الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٦٨٩
الحديث رقم ١٦٨٩ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ركوب البدن.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١٦٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁:
لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا يسوق بدنة، هو في حاجة إلى ركوبها قال له: اركبها، ولكون الهدي معظما عندهم لا يُتعرض له استفهم الصحابي بأنها بدنة مهداة إلى البيت، فقال: اركبها وإن كانت مهداة إلى البيت، فعاوده الثانية والثالثة، فقال: اركبها، مغلظًا له الخطاب ومبينًا له جواز ركوبها ولو كانت هديًا، فركبها الرجل.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْجَبَابِرَةِ، وَيُقَالُ: وَجَبَتْ: سَقَطَتْ إِلَى الْأَرْضِ وَمِنْهُ: وَجَبَتْ الشَّمْسُ.
١٦٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ: ارْكَبْهَا، فَقَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ، فَقَالَ: ارْكَبْهَا، قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ، قَالَ: ارْكَبْهَا وَيْلَكَ، فِي الثَّالِثَةِ أَوْ فِي الثَّانِيَةِ.
[الحديث ١٦٨٩ - أطرافه في: ١٧٠٦، ٢٧٥٥، ٦١٦٠]
١٦٩٠ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ وَشُعْبَةُ قَالَا حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ ﵁ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ ارْكَبْهَا قَالَ إِنَّهَا بَدَنَةٌ قَالَ ارْكَبْهَا قَالَ إِنَّهَا بَدَنَةٌ قَالَ ارْكَبْهَا ثَلَاثًا"
[الحديث ١٦٩٠ - طرفاه في: ٢٧٥٤، ٦١٥٩]
قَوْلُهُ: (بَابُ رُكُوبِ الْبُدْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ - إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ هَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَأَبِي الْوَقْتِ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَتَيْنِ، وَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ لِجَوَازِ رُكُوبِ الْبُدْنِ بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ وَأَشَارَ إِلَى قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ مَنْ شَاءَ رَكِبَ وَمَنْ شَاءَ حَلَبَ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ. وَالْبُدْنُ بِسُكُونِ الدَّالِ فِي قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ، وَقَرَأَ الْأَعْرَجُ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ عَاصِمٍ بِضَمِّهَا وَأَصْلُهَا مِنَ الْإِبِلِ وَأُلْحِقَتْ بِهَا الْبَقَرُ شَرْعًا.
قَوْلُهُ: (قَالَ مُجَاهِدٌ سُمِّيَتِ الْبُدْنَ لِبَدَنِهَا) هُوَ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَةِ لِلْأَكْثَرِ وَبِضَمِّهَا وَسُكُونِ الدَّالِ لِبَعْضِهِمْ وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لِبَدَانَتِهَا أَيْ سِمَنِهَا، وَكَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: إِنَّمَا سُمِّيَتِ الْبُدْنَ مِنْ قِبَلِ السَّمَانَةِ.
قَوْلُهُ: (وَالْقَانِعُ السَّائِلُ، وَالْمُعْتَرُّ الَّذِي يَعْتَرُّ بِالْبُدْنِ مِنْ غَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ) أَيْ يُطِيفُ بِهَا مُتَعَرِّضًا لَهَا، وَهَذَا التَّعْلِيقُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ قُلْتُ لِمُجَاهِدٍ: مَا الْقَانِعُ؟ قَالَ جَارُكَ الَّذِي يَنْتَظِرُ مَا دَخَلَ بَيْتَكَ، وَالْمُعْتَرُّ الَّذِي يَعْتَرُّ بِبَابِكَ وَيُرِيكَ نَفْسَهُ وَلَا يَسْأَلُكَ شَيْئًا. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: الْقَانِعُ هُوَ الطَّامِعُ. وَقَالَ مَرَّةُ: هُوَ السَّائِلُ. وَمِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ فُرَاتٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: الْمُعْتَرُّ الَّذِي يَعْتَرِيكَ يَزُورُكَ وَلَا يَسْأَلُكَ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ: الْمُعْتَرُّ الَّذِي يَعْتَرُّ بِالْبُدْنِ مِنْ غَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ. وَقَالَ الْخَلِيلُ فِي الْعَيْنِ: الْقَنُوعُ الْمُتَذَلِّلُ لِلْمَسْأَلَةِ، قَنَعَ إِلَيْهِ: مَالَ وَخَضَعَ، وَهُوَ السَّائِلُ. وَالْمُعْتَرُّ الَّذِي يَعْتَرِضُ وَلَا يَسْأَلُ. وَيُقَالُ قَنِعَ بِكَسْرِ النُّونِ إِذَا رَضِيَ، وَقَنَعَ بِفَتْحِهَا إِذَا سَأَلَ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ الْمُعْتَرِي وَهُوَ بِمَعْنَى الْمُعْتَرِّ.
قَوْلُهُ: (وَشَعَائِرُ اللَّهِ اسْتِعْظَامُ الْبُدْنِ وَاسْتِحْسَانُهَا) أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ قَالَ: اسْتِعْظَامُ الْبُدْنِ وَاسْتِحْسَانُهَا وَاسْتِسْمَانُهَا. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ لَكِنَّ فِيهِ ابْنَ أَبِي لَيْلَى وَهُوَ سَيِّئُ الْحِفْظِ.
قَوْلُهُ: (وَالْعَتِيقُ عِتْقُهُ مِنَ الْجَبَابِرَةِ) أَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: إِنَّمَا سُمِّيَ الْعَتِيقَ لِأَنَّهُ أُعْتِقَ مِنَ الْجَبَابِرَةِ. وَقَدْ جَاءَ هَذَا مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ.
قَوْلُهُ: (وَيُقَالُ وَجَبَتْ سَقَطَتْ إِلَى الْأَرْضِ وَمِنْهُ وَجَبَتِ الشَّمْسُ) هُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فَإِذَا وَجَبَتْ أَيْ سَقَطَتْ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنْ مُجَاهِدٍ.
قَوْلُهُ: (عَنِ الْأَعْرَجِ) لَمْ تَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ فِيهِ وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ فَقَالَ عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَوْ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْهُ. وَقَدْ رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِالْإِسْنَادَيْنِ مُفَرَّقًا.
قَوْلُهُ: (رَأَى رَجُلًا) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ بَعْدَ طُولِ الْبَحْثِ.
