي) المرَّة (الثَّانِيَةِ) ولأبي ذرٍّ: «ويلك، في الثَّانية أو الثَّالثة» والشَّكُّ من الرَّاوي (١)، قال القرطبيُّ وغيره: قالها -أي: «ويلك» - تأديبًا لأجل مراجعته له مع عدم خفاء الحال عليه، ويحتمل ألَّا يُراد بها موضوعها الأصليُّ، ويكون ممَّا جرى على لسان العرب في المخاطبة من غير قصدٍ لموضوعه كما في: تَرِبت يداك، ونحوه، وقِيل: إنَّه (٢) كان أشرف على هلكةٍ من الجهد، وويلٌ: كلمةٌ تُقال لمن وقع في هلكةٍ -كما مرَّ- فالمعنى: أشرفتَ على الهلاك فاركب، فعلى هذا هي إخبارٌ.

١٦٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيديُّ الأزديُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابن أبي عبد الله سَنْبر؛ بمهملةٍ ثمَّ نونٍ ثمَّ مُوحَّدةٍ بوزن «جعفرٍ» الدَّسْتَوائيُّ؛ بفتح الدَّال وسكون السِّين المهملتين وفتح المُثنَّاة ثمَّ مدٍّ، ثقةٌ ثبتٌ، قدَّمه أحمد على الأوزاعيِّ، وعلى أصحاب يحيى بن أبي كثيرٍ، وعلى أصحاب قتادة، وكان شعبة يقول: هو أحفظ منِّي، وكان القطَّان يقول: إذا سمعت الحديث من هشام الدَّستَوائيِّ لا تبالي ألَّا تسمعه من غيره، ومع هذا فقال محمَّد بن سعدٍ: كان ثقةً حجَّةً إلَّا أنَّه يرى القدر (٣)، وقال العجليُّ: ثقةٌ ثبتٌ في الحديث إلَّا أنَّه كان يرى القدر ولا يدعو إليه، لكن احتجَّ به الأئمَّة (وَشُعْبَةُ) بن الحجاج بن الورد العتكيُّ الواسطيُّ ثمَّ البصريُّ (قَالَا: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة السَّدوسيُّ البصريُّ (عَنْ أَنَسٍ) وعند الإسماعيليِّ: «سمعت أنس بن مالكٍ» (: أَنَّ النَّبِيَّ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ)

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

والإقران: وَبَاب التَّمَتُّع على عهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. الثَّانِيَة: حكم الْهَدْي، فَذكره فِي حَدِيث هَذَا الْبَاب. الثَّالِثَة: حكم الصَّوْم، فَذكره أَيْضا فِي: بَاب قَوْله تَعَالَى: {ذَلِك لمن لم يكن أَهله حاضري الْمَسْجِد الْحَرَام} (الْبَقَرَة: ٦٩١) . الرَّابِعَة: حكم حاضري الْمَسْجِد الْحَرَام، فَذكره أَيْضا فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: {ذَلِك لمن لم يكن أَهله حاضري الْمَسْجِد الْحَرَام} (الْبَقَرَة: ٦٩١) [/ ح.

وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِيمَا {اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي} (الْبَقَرَة: ٦٩١) . فَقَالَت طَائِفَة: شَاة، رُوِيَ ذَلِك عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَوَاهُ عَنْهُمَا مَالك فِي (موطئِهِ) وَأخذ بِهِ، وَقَالَ بِهِ جُمْهُور الْعلمَاء. وَاحْتج بقول الله تَعَالَى: {هذيا بَالغ الْكَعْبَة} (الْمَائِدَة: ٥٩) . قَالَ: وَإِنَّمَا يحكم بِهِ فِي الْهَدْي شَاة، وَقد سَمَّاهَا الله تَعَالَى: هَديا، وَرُوِيَ عَن طَاوُوس عَن ابْن عَبَّاس مَا يَقْتَضِي أَن مَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي، فِي حق النَّبِي بَدَنَة، وَفِي حق غَيره بقرة، وَفِي حق الْفَقِير: شَاة، وَعَن ابْن عمر وَابْن الزبير وَعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم: أَنه من الْإِبِل وَالْبَقر خَاصَّة، وَكَأَنَّهُم ذَهَبُوا إِلَى ذَلِك من أجل قَوْله تَعَالَى: {وَالْبدن جعلناها لكم من شَعَائِر الله} (الْحَج: ٦٣) . فَذَهَبُوا إِلَى أَن الْهَدْي مَا وَقع عَلَيْهِ اسْم بدن، وَيَردهُ قَوْله تَعَالَى: {فجزاء مثل مَا قتل من النعم} (الْمَائِدَة: ٥٩) . إِلَى قَوْله: {هَديا بَالغ الْكَعْبَة} (الْمَائِدَة: ٥٩) . وَقد حكم الْمُسلمُونَ فِي الظبي بِشَاة، فَوَقع عَلَيْهَا اسْم هدي. وَقَوله تَعَالَى: {فَمَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي} (الْبَقَرَة: ٦٩١) . يحْتَمل أَن يُشِير بِهِ إِلَى أقل أَجنَاس الْهَدْي، وَهُوَ الشَّاة وَإِلَى أقل صِفَات كل جنس، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَن ابْن عمر: الْبَدنَة دون الْبَدنَة وَالْبَقَرَة دون الْبَقَرَة فَهَذَا عِنْده أفضل من الشَّاة، وَلَا خلاف يعلم فِي ذَلِك، وَإِنَّمَا مَحل الْخلاف أَن الْوَاجِد لِلْإِبِلِ وَالْبَقر هَل يخرج شَاة؟ فَعِنْدَ ابْن عمر: يمْنَع إِمَّا تَحْرِيمًا، وَإِمَّا كَرَاهَة، وَعند غَيره: نعم، وَرُوِيَ عَن ابْن عمر وَأنس: يجزيء فِيهَا شرك فِي دم، وَرُوِيَ عَن عَطاء وطاووس وَالْحسن مثله، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر، وَلَا تجزىء عِنْدهم الْبَدنَة أَو الْبَقَرَة عَن أَكثر من سَبْعَة، وَلَا الشَّاة عَن أَكثر من وَاحِد. وَأما مَا رُوِيَ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ضحى بِشَاة عَن أمته فَإِنَّمَا كَانَت تَطَوّعا، وَعند الْمَالِكِيَّة: تجوز الْبَدنَة أَو الْبَقَرَة عَن أَكثر من سَبْعَة إِذا كَانَت ملكا لرجل وَاحِد وضحى بهَا عَن نَفسه وَأَهله.

٣٠١ - (بابُ رُكُوبِ الْبُدْنِ لِقَوْلِهِ تعَالى: {والبُدْنَ جَعلْناهَا لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ الله لَكُمْ فِيهَا خَيرٌ فاذْكُرُوا اسْمَ الله علَيْهَا صَوَافَّ فإذَا وجَبَتْ جُنُوبُهَا فكُلُوا مِنْهَا وأطْعِمُوا القَانِعَ والمُعْتَرَّ كذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ لَنْ يَنالَ الله لُحُومُها ولَا دمَاؤُها ولاكِنُ يَنَالُهُ التَّقْوى مِنكُم كَذلِكَ سَخَّرهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا الله علَى مَا هدَاكُم وبَشِّرِ الْمُحْسِنينَ} )

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز ركُوب الْبدن، وَاسْتدلَّ على ذَلِك بقوله تَعَالَى: {وَالْبدن جعلناها لكم ... } (الْحَج: ٦٣) . إِلَى آخِره، وَهَاتَانِ الْآيَتَانِ مذكورتان بتمامهما فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر وَأبي الْوَقْت الْمَذْكُور مِنْهُمَا من قَوْله: {وَالْبدن جعلناها لكم} (الْحَج: ٦٣) . إِلَى قَوْله: {فَإِذا

وَجَبت جنوبها} (الْحَج) . ثمَّ الْمَذْكُور بعد {جنوبها} إِلَى قَوْله: {وَبشر الْمُحْسِنِينَ} (الْحَج: ٦٣) . وَمَوْضِع الِاسْتِدْلَال فِي جَوَاز ركُوب الْبدن فِي قَوْله: {لكم فِيهَا خير} (الْحَج: ٦٣) . يَعْنِي: من الرّكُوب والحلب لما روى ابْن أبي حَاتِم وَغَيره بِإِسْنَاد جيد عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: {لكم فِيهَا خير} (الْحَج: ٦٣) . من شَاءَ ركب وَمن شَاءَ حلب، وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) فِي قَوْله: {لكم فِيهَا خير} (الْحَج: ٦٣) . من احْتَاجَ إِلَى ظهرهَا ركب، وَمن احْتَاجَ إِلَى لَبنهَا شرب. وَقيل: فِي الْبدن خير وَهُوَ النَّفْع فِي الدُّنْيَا وَالْأَجْر فِي الْآخِرَة، وَمن شَأْن الْحَاج أَن يحرص على شَيْء فِيهِ خير وَمَنَافع، وَعَن بعض السّلف: أَنه لم يملك إلَاّ تِسْعَة دَنَانِير، فَاشْترى بهَا بَدَنَة، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: سَمِعت رَبِّي يَقُول: {لكم فِيهَا خير} (الْحَج: ٦٣) . قَوْله: (وَالْبدن) بِضَم الْبَاء جمع بَدَنَة، سميت بذلك لعظم بدنهَا، وَهِي الْإِبِل الْعِظَام الضخام الْأَجْسَام، وَهِي من الْإِبِل خَاصَّة وقرىء {وَالْبدن} بِضَمَّتَيْنِ كتمر فِي جمع: تَمْرَة، وَعَن ابْن أبي إِسْحَاق، بِضَمَّتَيْنِ وَتَشْديد النُّون على لفظ الْوَقْف، وقرىء: الْبدن، بِالرَّفْع وَالنّصب كَمَا فِي قَوْله: {وَالْقَمَر قدرناه} (يس: ٩٣) . قَوْله: {من شَعَائِر الله} (الْحَج: ٦٣) . أَي: من أَعْلَام الشَّرِيعَة الَّتِي شرعها وأضافها إِلَى اسْمه تَعْظِيمًا لَهَا. قَوْله: {لكم فِيهَا} أَي: فِي الْبدن. قَوْله: {فاذكروا اسْم الله عَلَيْهَا} عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: ذكر اسْم الله عَلَيْهَا أَن يَقُول عِنْد النَّحْر: بِسم الله، الله أكبر، لَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر أللهم مِنْك وَإِلَيْك. قَوْله: (صوافّ) أَي: قائمات قد صففن أَيْدِيهنَّ وَأَرْجُلهنَّ. وَقيل: أَي قيَاما على ثَلَاثَة قَوَائِم قد صفت رِجْلَيْهَا وإحدي يَديهَا ويدها الْيُسْرَى معقولة، وقرىء: صَوَافِن، من: صفون الْفرس وَهُوَ: أَن تقوم على ثَلَاث وتنصب الرَّابِعَة على طرف سنبكه، لِأَن الْبَدنَة تعقل إِحْدَى يَديهَا فتقوم على ثَلَاث، وقرىء: صوافي، أَي خوالص لوجه الله تَعَالَى. وَعَن عَمْرو بن عبيد: صوافا، بِالتَّنْوِينِ عوضا عَن حرف الْإِطْلَاق عِنْد الْوَقْف. وَعَن بَعضهم: صواف، نَحْو مثل قَول الْعَرَب: أعْط الْقوس باريها، بِسُكُون الْيَاء. قَوْله: {فَإِذا وَجَبت} قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وجوب الْجنُوب وُقُوعهَا على الأَرْض، من: وَجب الْحَائِط وجبة إِذا سقط، وَوَجَبَت الشَّمْس وجبة غربت، وَالْمعْنَى: فَإِذا وَجَبت جنوبها وسكنت نسائسها حل لكم الْأكل مِنْهَا وَالْإِطْعَام، وَسَيَأْتِي تَفْسِير القانع والمعتر. قَوْله: {كَذَلِك سخرناها لكم} هَذَا منّ من الله تَعَالَى على عباده بِأَن سخر لَهُم الْبدن مثل التسخير الَّذِي رَأَوْا وَعَلمُوا أَن يأخذونها منقادة للأخذ، فيعقلونها طائعه ويحبسونها صافة قَوَائِمهَا، ثمَّ يطعنون فِي لباتها، وَلَوْلَا تسخير الله تَعَالَى لم تطق. قَوْله: {لن ينَال الله لحومها} وَذَلِكَ أَن أهل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا إِذا نحرُوا الْبدن لطخوا حيطان الْكَعْبَة بدمائها، فهم الْمُسلمُونَ مثل ذَلِك، فَأنْزل الله تَعَالَى: {لن ينَال الله لحومها} أَي: لن يصل إِلَى الله تَعَالَى لحومها الْمُتَصَدّق بهَا وَلَا الدِّمَاء المهراقة بالنحر، {وَلَكِن يَنَالهُ التَّقْوَى مِنْكُم} وَالْمعْنَى: لن يُرْضِي المضحون والمقربون ربَّهم إلَاّ بمراعاة النِّيَّة وَالْإِخْلَاص والاحتفاظ بِشُرُوط التَّقْوَى. قَوْله: {كَذَلِك سخرها لكم} أَي: سخر الْبدن، وَكرر تذكير النِّعْمَة بالتسخير، ثمَّ قَالَ: {لتكبروا الله على مَا هدَاكُمْ} يَعْنِي: على هدايته إيَّاكُمْ لإعلام دينه ومناسك حجه بِأَن تكبروا وتهللوا، وَضمن التَّكْبِير معنى الشُّكْر، وعدى تعديته. قَوْله: {وَبشر الْمُحْسِنِينَ} الْخطاب للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أمره بِأَن يبشر الْمُحْسِنِينَ الَّذين يعْبدُونَ الله تَعَالَى كَأَنَّهُمْ يرونه، فَإِن لم يروه فَإِنَّهُ يراهم بقبوله، وَقيل: بِالْجنَّةِ.

قَالَ مجاهِدٌ: سُمِّيَتِ الْبُدْنَ لِبُدْنِها

بِضَم الْبَاء وَسُكُون الدَّال فِي رِوَايَة بَعضهم، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: بِفَتْح الْبَاء وَفتح الدَّال، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: لبدانتها أَي: لضخامتها. وَأخرج عبد بن حميد من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، قَالَ: إِنَّمَا سميت الْبدن من قبل السمانة. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْبَدنَة نَاقَة تنحر بِمَكَّة، سميت بذلك لأَنهم كَانُوا يسمنونها، وَالْبدن التسمين والاكتناز، وبدن إِذا ضخم وبدن بِالتَّشْدِيدِ إِذا أسن، وَقد ذكرنَا عَن قريب أَن الْبدن من الْإِبِل خَاصَّة، وَقَالَ الدَّاودِيّ قيل: إِن الْبَدنَة تكون من الْبَقر، وَهَذَا نقل عَن الْخَلِيل.