قَوْلُهُ: (يَسُوقُ بَدَنَةً) كَذَا فِي مُعْظَمِ الْأَحَادِيثِ وَوَقَعَ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ بُكَيْرِ بْنِ الْأَخْنَسِ، عَنْ أَنَسٍ مَرَّ بِبَدَنَةٍ أَوْ هَدْيَةٍ وَلِأَبِي عَوَانَةَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَوْ هَدْيٍ وَهُوَ مِمَّا يُوَضِّحُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْبَدَنَةِ مُجَرَّدَ مَدْلُولِهَا اللُّغَوِيِّ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بَيْنَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَدَنَةً مُقَلَّدَةً وَكَذَا فِي طَرِيقِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ فِي: بَابِ تَقْلِيدِ الْبُدْنِ أَنَّهَا كَانَتْ مُقَلَّدَةً نَعْلًا.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ ارْكَبْهَا) زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، وَالْجَوْزَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ كِلَاهُمَا عَنْ أَنَسٍ وَقَدْ جَهَدَهُ الْمَشْيُ وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسٍ حَافِيًا لَكِنَّهَا ضَعِيفَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَيْلَكَ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَيْلَكَ ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ ارْكَبْهَا وَلِأَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَالثَّوْرِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ وَمِنْ طَرِيقِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ ارْكَبْهَا وَيْحَكَ. قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ. قَالَ: ارْكَبْهَا وَيْحَكَ زَادَ أَبُو يَعْلَى مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ فَرَكِبَهَا وَقَدْ قُلْنَا إِنَّهَا ضَعِيفَةٌ، لَكِنْ سَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ رَاكِبَهَا يُسَايِرُ النَّبِيَّ ﷺ وَالنَّعْلُ فِي عُنُقِهَا وَتَبَيَّنَ بِهَذِهِ الطُّرُقِ أَنَّهُ أَطْلَقَ الْبَدَنَةَ عَلَى الْوَاحِدَةِ مِنَ الْإِبِلِ الْمُهْدَاةِ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ مَدْلُولَهَا اللُّغَوِيَّ لَمْ يَحْصُلِ الْجَوَابُ بِقَوْلِهِ إِنَّهَا بَدَنَةٌ لِأَنَّ كَوْنَهَا مِنَ الْإِبِلِ مَعْلُومٌ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الرَّجُلَ ظَنَّ أَنَّهُ خَفِيَ كَوْنُهَا هَدْيًا فَلِذَلِكَ قَالَ إِنَّهَا بَدَنَةٌ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَمْ يَخْفَ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ لِكَوْنِهَا كَانَتْ مُقَلَّدَةً وَلِهَذَا قَالَ لَهُ لَمَّا زَادَ فِي مُرَاجَعَتِهِ وَيْلَكَ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ رُكُوبِ الْهَدْيِ سَوَاءٌ كَانَ وَاجِبًا أَوْ مُتَطَوَّعًا بِهِ ; لِكَوْنِهِ ﷺ لَمْ يَسْتَفْصِلْ صَاحِبَ الْهَدْيِ عَنْ ذَلِكَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ. وَأَصْرَحُ مِنْ هَذَا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ: أَنَّهُ سُئِلَ: هَلْ يَرْكَبُ الرَّجُلُ هَدْيَهُ؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ قَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَمُرُّ بِالرِّجَالِ يَمْشُونَ فَيَأْمُرُهُمْ يَرْكَبُونَ هَدْيَهُ.
أَيْ هَدْيَ النَّبِيِّ ﷺ، إِسْنَادُهُ صَالِحٌ. وَبِالْجَوَازِ مُطْلَقًا قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَنَسَبَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، لِأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ وَهُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي: الرَّوْضَةِ تَبَعًا لِأَصْلِهِ فِي الضَّحَايَا وَنَقَلَهُ فِي: شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنِ الْقَفَّالِ، وَالْمَاوَرْدِيِّ، وَنَقَلَ فِيهِ عَنْ أَبِي حَامِدٍ، وَالْبَنْدَنِيجِيِّ وَغَيْرِهِمَا تَقْيِيدَهُ بِالْحَاجَةِ، وَقَالَ الرُّويَانِيُّ: تَجْوِيزُهُ بِغَيْرِ حَاجَةٍ يُخَالِفُ النَّصَّ، وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَطْلَقَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كَرَاهَةَ رُكُوبِهَا بِغَيْرِ حَاجَةٍ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَقَيَّدَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بِالِاضْطِرَارِ إِلَى ذَلِكَ، وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنِ الشَّعْبِيِّ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَلَفْظُهُ: لَا يَرْكَبُ الْهَدْيَ إِلَّا مَنْ لَا يَجِدُ مِنْهُ بُدًّا. وَلَفْظُ الشَّافِعِيِّ الَّذِي نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَتَرْجَمَ لَهُ الْبَيْهَقِيُّ: يَرْكَبُ إِذَا اضْطُرَّ رُكُوبًا غَيْرَ فَادِحٍ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، عَنْ مَالِكٍ: يَرْكَبُ لِلضَّرُورَةِ فَإِذَا اسْتَرَاحَ نَزَلَ.
وَمُقْتَضَى مَنْ قَيَّدَهُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ مَنِ انْتَهَتْ ضَرُورَتُهُ لَا يَعُودُ إِلَى رُكُوبِهَا إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ أُخْرَى، وَالدَّلِيلُ عَلَى اعْتِبَارِ هَذِهِ الْقُيُودِ الثَّلَاثَةِ - وَهِيَ الِاضْطِرَارُ وَالرُّكُوبُ بِالْمَعْرُوفِ وَانْتِهَاءُ الرُّكُوبِ بِانْتِهَاءِ الضَّرُورَةِ - مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ إِذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْهَا حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا فَإِنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّهُ إِذَا وَجَدَ غَيْرَهَا تَرَكَهَا، رَوَى سَعِيدُ بْنُ
مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: يَرْكَبُهَا إِذَا أَعْيَا قَدْرَ مَا يَسْتَرِيحُ عَلَى ظَهْرِهَا. وَفِي الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبٌ خَامِسٌ وَهُوَ الْمَنْعُ مُطْلَقًا نَقَلَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَشَنَّعَ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ الَّذِي نَقَلَهُ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ الْجَوَازُ بِقَدَرِ الْحَاجَةِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: وَمَعَ ذَلِكَ يَضْمَنُ مَا نَقَصَ مِنْهَا بِرُكُوبِهِ. وَضَمَانُ النَّقْصِ وَافَقَ عَلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْهَدْيِ الْوَاجِبِ كَالنَّذْرِ. وَمَذْهَبٌ سَادِسٌ وَهُوَ وُجُوبُ ذَلِكَ نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ الْأَمْرِ وَالمُخَالَفَة مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَرَدَّهُ بِأَنِ الَّذِينَ سَاقُوا الْهَدْيَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ كَانُوا كَثِيرًا وَلَمْ يَأْمُرْ أَحَدًا مِنْهُمْ بِذَلِكَ. انْتَهَى. وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ وَلَهُ شَاهِدٌ مُرْسَلٌ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي: الْمَرَاسِيلِ عَنْ عَطَاءٍ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْمُرُ بِالْبَدَنَةِ إِذَا احْتَاجَ إِلَيْهَا سَيِّدُهَا أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا وَيَرْكَبَهَا غَيْرَ مُنْهِكِهَا.
قُلْتُ: مَاذَا؟ قَالَ: الرَّاجِلُ وَالْمُتَيِّعُ الْيَسِيرُ فَإِنْ نَتَجَتْ حَمَلَ عَلَيْهَا وَلَدَهَا (١) وَلَا يَمْتَنِعُ الْقَوْلُ بِوُجُوبِهِ إِذَا تَعَيَّنَ طَرِيقًا إِلَى إِنْقَاذِ مُهْجَةِ إِنْسَانٍ مِنَ الْهَلَاكِ. وَاخْتَلَفَ الْمُجِيزُونَ هَلْ يَحْمِلُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ؟ فَمَنَعَهُ مَالِكٌ وَأَجَازَهُ الْجُمْهُورُ. وَهَلْ يَحْمِلُ عَلَيْهَا غَيْرَهُ؟ أَجَازَهُ الْجُمْهُورُ أَيْضًا عَلَى التَّفْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ. وَنَقَلَ عِيَاضٌ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤْجِرُهَا. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ فِي: اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ: قَالَ أَصْحَابُنَا وَالشَّافِعِيُّ إِنِ احْتَلَبَ مِنْهَا شَيْئًا تَصَدَّقَ بِهِ، فَإِنْ أَكَلَهُ تَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ وَيَرْكَبُ إِذَا احْتَاجَ فَإِنْ نَقَصَهُ ذَلِكَ ضَمِنَ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَشْرَبُ مِنْ لَبَنِهِ فَإِنْ شَرِبَ لَمْ يَغْرَمْ. وَلَا يَرْكَبُ إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ فَإِنْ رَكِبَ لَمْ يَغْرَمْ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: لَا يَرْكَبُ إِلَّا إِذَا اضْطُرَّ.