والْقانِعُ السَّائلُ، والْمُعْتَرُّ يعْتَرُّ بالبُدْنِ مِنْ غَنِيٍّ أَو فَقِيرٍ

هَذَا من كَلَام البُخَارِيّ، وَكَذَا قَالَ ابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن الْمسيب وَالْحسن الْبَصْرِيّ، القانع: السَّائِل والمعترض الَّذِي يتَعَرَّض وَلَا يسْأَل. وَقَالَ مَالك: أحسن مَا سَمِعت فِيهِ أَن القانع الْفَقِير والمعتر الدائر، وَقيل: القانع السَّائِل الَّذِي لَا يقنع بِالْقَلِيلِ. وَفِي (الموعب)

قَالَ أَبُو زيد: القانع هُوَ المتعرض لما فِي أَيدي النَّاس، وَهُوَ ذمّ لَهُ، وَهُوَ الطمع، وَقَالَ صَاحب (الْعين) : القنوع الذلة للمسألة. وَقَالَ إِبْرَاهِيم: قنع إِلَيْهِ مَال وخضع وَهُوَ السَّائِل والمعتر الَّذِي يتَعَرَّض وَلَا يسْأَل، وَقَالَ الزّجاج القانع الَّذِي يقنع بِمَا يعطاه، وَقيل: الَّذِي يقنع باليسير. وَقَالَ قطرب: كَانَ الْحسن يَقُول: هُوَ السَّائِل الَّذِي يقنع بِمَا أوتيه وَيصير القانع من معنى القناعة والرضى. وَقَالَ الطوسي: قنع يقنع قنوعا إِذا سَأَلَ وتكفف، وقنع يقنع قناعة إِذا رَضِي. قلت: الأول من بَاب، فتح يفتح، وَالثَّانِي من بَاب: علم يعلم، قَالَ إِسْمَاعِيل: وَقَالُوا: رجل قنعان، بِضَم الْقَاف يرضى باليسير، وَقَالَ صَاحب (الْعين) : القانع خَادِم الْقَوْم وأجيرهم، وَقَرَأَ الْحسن والمعتري، وَمَعْنَاهُ: المعتر، يُقَال: أعتره واعتراه وعره وعراه إِذا تعرض لما عِنْده أَو طَالبه، وَأخرج ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، قَالَ: القانع هُوَ الطامع، وَقَالَ مرّة: هُوَ السَّائِل، وَمن طَرِيق الثَّوْريّ عَن فرات عَن سعيد بن جُبَير: المعتر الَّذِي يعتريك يزورك وَلَا يَسْأَلك، وَمن طَرِيق ابْن جريج عَن مُجَاهِد: المعتر الَّذِي يعتر بِالْبدنِ من غَنِي أَو فَقير، يَعْنِي: يطِيف بهَا متعرضا لَهَا، وَهَذَا الَّذِي ذكره البُخَارِيّ مُعَلّقا.

وشعَائِرُ الله اسْتِعْظَامُ البُدْنِ واسْتِحْسَانُهَا

أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير مَا ذكر فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة من شَعَائِر الله، وَأخرجه عبد بن حميد من طَرِيق وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: {وَمن يعظم شَعَائِر الله} (الْحَج، ٢٣) . قَالَ: استعظام الْبدن استحسانها وإسمانها، وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة من وَجه آخر عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، نَحوه.

والْعَتِيقُ عِتْقُهُ مِنَ الجَبَابِرَةِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا ذكر قبل الْآيَتَيْنِ المذكورتين من قَوْله تَعَالَى: {وليطوفوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق} (الْحَج: ٩٢) . وَفسّر: الْعَتِيق، بقوله: عتقه من الْجَبَابِرَة، وَعَن قَتَادَة: أعتق من الْجَبَابِرَة فكم جَبَّار سَار إِلَيْهِ ليهدمه فَمَنعه الله، وَعَن مُجَاهِد: أعتق من الْغَرق، وَأخرج عبد بن حميد من طَرِيق سُفْيَان عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، قَالَ: إِنَّمَا سمي الْعَتِيق لِأَنَّهُ أعتق من الْجَبَابِرَة. وَقيل: سمي الْعَتِيق لقدمه. وَقيل: لِأَنَّهُ لم يملك قطّ.

ويُقَالُ وجَبَتْ سَقَطَتْ إلَى الأرْضِ ومِنْهُ وجَبَتِ الشَّمْسُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا ذكر فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة من قَوْله: {فَإِذا وَجَبت جنوبها} (الْحَج: ٦٣) . وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق مقسم عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: فَإِذا وَجَبت أَي: سَقَطت، وَكَذَا أخرجه الطَّبَرِيّ من طَرِيقين عَن مُجَاهِد. قَوْله: (وَمِنْه) ، أَي: وَمن الْمَعْنى الْمَذْكُور، وَقَوْلهمْ: وَجَبت الشَّمْس إِذا سَقَطت للغروب.

٩٨٦١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عَنْ أبِي الزِّنَادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَأى رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ ارْكَبْهَا فَقَالَ إنَّهَا بَدَنَةٌ فَقَالَ ارْكَبُهَا قَالَ إنَّهَا بَدَنةٌ قَالَ ارْكَبْهَا ويْلَكَ فِي الثَّالِثَةِ أوْ فِي الثَّانِيَةِ..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم، وَأَبُو الزِّنَاد بِكَسْر الزَّاي وَالنُّون واسْمه، عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز، وَلم تخْتَلف الروَاة عَن مَالك عَن أبي الزِّنَاد فِيهِ، وَرَوَاهُ ابْن عُيَيْنَة عَن أبي الزِّنَاد فَقَالَ: عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة أَو: عَن أبي الزِّنَاد عَن مُوسَى بن أبي عُثْمَان عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة أخرجه سعيد بن مَنْصُور عَنهُ، وَقد رَوَاهُ الثَّوْريّ عَن أبي الزِّنَاد بالإسنادين مفرقا.

وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْوَصَايَا عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس، وَفِي الْأَدَب: عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة، خمستهم عَن مَالك بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (رأى رجلا) لم يدر اسْمه. قَوْله: (يَسُوق بَدَنَة) كَذَا وَقع فِي أَكثر الرِّوَايَات، وَفِي رِوَايَة لمُسلم عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج بِهَذَا الْإِسْنَاد. قَالَ: (بَيْنَمَا رجل يَسُوق بدقة مقلدة) ، وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن همام بن مُنَبّه قَالَ: (هَذَا مَا حَدثنَا

أَبُو هُرَيْرَة عَن مُحَمَّد رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم،) . فَذكر أَحَادِيث مِنْهَا، وَقَالَ: (بَيْنَمَا رجل يَسُوق بَدَنَة مقلدة قَالَ لَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَيلك إركبها، فَقَالَ: بَدَنَة يَا رَسُول الله، قَالَ: وَيلك إركبها، وَيلك إركبها) . وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق وَالثَّوْري، كِلَاهُمَا عَن أبي الزِّنَاد، وَمن طَرِيق عجلَان (عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: اركبها وَيحك، قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَة. قَالَ: أركبها وَيحك) . وَزَاد أَبُو يعلى من رِوَايَة الْحسن: (فركبها) وللبخاري من طَرِيق عِكْرِمَة عَن أبي هُرَيْرَة: (فَلَقَد رَأَيْته رَاكِبًا يُسَايِر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والنعل فِي عُنُقهَا) . قَوْله: (وَيلك) قَالَ الْقُرْطُبِيّ: قَالَهَا لَهُ تأديبا لأجل مُرَاجعَته لَهُ مَعَ عدم خَفَاء الْحَال عَلَيْهِ، وَلِهَذَا قَالَ ابْن عبد الْبر وَابْن الْعَرَبِيّ: وَبَالغ حَتَّى قَالَ: الويل لمن رَاجع فِي ذَلِك بعد هَذَا. قَالَ: وَلَوْلَا أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اشْترط على ربه مَا اشْترط لهلك ذَلِك الرجل لَا محَالة، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَيحْتَمل أَن يكون فهم عَنهُ أَنه يتْرك ركُوبهَا على عَادَة الْجَاهِلِيَّة فِي السائبة وَغَيرهَا، فزجره عَن ذَلِك، فعلى الْحَالَتَيْنِ هِيَ إنْشَاء. وَرجحه عِيَاض وَغَيره، وَقَالُوا: وَالْأَمر هَهُنَا وَإِن قُلْنَا إِنَّه للإرشاد. لكنه اسْتحق الذَّم بتوقفه عَن امْتِثَال الْأَمر، وَالَّذِي يظْهر أَنه مَا ترك عنادا، وَيحْتَمل أَن يكون ظن أَنه يلْزمه غرم بركوبها أَو إِثْم، وَأَن الْإِذْن الصَّادِر لَهُ بركوبها إِنَّمَا هُوَ للشفقة عَلَيْهِ، فتوقف، فَلَمَّا أغْلظ لَهُ بَادر إِلَى الِامْتِثَال. وَقيل: لِأَنَّهُ كَانَ أشرف على هلكة من الْجهد، وويل: كلمة تقال لمن وَقع فِي هلكة، فَالْمَعْنى: أشرفت على الهلكة فاركب، فعلى هَذَا هِيَ إِخْبَار، وَقيل: هِيَ كلمة تدعم بهَا الْعَرَب كَلَامهَا وَلَا تقصد مَعْنَاهَا كَقَوْلِهِم: لَا أم لَك، ويقويه مَا تقدم فِي رِوَايَة أَحْمد: وَيحك بدل وَيلك. وَقَالَ الْهَرَوِيّ: ويل كلمة تقال لمن وَقع فِي هلكة يَسْتَحِقهَا، وويح لمن وَقع فِي هلكة لَا يَسْتَحِقهَا. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَيلك مخرجة مخرج الدُّعَاء عَلَيْهِ من غير قصد إِذْ أَبى من ركُوبهَا أول مرّة. وَقَالَ لَهُ: إِنَّهَا بَدَنَة، وَكَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يعلم ذَلِك فخاف أَن لَا يكون علمه، فَكَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: الويل لَك فِي مراجعتك إيَّايَ فِيمَا لَا نَعْرِف وَأعرف، وَكَانَ الْأَصْمَعِي يَقُول: ويل، كلمة عَذَاب، و: وَيْح، كلمة رَحْمَة. وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَيْح زجر لمن أشرف على هلكة. وَفِي الحَدِيث (ويلٌ وَاد فِي جَهَنَّم) . قَوْله: (فِي الثَّالِثَة) أَي: فِي الْمرة الثَّالِثَة. قَوْله: (أَو فِي الثَّانِيَة) أَي: أَو قَالَ ذَلِك فِي الْمرة الثَّانِيَة، وَهَذَا شكّ من الرَّاوِي.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: جَوَاز ركُوب الْبَدنَة المهداة سَوَاء كَانَت وَاجِبَة أَو مُتَطَوعا بهَا، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يفصل فِي قَوْله وَلَا استفصل صَاحبهَا عَن ذَلِك، فَدلَّ على أَن الحكم لَا يخْتَلف بذلك، ويوضح هَذَا مَا رَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه سُئِلَ: هَل يركب الرجل هَدْيه؟ فَقَالَ: لَا بَأْس، قد كَانَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يمر بِالرِّجَالِ يَمْشُونَ فيأمرهم بركوب هديهم.

وَقد اخْتلفُوا فِي هَذَا على أَقْوَال:

الأول: الْجَوَاز مُطلقًا، وَبِه قَالَ عُرْوَة بن الزبير وَنسبه ابْن الْمُنْذر إِلَى أَحْمد وَإِسْحَاق، وَبِه قَالَت الظَّاهِرِيَّة، وَهُوَ الَّذِي جزم بِهِ النَّوَوِيّ فِي (الرَّوْضَة) تبعا لأصله فِي الضَّحَايَا وَنَقله فِي (شرح الْمُهَذّب) عَن الْقفال والماوري.

الثَّانِي: مَا قَالَه النَّوَوِيّ، وَنقل عَنهُ عَن أبي حَامِد والبندنيجي وَغَيرهمَا مُقَيّدَة بِالْحَاجةِ، وَقَالَ الرَّوْيَانِيّ: تجويزه بِغَيْر الْحَاجة مُخَالفَة النَّص، وَهُوَ الَّذِي نَقله التِّرْمِذِيّ عَن الشَّافِعِي، حَيْثُ قَالَ: وَقد رخص قوم من أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَغَيرهم ركُوب الْبَدنَة إِذا احْتَاجَ إِلَى ظهرهَا، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق، وَهَذَا هُوَ الْمَنْقُول عَن جمَاعَة من التَّابِعين: أَنَّهَا لَا تركب إلَاّ عِنْد الِاضْطِرَار إِلَى ذَلِك، وَهُوَ الْمَنْقُول عَن الشّعبِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَعَطَاء بن أبي رَبَاح، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأَصْحَابه، فَلذَلِك قَيده صَاحب (الْهِدَايَة) من أَصْحَابنَا بالاضطرار إِلَى ذَلِك.

الثَّالِث: مَا ذكره ابْن عبد الْبر من كَرَاهَة الرّكُوب من غير حَاجَة، وَنَقله عَن الشَّافِعِي وَمَالك.

الرَّابِع: مَا قَالَه ابْن الْعَرَبِيّ: يركب للضَّرُورَة فَإِذا استراح نزل، يدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه سُئِلَ عَن ركُوب الْهَدْي؟ فَقَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: إركبها بِالْمَعْرُوفِ إِذا لجئت إِلَيْهَا حَتَّى تَجِد ظهرا، فَإِن مَفْهُومه أَنه إِذا وجد غَيرهَا تَركهَا. وروى سعيد بن مَنْصُور من طَرِيق إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، قَالَ: يركبهَا إِذا أعيي قدر مَا يستريح على ظهرهَا.

الْخَامِس: الْمَنْع مُطلقًا، نَقله ابْن الْعَرَبِيّ عَن أبي حنيفَة، وشنع عَلَيْهِ بِغَيْر وَجه. قَالَ بَعضهم: لِأَن مذْهبه هُوَ الَّذِي ذكره الطَّحَاوِيّ وَغَيره: الْجَوَاز بِغَيْر الْحَاجة إلَاّ أَنه قَالَ: إِن وَقع ذَلِك يضمن مَا نقص مِنْهَا بركوبه، وَقيل: ضَمَان النَّقْص وَافق عَلَيْهِ الشَّافِعِيَّة فِي الْهَدْي الْوَاجِب كالنذر. قلت: الَّذِي نَقله الطَّحَاوِيّ وَغَيره: أَن مَذْهَب أبي حنيفَة مَا ذكره صَاحب (الْهِدَايَة) وَقد ذَكرْنَاهُ.