قَوْلُهُ: (وَيْلَكَ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَالَهَا لَهُ تَأْدِيبًا لِأَجْلِ مُرَاجَعَتِهِ لَهُ مَعَ عَدَمِ خَفَاءِ الْحَالِ عَلَيْهِ، وَبِهَذَا جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَابْنُ الْعَرَبِيِّ وَبَالَغَ حَتَّى قَالَ: الْوَيْلُ لِمَنْ رَاجَعَ فِي ذَلِكَ بَعْدَ هَذَا، قَالَ: وَلَوْلَا أَنَّهُ ﷺ اشْتَرَطَ عَلَى رَبِّهِ مَا اشْتَرَطَ لَهَلَكَ ذَلِكَ الرَّجُلُ لَا مَحَالَةَ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فُهِمَ عَنْهُ أَنَّهُ يَتْرُكُ رُكُوبَهَا عَلَى عَادَةِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي السَّائِبَةِ وَغَيْرِهَا فَزَجَرَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَعَلَى الْحَالَتَيْنِ هِيَ إِنْشَاءٌ. وَرَجَّحَهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ قَالُوا: وَالْأَمْرُ هُنَا وَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ لِلْإِرْشَادِ لَكِنَّهُ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ بِتَوَقُّفِهِ عَلَى امْتِثَالِ الْأَمْرِ. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ مَا تَرَكَ الِامْتِثَالَ عِنَادًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ظَنَّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ غُرْمٌ بِرُكُوبِهَا أَوْ إِثْمٌ وَأَنَّ الْإِذْنَ الصَّادِرَ لَهُ بِرُكُوبِهَا إِنَّمَا هُوَ لِلشَّفَقَةِ عَلَيْهِ فَتَوَقَّفَ فَلَمَّا أَغْلَظَ لَهُ بَادَرَ إِلَى الِامْتِثَالِ. وَقِيلَ لِأَنَّهُ كَانَ أَشْرَفَ عَلَى هَلَكه مِنَ الْجَهْدِ. وَوَيْلٌ كَلِمَةٌ تُقَالُ لِمَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَةٍ، فَالْمَعْنَى أَشْرَفْتَ عَلَى الْهَلَكَةِ فَارْكَبْ فَعَلَى هَذَا هِيَ إِخْبَارٌ وَقِيلَ هِيَ كَلِمَةٌ تَدْعَمُ بِهَا الْعَرَبُ كَلَامَهَا وَلَا تَقْصِدُ مَعْنَاهَا كَقَوْلِهِ لَا أُمَّ لَكَ وَيُقَوِّيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِلَفْظِ: وَيْحَكَ بَدَلَ وَيْلَكَ، قَالَ الْهَرَوِيُّ: وَيْلٌ يُقَالُ لِمَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَةٍ يَسْتَحِقُّهَا وَوَيْحٌ لِمَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَةٍ لَا يَسْتَحِقُّهَا.
وَفِي الْحَدِيثِ تَكْرِيرُ الْفَتْوَى وَالنَّدْبُ إِلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَى امْتِثَالِ أَمْر وَزَجْرُ مَنْ لَمْ يُبَادِرْ إِلَى ذَلِكَ وَتَوْبِيخُهُ وَجَوَازُ مُسَايَرَةِ الْكِبَارِ فِي السَّفَرِ وَأَنَّ الْكَبِيرَ إِذَا رَأَى مَصْلَحَةً لِلصَّغِيرِ لَا يَأْنَفُ عَنِ إِرْشَادِهِ إِلَيْهَا، وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْمُصَنِّفُ جَوَازَ انْتِفَاعِ الْوَاقِفِ بِوَقْفِهِ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْجُمْهُورِ فِي الْأَوْقَافِ الْعَامَّةِ أَمَّا الْخَاصَّةُ فَالْوَقْفُ عَلَى النَّفْسِ لَا يَصِحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي مَكَانِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَنَسٍ) فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ، عَنْ شُعْبَةَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ارْكَبْهَا ثَلَاثًا) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ مُخْتَصَرًا وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ، قَالَ ارْكَبْهَا. قَالَ إِنَّهَا بَدَنَةٌ، قَالَ ارْكَبْهَا. ثَلَاثًا. وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو مُسْلِمٍ الْكَجِّيُّ فِي السُّنَنِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ شَيْخِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وألفٌ قبلها ومُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ بعدها، أي: لسمنها، وأخرج عبد بن حُمَيٍد من طريق ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ قال: إنَّما سُمِّيت البدن من قِبَل السَّمانة (وَالقَانِعُ: السَّائِلُ) من قنع إذا سأل (وَالمُعْتَرُّ: الَّذِي يَعْتَرُّ) أي (١): يطيف (بِالبُدْنِ) يتعرَّض لها (٢) (مِنْ غَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ) قال مجاهدٌ -فيما أخرجه عبد بن حُمَيدٍ-: القانع: جارك الذي ينتظر ما دخل بيتك، والمُعتَرُّ: الذي يعترُّ ببابك ويريك نفسه ولا يسألك شيئًا، وروى عنه ابن أبي حاتمٍ: القانع: الطَّامع، وقال مرَّة: هو السَّائل (وَشَعَائِرُ الله) (٣) المذكورة (٤) في الآية: (اسْتِعْظَامُ البُدْنِ وَاسْتِحْسَانُهَا) عن مجاهدٍ، فيما أخرجه عبد بن حُمَيدٍ أيضًا في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ﴾ [الحج: ٣٢] فإنَّ استعظامَ البُدن استحسانُها واستسمانها (وَالعَتِيقُ) المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] (عِتْقُهُ مِنَ الجَبَابِرَةِ) قال مجاهدٌ: كما رواه عبد بن حُمَيدٍ أيضًا إنَّما سُمِّي، أي: البيت العتيق لأنَّه عُتِق من الجبابرة (وَيُقَالُ: وَجَبَتْ) أي: (سَقَطَتْ إِلَى الأَرْضِ) هو قول ابن عبَّاسٍ -فيما أخرجه ابن أبي حاتمٍ- والمراد به تفسير قوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ وسقطت «الواو» من قوله (٥): «ويُقال» (وَمِنْهُ: وَجَبَتِ الشَّمْسُ) إذا سقطت للغروب.