السَّادِس: وجوب الرّكُوب، نَقله

ابْن عبد الْبر عَن بعض أهل الظَّاهِر تمسكا بِظَاهِر الْأَمر. ولمخالفة مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّة من الْبحيرَة والسائبة، وَفِي (الاستذكار) : كره مَالك وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأكْثر الْفُقَهَاء شرب لبن النَّاقة بعد ري فصيلها. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: إِن نَقصهَا الرّكُوب وَالشرب فَعَلَيهِ قيمَة ذَلِك. وَقَالَ مَالك: لَا يشرب من لَبنهَا فَإِن شرب لم يغرم، وَكَذَا إِن ركب للْحَاجة لَا يغرم شَيْئا.

وَاخْتلف المجيزون: هَل يحمل عَلَيْهَا مَتَاعه رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَمَنعه مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأَجَازَهُ الْجُمْهُور، وَكَذَا إِن حمل عَلَيْهَا غَيره أجَازه الْجُمْهُور على التَّفْصِيل الْمَذْكُور.

وَيجوز فِي الْهَدْي الْأُنْثَى وَالذكر، وَإِلَيْهِ ذهب مَالك، وَقَالَ ابْن التِّين: إِنَّه لَا يهدي إلَاّ الْإِنَاث، نَقله عَن الشَّافِعِي. وَفِي (التَّوْضِيح) : يجوز إهداء الذّكر وَالْأُنْثَى من الْإِبِل، وَهُوَ مَذْهَبنَا. وَقَول جمَاعَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم: لِأَن الْهَدْي جِهَة من جِهَات الْقرب فَلم يخْتَص بالذكور وَلَا الْإِنَاث كالضحايا.

وَفِيه: من الْعلم تَكْرِير الْعَالم الْفَتْوَى وتوبيخ من لَا يأتم بهَا وزجره.

٠٩٦١ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا هِشامٌ وشُعْبَةُ بنُ الحَجَّاجِ قَالَا حدَّثنا قَتادَةُ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَأى رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنةٍ فَقَالَ ارْكَبْها قَالَ إنَّهَا بَدَنةٌ قَالَ ارْكَبْها قَالَ إنَّهَا بَدَنةٌ قَالَ اركَبْها ثَلاثا.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد مضوا، وَهِشَام هُوَ الدستوَائي، وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن قَتَادَة عَن أنس وَشعْبَة وَهِشَام وَسَعِيد بن أبي عرُوبَة وَهَمَّام وَالْحكم بن عبد الْملك وَأَبُو عوَانَة: أما حَدِيث شُعْبَة وَهِشَام فَانْفَرد بِهِ البُخَارِيّ. وَأما سعيد بن أبي عرُوبَة فَانْفَرد بِإِخْرَاجِهِ النَّسَائِيّ. وَأما حَدِيث همام فَأخْرجهُ البُخَارِيّ مُنْفَردا بِهِ فِي الْأَدَب. وَأما حَدِيث الحكم بن عبد الْملك فَرَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ ابْن حبَان فِي الضَّحَايَا. وَأما حَدِيث أبي عوَانَة فَأخْرجهُ التِّرْمِذِيّ، فَقَالَ: حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا أَبُو عوَانَة عَن قَتَادَة (عَن أنس: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رأى رجلا يَسُوق بَدَنَة، فَقَالَ: إركبها. فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِنَّهَا بَدَنَة {فَقَالَ لَهُ فِي الثَّالِثَة أَو الرَّابِعَة: إركبها وَيحك أَو وَيلك) . وَرَوَاهُ أَيْضا عَن أنس جمَاعَة مِنْهُم: ثَابت الْبنانِيّ، وَبُكَيْر بن الْأَخْنَس وَعِكْرِمَة وَالْمُخْتَار بن فلفل. أما حَدِيث ثَابت فَرَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة حميد عَن ثَابت (عَن أنس، قَالَ: مر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِرَجُل يَسُوق بَدَنَة فَقَالَ: إركبها} فَقَالَ: إِنَّهَا بَدَنَة. قَالَ: إركبها، مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا) . وَأما حَدِيث بكير بن الْأَخْنَس فَانْفَرد بِإِخْرَاجِهِ مُسلم من رِوَايَة مسعر عَنهُ عَن أنس، قَالَ: سمعته يَقُول: (مر رجل على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ببدنة أَو هَدِيَّة، فَقَالَ: إركبها. قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَة أَو هَدِيَّة. قَالَ: وَإِن) . وَأما حَدِيث عِكْرِمَة وَالْمُخْتَار بن فلفل فأخرجهما أَبُو الشَّيْخ ابْن حبَان فِي الضَّحَايَا.

قَوْله: (قَتَادَة عَن أنس) ، وَعند الْإِسْمَاعِيلِيّ: سَمِعت أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (قَالَ: إركبها) إِلَى آخِره، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (إركبها ثَلَاثًا مُخْتَصرا) . قَوْله: (ثَلَاثًا) أَي: قَالَهَا ثَلَاث مَرَّات، وَبَقِيَّة الْكَلَام مرت فِي الحَدِيث السَّابِق.

٤٠١ - (بابُ منْ سَاقَ الْبُدْنَ مَعَهُ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من سَاق الْبدن مَعَه من الْحل إِلَى الْحرم. وَقَالَ الْمُهلب: أَرَادَ البُخَارِيّ أَن يعرف أَن السّنة فِي الْهَدْي أَن يساق من الْحل إِلَى الْحرم، فَإِن اشْتَرَاهُ من الْحرم خرج بِهِ إِذا حج إِلَى عَرَفَة وَهُوَ قَول مَالك، فَإِن لم يفعل فَعَلَيهِ الْبَدَل، وَهُوَ قَول اللَّيْث، وَهُوَ مَذْهَب ابْن عمر وَسَعِيد بن جُبَير. وَرُوِيَ عَن ابْن الْقَاسِم أَنه أجَازه وَإِن لم يقف بِهِ بِعَرَفَة، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر. وَقَالَ الشَّافِعِي: وقف الْهَدْي بِعَرَفَة سنة لمن شَاءَ إِذا لم يسقه من الْحل. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَيْسَ بِسنة لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا سَاق الْهَدْي من الْحل لِأَن مَسْكَنه كَانَ خَارج الْحرم، وَهَذَا كُله فِي الْإِبِل، فَأَما الْبَقَرَة فقد يضعف عَن ذَلِك وَالْغنم أَضْعَف، وَمن ثمَّة قَالَ مَالك، رَحمَه الله: إلَاّ من عَرَفَة أَو مَا قَارب مِنْهَا لِأَنَّهَا تضعف عَن الْقطع طول الْمسَافَة.

١٩٦١ - حدَّثنا يَحْيى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ سَالِمِ

ابنِ عبْدِ الله أنَّ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ تَمَنَّعَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ بِالعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ وأهْدَى فسَاقَ مَعَهُ الهَدْيَ منْ ذِي الحُلَيْفَةِ وبدَأ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأهَلَّ بِالعُمْرَةِ ثُمَّ أهَلَّ بِالحَجِّ فتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ فكَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ أهْدَي فسَاقَ الْهَدْيَ ومِنْهُمْ منْ لَمْ يُهْدِ فلَمَّا قَدِمَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ منْ كانَ مِنْكُمْ أهْدَي فإنَّهُ لَا يَحِلُّ لِشَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِي حَجَّهُ ومنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أهْدَى فلْيَطُف بِالْبَيْتِ وبالصَّفَا والمَرْوَةِ ولْيُقَصِّرْ ولْيَحْلِلْ ثُمَّ ليُهِلَّ بالحَجِّ فمَنُ لَمْ يَجِدْ هَدْيا فَلْيَصُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ فِي الحَجِّ وسَبْعةً إذَا رجَعَ إلَى أهْلِهِ فطَافَ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ واسْتَلَمَ الرُّكْنَ أوَّلَ شَيْءٍ ثُمَّ خَبَّ ثلَاثَةَ أطْوَافٍ ومَشَي أرْبعا فرَكَعَ حِينَ قَضَى طَوافَهُ بِالْبَيْتِ عِنْدَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ فانْصَرَفَ فأتَى الصَّفَا فَطافَ بِالصَّفَا والمَرْوَةِ سَبْعَةَ أطْوَافٍ ثُمَّ لَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى ونَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ وأفاضَ فطَافَ بِالبَيْتِ ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَنْ أهْدَى وسَاقَ الْهَدْيَ مِنَ النَّاسِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فساق مَعَه الْهَدْي) .

ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: كلهم قد ذكرُوا غير مرّة، وَاللَّيْث هُوَ ابْن سعد، وَعقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد، وَابْن شهَاب هُوَ: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. قَوْله: (عَن عقيل) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق شُعَيْب بن اللَّيْث عَن أَبِيه: حَدثنِي عقيل. وَفِيه: أَن شَيْخه يحيى بن بكير هُوَ يحيى بن عبد الله بن بكير أَبُو زَكَرِيَّاء المَخْزُومِي الْمصْرِيّ. وَفِيه: أَن اللَّيْث أَيْضا مصري وَعقيل أيلي، وَابْن شهَاب وَسَالم مدنيان.

ذكر من أخرجه غَيره أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد جَمِيعًا فِي الْحَج أَيْضا عَن عبد الْملك بن شُعَيْب بن اللَّيْث عَن أَبِيه عَن جده بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الله ابْن الْمُبَارك المَخْزُومِي عَن حجين بن الْمثنى عَن اللَّيْث بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (تمنع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حجَّة الْوَدَاع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج) ، قَالَ الْمُهلب: مَعْنَاهُ أَمر بذلك كَمَا تَقول: رجم وَلم يرْجم لِأَنَّهُ كَانَ يُنكر على أنس. قَوْله: (إِنَّه قرن) ، وَيَقُول بل كَانَ مُفردا. وَأما قَوْله: وَبَدَأَ بِالْعُمْرَةِ فَمَعْنَاه: أَمرهم بالتمتع، وَهُوَ أَن يهلوا بِالْعُمْرَةِ أَولا، ويقدموها قبل الْحَج. قَالَ: وَلَا بُد من هَذَا التَّأْوِيل لدفع التَّنَاقُض عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قيل: هَذَا التَّأْوِيل من أبعد التأويلات، والاستشهاد عَلَيْهِ بقوله: رجم، وَإِنَّمَا أَمر بِالرَّجمِ من أوهن الاستشهادات، لِأَن الرَّجْم وَظِيفَة الإِمَام، فَالَّذِي يَتَوَلَّاهُ إِنَّمَا يَتَوَلَّاهُ نِيَابَة عَنهُ، وَأما أَعمال الْحَج من إِفْرَاد وقران وتمتع فَإِنَّهُ وَظِيفَة كل أحد عَن نَفسه. وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون معنى قَوْله: تمتّع، مَحْمُولا على مَدْلُوله اللّغَوِيّ وَهُوَ: الِانْتِفَاع بِإِسْقَاط عمل الْعمرَة وَالْخُرُوج إِلَى ميقاتها. انْتهى. قلت: كل هَذَا الَّذِي ذكر لَا يشفي العليل وَلَا يروي الغليل، بل الْأَوْجه هُنَا مَا قَالَه النَّوَوِيّ وَهُوَ أَن معنى: تمتّع أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أحرم بِالْحَجِّ مُفردا ثمَّ أحرم بِالْعُمْرَةِ، فَصَارَ قَارنا فِي آخر عمْرَة، والقارن هُوَ متمتع من حَيْثُ اللُّغَة وَمن حَيْثُ الْمَعْنى لِأَنَّهُ ترفه باتحاد الْمِيقَات وَالْإِحْرَام وَالْفِعْل جمعا بَين الْأَحَادِيث. وَأما لفظ: (فأهلَّ بِالْعُمْرَةِ ثمَّ أهلَّ بِالْحَجِّ) فَهُوَ مَحْمُول على التَّلْبِيَة فِي أثْنَاء الْإِحْرَام وَلَيْسَ المُرَاد أَنه أحرم أول مرّة بِالْعُمْرَةِ ثمَّ أحرم بِالْحَجِّ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى مُخَالفَة الْأَحَادِيث الْأُخَر، وَيُؤَيّد هَذَا التَّأْوِيل لفظ: وتمتع النَّاس مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَمَعْلُوم أَنهم أَحْرمُوا أَولا بِالْحَجِّ مُفردا، وَإِنَّمَا فسخوا إِلَى الْعمرَة آخرا وصاروا متمتعين. وَقَوله: (فتمتع النَّاس) يَعْنِي: فِي آخر أَمرهم قلت: هَذَا الحَدِيث أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه الْكُبْرَى) من حَدِيث اللَّيْث عَن عقيل إِلَى آخِره نَحوه، ثمَّ قَالَ: وَقد روينَا عَن عَائِشَة وَابْن عمر مَا يُعَارض هَذَا، وَهُوَ الْإِفْرَاد، وَحَيْثُ لم يتَحَلَّل

من إِحْرَامه إِلَى آخر شَيْء فَفِيهِ دلَالَة على أَنه لم يكن مُتَمَتِّعا. قلت: هَذَا لَا يرد على فُقَهَاء الْكُوفَة لِأَن عِنْدهم الْمُتَمَتّع إِذا أهْدى لَا يتَحَلَّل حَتَّى يفرغ من حجه، وَهَذَا الحَدِيث أَيْضا يَنْفِي كَونه مُفردا لِأَن الْهَدْي لَا يمْنَع الْمُفْرد من الْإِحْلَال فَهُوَ حجَّة على الْبَيْهَقِيّ. وَفِي (الاستذكار) : لَا يَصح عندنَا أَن يكون مُتَمَتِّعا إلَاّ تمتّع قرَان، لِأَنَّهُ لَا خلاف بَين الْعلمَاء أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يتَحَلَّل من عمرته، وَأقَام محرما من أجل هَدْيه، وَهَذَا حكم الْقَارِن لَا الْمُتَمَتّع، وَفِي (شرح الْمُوَطَّأ) لأبي الْحسن الأشبيلي: وَلَا يَصح عِنْدِي أَن يكون، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مُتَمَتِّعا إلَاّ تمتّع قرَان، لِأَنَّهُ لَا خلاف أَنه لم يحل من عمرته حَتَّى أَمر أَصْحَابه أَن يحلوا ويفسخوا حجهم فِي عمْرَة، وَفسخ الْحَج فِي الْعمرَة خص بِهِ أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلَا يجوز الْيَوْم أَن يفعل ذَلِك عِنْد أَكثر الصَّحَابَة وَغَيرهم لقَوْله تَعَالَى: {وَأَتمُّوا الْحَج} (الْبَقَرَة: ٦٩١) . يَعْنِي لمن دخل فِيهِ، وَمَا أعلم من الصَّحَابَة من يُجِيز ذَلِك إلَاّ ابْن عبَّاس، وَتَابعه أَحْمد وَدَاوُد دون سَائِر الْفُقَهَاء، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً، فِي: بَاب التَّمَتُّع وَالْقرَان. قَوْله: (فساق مَعَه الْهَدْي من ذِي الحليفة) وَهُوَ الْمِيقَات. قَوْله: (وَبَدَأَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأهل بِالْحَجِّ) ، قَالَ ابْن بطال: إِنَّمَا يُرِيد أَنه بَدَأَ حِين أَمرهم بالتمتع أَن يهلوا بِالْعُمْرَةِ أول، ويقدموها قبل الْحَج، وَأَن ينشؤا الْحَج بعْدهَا إِذا حلوا مِنْهَا. قَوْله: (وبالصفا والمروة) ، ظَاهر فِي وجوب السَّعْي. قَوْله: (فتمتع النَّاس مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي: بِحَضْرَتِهِ. قَوْله: (وليقصر) على صُورَة أَمر الْغَائِب، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (وَيقصر) ، على صُورَة الْمُضَارع، وَقَالَ الْكرْمَانِي، بِالرَّفْع والجزم. قلت: وَجه الرّفْع أَن يكون الْمُضَارع على أَصله لتجرده عَن النواسخ، وَالتَّقْدِير: وَبعد الطّواف بِالْبَيْتِ وَالسَّعْي بَين الصَّفَا والمروة يقصر، من التَّقْصِير، وَهُوَ أَخذ بعض شعر رَأسه. وَوجه الْجَزْم أَن يكون عطفا على المجزوم قبله، وَيكون فِي التَّقْدِير: وليقصر. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لِمَ خصص التقصيرَ والحلقُ جَائِز بل أفضل؟ وَأجَاب: بِأَنَّهُ أمره بذلك ليبقى لَهُ شعر يحلقه فِي الْحَج، فَإِن الْحلق فِي تحلل الْحَج أفضل مِنْهُ فِي تحلل الْعمرَة. قَوْله: (وليحلل) ، صورته أَمر، وَمَعْنَاهُ الْخَبَر يَعْنِي صَار: حَلَالا، فَلهُ فعل كل مَا كَانَ مَحْظُورًا عَلَيْهِ فِي الْإِحْرَام. قَوْله: (ثمَّ ليهل بِالْحَجِّ) أَي: بعد تَقْصِيره وتحلله يحرم بِالْحَجِّ، وَإِنَّمَا أَتَى بِلَفْظ: ثمَّ، الدَّال على التَّرَاخِي ليدل على أَنه لَا يلْزم أَن يهل بِالْحَجِّ عقيب إحلاله من الْعمرَة. قَوْله: (فَمن لم يجد هَديا) أَي: لم يجده هُنَاكَ، إِمَّا لعدم الْهَدْي، وَإِمَّا لعدم ثمنه، وَإِمَّا لكَونه يُبَاع بِأَكْثَرَ من ثمن الْمثل. قَوْله: (فليصم ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَج) ، وَهُوَ الْيَوْم السَّابِع من ذِي الْحجَّة، وَالثَّامِن وَالتَّاسِع. قَوْله: (وَسَبْعَة) أَي: وليصم سَبْعَة (أَيَّام إِذا رَجَعَ إِلَى أَهله) بِظَاهِرِهِ أَخذ الشَّافِعِي، لِأَن المُرَاد حَقِيقَة الرُّجُوع، وَقَالَ أَصْحَابنَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَسَبْعَة إِذا رجعتم} (الْبَقَرَة: ٦٩١) . مَعْنَاهُ: إِذا فَرَغْتُمْ من أَفعَال الْحَج، والفراغ سَبَب الرُّجُوع، فَأطلق الْمُسَبّب على السَّبَب، فَلَو صَامَ هَذِه السَّبْعَة بِمَكَّة فَإِنَّهُ يجوز عندنَا. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يجوز إلَاّ أَن يَنْوِي الْإِقَامَة بهَا، فَإِن لم يصم الثَّلَاثَة فِي الْحَج إِلَى يَوْم النَّحْر تعين الدَّم، فَلَا يجوز أَن يَصُوم الثَّلَاثَة وَلَا السَّبْعَة بعْدهَا. وَقَالَ الشَّافِعِي: يَصُوم الثَّلَاثَة بعد هَذِه الْأَيَّام: يَعْنِي أَيَّام التَّشْرِيق. وَقَالَ مَالك: يصومها فِي هَذِه الْأَيَّام. قُلْنَا: النَّهْي الْمَعْرُوف عَن صَوْم هَذِه الْأَيَّام، وَلَا يُؤدى بعْدهَا أَيْضا لِأَن الْهَدْي أصل وَقد نقل حكمه إِلَى بدل مَوْصُوف بِصفة، وَقد فَاتَت، فَعَاد الحكم إِلَى الأَصْل وَهُوَ الْهَدْي. وَفِي (شرح الْمُوَطَّأ) للأشبيلي: وَوقت هَذَا الصَّوْم من حِين يحرم بِالْحَجِّ إِلَى آخر أَيَّام التَّشْرِيق، وَالِاخْتِيَار تَقْدِيمه فِي أول الْإِحْرَام، رَوَاهُ ابْن الْجلاب، وَإِنَّمَا اخْتَار تَقْدِيمه لتعجيل إِبْرَاء الذِّمَّة، وَلِأَنَّهُ وَقت مُتَّفق على جَوَاز الصَّوْم فِيهِ، فَإِن فَاتَهُ ذَلِك قبل يَوْم النَّحْر صَامَهُ أَيَّام منى، فَإِن لم يصم أَيَّام منى صَامَ بعْدهَا. قَالَه عَليّ وَابْن عمر وَعَائِشَة وَابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي، وَرُوِيَ عَن عَطاء بن أبي رَبَاح أَنه أجَاز للمتمتع أَن يَصُوم فِي الْعشْر وَهُوَ حَلَال. وَقَالَ مُجَاهِد وطاووس: إِذا صامهن فِي أشهر الْحَج أَجزَأَهُ، وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ شَاذان. وَقَالَ أَبُو بكر الْجَصَّاص فِي (أَحْكَام الْقُرْآن) : اخْتلف السّلف فِيمَن لم يجد الْهَدْي وَلم يصم الْأَيَّام الثَّلَاثَة قبل يَوْم النَّحْر، فَقَالَ عمر بن الْخطاب وَابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن جُبَير وَإِبْرَاهِيم وطاووس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم: لَا يجْزِيه إلَاّ الْهَدْي، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد، وَقَالَ ابْن عمر وَعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، يَصُوم أَيَّام منى، وَهُوَ قَول مَالك. وَقَالَ عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: يَصُوم بعد أَيَّام التَّشْرِيق، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي. انْتهى. فَإِن قلت: روى البُخَارِيّ فِي كتاب الصَّوْم من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة وَعَن سَالم عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. قَالَا: لم

يرخص فِي أَيَّام التَّشْرِيق أَن يضمن إلَاّ لمن لم يجد الْهَدْي، وروى الطَّحَاوِيّ من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي الْمُتَمَتّع: إِذا لم يجد الْهَدْي وَلم يصم فِي الْعشْر أَنه يَصُوم أَيَّام التَّشْرِيق، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا فِي سنَنه؟ قلت: رُوِيَ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: إِن هَذِه الْأَيَّام أَيَّام أكل وَشرب، وَأَرَادَ بِهَذِهِ الْأَيَّام أَيَّام التَّشْرِيق، مِنْهُم عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرج حَدِيثه الطَّحَاوِيّ بِإِسْنَاد حسن عَنهُ، أَنه قَالَ: (خرج مُنَادِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي أَيَّام التَّشْرِيق فَقَالَ: إِن هَذِه الْأَيَّام أَيَّام وَأكل وَشرب) . وَقد أخرج الطَّحَاوِيّ أَحَادِيث نهي الصَّوْم فِي أَيَّام التَّشْرِيق عَن سِتَّة عشر نفسا من الصَّحَابَة ذَكَرْنَاهُمْ فِي (شرحنا لمعاني الْآثَار) للطحاوي، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: لما ثَبت بِهَذِهِ الْآثَار عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم النَّهْي عَن صِيَام أَيَّام التَّشْرِيق، وَكَانَ نَهْيه عَن ذَلِك بمنى والحاج مقيمون بهَا وَفِيهِمْ المتمتعون والقارنون، وَلم يسْتَثْن مِنْهُم مُتَمَتِّعا، وَلَا قَارنا، دخل فِيهِ المتمتعون والقارنون فِي ذَلِك النَّهْي. وَأما الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ سَالم عَن أَبِيه مَرْفُوعا فَهُوَ ضَعِيف، وَفِي سَنَده يحيى بن سَلام نزيل مصر، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: ضَعِيف، وَفِيه مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى فِيهِ مقَال، وَذكر الطَّحَاوِيّ عَن شُعْبَة أَن حَدِيث يحيى بن سَلام حَدِيث مُنكر لَا يُثبتهُ أهل الْعلم بالرواية لضعف يحيى بن سَلام وَابْن أبي ليلى وَسُوء حفظهما. قَوْله: (فَطَافَ حِين قدم مَكَّة) أَي: فَطَافَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَصرح بِهِ هَكَذَا فِي (صَحِيح مُسلم) قَوْله: (واستلم الرُّكْن أول شَيْء) أَي: اسْتَلم الْحجر الْأسود أول مَا قدم قبل أَن يبتديء بِشَيْء. قَوْله: (ثمَّ خب) ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة أَي أسْرع فِي الثَّلَاثَة الأول من الأطواف، وَرمل. قَوْله: (وَمَشى أَرْبعا) أَي: أَربع مَرَّات أَرَادَ أَنه لم يرمل فِي بَقِيَّة الأطواف، وَهِي الْأَرْبَعَة. قَوْله: (فَرَكَعَ حِين قضى طَوَافه بِالْبَيْتِ عِنْد الْمقَام رَكْعَتَيْنِ) أَي: لما فرغ من أطوافه السَّبْعَة صلى عِنْد مقَام إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، رَكْعَتَيْنِ وَقضى بِمَعْنى: أدّى، وَرَكْعَتَيْنِ مَنْصُوب بقوله: فَرَكَعَ. قَوْله: (ثمَّ سلم) أَي: عقيب الرَّكْعَتَيْنِ فَانْصَرف وأتى الصَّفَا، فَظَاهر الْكَلَام أَنه حِين فرغ من الرَّكْعَتَيْنِ توجه إِلَى الصَّفَا وَلم يشْتَغل بِشَيْء آخر. وَحَدِيث جَابر الطَّوِيل عِنْد مُسلم: (ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْحجر فاستلمه، ثمَّ خرج من بَاب الصَّفَا) . قَوْله: (حِين قضى حجه) أَي: بِالْوُقُوفِ بِعَرَفَة لِأَنَّهُ من أَرْكَان الْحَج وبرمي الجمرات ونحره هَدْيه يَوْم النَّحْر. قَوْله: (وأفاض) أَي: بعد الْإِتْيَان بِهَذِهِ الْأَفْعَال أَفَاضَ إِلَى الْبَيْت فَطَافَ بِهِ طواف الْإِفَاضَة. قَوْله: (وَفعل مثل مَا فعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) كلمة: مَا، مَصْدَرِيَّة أَي: مثل فعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وفاعل: فعل، هُوَ قَوْله: (من أهْدى) يَعْنِي: مِمَّن كَانَ مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وسَاق الْهَدْي، وَكلمَة: من، فِي من النَّاس للتَّبْعِيض لِأَن كل من كَانُوا لم يسوقوا الْهَدْي، وَقَائِل هَذَا الْكَلَام أَعنِي قَوْله: وَفعل ... إِلَى آخِره، هُوَ عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَقَالَ بَعضهم: وَأغْرب الْكرْمَانِي فشرحه على أَن فَاعل فعل هُوَ ابْن عمر رَاوِي الْخَبَر. قلت: لم يشْرَح الْكرْمَانِي بِهَذَا الشَّرْح إلَاّ بِنَاء على النُّسْخَة الَّتِي فِيهَا: بَاب من أهْدى وسَاق الْهَدْي على مَا نذكرهُ الْآن، وَلِهَذَا قَالَ: وَالصَّحِيح هُوَ الأول، يَعْنِي: أَن فَاعل: فعل، هُوَ قَوْله: (من أهْدى) .

وَعَنْ عُرْوَةَ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أخْبَرَتْهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي تَمَتُّعِهِ بِالعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ فتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَهُ بِمِثْلِ الَّذِي أخبرَني سَالِمٌ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنْ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

هَذَا عطف على قَوْله: عَن سَالم بن عبد الله أَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَهُوَ مقول ابْن شهَاب، وَهَذِه هِيَ النُّسْخَة الصَّحِيحَة، وَالنُّسْخَة الَّتِي وَقع فِيهَا لفظ: بَاب بَين قَوْله: (وَفعل مثل مَا فعل رَسُول لله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، وَبَين قَوْله: (من أهل وسَاق الْهَدْي من النَّاس) ، وَصورتهَا: بَاب من أهل وسَاق الْهَدْي وَعَن عُرْوَة أَن عَائِشَة أخْبرته إِلَى آخِره، وَهَذَا خطأ فَاحش، ونسبت هَذِه رِوَايَة إِلَى أبي الْوَقْت وَالظَّاهِر أَنه من تخبيط النَّاسِخ.

وَقد أخرجه مُسلم مثل النُّسْخَة الصَّحِيحَة حَيْثُ قَالَ: حَدثنِي عبد الْملك بن شُعَيْب بن اللَّيْث حَدثنِي أبي عَن جدي، قَالَ: حَدثنِي عقيل بن خَالِد عَن ابْن شهَاب عَن سَالم بن عبد الله أَن عبد الله بن عمر، قَالَ: تمتّع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حجَّة الْوَدَاع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج، وَسَاقه إِلَى أَن قَالَ: وأفاض فَطَافَ بِالْبَيْتِ، ثمَّ حل من كل شَيْء حرم فِيهِ، وَفعل مثل مَا فعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من أهْدى فساق الْهَدْي من النَّاس. ثمَّ قَالَ: وحدثنيه عبد الْملك بن شُعَيْب يَعْنِي ابْن اللَّيْث، قَالَ: حَدثنِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

لمن وقع في الهلاك، أو لمن يستحقُّه، أو هي بمعنى الهلاك، أو مشقَّة العذاب، أو الحزن، أو وادٍ في جهنم، أو بئرٍ، أو بابٍ، لها أقوالٌ، فيحتمل إجراؤها على هذا المعنى هنا لتأخُّر المخاطب عن امتثال أمره ؛ لقول الرَّاوي: (فِي) المرَّة (الثَّالِثَةِ أَوْ فِي) المرَّة (الثَّانِيَةِ) ولأبي ذرٍّ: «ويلك، في الثَّانية أو الثَّالثة» والشَّكُّ من الرَّاوي (١)، قال القرطبيُّ وغيره: قالها -أي: «ويلك» - تأديبًا لأجل مراجعته له مع عدم خفاء الحال عليه، ويحتمل ألَّا يُراد بها موضوعها الأصليُّ، ويكون ممَّا جرى على لسان العرب في المخاطبة من غير قصدٍ لموضوعه كما في: تَرِبت يداك، ونحوه، وقِيل: إنَّه (٢) كان أشرف على هلكةٍ من الجهد، وويلٌ: كلمةٌ تُقال لمن وقع في هلكةٍ -كما مرَّ- فالمعنى: أشرفتَ على الهلاك فاركب، فعلى هذا هي إخبارٌ.