١٦٨٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي
الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا) لم يُعرَف اسمه (١) (يَسُوقُ بَدَنَةً) زاد مسلمٌ: «مقلَّدةً» والبدنة: تقع على الجمل والنَّاقة والبقرة، وهي بالإبل أشبه، وكثر (٢) استعمالها فيما كان هديًا (فَقَالَ) له ﵊: (ارْكَبْهَا) لتخالف بذلك الجاهليَّة في ترك الانتفاع بالسَّائبة والوصيلة والحَامِ، وأوجب بعضهم ركوبها لهذا المعنى عملًا بظاهر هذا الأمر، وحمله الجمهور على الإرشاد لمصلحةٍ دنيويَّةٍ، واستدلُّوا بأنَّه ﷺ أهدى ولم يركب، ولم يأمر النَّاس بركوب الهدايا، وجزم به (٣) النَّوويُّ في «الرَّوضة» كأصلها في الضَّحايا، ونقل (٤) في «المجموع» عن القفَّال والماورديِّ: جواز الرُّكوب مطلقًا، ونقل فيه عن أبي حامدٍ والبندنيجيِّ وغيرهما تقييده بالحاجة، وفي «شرح مسلمٍ»: عن عروة بن الزُّبير ومالكٍ في روايةٍ عنه وأحمد وإسحاق: له ركوبها من غير حاجةٍ بحيث لا يضرُّها، ثمَّ قال: ودليلنا على عروة وموافقيه رواية جابرٍ عند مسلمٍ: «اركبها بالمعروف إذا أُلجئِت إليها حتَّى تجد ظهرًا». انتهى. يعني: لأنَّه مقيَّدٌ، والمُقيَّد يقضي على المطلق، ولأنَّه شيءٌ خرج عنه لله، فلا يرجع فيه، ولو أُبيح النَّفع لغير ضرورةٍ أُبيح استئجاره ولا يجوز باتِّفاقٍ، والذي رأيته في «تنقيح المقنع» من كتب الحنابلة -وعليه الفتوى عندهم-: وله ركوبها لحاجةٍ فقط بلا ضررٍ ويضمن نقصها، وهو مذهب الحنفيَّة أيضًا (فَقَالَ) الرَّجل: (إِنَّهَا بَدَنَةٌ) أي: هديٌ (فَقَالَ) ﷺ له: (ارْكَبْهَا، فَقَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ، قال (٥): ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ) نُصِب أبدًا على المفعول (٦) المطلق بفعلٍ من معناه، محذوفٍ وجوبًا، أي: ألزمه الله ويلًا، وهي كلمةٌ تُقال
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
والإقران: وَبَاب التَّمَتُّع على عهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. الثَّانِيَة: حكم الْهَدْي، فَذكره فِي حَدِيث هَذَا الْبَاب. الثَّالِثَة: حكم الصَّوْم، فَذكره أَيْضا فِي: بَاب قَوْله تَعَالَى: {ذَلِك لمن لم يكن أَهله حاضري الْمَسْجِد الْحَرَام} (الْبَقَرَة: ٦٩١) . الرَّابِعَة: حكم حاضري الْمَسْجِد الْحَرَام، فَذكره أَيْضا فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: {ذَلِك لمن لم يكن أَهله حاضري الْمَسْجِد الْحَرَام} (الْبَقَرَة: ٦٩١) [/ ح.
وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِيمَا {اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي} (الْبَقَرَة: ٦٩١) . فَقَالَت طَائِفَة: شَاة، رُوِيَ ذَلِك عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَوَاهُ عَنْهُمَا مَالك فِي (موطئِهِ) وَأخذ بِهِ، وَقَالَ بِهِ جُمْهُور الْعلمَاء. وَاحْتج بقول الله تَعَالَى: {هذيا بَالغ الْكَعْبَة} (الْمَائِدَة: ٥٩) . قَالَ: وَإِنَّمَا يحكم بِهِ فِي الْهَدْي شَاة، وَقد سَمَّاهَا الله تَعَالَى: هَديا، وَرُوِيَ عَن طَاوُوس عَن ابْن عَبَّاس مَا يَقْتَضِي أَن مَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي، فِي حق النَّبِي بَدَنَة، وَفِي حق غَيره بقرة، وَفِي حق الْفَقِير: شَاة، وَعَن ابْن عمر وَابْن الزبير وَعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم: أَنه من الْإِبِل وَالْبَقر خَاصَّة، وَكَأَنَّهُم ذَهَبُوا إِلَى ذَلِك من أجل قَوْله تَعَالَى: {وَالْبدن جعلناها لكم من شَعَائِر الله} (الْحَج: ٦٣) . فَذَهَبُوا إِلَى أَن الْهَدْي مَا وَقع عَلَيْهِ اسْم بدن، وَيَردهُ قَوْله تَعَالَى: {فجزاء مثل مَا قتل من النعم} (الْمَائِدَة: ٥٩) . إِلَى قَوْله: {هَديا بَالغ الْكَعْبَة} (الْمَائِدَة: ٥٩) . وَقد حكم الْمُسلمُونَ فِي الظبي بِشَاة، فَوَقع عَلَيْهَا اسْم هدي. وَقَوله تَعَالَى: {فَمَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي} (الْبَقَرَة: ٦٩١) . يحْتَمل أَن يُشِير بِهِ إِلَى أقل أَجنَاس الْهَدْي، وَهُوَ الشَّاة وَإِلَى أقل صِفَات كل جنس، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَن ابْن عمر: الْبَدنَة دون الْبَدنَة وَالْبَقَرَة دون الْبَقَرَة فَهَذَا عِنْده أفضل من الشَّاة، وَلَا خلاف يعلم فِي ذَلِك، وَإِنَّمَا مَحل الْخلاف أَن الْوَاجِد لِلْإِبِلِ وَالْبَقر هَل يخرج شَاة؟ فَعِنْدَ ابْن عمر: يمْنَع إِمَّا تَحْرِيمًا، وَإِمَّا كَرَاهَة، وَعند غَيره: نعم، وَرُوِيَ عَن ابْن عمر وَأنس: يجزيء فِيهَا شرك فِي دم، وَرُوِيَ عَن عَطاء وطاووس وَالْحسن مثله، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر، وَلَا تجزىء عِنْدهم الْبَدنَة أَو الْبَقَرَة عَن أَكثر من سَبْعَة، وَلَا الشَّاة عَن أَكثر من وَاحِد. وَأما مَا رُوِيَ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ضحى بِشَاة عَن أمته فَإِنَّمَا كَانَت تَطَوّعا، وَعند الْمَالِكِيَّة: تجوز الْبَدنَة أَو الْبَقَرَة عَن أَكثر من سَبْعَة إِذا كَانَت ملكا لرجل وَاحِد وضحى بهَا عَن نَفسه وَأَهله.