١٦٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيديُّ الأزديُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابن أبي عبد الله سَنْبر؛ بمهملةٍ ثمَّ نونٍ ثمَّ مُوحَّدةٍ بوزن «جعفرٍ» الدَّسْتَوائيُّ؛ بفتح الدَّال وسكون السِّين المهملتين وفتح المُثنَّاة ثمَّ مدٍّ، ثقةٌ ثبتٌ، قدَّمه أحمد على الأوزاعيِّ، وعلى أصحاب يحيى بن أبي كثيرٍ، وعلى أصحاب قتادة، وكان شعبة يقول: هو أحفظ منِّي، وكان القطَّان يقول: إذا سمعت الحديث من هشام الدَّستَوائيِّ لا تبالي ألَّا تسمعه من غيره، ومع هذا فقال محمَّد بن سعدٍ: كان ثقةً حجَّةً إلَّا أنَّه يرى القدر (٣)، وقال العجليُّ: ثقةٌ ثبتٌ في الحديث إلَّا أنَّه كان يرى القدر ولا يدعو إليه، لكن احتجَّ به الأئمَّة (وَشُعْبَةُ) بن الحجاج بن الورد العتكيُّ الواسطيُّ ثمَّ البصريُّ (قَالَا: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة السَّدوسيُّ البصريُّ (عَنْ أَنَسٍ) وعند الإسماعيليِّ: «سمعت أنس بن مالكٍ» (: أَنَّ النَّبِيَّ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ)

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

والإقران: وَبَاب التَّمَتُّع على عهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. الثَّانِيَة: حكم الْهَدْي، فَذكره فِي حَدِيث هَذَا الْبَاب. الثَّالِثَة: حكم الصَّوْم، فَذكره أَيْضا فِي: بَاب قَوْله تَعَالَى: {ذَلِك لمن لم يكن أَهله حاضري الْمَسْجِد الْحَرَام} (الْبَقَرَة: ٦٩١) . الرَّابِعَة: حكم حاضري الْمَسْجِد الْحَرَام، فَذكره أَيْضا فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: {ذَلِك لمن لم يكن أَهله حاضري الْمَسْجِد الْحَرَام} (الْبَقَرَة: ٦٩١) [/ ح.

وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِيمَا {اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي} (الْبَقَرَة: ٦٩١) . فَقَالَت طَائِفَة: شَاة، رُوِيَ ذَلِك عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَوَاهُ عَنْهُمَا مَالك فِي (موطئِهِ) وَأخذ بِهِ، وَقَالَ بِهِ جُمْهُور الْعلمَاء. وَاحْتج بقول الله تَعَالَى: {هذيا بَالغ الْكَعْبَة} (الْمَائِدَة: ٥٩) . قَالَ: وَإِنَّمَا يحكم بِهِ فِي الْهَدْي شَاة، وَقد سَمَّاهَا الله تَعَالَى: هَديا، وَرُوِيَ عَن طَاوُوس عَن ابْن عَبَّاس مَا يَقْتَضِي أَن مَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي، فِي حق النَّبِي بَدَنَة، وَفِي حق غَيره بقرة، وَفِي حق الْفَقِير: شَاة، وَعَن ابْن عمر وَابْن الزبير وَعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم: أَنه من الْإِبِل وَالْبَقر خَاصَّة، وَكَأَنَّهُم ذَهَبُوا إِلَى ذَلِك من أجل قَوْله تَعَالَى: {وَالْبدن جعلناها لكم من شَعَائِر الله} (الْحَج: ٦٣) . فَذَهَبُوا إِلَى أَن الْهَدْي مَا وَقع عَلَيْهِ اسْم بدن، وَيَردهُ قَوْله تَعَالَى: {فجزاء مثل مَا قتل من النعم} (الْمَائِدَة: ٥٩) . إِلَى قَوْله: {هَديا بَالغ الْكَعْبَة} (الْمَائِدَة: ٥٩) . وَقد حكم الْمُسلمُونَ فِي الظبي بِشَاة، فَوَقع عَلَيْهَا اسْم هدي. وَقَوله تَعَالَى: {فَمَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي} (الْبَقَرَة: ٦٩١) . يحْتَمل أَن يُشِير بِهِ إِلَى أقل أَجنَاس الْهَدْي، وَهُوَ الشَّاة وَإِلَى أقل صِفَات كل جنس، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَن ابْن عمر: الْبَدنَة دون الْبَدنَة وَالْبَقَرَة دون الْبَقَرَة فَهَذَا عِنْده أفضل من الشَّاة، وَلَا خلاف يعلم فِي ذَلِك، وَإِنَّمَا مَحل الْخلاف أَن الْوَاجِد لِلْإِبِلِ وَالْبَقر هَل يخرج شَاة؟ فَعِنْدَ ابْن عمر: يمْنَع إِمَّا تَحْرِيمًا، وَإِمَّا كَرَاهَة، وَعند غَيره: نعم، وَرُوِيَ عَن ابْن عمر وَأنس: يجزيء فِيهَا شرك فِي دم، وَرُوِيَ عَن عَطاء وطاووس وَالْحسن مثله، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر، وَلَا تجزىء عِنْدهم الْبَدنَة أَو الْبَقَرَة عَن أَكثر من سَبْعَة، وَلَا الشَّاة عَن أَكثر من وَاحِد. وَأما مَا رُوِيَ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ضحى بِشَاة عَن أمته فَإِنَّمَا كَانَت تَطَوّعا، وَعند الْمَالِكِيَّة: تجوز الْبَدنَة أَو الْبَقَرَة عَن أَكثر من سَبْعَة إِذا كَانَت ملكا لرجل وَاحِد وضحى بهَا عَن نَفسه وَأَهله.

٣٠١ - (بابُ رُكُوبِ الْبُدْنِ لِقَوْلِهِ تعَالى: {والبُدْنَ جَعلْناهَا لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ الله لَكُمْ فِيهَا خَيرٌ فاذْكُرُوا اسْمَ الله علَيْهَا صَوَافَّ فإذَا وجَبَتْ جُنُوبُهَا فكُلُوا مِنْهَا وأطْعِمُوا القَانِعَ والمُعْتَرَّ كذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ لَنْ يَنالَ الله لُحُومُها ولَا دمَاؤُها ولاكِنُ يَنَالُهُ التَّقْوى مِنكُم كَذلِكَ سَخَّرهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا الله علَى مَا هدَاكُم وبَشِّرِ الْمُحْسِنينَ} )

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز ركُوب الْبدن، وَاسْتدلَّ على ذَلِك بقوله تَعَالَى: {وَالْبدن جعلناها لكم ... } (الْحَج: ٦٣) . إِلَى آخِره، وَهَاتَانِ الْآيَتَانِ مذكورتان بتمامهما فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر وَأبي الْوَقْت الْمَذْكُور مِنْهُمَا من قَوْله: {وَالْبدن جعلناها لكم} (الْحَج: ٦٣) . إِلَى قَوْله: {فَإِذا

وَجَبت جنوبها} (الْحَج) . ثمَّ الْمَذْكُور بعد {جنوبها} إِلَى قَوْله: {وَبشر الْمُحْسِنِينَ} (الْحَج: ٦٣) . وَمَوْضِع الِاسْتِدْلَال فِي جَوَاز ركُوب الْبدن فِي قَوْله: {لكم فِيهَا خير} (الْحَج: ٦٣) . يَعْنِي: من الرّكُوب والحلب لما روى ابْن أبي حَاتِم وَغَيره بِإِسْنَاد جيد عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: {لكم فِيهَا خير} (الْحَج: ٦٣) . من شَاءَ ركب وَمن شَاءَ حلب، وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) فِي قَوْله: {لكم فِيهَا خير} (الْحَج: ٦٣) . من احْتَاجَ إِلَى ظهرهَا ركب، وَمن احْتَاجَ إِلَى لَبنهَا شرب. وَقيل: فِي الْبدن خير وَهُوَ النَّفْع فِي الدُّنْيَا وَالْأَجْر فِي الْآخِرَة، وَمن شَأْن الْحَاج أَن يحرص على شَيْء فِيهِ خير وَمَنَافع، وَعَن بعض السّلف: أَنه لم يملك إلَاّ تِسْعَة دَنَانِير، فَاشْترى بهَا بَدَنَة، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: سَمِعت رَبِّي يَقُول: {لكم فِيهَا خير} (الْحَج: ٦٣) . قَوْله: (وَالْبدن) بِضَم الْبَاء جمع بَدَنَة، سميت بذلك لعظم بدنهَا، وَهِي الْإِبِل الْعِظَام الضخام الْأَجْسَام، وَهِي من الْإِبِل خَاصَّة وقرىء {وَالْبدن} بِضَمَّتَيْنِ كتمر فِي جمع: تَمْرَة، وَعَن ابْن أبي إِسْحَاق، بِضَمَّتَيْنِ وَتَشْديد النُّون على لفظ الْوَقْف، وقرىء: الْبدن، بِالرَّفْع وَالنّصب كَمَا فِي قَوْله: {وَالْقَمَر قدرناه} (يس: ٩٣) . قَوْله: {من شَعَائِر الله} (الْحَج: ٦٣) . أَي: من أَعْلَام الشَّرِيعَة الَّتِي شرعها وأضافها إِلَى اسْمه تَعْظِيمًا لَهَا. قَوْله: {لكم فِيهَا} أَي: فِي الْبدن. قَوْله: {فاذكروا اسْم الله عَلَيْهَا} عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: ذكر اسْم الله عَلَيْهَا أَن يَقُول عِنْد النَّحْر: بِسم الله، الله أكبر، لَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر أللهم مِنْك وَإِلَيْك. قَوْله: (صوافّ) أَي: قائمات قد صففن أَيْدِيهنَّ وَأَرْجُلهنَّ. وَقيل: أَي قيَاما على ثَلَاثَة قَوَائِم قد صفت رِجْلَيْهَا وإحدي يَديهَا ويدها الْيُسْرَى معقولة، وقرىء: صَوَافِن، من: صفون الْفرس وَهُوَ: أَن تقوم على ثَلَاث وتنصب الرَّابِعَة على طرف سنبكه، لِأَن الْبَدنَة تعقل إِحْدَى يَديهَا فتقوم على ثَلَاث، وقرىء: صوافي، أَي خوالص لوجه الله تَعَالَى. وَعَن عَمْرو بن عبيد: صوافا، بِالتَّنْوِينِ عوضا عَن حرف الْإِطْلَاق عِنْد الْوَقْف. وَعَن بَعضهم: صواف، نَحْو مثل قَول الْعَرَب: أعْط الْقوس باريها، بِسُكُون الْيَاء. قَوْله: {فَإِذا وَجَبت} قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وجوب الْجنُوب وُقُوعهَا على الأَرْض، من: وَجب الْحَائِط وجبة إِذا سقط، وَوَجَبَت الشَّمْس وجبة غربت، وَالْمعْنَى: فَإِذا وَجَبت جنوبها وسكنت نسائسها حل لكم الْأكل مِنْهَا وَالْإِطْعَام، وَسَيَأْتِي تَفْسِير القانع والمعتر. قَوْله: {كَذَلِك سخرناها لكم} هَذَا منّ من الله تَعَالَى على عباده بِأَن سخر لَهُم الْبدن مثل التسخير الَّذِي رَأَوْا وَعَلمُوا أَن يأخذونها منقادة للأخذ، فيعقلونها طائعه ويحبسونها صافة قَوَائِمهَا، ثمَّ يطعنون فِي لباتها، وَلَوْلَا تسخير الله تَعَالَى لم تطق. قَوْله: {لن ينَال الله لحومها} وَذَلِكَ أَن أهل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا إِذا نحرُوا الْبدن لطخوا حيطان الْكَعْبَة بدمائها، فهم الْمُسلمُونَ مثل ذَلِك، فَأنْزل الله تَعَالَى: {لن ينَال الله لحومها} أَي: لن يصل إِلَى الله تَعَالَى لحومها الْمُتَصَدّق بهَا وَلَا الدِّمَاء المهراقة بالنحر، {وَلَكِن يَنَالهُ التَّقْوَى مِنْكُم} وَالْمعْنَى: لن يُرْضِي المضحون والمقربون ربَّهم إلَاّ بمراعاة النِّيَّة وَالْإِخْلَاص والاحتفاظ بِشُرُوط التَّقْوَى. قَوْله: {كَذَلِك سخرها لكم} أَي: سخر الْبدن، وَكرر تذكير النِّعْمَة بالتسخير، ثمَّ قَالَ: {لتكبروا الله على مَا هدَاكُمْ} يَعْنِي: على هدايته إيَّاكُمْ لإعلام دينه ومناسك حجه بِأَن تكبروا وتهللوا، وَضمن التَّكْبِير معنى الشُّكْر، وعدى تعديته. قَوْله: {وَبشر الْمُحْسِنِينَ} الْخطاب للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أمره بِأَن يبشر الْمُحْسِنِينَ الَّذين يعْبدُونَ الله تَعَالَى كَأَنَّهُمْ يرونه، فَإِن لم يروه فَإِنَّهُ يراهم بقبوله، وَقيل: بِالْجنَّةِ.

قَالَ مجاهِدٌ: سُمِّيَتِ الْبُدْنَ لِبُدْنِها

بِضَم الْبَاء وَسُكُون الدَّال فِي رِوَايَة بَعضهم، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: بِفَتْح الْبَاء وَفتح الدَّال، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: لبدانتها أَي: لضخامتها. وَأخرج عبد بن حميد من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، قَالَ: إِنَّمَا سميت الْبدن من قبل السمانة. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْبَدنَة نَاقَة تنحر بِمَكَّة، سميت بذلك لأَنهم كَانُوا يسمنونها، وَالْبدن التسمين والاكتناز، وبدن إِذا ضخم وبدن بِالتَّشْدِيدِ إِذا أسن، وَقد ذكرنَا عَن قريب أَن الْبدن من الْإِبِل خَاصَّة، وَقَالَ الدَّاودِيّ قيل: إِن الْبَدنَة تكون من الْبَقر، وَهَذَا نقل عَن الْخَلِيل.

والْقانِعُ السَّائلُ، والْمُعْتَرُّ يعْتَرُّ بالبُدْنِ مِنْ غَنِيٍّ أَو فَقِيرٍ

هَذَا من كَلَام البُخَارِيّ، وَكَذَا قَالَ ابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن الْمسيب وَالْحسن الْبَصْرِيّ، القانع: السَّائِل والمعترض الَّذِي يتَعَرَّض وَلَا يسْأَل. وَقَالَ مَالك: أحسن مَا سَمِعت فِيهِ أَن القانع الْفَقِير والمعتر الدائر، وَقيل: القانع السَّائِل الَّذِي لَا يقنع بِالْقَلِيلِ. وَفِي (الموعب)

قَالَ أَبُو زيد: القانع هُوَ المتعرض لما فِي أَيدي النَّاس، وَهُوَ ذمّ لَهُ، وَهُوَ الطمع، وَقَالَ صَاحب (الْعين) : القنوع الذلة للمسألة. وَقَالَ إِبْرَاهِيم: قنع إِلَيْهِ مَال وخضع وَهُوَ السَّائِل والمعتر الَّذِي يتَعَرَّض وَلَا يسْأَل، وَقَالَ الزّجاج القانع الَّذِي يقنع بِمَا يعطاه، وَقيل: الَّذِي يقنع باليسير. وَقَالَ قطرب: كَانَ الْحسن يَقُول: هُوَ السَّائِل الَّذِي يقنع بِمَا أوتيه وَيصير القانع من معنى القناعة والرضى. وَقَالَ الطوسي: قنع يقنع قنوعا إِذا سَأَلَ وتكفف، وقنع يقنع قناعة إِذا رَضِي. قلت: الأول من بَاب، فتح يفتح، وَالثَّانِي من بَاب: علم يعلم، قَالَ إِسْمَاعِيل: وَقَالُوا: رجل قنعان، بِضَم الْقَاف يرضى باليسير، وَقَالَ صَاحب (الْعين) : القانع خَادِم الْقَوْم وأجيرهم، وَقَرَأَ الْحسن والمعتري، وَمَعْنَاهُ: المعتر، يُقَال: أعتره واعتراه وعره وعراه إِذا تعرض لما عِنْده أَو طَالبه، وَأخرج ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، قَالَ: القانع هُوَ الطامع، وَقَالَ مرّة: هُوَ السَّائِل، وَمن طَرِيق الثَّوْريّ عَن فرات عَن سعيد بن جُبَير: المعتر الَّذِي يعتريك يزورك وَلَا يَسْأَلك، وَمن طَرِيق ابْن جريج عَن مُجَاهِد: المعتر الَّذِي يعتر بِالْبدنِ من غَنِي أَو فَقير، يَعْنِي: يطِيف بهَا متعرضا لَهَا، وَهَذَا الَّذِي ذكره البُخَارِيّ مُعَلّقا.

وشعَائِرُ الله اسْتِعْظَامُ البُدْنِ واسْتِحْسَانُهَا

أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير مَا ذكر فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة من شَعَائِر الله، وَأخرجه عبد بن حميد من طَرِيق وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: {وَمن يعظم شَعَائِر الله} (الْحَج، ٢٣) . قَالَ: استعظام الْبدن استحسانها وإسمانها، وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة من وَجه آخر عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، نَحوه.

والْعَتِيقُ عِتْقُهُ مِنَ الجَبَابِرَةِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا ذكر قبل الْآيَتَيْنِ المذكورتين من قَوْله تَعَالَى: {وليطوفوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق} (الْحَج: ٩٢) . وَفسّر: الْعَتِيق، بقوله: عتقه من الْجَبَابِرَة، وَعَن قَتَادَة: أعتق من الْجَبَابِرَة فكم جَبَّار سَار إِلَيْهِ ليهدمه فَمَنعه الله، وَعَن مُجَاهِد: أعتق من الْغَرق، وَأخرج عبد بن حميد من طَرِيق سُفْيَان عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، قَالَ: إِنَّمَا سمي الْعَتِيق لِأَنَّهُ أعتق من الْجَبَابِرَة. وَقيل: سمي الْعَتِيق لقدمه. وَقيل: لِأَنَّهُ لم يملك قطّ.

ويُقَالُ وجَبَتْ سَقَطَتْ إلَى الأرْضِ ومِنْهُ وجَبَتِ الشَّمْسُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا ذكر فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة من قَوْله: {فَإِذا وَجَبت جنوبها} (الْحَج: ٦٣) . وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق مقسم عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: فَإِذا وَجَبت أَي: سَقَطت، وَكَذَا أخرجه الطَّبَرِيّ من طَرِيقين عَن مُجَاهِد. قَوْله: (وَمِنْه) ، أَي: وَمن الْمَعْنى الْمَذْكُور، وَقَوْلهمْ: وَجَبت الشَّمْس إِذا سَقَطت للغروب.

٩٨٦١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عَنْ أبِي الزِّنَادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَأى رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ ارْكَبْهَا فَقَالَ إنَّهَا بَدَنَةٌ فَقَالَ ارْكَبُهَا قَالَ إنَّهَا بَدَنةٌ قَالَ ارْكَبْهَا ويْلَكَ فِي الثَّالِثَةِ أوْ فِي الثَّانِيَةِ..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم، وَأَبُو الزِّنَاد بِكَسْر الزَّاي وَالنُّون واسْمه، عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز، وَلم تخْتَلف الروَاة عَن مَالك عَن أبي الزِّنَاد فِيهِ، وَرَوَاهُ ابْن عُيَيْنَة عَن أبي الزِّنَاد فَقَالَ: عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة أَو: عَن أبي الزِّنَاد عَن مُوسَى بن أبي عُثْمَان عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة أخرجه سعيد بن مَنْصُور عَنهُ، وَقد رَوَاهُ الثَّوْريّ عَن أبي الزِّنَاد بالإسنادين مفرقا.

وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْوَصَايَا عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس، وَفِي الْأَدَب: عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة، خمستهم عَن مَالك بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (رأى رجلا) لم يدر اسْمه. قَوْله: (يَسُوق بَدَنَة) كَذَا وَقع فِي أَكثر الرِّوَايَات، وَفِي رِوَايَة لمُسلم عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج بِهَذَا الْإِسْنَاد. قَالَ: (بَيْنَمَا رجل يَسُوق بدقة مقلدة) ، وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن همام بن مُنَبّه قَالَ: (هَذَا مَا حَدثنَا

أَبُو هُرَيْرَة عَن مُحَمَّد رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم،) . فَذكر أَحَادِيث مِنْهَا، وَقَالَ: (بَيْنَمَا رجل يَسُوق بَدَنَة مقلدة قَالَ لَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَيلك إركبها، فَقَالَ: بَدَنَة يَا رَسُول الله، قَالَ: وَيلك إركبها، وَيلك إركبها) . وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق وَالثَّوْري، كِلَاهُمَا عَن أبي الزِّنَاد، وَمن طَرِيق عجلَان (عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: اركبها وَيحك، قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَة. قَالَ: أركبها وَيحك) . وَزَاد أَبُو يعلى من رِوَايَة الْحسن: (فركبها) وللبخاري من طَرِيق عِكْرِمَة عَن أبي هُرَيْرَة: (فَلَقَد رَأَيْته رَاكِبًا يُسَايِر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والنعل فِي عُنُقهَا) . قَوْله: (وَيلك) قَالَ الْقُرْطُبِيّ: قَالَهَا لَهُ تأديبا لأجل مُرَاجعَته لَهُ مَعَ عدم خَفَاء الْحَال عَلَيْهِ، وَلِهَذَا قَالَ ابْن عبد الْبر وَابْن الْعَرَبِيّ: وَبَالغ حَتَّى قَالَ: الويل لمن رَاجع فِي ذَلِك بعد هَذَا. قَالَ: وَلَوْلَا أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اشْترط على ربه مَا اشْترط لهلك ذَلِك الرجل لَا محَالة، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَيحْتَمل أَن يكون فهم عَنهُ أَنه يتْرك ركُوبهَا على عَادَة الْجَاهِلِيَّة فِي السائبة وَغَيرهَا، فزجره عَن ذَلِك، فعلى الْحَالَتَيْنِ هِيَ إنْشَاء. وَرجحه عِيَاض وَغَيره، وَقَالُوا: وَالْأَمر هَهُنَا وَإِن قُلْنَا إِنَّه للإرشاد. لكنه اسْتحق الذَّم بتوقفه عَن امْتِثَال الْأَمر، وَالَّذِي يظْهر أَنه مَا ترك عنادا، وَيحْتَمل أَن يكون ظن أَنه يلْزمه غرم بركوبها أَو إِثْم، وَأَن الْإِذْن الصَّادِر لَهُ بركوبها إِنَّمَا هُوَ للشفقة عَلَيْهِ، فتوقف، فَلَمَّا أغْلظ لَهُ بَادر إِلَى الِامْتِثَال. وَقيل: لِأَنَّهُ كَانَ أشرف على هلكة من الْجهد، وويل: كلمة تقال لمن وَقع فِي هلكة، فَالْمَعْنى: أشرفت على الهلكة فاركب، فعلى هَذَا هِيَ إِخْبَار، وَقيل: هِيَ كلمة تدعم بهَا الْعَرَب كَلَامهَا وَلَا تقصد مَعْنَاهَا كَقَوْلِهِم: لَا أم لَك، ويقويه مَا تقدم فِي رِوَايَة أَحْمد: وَيحك بدل وَيلك. وَقَالَ الْهَرَوِيّ: ويل كلمة تقال لمن وَقع فِي هلكة يَسْتَحِقهَا، وويح لمن وَقع فِي هلكة لَا يَسْتَحِقهَا. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَيلك مخرجة مخرج الدُّعَاء عَلَيْهِ من غير قصد إِذْ أَبى من ركُوبهَا أول مرّة. وَقَالَ لَهُ: إِنَّهَا بَدَنَة، وَكَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يعلم ذَلِك فخاف أَن لَا يكون علمه، فَكَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: الويل لَك فِي مراجعتك إيَّايَ فِيمَا لَا نَعْرِف وَأعرف، وَكَانَ الْأَصْمَعِي يَقُول: ويل، كلمة عَذَاب، و: وَيْح، كلمة رَحْمَة. وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَيْح زجر لمن أشرف على هلكة. وَفِي الحَدِيث (ويلٌ وَاد فِي جَهَنَّم) . قَوْله: (فِي الثَّالِثَة) أَي: فِي الْمرة الثَّالِثَة. قَوْله: (أَو فِي الثَّانِيَة) أَي: أَو قَالَ ذَلِك فِي الْمرة الثَّانِيَة، وَهَذَا شكّ من الرَّاوِي.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: جَوَاز ركُوب الْبَدنَة المهداة سَوَاء كَانَت وَاجِبَة أَو مُتَطَوعا بهَا، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يفصل فِي قَوْله وَلَا استفصل صَاحبهَا عَن ذَلِك، فَدلَّ على أَن الحكم لَا يخْتَلف بذلك، ويوضح هَذَا مَا رَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه سُئِلَ: هَل يركب الرجل هَدْيه؟ فَقَالَ: لَا بَأْس، قد كَانَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يمر بِالرِّجَالِ يَمْشُونَ فيأمرهم بركوب هديهم.

وَقد اخْتلفُوا فِي هَذَا على أَقْوَال:

الأول: الْجَوَاز مُطلقًا، وَبِه قَالَ عُرْوَة بن الزبير وَنسبه ابْن الْمُنْذر إِلَى أَحْمد وَإِسْحَاق، وَبِه قَالَت الظَّاهِرِيَّة، وَهُوَ الَّذِي جزم بِهِ النَّوَوِيّ فِي (الرَّوْضَة) تبعا لأصله فِي الضَّحَايَا وَنَقله فِي (شرح الْمُهَذّب) عَن الْقفال والماوري.

الثَّانِي: مَا قَالَه النَّوَوِيّ، وَنقل عَنهُ عَن أبي حَامِد والبندنيجي وَغَيرهمَا مُقَيّدَة بِالْحَاجةِ، وَقَالَ الرَّوْيَانِيّ: تجويزه بِغَيْر الْحَاجة مُخَالفَة النَّص، وَهُوَ الَّذِي نَقله التِّرْمِذِيّ عَن الشَّافِعِي، حَيْثُ قَالَ: وَقد رخص قوم من أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَغَيرهم ركُوب الْبَدنَة إِذا احْتَاجَ إِلَى ظهرهَا، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق، وَهَذَا هُوَ الْمَنْقُول عَن جمَاعَة من التَّابِعين: أَنَّهَا لَا تركب إلَاّ عِنْد الِاضْطِرَار إِلَى ذَلِك، وَهُوَ الْمَنْقُول عَن الشّعبِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَعَطَاء بن أبي رَبَاح، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأَصْحَابه، فَلذَلِك قَيده صَاحب (الْهِدَايَة) من أَصْحَابنَا بالاضطرار إِلَى ذَلِك.

الثَّالِث: مَا ذكره ابْن عبد الْبر من كَرَاهَة الرّكُوب من غير حَاجَة، وَنَقله عَن الشَّافِعِي وَمَالك.

الرَّابِع: مَا قَالَه ابْن الْعَرَبِيّ: يركب للضَّرُورَة فَإِذا استراح نزل، يدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه سُئِلَ عَن ركُوب الْهَدْي؟ فَقَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: إركبها بِالْمَعْرُوفِ إِذا لجئت إِلَيْهَا حَتَّى تَجِد ظهرا، فَإِن مَفْهُومه أَنه إِذا وجد غَيرهَا تَركهَا. وروى سعيد بن مَنْصُور من طَرِيق إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، قَالَ: يركبهَا إِذا أعيي قدر مَا يستريح على ظهرهَا.

الْخَامِس: الْمَنْع مُطلقًا، نَقله ابْن الْعَرَبِيّ عَن أبي حنيفَة، وشنع عَلَيْهِ بِغَيْر وَجه. قَالَ بَعضهم: لِأَن مذْهبه هُوَ الَّذِي ذكره الطَّحَاوِيّ وَغَيره: الْجَوَاز بِغَيْر الْحَاجة إلَاّ أَنه قَالَ: إِن وَقع ذَلِك يضمن مَا نقص مِنْهَا بركوبه، وَقيل: ضَمَان النَّقْص وَافق عَلَيْهِ الشَّافِعِيَّة فِي الْهَدْي الْوَاجِب كالنذر. قلت: الَّذِي نَقله الطَّحَاوِيّ وَغَيره: أَن مَذْهَب أبي حنيفَة مَا ذكره صَاحب (الْهِدَايَة) وَقد ذَكرْنَاهُ.