٣٠١ - (بابُ رُكُوبِ الْبُدْنِ لِقَوْلِهِ تعَالى: {والبُدْنَ جَعلْناهَا لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ الله لَكُمْ فِيهَا خَيرٌ فاذْكُرُوا اسْمَ الله علَيْهَا صَوَافَّ فإذَا وجَبَتْ جُنُوبُهَا فكُلُوا مِنْهَا وأطْعِمُوا القَانِعَ والمُعْتَرَّ كذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ لَنْ يَنالَ الله لُحُومُها ولَا دمَاؤُها ولاكِنُ يَنَالُهُ التَّقْوى مِنكُم كَذلِكَ سَخَّرهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا الله علَى مَا هدَاكُم وبَشِّرِ الْمُحْسِنينَ} )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز ركُوب الْبدن، وَاسْتدلَّ على ذَلِك بقوله تَعَالَى: {وَالْبدن جعلناها لكم ... } (الْحَج: ٦٣) . إِلَى آخِره، وَهَاتَانِ الْآيَتَانِ مذكورتان بتمامهما فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر وَأبي الْوَقْت الْمَذْكُور مِنْهُمَا من قَوْله: {وَالْبدن جعلناها لكم} (الْحَج: ٦٣) . إِلَى قَوْله: {فَإِذا
وَجَبت جنوبها} (الْحَج) . ثمَّ الْمَذْكُور بعد {جنوبها} إِلَى قَوْله: {وَبشر الْمُحْسِنِينَ} (الْحَج: ٦٣) . وَمَوْضِع الِاسْتِدْلَال فِي جَوَاز ركُوب الْبدن فِي قَوْله: {لكم فِيهَا خير} (الْحَج: ٦٣) . يَعْنِي: من الرّكُوب والحلب لما روى ابْن أبي حَاتِم وَغَيره بِإِسْنَاد جيد عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: {لكم فِيهَا خير} (الْحَج: ٦٣) . من شَاءَ ركب وَمن شَاءَ حلب، وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) فِي قَوْله: {لكم فِيهَا خير} (الْحَج: ٦٣) . من احْتَاجَ إِلَى ظهرهَا ركب، وَمن احْتَاجَ إِلَى لَبنهَا شرب. وَقيل: فِي الْبدن خير وَهُوَ النَّفْع فِي الدُّنْيَا وَالْأَجْر فِي الْآخِرَة، وَمن شَأْن الْحَاج أَن يحرص على شَيْء فِيهِ خير وَمَنَافع، وَعَن بعض السّلف: أَنه لم يملك إلَاّ تِسْعَة دَنَانِير، فَاشْترى بهَا بَدَنَة، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: سَمِعت رَبِّي يَقُول: {لكم فِيهَا خير} (الْحَج: ٦٣) . قَوْله: (وَالْبدن) بِضَم الْبَاء جمع بَدَنَة، سميت بذلك لعظم بدنهَا، وَهِي الْإِبِل الْعِظَام الضخام الْأَجْسَام، وَهِي من الْإِبِل خَاصَّة وقرىء {وَالْبدن} بِضَمَّتَيْنِ كتمر فِي جمع: تَمْرَة، وَعَن ابْن أبي إِسْحَاق، بِضَمَّتَيْنِ وَتَشْديد النُّون على لفظ الْوَقْف، وقرىء: الْبدن، بِالرَّفْع وَالنّصب كَمَا فِي قَوْله: {وَالْقَمَر قدرناه} (يس: ٩٣) . قَوْله: {من شَعَائِر الله} (الْحَج: ٦٣) . أَي: من أَعْلَام الشَّرِيعَة الَّتِي شرعها وأضافها إِلَى اسْمه تَعْظِيمًا لَهَا. قَوْله: {لكم فِيهَا} أَي: فِي الْبدن. قَوْله: {فاذكروا اسْم الله عَلَيْهَا} عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: ذكر اسْم الله عَلَيْهَا أَن يَقُول عِنْد النَّحْر: بِسم الله، الله أكبر، لَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر أللهم مِنْك وَإِلَيْك. قَوْله: (صوافّ) أَي: قائمات قد صففن أَيْدِيهنَّ وَأَرْجُلهنَّ. وَقيل: أَي قيَاما على ثَلَاثَة قَوَائِم قد صفت رِجْلَيْهَا وإحدي يَديهَا ويدها الْيُسْرَى معقولة، وقرىء: صَوَافِن، من: صفون الْفرس وَهُوَ: أَن تقوم على ثَلَاث وتنصب الرَّابِعَة على طرف سنبكه، لِأَن الْبَدنَة تعقل إِحْدَى يَديهَا فتقوم على ثَلَاث، وقرىء: صوافي، أَي خوالص لوجه الله تَعَالَى. وَعَن عَمْرو بن عبيد: صوافا، بِالتَّنْوِينِ عوضا عَن حرف الْإِطْلَاق عِنْد الْوَقْف. وَعَن بَعضهم: صواف، نَحْو مثل قَول الْعَرَب: أعْط الْقوس باريها، بِسُكُون الْيَاء. قَوْله: {فَإِذا وَجَبت} قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وجوب الْجنُوب وُقُوعهَا على الأَرْض، من: وَجب الْحَائِط وجبة إِذا سقط، وَوَجَبَت الشَّمْس وجبة غربت، وَالْمعْنَى: فَإِذا وَجَبت جنوبها وسكنت نسائسها حل لكم الْأكل مِنْهَا وَالْإِطْعَام، وَسَيَأْتِي تَفْسِير القانع والمعتر. قَوْله: {كَذَلِك سخرناها لكم} هَذَا منّ من الله تَعَالَى على عباده بِأَن سخر لَهُم الْبدن مثل التسخير الَّذِي رَأَوْا وَعَلمُوا أَن يأخذونها منقادة للأخذ، فيعقلونها طائعه ويحبسونها صافة قَوَائِمهَا، ثمَّ يطعنون فِي لباتها، وَلَوْلَا تسخير الله تَعَالَى لم تطق. قَوْله: {لن ينَال الله لحومها} وَذَلِكَ أَن أهل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا إِذا نحرُوا الْبدن لطخوا حيطان الْكَعْبَة بدمائها، فهم الْمُسلمُونَ مثل ذَلِك، فَأنْزل الله تَعَالَى: {لن ينَال الله لحومها} أَي: لن يصل إِلَى الله تَعَالَى لحومها الْمُتَصَدّق بهَا وَلَا الدِّمَاء المهراقة بالنحر، {وَلَكِن يَنَالهُ التَّقْوَى مِنْكُم} وَالْمعْنَى: لن يُرْضِي المضحون والمقربون ربَّهم إلَاّ بمراعاة النِّيَّة وَالْإِخْلَاص والاحتفاظ بِشُرُوط التَّقْوَى. قَوْله: {كَذَلِك سخرها لكم} أَي: سخر الْبدن، وَكرر تذكير النِّعْمَة بالتسخير، ثمَّ قَالَ: {لتكبروا الله على مَا هدَاكُمْ} يَعْنِي: على هدايته إيَّاكُمْ لإعلام دينه ومناسك حجه بِأَن تكبروا وتهللوا، وَضمن التَّكْبِير معنى الشُّكْر، وعدى تعديته. قَوْله: {وَبشر الْمُحْسِنِينَ} الْخطاب للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أمره بِأَن يبشر الْمُحْسِنِينَ الَّذين يعْبدُونَ الله تَعَالَى كَأَنَّهُمْ يرونه، فَإِن لم يروه فَإِنَّهُ يراهم بقبوله، وَقيل: بِالْجنَّةِ.
قَالَ مجاهِدٌ: سُمِّيَتِ الْبُدْنَ لِبُدْنِها
بِضَم الْبَاء وَسُكُون الدَّال فِي رِوَايَة بَعضهم، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: بِفَتْح الْبَاء وَفتح الدَّال، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: لبدانتها أَي: لضخامتها. وَأخرج عبد بن حميد من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، قَالَ: إِنَّمَا سميت الْبدن من قبل السمانة. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْبَدنَة نَاقَة تنحر بِمَكَّة، سميت بذلك لأَنهم كَانُوا يسمنونها، وَالْبدن التسمين والاكتناز، وبدن إِذا ضخم وبدن بِالتَّشْدِيدِ إِذا أسن، وَقد ذكرنَا عَن قريب أَن الْبدن من الْإِبِل خَاصَّة، وَقَالَ الدَّاودِيّ قيل: إِن الْبَدنَة تكون من الْبَقر، وَهَذَا نقل عَن الْخَلِيل.