السَّادِس: وجوب الرّكُوب، نَقله

ابْن عبد الْبر عَن بعض أهل الظَّاهِر تمسكا بِظَاهِر الْأَمر. ولمخالفة مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّة من الْبحيرَة والسائبة، وَفِي (الاستذكار) : كره مَالك وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأكْثر الْفُقَهَاء شرب لبن النَّاقة بعد ري فصيلها. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: إِن نَقصهَا الرّكُوب وَالشرب فَعَلَيهِ قيمَة ذَلِك. وَقَالَ مَالك: لَا يشرب من لَبنهَا فَإِن شرب لم يغرم، وَكَذَا إِن ركب للْحَاجة لَا يغرم شَيْئا.

وَاخْتلف المجيزون: هَل يحمل عَلَيْهَا مَتَاعه رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَمَنعه مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأَجَازَهُ الْجُمْهُور، وَكَذَا إِن حمل عَلَيْهَا غَيره أجَازه الْجُمْهُور على التَّفْصِيل الْمَذْكُور.

وَيجوز فِي الْهَدْي الْأُنْثَى وَالذكر، وَإِلَيْهِ ذهب مَالك، وَقَالَ ابْن التِّين: إِنَّه لَا يهدي إلَاّ الْإِنَاث، نَقله عَن الشَّافِعِي. وَفِي (التَّوْضِيح) : يجوز إهداء الذّكر وَالْأُنْثَى من الْإِبِل، وَهُوَ مَذْهَبنَا. وَقَول جمَاعَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم: لِأَن الْهَدْي جِهَة من جِهَات الْقرب فَلم يخْتَص بالذكور وَلَا الْإِنَاث كالضحايا.

وَفِيه: من الْعلم تَكْرِير الْعَالم الْفَتْوَى وتوبيخ من لَا يأتم بهَا وزجره.

٠٩٦١ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا هِشامٌ وشُعْبَةُ بنُ الحَجَّاجِ قَالَا حدَّثنا قَتادَةُ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَأى رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنةٍ فَقَالَ ارْكَبْها قَالَ إنَّهَا بَدَنةٌ قَالَ ارْكَبْها قَالَ إنَّهَا بَدَنةٌ قَالَ اركَبْها ثَلاثا.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد مضوا، وَهِشَام هُوَ الدستوَائي، وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن قَتَادَة عَن أنس وَشعْبَة وَهِشَام وَسَعِيد بن أبي عرُوبَة وَهَمَّام وَالْحكم بن عبد الْملك وَأَبُو عوَانَة: أما حَدِيث شُعْبَة وَهِشَام فَانْفَرد بِهِ البُخَارِيّ. وَأما سعيد بن أبي عرُوبَة فَانْفَرد بِإِخْرَاجِهِ النَّسَائِيّ. وَأما حَدِيث همام فَأخْرجهُ البُخَارِيّ مُنْفَردا بِهِ فِي الْأَدَب. وَأما حَدِيث الحكم بن عبد الْملك فَرَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ ابْن حبَان فِي الضَّحَايَا. وَأما حَدِيث أبي عوَانَة فَأخْرجهُ التِّرْمِذِيّ، فَقَالَ: حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا أَبُو عوَانَة عَن قَتَادَة (عَن أنس: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رأى رجلا يَسُوق بَدَنَة، فَقَالَ: إركبها. فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِنَّهَا بَدَنَة {فَقَالَ لَهُ فِي الثَّالِثَة أَو الرَّابِعَة: إركبها وَيحك أَو وَيلك) . وَرَوَاهُ أَيْضا عَن أنس جمَاعَة مِنْهُم: ثَابت الْبنانِيّ، وَبُكَيْر بن الْأَخْنَس وَعِكْرِمَة وَالْمُخْتَار بن فلفل. أما حَدِيث ثَابت فَرَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة حميد عَن ثَابت (عَن أنس، قَالَ: مر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِرَجُل يَسُوق بَدَنَة فَقَالَ: إركبها} فَقَالَ: إِنَّهَا بَدَنَة. قَالَ: إركبها، مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا) . وَأما حَدِيث بكير بن الْأَخْنَس فَانْفَرد بِإِخْرَاجِهِ مُسلم من رِوَايَة مسعر عَنهُ عَن أنس، قَالَ: سمعته يَقُول: (مر رجل على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ببدنة أَو هَدِيَّة، فَقَالَ: إركبها. قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَة أَو هَدِيَّة. قَالَ: وَإِن) . وَأما حَدِيث عِكْرِمَة وَالْمُخْتَار بن فلفل فأخرجهما أَبُو الشَّيْخ ابْن حبَان فِي الضَّحَايَا.

قَوْله: (قَتَادَة عَن أنس) ، وَعند الْإِسْمَاعِيلِيّ: سَمِعت أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (قَالَ: إركبها) إِلَى آخِره، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (إركبها ثَلَاثًا مُخْتَصرا) . قَوْله: (ثَلَاثًا) أَي: قَالَهَا ثَلَاث مَرَّات، وَبَقِيَّة الْكَلَام مرت فِي الحَدِيث السَّابِق.

٤٠١ - (بابُ منْ سَاقَ الْبُدْنَ مَعَهُ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من سَاق الْبدن مَعَه من الْحل إِلَى الْحرم. وَقَالَ الْمُهلب: أَرَادَ البُخَارِيّ أَن يعرف أَن السّنة فِي الْهَدْي أَن يساق من الْحل إِلَى الْحرم، فَإِن اشْتَرَاهُ من الْحرم خرج بِهِ إِذا حج إِلَى عَرَفَة وَهُوَ قَول مَالك، فَإِن لم يفعل فَعَلَيهِ الْبَدَل، وَهُوَ قَول اللَّيْث، وَهُوَ مَذْهَب ابْن عمر وَسَعِيد بن جُبَير. وَرُوِيَ عَن ابْن الْقَاسِم أَنه أجَازه وَإِن لم يقف بِهِ بِعَرَفَة، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر. وَقَالَ الشَّافِعِي: وقف الْهَدْي بِعَرَفَة سنة لمن شَاءَ إِذا لم يسقه من الْحل. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَيْسَ بِسنة لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا سَاق الْهَدْي من الْحل لِأَن مَسْكَنه كَانَ خَارج الْحرم، وَهَذَا كُله فِي الْإِبِل، فَأَما الْبَقَرَة فقد يضعف عَن ذَلِك وَالْغنم أَضْعَف، وَمن ثمَّة قَالَ مَالك، رَحمَه الله: إلَاّ من عَرَفَة أَو مَا قَارب مِنْهَا لِأَنَّهَا تضعف عَن الْقطع طول الْمسَافَة.

١٩٦١ - حدَّثنا يَحْيى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ سَالِمِ

ابنِ عبْدِ الله أنَّ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ تَمَنَّعَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ بِالعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ وأهْدَى فسَاقَ مَعَهُ الهَدْيَ منْ ذِي الحُلَيْفَةِ وبدَأ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأهَلَّ بِالعُمْرَةِ ثُمَّ أهَلَّ بِالحَجِّ فتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ فكَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ أهْدَي فسَاقَ الْهَدْيَ ومِنْهُمْ منْ لَمْ يُهْدِ فلَمَّا قَدِمَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ منْ كانَ مِنْكُمْ أهْدَي فإنَّهُ لَا يَحِلُّ لِشَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِي حَجَّهُ ومنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أهْدَى فلْيَطُف بِالْبَيْتِ وبالصَّفَا والمَرْوَةِ ولْيُقَصِّرْ ولْيَحْلِلْ ثُمَّ ليُهِلَّ بالحَجِّ فمَنُ لَمْ يَجِدْ هَدْيا فَلْيَصُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ فِي الحَجِّ وسَبْعةً إذَا رجَعَ إلَى أهْلِهِ فطَافَ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ واسْتَلَمَ الرُّكْنَ أوَّلَ شَيْءٍ ثُمَّ خَبَّ ثلَاثَةَ أطْوَافٍ ومَشَي أرْبعا فرَكَعَ حِينَ قَضَى طَوافَهُ بِالْبَيْتِ عِنْدَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ فانْصَرَفَ فأتَى الصَّفَا فَطافَ بِالصَّفَا والمَرْوَةِ سَبْعَةَ أطْوَافٍ ثُمَّ لَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى ونَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ وأفاضَ فطَافَ بِالبَيْتِ ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَنْ أهْدَى وسَاقَ الْهَدْيَ مِنَ النَّاسِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فساق مَعَه الْهَدْي) .

ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: كلهم قد ذكرُوا غير مرّة، وَاللَّيْث هُوَ ابْن سعد، وَعقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد، وَابْن شهَاب هُوَ: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. قَوْله: (عَن عقيل) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق شُعَيْب بن اللَّيْث عَن أَبِيه: حَدثنِي عقيل. وَفِيه: أَن شَيْخه يحيى بن بكير هُوَ يحيى بن عبد الله بن بكير أَبُو زَكَرِيَّاء المَخْزُومِي الْمصْرِيّ. وَفِيه: أَن اللَّيْث أَيْضا مصري وَعقيل أيلي، وَابْن شهَاب وَسَالم مدنيان.

ذكر من أخرجه غَيره أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد جَمِيعًا فِي الْحَج أَيْضا عَن عبد الْملك بن شُعَيْب بن اللَّيْث عَن أَبِيه عَن جده بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الله ابْن الْمُبَارك المَخْزُومِي عَن حجين بن الْمثنى عَن اللَّيْث بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (تمنع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حجَّة الْوَدَاع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج) ، قَالَ الْمُهلب: مَعْنَاهُ أَمر بذلك كَمَا تَقول: رجم وَلم يرْجم لِأَنَّهُ كَانَ يُنكر على أنس. قَوْله: (إِنَّه قرن) ، وَيَقُول بل كَانَ مُفردا. وَأما قَوْله: وَبَدَأَ بِالْعُمْرَةِ فَمَعْنَاه: أَمرهم بالتمتع، وَهُوَ أَن يهلوا بِالْعُمْرَةِ أَولا، ويقدموها قبل الْحَج. قَالَ: وَلَا بُد من هَذَا التَّأْوِيل لدفع التَّنَاقُض عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قيل: هَذَا التَّأْوِيل من أبعد التأويلات، والاستشهاد عَلَيْهِ بقوله: رجم، وَإِنَّمَا أَمر بِالرَّجمِ من أوهن الاستشهادات، لِأَن الرَّجْم وَظِيفَة الإِمَام، فَالَّذِي يَتَوَلَّاهُ إِنَّمَا يَتَوَلَّاهُ نِيَابَة عَنهُ، وَأما أَعمال الْحَج من إِفْرَاد وقران وتمتع فَإِنَّهُ وَظِيفَة كل أحد عَن نَفسه. وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون معنى قَوْله: تمتّع، مَحْمُولا على مَدْلُوله اللّغَوِيّ وَهُوَ: الِانْتِفَاع بِإِسْقَاط عمل الْعمرَة وَالْخُرُوج إِلَى ميقاتها. انْتهى. قلت: كل هَذَا الَّذِي ذكر لَا يشفي العليل وَلَا يروي الغليل، بل الْأَوْجه هُنَا مَا قَالَه النَّوَوِيّ وَهُوَ أَن معنى: تمتّع أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أحرم بِالْحَجِّ مُفردا ثمَّ أحرم بِالْعُمْرَةِ، فَصَارَ قَارنا فِي آخر عمْرَة، والقارن هُوَ متمتع من حَيْثُ اللُّغَة وَمن حَيْثُ الْمَعْنى لِأَنَّهُ ترفه باتحاد الْمِيقَات وَالْإِحْرَام وَالْفِعْل جمعا بَين الْأَحَادِيث. وَأما لفظ: (فأهلَّ بِالْعُمْرَةِ ثمَّ أهلَّ بِالْحَجِّ) فَهُوَ مَحْمُول على التَّلْبِيَة فِي أثْنَاء الْإِحْرَام وَلَيْسَ المُرَاد أَنه أحرم أول مرّة بِالْعُمْرَةِ ثمَّ أحرم بِالْحَجِّ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى مُخَالفَة الْأَحَادِيث الْأُخَر، وَيُؤَيّد هَذَا التَّأْوِيل لفظ: وتمتع النَّاس مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَمَعْلُوم أَنهم أَحْرمُوا أَولا بِالْحَجِّ مُفردا، وَإِنَّمَا فسخوا إِلَى الْعمرَة آخرا وصاروا متمتعين. وَقَوله: (فتمتع النَّاس) يَعْنِي: فِي آخر أَمرهم قلت: هَذَا الحَدِيث أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه الْكُبْرَى) من حَدِيث اللَّيْث عَن عقيل إِلَى آخِره نَحوه، ثمَّ قَالَ: وَقد روينَا عَن عَائِشَة وَابْن عمر مَا يُعَارض هَذَا، وَهُوَ الْإِفْرَاد، وَحَيْثُ لم يتَحَلَّل

من إِحْرَامه إِلَى آخر شَيْء فَفِيهِ دلَالَة على أَنه لم يكن مُتَمَتِّعا. قلت: هَذَا لَا يرد على فُقَهَاء الْكُوفَة لِأَن عِنْدهم الْمُتَمَتّع إِذا أهْدى لَا يتَحَلَّل حَتَّى يفرغ من حجه، وَهَذَا الحَدِيث أَيْضا يَنْفِي كَونه مُفردا لِأَن الْهَدْي لَا يمْنَع الْمُفْرد من الْإِحْلَال فَهُوَ حجَّة على الْبَيْهَقِيّ. وَفِي (الاستذكار) : لَا يَصح عندنَا أَن يكون مُتَمَتِّعا إلَاّ تمتّع قرَان، لِأَنَّهُ لَا خلاف بَين الْعلمَاء أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يتَحَلَّل من عمرته، وَأقَام محرما من أجل هَدْيه، وَهَذَا حكم الْقَارِن لَا الْمُتَمَتّع، وَفِي (شرح الْمُوَطَّأ) لأبي الْحسن الأشبيلي: وَلَا يَصح عِنْدِي أَن يكون، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مُتَمَتِّعا إلَاّ تمتّع قرَان، لِأَنَّهُ لَا خلاف أَنه لم يحل من عمرته حَتَّى أَمر أَصْحَابه أَن يحلوا ويفسخوا حجهم فِي عمْرَة، وَفسخ الْحَج فِي الْعمرَة خص بِهِ أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلَا يجوز الْيَوْم أَن يفعل ذَلِك عِنْد أَكثر الصَّحَابَة وَغَيرهم لقَوْله تَعَالَى: {وَأَتمُّوا الْحَج} (الْبَقَرَة: ٦٩١) . يَعْنِي لمن دخل فِيهِ، وَمَا أعلم من الصَّحَابَة من يُجِيز ذَلِك إلَاّ ابْن عبَّاس، وَتَابعه أَحْمد وَدَاوُد دون سَائِر الْفُقَهَاء، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصىً، فِي: بَاب التَّمَتُّع وَالْقرَان. قَوْله: (فساق مَعَه الْهَدْي من ذِي الحليفة) وَهُوَ الْمِيقَات. قَوْله: (وَبَدَأَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأهل بِالْحَجِّ) ، قَالَ ابْن بطال: إِنَّمَا يُرِيد أَنه بَدَأَ حِين أَمرهم بالتمتع أَن يهلوا بِالْعُمْرَةِ أول، ويقدموها قبل الْحَج، وَأَن ينشؤا الْحَج بعْدهَا إِذا حلوا مِنْهَا. قَوْله: (وبالصفا والمروة) ، ظَاهر فِي وجوب السَّعْي. قَوْله: (فتمتع النَّاس مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي: بِحَضْرَتِهِ. قَوْله: (وليقصر) على صُورَة أَمر الْغَائِب، وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (وَيقصر) ، على صُورَة الْمُضَارع، وَقَالَ الْكرْمَانِي، بِالرَّفْع والجزم. قلت: وَجه الرّفْع أَن يكون الْمُضَارع على أَصله لتجرده عَن النواسخ، وَالتَّقْدِير: وَبعد الطّواف بِالْبَيْتِ وَالسَّعْي بَين الصَّفَا والمروة يقصر، من التَّقْصِير، وَهُوَ أَخذ بعض شعر رَأسه. وَوجه الْجَزْم أَن يكون عطفا على المجزوم قبله، وَيكون فِي التَّقْدِير: وليقصر. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لِمَ خصص التقصيرَ والحلقُ جَائِز بل أفضل؟ وَأجَاب: بِأَنَّهُ أمره بذلك ليبقى لَهُ شعر يحلقه فِي الْحَج، فَإِن الْحلق فِي تحلل الْحَج أفضل مِنْهُ فِي تحلل الْعمرَة. قَوْله: (وليحلل) ، صورته أَمر، وَمَعْنَاهُ الْخَبَر يَعْنِي صَار: حَلَالا، فَلهُ فعل كل مَا كَانَ مَحْظُورًا عَلَيْهِ فِي الْإِحْرَام. قَوْله: (ثمَّ ليهل بِالْحَجِّ) أَي: بعد تَقْصِيره وتحلله يحرم بِالْحَجِّ، وَإِنَّمَا أَتَى بِلَفْظ: ثمَّ، الدَّال على التَّرَاخِي ليدل على أَنه لَا يلْزم أَن يهل بِالْحَجِّ عقيب إحلاله من الْعمرَة. قَوْله: (فَمن لم يجد هَديا) أَي: لم يجده هُنَاكَ، إِمَّا لعدم الْهَدْي، وَإِمَّا لعدم ثمنه، وَإِمَّا لكَونه يُبَاع بِأَكْثَرَ من ثمن الْمثل. قَوْله: (فليصم ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَج) ، وَهُوَ الْيَوْم السَّابِع من ذِي الْحجَّة، وَالثَّامِن وَالتَّاسِع. قَوْله: (وَسَبْعَة) أَي: وليصم سَبْعَة (أَيَّام إِذا رَجَعَ إِلَى أَهله) بِظَاهِرِهِ أَخذ الشَّافِعِي، لِأَن المُرَاد حَقِيقَة الرُّجُوع، وَقَالَ أَصْحَابنَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَسَبْعَة إِذا رجعتم} (الْبَقَرَة: ٦٩١) . مَعْنَاهُ: إِذا فَرَغْتُمْ من أَفعَال الْحَج، والفراغ سَبَب الرُّجُوع، فَأطلق الْمُسَبّب على السَّبَب، فَلَو صَامَ هَذِه السَّبْعَة بِمَكَّة فَإِنَّهُ يجوز عندنَا. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يجوز إلَاّ أَن يَنْوِي الْإِقَامَة بهَا، فَإِن لم يصم الثَّلَاثَة فِي الْحَج إِلَى يَوْم النَّحْر تعين الدَّم، فَلَا يجوز أَن يَصُوم الثَّلَاثَة وَلَا السَّبْعَة بعْدهَا. وَقَالَ الشَّافِعِي: يَصُوم الثَّلَاثَة بعد هَذِه الْأَيَّام: يَعْنِي أَيَّام التَّشْرِيق. وَقَالَ مَالك: يصومها فِي هَذِه الْأَيَّام. قُلْنَا: النَّهْي الْمَعْرُوف عَن صَوْم هَذِه الْأَيَّام، وَلَا يُؤدى بعْدهَا أَيْضا لِأَن الْهَدْي أصل وَقد نقل حكمه إِلَى بدل مَوْصُوف بِصفة، وَقد فَاتَت، فَعَاد الحكم إِلَى الأَصْل وَهُوَ الْهَدْي. وَفِي (شرح الْمُوَطَّأ) للأشبيلي: وَوقت هَذَا الصَّوْم من حِين يحرم بِالْحَجِّ إِلَى آخر أَيَّام التَّشْرِيق، وَالِاخْتِيَار تَقْدِيمه فِي أول الْإِحْرَام، رَوَاهُ ابْن الْجلاب، وَإِنَّمَا اخْتَار تَقْدِيمه لتعجيل إِبْرَاء الذِّمَّة، وَلِأَنَّهُ وَقت مُتَّفق على جَوَاز الصَّوْم فِيهِ، فَإِن فَاتَهُ ذَلِك قبل يَوْم النَّحْر صَامَهُ أَيَّام منى، فَإِن لم يصم أَيَّام منى صَامَ بعْدهَا. قَالَه عَليّ وَابْن عمر وَعَائِشَة وَابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي، وَرُوِيَ عَن عَطاء بن أبي رَبَاح أَنه أجَاز للمتمتع أَن يَصُوم فِي الْعشْر وَهُوَ حَلَال. وَقَالَ مُجَاهِد وطاووس: إِذا صامهن فِي أشهر الْحَج أَجزَأَهُ، وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ شَاذان. وَقَالَ أَبُو بكر الْجَصَّاص فِي (أَحْكَام الْقُرْآن) : اخْتلف السّلف فِيمَن لم يجد الْهَدْي وَلم يصم الْأَيَّام الثَّلَاثَة قبل يَوْم النَّحْر، فَقَالَ عمر بن الْخطاب وَابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن جُبَير وَإِبْرَاهِيم وطاووس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم: لَا يجْزِيه إلَاّ الْهَدْي، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد، وَقَالَ ابْن عمر وَعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، يَصُوم أَيَّام منى، وَهُوَ قَول مَالك. وَقَالَ عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: يَصُوم بعد أَيَّام التَّشْرِيق، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي. انْتهى. فَإِن قلت: روى البُخَارِيّ فِي كتاب الصَّوْم من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة وَعَن سَالم عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. قَالَا: لم

يرخص فِي أَيَّام التَّشْرِيق أَن يضمن إلَاّ لمن لم يجد الْهَدْي، وروى الطَّحَاوِيّ من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي الْمُتَمَتّع: إِذا لم يجد الْهَدْي وَلم يصم فِي الْعشْر أَنه يَصُوم أَيَّام التَّشْرِيق، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا فِي سنَنه؟ قلت: رُوِيَ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: إِن هَذِه الْأَيَّام أَيَّام أكل وَشرب، وَأَرَادَ بِهَذِهِ الْأَيَّام أَيَّام التَّشْرِيق، مِنْهُم عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرج حَدِيثه الطَّحَاوِيّ بِإِسْنَاد حسن عَنهُ، أَنه قَالَ: (خرج مُنَادِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي أَيَّام التَّشْرِيق فَقَالَ: إِن هَذِه الْأَيَّام أَيَّام وَأكل وَشرب) . وَقد أخرج الطَّحَاوِيّ أَحَادِيث نهي الصَّوْم فِي أَيَّام التَّشْرِيق عَن سِتَّة عشر نفسا من الصَّحَابَة ذَكَرْنَاهُمْ فِي (شرحنا لمعاني الْآثَار) للطحاوي، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: لما ثَبت بِهَذِهِ الْآثَار عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم النَّهْي عَن صِيَام أَيَّام التَّشْرِيق، وَكَانَ نَهْيه عَن ذَلِك بمنى والحاج مقيمون بهَا وَفِيهِمْ المتمتعون والقارنون، وَلم يسْتَثْن مِنْهُم مُتَمَتِّعا، وَلَا قَارنا، دخل فِيهِ المتمتعون والقارنون فِي ذَلِك النَّهْي. وَأما الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ سَالم عَن أَبِيه مَرْفُوعا فَهُوَ ضَعِيف، وَفِي سَنَده يحيى بن سَلام نزيل مصر، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: ضَعِيف، وَفِيه مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى فِيهِ مقَال، وَذكر الطَّحَاوِيّ عَن شُعْبَة أَن حَدِيث يحيى بن سَلام حَدِيث مُنكر لَا يُثبتهُ أهل الْعلم بالرواية لضعف يحيى بن سَلام وَابْن أبي ليلى وَسُوء حفظهما. قَوْله: (فَطَافَ حِين قدم مَكَّة) أَي: فَطَافَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَصرح بِهِ هَكَذَا فِي (صَحِيح مُسلم) قَوْله: (واستلم الرُّكْن أول شَيْء) أَي: اسْتَلم الْحجر الْأسود أول مَا قدم قبل أَن يبتديء بِشَيْء. قَوْله: (ثمَّ خب) ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة أَي أسْرع فِي الثَّلَاثَة الأول من الأطواف، وَرمل. قَوْله: (وَمَشى أَرْبعا) أَي: أَربع مَرَّات أَرَادَ أَنه لم يرمل فِي بَقِيَّة الأطواف، وَهِي الْأَرْبَعَة. قَوْله: (فَرَكَعَ حِين قضى طَوَافه بِالْبَيْتِ عِنْد الْمقَام رَكْعَتَيْنِ) أَي: لما فرغ من أطوافه السَّبْعَة صلى عِنْد مقَام إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، رَكْعَتَيْنِ وَقضى بِمَعْنى: أدّى، وَرَكْعَتَيْنِ مَنْصُوب بقوله: فَرَكَعَ. قَوْله: (ثمَّ سلم) أَي: عقيب الرَّكْعَتَيْنِ فَانْصَرف وأتى الصَّفَا، فَظَاهر الْكَلَام أَنه حِين فرغ من الرَّكْعَتَيْنِ توجه إِلَى الصَّفَا وَلم يشْتَغل بِشَيْء آخر. وَحَدِيث جَابر الطَّوِيل عِنْد مُسلم: (ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْحجر فاستلمه، ثمَّ خرج من بَاب الصَّفَا) . قَوْله: (حِين قضى حجه) أَي: بِالْوُقُوفِ بِعَرَفَة لِأَنَّهُ من أَرْكَان الْحَج وبرمي الجمرات ونحره هَدْيه يَوْم النَّحْر. قَوْله: (وأفاض) أَي: بعد الْإِتْيَان بِهَذِهِ الْأَفْعَال أَفَاضَ إِلَى الْبَيْت فَطَافَ بِهِ طواف الْإِفَاضَة. قَوْله: (وَفعل مثل مَا فعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) كلمة: مَا، مَصْدَرِيَّة أَي: مثل فعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وفاعل: فعل، هُوَ قَوْله: (من أهْدى) يَعْنِي: مِمَّن كَانَ مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وسَاق الْهَدْي، وَكلمَة: من، فِي من النَّاس للتَّبْعِيض لِأَن كل من كَانُوا لم يسوقوا الْهَدْي، وَقَائِل هَذَا الْكَلَام أَعنِي قَوْله: وَفعل ... إِلَى آخِره، هُوَ عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَقَالَ بَعضهم: وَأغْرب الْكرْمَانِي فشرحه على أَن فَاعل فعل هُوَ ابْن عمر رَاوِي الْخَبَر. قلت: لم يشْرَح الْكرْمَانِي بِهَذَا الشَّرْح إلَاّ بِنَاء على النُّسْخَة الَّتِي فِيهَا: بَاب من أهْدى وسَاق الْهَدْي على مَا نذكرهُ الْآن، وَلِهَذَا قَالَ: وَالصَّحِيح هُوَ الأول، يَعْنِي: أَن فَاعل: فعل، هُوَ قَوْله: (من أهْدى) .

وَعَنْ عُرْوَةَ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أخْبَرَتْهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي تَمَتُّعِهِ بِالعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ فتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَهُ بِمِثْلِ الَّذِي أخبرَني سَالِمٌ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنْ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

هَذَا عطف على قَوْله: عَن سَالم بن عبد الله أَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَهُوَ مقول ابْن شهَاب، وَهَذِه هِيَ النُّسْخَة الصَّحِيحَة، وَالنُّسْخَة الَّتِي وَقع فِيهَا لفظ: بَاب بَين قَوْله: (وَفعل مثل مَا فعل رَسُول لله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، وَبَين قَوْله: (من أهل وسَاق الْهَدْي من النَّاس) ، وَصورتهَا: بَاب من أهل وسَاق الْهَدْي وَعَن عُرْوَة أَن عَائِشَة أخْبرته إِلَى آخِره، وَهَذَا خطأ فَاحش، ونسبت هَذِه رِوَايَة إِلَى أبي الْوَقْت وَالظَّاهِر أَنه من تخبيط النَّاسِخ.

وَقد أخرجه مُسلم مثل النُّسْخَة الصَّحِيحَة حَيْثُ قَالَ: حَدثنِي عبد الْملك بن شُعَيْب بن اللَّيْث حَدثنِي أبي عَن جدي، قَالَ: حَدثنِي عقيل بن خَالِد عَن ابْن شهَاب عَن سَالم بن عبد الله أَن عبد الله بن عمر، قَالَ: تمتّع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حجَّة الْوَدَاع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج، وَسَاقه إِلَى أَن قَالَ: وأفاض فَطَافَ بِالْبَيْتِ، ثمَّ حل من كل شَيْء حرم فِيهِ، وَفعل مثل مَا فعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من أهْدى فساق الْهَدْي من النَّاس. ثمَّ قَالَ: وحدثنيه عبد الْملك بن شُعَيْب يَعْنِي ابْن اللَّيْث، قَالَ: حَدثنِي

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.2 / 29.5
الإضاءة 80%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
لا إله إلا الله