والْقانِعُ السَّائلُ، والْمُعْتَرُّ يعْتَرُّ بالبُدْنِ مِنْ غَنِيٍّ أَو فَقِيرٍ
هَذَا من كَلَام البُخَارِيّ، وَكَذَا قَالَ ابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن الْمسيب وَالْحسن الْبَصْرِيّ، القانع: السَّائِل والمعترض الَّذِي يتَعَرَّض وَلَا يسْأَل. وَقَالَ مَالك: أحسن مَا سَمِعت فِيهِ أَن القانع الْفَقِير والمعتر الدائر، وَقيل: القانع السَّائِل الَّذِي لَا يقنع بِالْقَلِيلِ. وَفِي (الموعب)
قَالَ أَبُو زيد: القانع هُوَ المتعرض لما فِي أَيدي النَّاس، وَهُوَ ذمّ لَهُ، وَهُوَ الطمع، وَقَالَ صَاحب (الْعين) : القنوع الذلة للمسألة. وَقَالَ إِبْرَاهِيم: قنع إِلَيْهِ مَال وخضع وَهُوَ السَّائِل والمعتر الَّذِي يتَعَرَّض وَلَا يسْأَل، وَقَالَ الزّجاج القانع الَّذِي يقنع بِمَا يعطاه، وَقيل: الَّذِي يقنع باليسير. وَقَالَ قطرب: كَانَ الْحسن يَقُول: هُوَ السَّائِل الَّذِي يقنع بِمَا أوتيه وَيصير القانع من معنى القناعة والرضى. وَقَالَ الطوسي: قنع يقنع قنوعا إِذا سَأَلَ وتكفف، وقنع يقنع قناعة إِذا رَضِي. قلت: الأول من بَاب، فتح يفتح، وَالثَّانِي من بَاب: علم يعلم، قَالَ إِسْمَاعِيل: وَقَالُوا: رجل قنعان، بِضَم الْقَاف يرضى باليسير، وَقَالَ صَاحب (الْعين) : القانع خَادِم الْقَوْم وأجيرهم، وَقَرَأَ الْحسن والمعتري، وَمَعْنَاهُ: المعتر، يُقَال: أعتره واعتراه وعره وعراه إِذا تعرض لما عِنْده أَو طَالبه، وَأخرج ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، قَالَ: القانع هُوَ الطامع، وَقَالَ مرّة: هُوَ السَّائِل، وَمن طَرِيق الثَّوْريّ عَن فرات عَن سعيد بن جُبَير: المعتر الَّذِي يعتريك يزورك وَلَا يَسْأَلك، وَمن طَرِيق ابْن جريج عَن مُجَاهِد: المعتر الَّذِي يعتر بِالْبدنِ من غَنِي أَو فَقير، يَعْنِي: يطِيف بهَا متعرضا لَهَا، وَهَذَا الَّذِي ذكره البُخَارِيّ مُعَلّقا.
وشعَائِرُ الله اسْتِعْظَامُ البُدْنِ واسْتِحْسَانُهَا
أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير مَا ذكر فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة من شَعَائِر الله، وَأخرجه عبد بن حميد من طَرِيق وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: {وَمن يعظم شَعَائِر الله} (الْحَج، ٢٣) . قَالَ: استعظام الْبدن استحسانها وإسمانها، وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة من وَجه آخر عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، نَحوه.
والْعَتِيقُ عِتْقُهُ مِنَ الجَبَابِرَةِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا ذكر قبل الْآيَتَيْنِ المذكورتين من قَوْله تَعَالَى: {وليطوفوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق} (الْحَج: ٩٢) . وَفسّر: الْعَتِيق، بقوله: عتقه من الْجَبَابِرَة، وَعَن قَتَادَة: أعتق من الْجَبَابِرَة فكم جَبَّار سَار إِلَيْهِ ليهدمه فَمَنعه الله، وَعَن مُجَاهِد: أعتق من الْغَرق، وَأخرج عبد بن حميد من طَرِيق سُفْيَان عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، قَالَ: إِنَّمَا سمي الْعَتِيق لِأَنَّهُ أعتق من الْجَبَابِرَة. وَقيل: سمي الْعَتِيق لقدمه. وَقيل: لِأَنَّهُ لم يملك قطّ.
ويُقَالُ وجَبَتْ سَقَطَتْ إلَى الأرْضِ ومِنْهُ وجَبَتِ الشَّمْسُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا ذكر فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة من قَوْله: {فَإِذا وَجَبت جنوبها} (الْحَج: ٦٣) . وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق مقسم عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: فَإِذا وَجَبت أَي: سَقَطت، وَكَذَا أخرجه الطَّبَرِيّ من طَرِيقين عَن مُجَاهِد. قَوْله: (وَمِنْه) ، أَي: وَمن الْمَعْنى الْمَذْكُور، وَقَوْلهمْ: وَجَبت الشَّمْس إِذا سَقَطت للغروب.
٩٨٦١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عَنْ أبِي الزِّنَادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَأى رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ ارْكَبْهَا فَقَالَ إنَّهَا بَدَنَةٌ فَقَالَ ارْكَبُهَا قَالَ إنَّهَا بَدَنةٌ قَالَ ارْكَبْهَا ويْلَكَ فِي الثَّالِثَةِ أوْ فِي الثَّانِيَةِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم، وَأَبُو الزِّنَاد بِكَسْر الزَّاي وَالنُّون واسْمه، عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز، وَلم تخْتَلف الروَاة عَن مَالك عَن أبي الزِّنَاد فِيهِ، وَرَوَاهُ ابْن عُيَيْنَة عَن أبي الزِّنَاد فَقَالَ: عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة أَو: عَن أبي الزِّنَاد عَن مُوسَى بن أبي عُثْمَان عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة أخرجه سعيد بن مَنْصُور عَنهُ، وَقد رَوَاهُ الثَّوْريّ عَن أبي الزِّنَاد بالإسنادين مفرقا.
وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْوَصَايَا عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس، وَفِي الْأَدَب: عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة، خمستهم عَن مَالك بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (رأى رجلا) لم يدر اسْمه. قَوْله: (يَسُوق بَدَنَة) كَذَا وَقع فِي أَكثر الرِّوَايَات، وَفِي رِوَايَة لمُسلم عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج بِهَذَا الْإِسْنَاد. قَالَ: (بَيْنَمَا رجل يَسُوق بدقة مقلدة) ، وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن همام بن مُنَبّه قَالَ: (هَذَا مَا حَدثنَا
أَبُو هُرَيْرَة عَن مُحَمَّد رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم،) . فَذكر أَحَادِيث مِنْهَا، وَقَالَ: (بَيْنَمَا رجل يَسُوق بَدَنَة مقلدة قَالَ لَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَيلك إركبها، فَقَالَ: بَدَنَة يَا رَسُول الله، قَالَ: وَيلك إركبها، وَيلك إركبها) . وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق وَالثَّوْري، كِلَاهُمَا عَن أبي الزِّنَاد، وَمن طَرِيق عجلَان (عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: اركبها وَيحك، قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَة. قَالَ: أركبها وَيحك) . وَزَاد أَبُو يعلى من رِوَايَة الْحسن: (فركبها) وللبخاري من طَرِيق عِكْرِمَة عَن أبي هُرَيْرَة: (فَلَقَد رَأَيْته رَاكِبًا يُسَايِر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والنعل فِي عُنُقهَا) . قَوْله: (وَيلك) قَالَ الْقُرْطُبِيّ: قَالَهَا لَهُ تأديبا لأجل مُرَاجعَته لَهُ مَعَ عدم خَفَاء الْحَال عَلَيْهِ، وَلِهَذَا قَالَ ابْن عبد الْبر وَابْن الْعَرَبِيّ: وَبَالغ حَتَّى قَالَ: الويل لمن رَاجع فِي ذَلِك بعد هَذَا. قَالَ: وَلَوْلَا أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اشْترط على ربه مَا اشْترط لهلك ذَلِك الرجل لَا محَالة، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَيحْتَمل أَن يكون فهم عَنهُ أَنه يتْرك ركُوبهَا على عَادَة الْجَاهِلِيَّة فِي السائبة وَغَيرهَا، فزجره عَن ذَلِك، فعلى الْحَالَتَيْنِ هِيَ إنْشَاء. وَرجحه عِيَاض وَغَيره، وَقَالُوا: وَالْأَمر هَهُنَا وَإِن قُلْنَا إِنَّه للإرشاد. لكنه اسْتحق الذَّم بتوقفه عَن امْتِثَال الْأَمر، وَالَّذِي يظْهر أَنه مَا ترك عنادا، وَيحْتَمل أَن يكون ظن أَنه يلْزمه غرم بركوبها أَو إِثْم، وَأَن الْإِذْن الصَّادِر لَهُ بركوبها إِنَّمَا هُوَ للشفقة عَلَيْهِ، فتوقف، فَلَمَّا أغْلظ لَهُ بَادر إِلَى الِامْتِثَال. وَقيل: لِأَنَّهُ كَانَ أشرف على هلكة من الْجهد، وويل: كلمة تقال لمن وَقع فِي هلكة، فَالْمَعْنى: أشرفت على الهلكة فاركب، فعلى هَذَا هِيَ إِخْبَار، وَقيل: هِيَ كلمة تدعم بهَا الْعَرَب كَلَامهَا وَلَا تقصد مَعْنَاهَا كَقَوْلِهِم: لَا أم لَك، ويقويه مَا تقدم فِي رِوَايَة أَحْمد: وَيحك بدل وَيلك. وَقَالَ الْهَرَوِيّ: ويل كلمة تقال لمن وَقع فِي هلكة يَسْتَحِقهَا، وويح لمن وَقع فِي هلكة لَا يَسْتَحِقهَا. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَيلك مخرجة مخرج الدُّعَاء عَلَيْهِ من غير قصد إِذْ أَبى من ركُوبهَا أول مرّة. وَقَالَ لَهُ: إِنَّهَا بَدَنَة، وَكَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يعلم ذَلِك فخاف أَن لَا يكون علمه، فَكَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: الويل لَك فِي مراجعتك إيَّايَ فِيمَا لَا نَعْرِف وَأعرف، وَكَانَ الْأَصْمَعِي يَقُول: ويل، كلمة عَذَاب، و: وَيْح، كلمة رَحْمَة. وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَيْح زجر لمن أشرف على هلكة. وَفِي الحَدِيث (ويلٌ وَاد فِي جَهَنَّم) . قَوْله: (فِي الثَّالِثَة) أَي: فِي الْمرة الثَّالِثَة. قَوْله: (أَو فِي الثَّانِيَة) أَي: أَو قَالَ ذَلِك فِي الْمرة الثَّانِيَة، وَهَذَا شكّ من الرَّاوِي.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: جَوَاز ركُوب الْبَدنَة المهداة سَوَاء كَانَت وَاجِبَة أَو مُتَطَوعا بهَا، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يفصل فِي قَوْله وَلَا استفصل صَاحبهَا عَن ذَلِك، فَدلَّ على أَن الحكم لَا يخْتَلف بذلك، ويوضح هَذَا مَا رَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه سُئِلَ: هَل يركب الرجل هَدْيه؟ فَقَالَ: لَا بَأْس، قد كَانَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يمر بِالرِّجَالِ يَمْشُونَ فيأمرهم بركوب هديهم.
وَقد اخْتلفُوا فِي هَذَا على أَقْوَال:
الأول: الْجَوَاز مُطلقًا، وَبِه قَالَ عُرْوَة بن الزبير وَنسبه ابْن الْمُنْذر إِلَى أَحْمد وَإِسْحَاق، وَبِه قَالَت الظَّاهِرِيَّة، وَهُوَ الَّذِي جزم بِهِ النَّوَوِيّ فِي (الرَّوْضَة) تبعا لأصله فِي الضَّحَايَا وَنَقله فِي (شرح الْمُهَذّب) عَن الْقفال والماوري.
الثَّانِي: مَا قَالَه النَّوَوِيّ، وَنقل عَنهُ عَن أبي حَامِد والبندنيجي وَغَيرهمَا مُقَيّدَة بِالْحَاجةِ، وَقَالَ الرَّوْيَانِيّ: تجويزه بِغَيْر الْحَاجة مُخَالفَة النَّص، وَهُوَ الَّذِي نَقله التِّرْمِذِيّ عَن الشَّافِعِي، حَيْثُ قَالَ: وَقد رخص قوم من أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَغَيرهم ركُوب الْبَدنَة إِذا احْتَاجَ إِلَى ظهرهَا، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق، وَهَذَا هُوَ الْمَنْقُول عَن جمَاعَة من التَّابِعين: أَنَّهَا لَا تركب إلَاّ عِنْد الِاضْطِرَار إِلَى ذَلِك، وَهُوَ الْمَنْقُول عَن الشّعبِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَعَطَاء بن أبي رَبَاح، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأَصْحَابه، فَلذَلِك قَيده صَاحب (الْهِدَايَة) من أَصْحَابنَا بالاضطرار إِلَى ذَلِك.
الثَّالِث: مَا ذكره ابْن عبد الْبر من كَرَاهَة الرّكُوب من غير حَاجَة، وَنَقله عَن الشَّافِعِي وَمَالك.
الرَّابِع: مَا قَالَه ابْن الْعَرَبِيّ: يركب للضَّرُورَة فَإِذا استراح نزل، يدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه سُئِلَ عَن ركُوب الْهَدْي؟ فَقَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: إركبها بِالْمَعْرُوفِ إِذا لجئت إِلَيْهَا حَتَّى تَجِد ظهرا، فَإِن مَفْهُومه أَنه إِذا وجد غَيرهَا تَركهَا. وروى سعيد بن مَنْصُور من طَرِيق إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، قَالَ: يركبهَا إِذا أعيي قدر مَا يستريح على ظهرهَا.
الْخَامِس: الْمَنْع مُطلقًا، نَقله ابْن الْعَرَبِيّ عَن أبي حنيفَة، وشنع عَلَيْهِ بِغَيْر وَجه. قَالَ بَعضهم: لِأَن مذْهبه هُوَ الَّذِي ذكره الطَّحَاوِيّ وَغَيره: الْجَوَاز بِغَيْر الْحَاجة إلَاّ أَنه قَالَ: إِن وَقع ذَلِك يضمن مَا نقص مِنْهَا بركوبه، وَقيل: ضَمَان النَّقْص وَافق عَلَيْهِ الشَّافِعِيَّة فِي الْهَدْي الْوَاجِب كالنذر. قلت: الَّذِي نَقله الطَّحَاوِيّ وَغَيره: أَن مَذْهَب أبي حنيفَة مَا ذكره صَاحب (الْهِدَايَة) وَقد ذَكرْنَاهُ.
السَّادِس: وجوب الرّكُوب، نَقله
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْجَبَابِرَةِ، وَيُقَالُ: وَجَبَتْ: سَقَطَتْ إِلَى الْأَرْضِ وَمِنْهُ: وَجَبَتْ الشَّمْسُ.
١٦٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ: ارْكَبْهَا، فَقَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ، فَقَالَ: ارْكَبْهَا، قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ، قَالَ: ارْكَبْهَا وَيْلَكَ، فِي الثَّالِثَةِ أَوْ فِي الثَّانِيَةِ.
[الحديث ١٦٨٩ - أطرافه في: ١٧٠٦، ٢٧٥٥، ٦١٦٠]
١٦٩٠ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ وَشُعْبَةُ قَالَا حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ ﵁ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ ارْكَبْهَا قَالَ إِنَّهَا بَدَنَةٌ قَالَ ارْكَبْهَا قَالَ إِنَّهَا بَدَنَةٌ قَالَ ارْكَبْهَا ثَلَاثًا"
[الحديث ١٦٩٠ - طرفاه في: ٢٧٥٤، ٦١٥٩]
قَوْلُهُ: (بَابُ رُكُوبِ الْبُدْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ - إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ هَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَأَبِي الْوَقْتِ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَتَيْنِ، وَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ لِجَوَازِ رُكُوبِ الْبُدْنِ بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ وَأَشَارَ إِلَى قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ مَنْ شَاءَ رَكِبَ وَمَنْ شَاءَ حَلَبَ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ. وَالْبُدْنُ بِسُكُونِ الدَّالِ فِي قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ، وَقَرَأَ الْأَعْرَجُ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ عَاصِمٍ بِضَمِّهَا وَأَصْلُهَا مِنَ الْإِبِلِ وَأُلْحِقَتْ بِهَا الْبَقَرُ شَرْعًا.
قَوْلُهُ: (قَالَ مُجَاهِدٌ سُمِّيَتِ الْبُدْنَ لِبَدَنِهَا) هُوَ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَةِ لِلْأَكْثَرِ وَبِضَمِّهَا وَسُكُونِ الدَّالِ لِبَعْضِهِمْ وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لِبَدَانَتِهَا أَيْ سِمَنِهَا، وَكَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: إِنَّمَا سُمِّيَتِ الْبُدْنَ مِنْ قِبَلِ السَّمَانَةِ.
قَوْلُهُ: (وَالْقَانِعُ السَّائِلُ، وَالْمُعْتَرُّ الَّذِي يَعْتَرُّ بِالْبُدْنِ مِنْ غَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ) أَيْ يُطِيفُ بِهَا مُتَعَرِّضًا لَهَا، وَهَذَا التَّعْلِيقُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ قُلْتُ لِمُجَاهِدٍ: مَا الْقَانِعُ؟ قَالَ جَارُكَ الَّذِي يَنْتَظِرُ مَا دَخَلَ بَيْتَكَ، وَالْمُعْتَرُّ الَّذِي يَعْتَرُّ بِبَابِكَ وَيُرِيكَ نَفْسَهُ وَلَا يَسْأَلُكَ شَيْئًا. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: الْقَانِعُ هُوَ الطَّامِعُ. وَقَالَ مَرَّةُ: هُوَ السَّائِلُ. وَمِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ فُرَاتٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: الْمُعْتَرُّ الَّذِي يَعْتَرِيكَ يَزُورُكَ وَلَا يَسْأَلُكَ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ: الْمُعْتَرُّ الَّذِي يَعْتَرُّ بِالْبُدْنِ مِنْ غَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ. وَقَالَ الْخَلِيلُ فِي الْعَيْنِ: الْقَنُوعُ الْمُتَذَلِّلُ لِلْمَسْأَلَةِ، قَنَعَ إِلَيْهِ: مَالَ وَخَضَعَ، وَهُوَ السَّائِلُ. وَالْمُعْتَرُّ الَّذِي يَعْتَرِضُ وَلَا يَسْأَلُ. وَيُقَالُ قَنِعَ بِكَسْرِ النُّونِ إِذَا رَضِيَ، وَقَنَعَ بِفَتْحِهَا إِذَا سَأَلَ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ الْمُعْتَرِي وَهُوَ بِمَعْنَى الْمُعْتَرِّ.
قَوْلُهُ: (وَشَعَائِرُ اللَّهِ اسْتِعْظَامُ الْبُدْنِ وَاسْتِحْسَانُهَا) أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ قَالَ: اسْتِعْظَامُ الْبُدْنِ وَاسْتِحْسَانُهَا وَاسْتِسْمَانُهَا. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ لَكِنَّ فِيهِ ابْنَ أَبِي لَيْلَى وَهُوَ سَيِّئُ الْحِفْظِ.
قَوْلُهُ: (وَالْعَتِيقُ عِتْقُهُ مِنَ الْجَبَابِرَةِ) أَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: إِنَّمَا سُمِّيَ الْعَتِيقَ لِأَنَّهُ أُعْتِقَ مِنَ الْجَبَابِرَةِ. وَقَدْ جَاءَ هَذَا مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ.
قَوْلُهُ: (وَيُقَالُ وَجَبَتْ سَقَطَتْ إِلَى الْأَرْضِ وَمِنْهُ وَجَبَتِ الشَّمْسُ) هُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فَإِذَا وَجَبَتْ أَيْ سَقَطَتْ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنْ مُجَاهِدٍ.
قَوْلُهُ: (عَنِ الْأَعْرَجِ) لَمْ تَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ فِيهِ وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ فَقَالَ عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَوْ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْهُ. وَقَدْ رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِالْإِسْنَادَيْنِ مُفَرَّقًا.
قَوْلُهُ: (رَأَى رَجُلًا) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ بَعْدَ طُولِ الْبَحْثِ.
قَوْلُهُ: (يَسُوقُ بَدَنَةً) كَذَا فِي مُعْظَمِ الْأَحَادِيثِ وَوَقَعَ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ بُكَيْرِ بْنِ الْأَخْنَسِ، عَنْ أَنَسٍ مَرَّ بِبَدَنَةٍ أَوْ هَدْيَةٍ وَلِأَبِي عَوَانَةَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَوْ هَدْيٍ وَهُوَ مِمَّا يُوَضِّحُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْبَدَنَةِ مُجَرَّدَ مَدْلُولِهَا اللُّغَوِيِّ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بَيْنَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَدَنَةً مُقَلَّدَةً وَكَذَا فِي طَرِيقِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ فِي: بَابِ تَقْلِيدِ الْبُدْنِ أَنَّهَا كَانَتْ مُقَلَّدَةً نَعْلًا.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ ارْكَبْهَا) زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، وَالْجَوْزَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ كِلَاهُمَا عَنْ أَنَسٍ وَقَدْ جَهَدَهُ الْمَشْيُ وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسٍ حَافِيًا لَكِنَّهَا ضَعِيفَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَيْلَكَ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَيْلَكَ ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ ارْكَبْهَا وَلِأَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَالثَّوْرِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ وَمِنْ طَرِيقِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ ارْكَبْهَا وَيْحَكَ. قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ. قَالَ: ارْكَبْهَا وَيْحَكَ زَادَ أَبُو يَعْلَى مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ فَرَكِبَهَا وَقَدْ قُلْنَا إِنَّهَا ضَعِيفَةٌ، لَكِنْ سَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ رَاكِبَهَا يُسَايِرُ النَّبِيَّ ﷺ وَالنَّعْلُ فِي عُنُقِهَا وَتَبَيَّنَ بِهَذِهِ الطُّرُقِ أَنَّهُ أَطْلَقَ الْبَدَنَةَ عَلَى الْوَاحِدَةِ مِنَ الْإِبِلِ الْمُهْدَاةِ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ مَدْلُولَهَا اللُّغَوِيَّ لَمْ يَحْصُلِ الْجَوَابُ بِقَوْلِهِ إِنَّهَا بَدَنَةٌ لِأَنَّ كَوْنَهَا مِنَ الْإِبِلِ مَعْلُومٌ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الرَّجُلَ ظَنَّ أَنَّهُ خَفِيَ كَوْنُهَا هَدْيًا فَلِذَلِكَ قَالَ إِنَّهَا بَدَنَةٌ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَمْ يَخْفَ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ لِكَوْنِهَا كَانَتْ مُقَلَّدَةً وَلِهَذَا قَالَ لَهُ لَمَّا زَادَ فِي مُرَاجَعَتِهِ وَيْلَكَ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ رُكُوبِ الْهَدْيِ سَوَاءٌ كَانَ وَاجِبًا أَوْ مُتَطَوَّعًا بِهِ ; لِكَوْنِهِ ﷺ لَمْ يَسْتَفْصِلْ صَاحِبَ الْهَدْيِ عَنْ ذَلِكَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ. وَأَصْرَحُ مِنْ هَذَا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ: أَنَّهُ سُئِلَ: هَلْ يَرْكَبُ الرَّجُلُ هَدْيَهُ؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ قَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَمُرُّ بِالرِّجَالِ يَمْشُونَ فَيَأْمُرُهُمْ يَرْكَبُونَ هَدْيَهُ.
أَيْ هَدْيَ النَّبِيِّ ﷺ، إِسْنَادُهُ صَالِحٌ. وَبِالْجَوَازِ مُطْلَقًا قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَنَسَبَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، لِأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ وَهُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي: الرَّوْضَةِ تَبَعًا لِأَصْلِهِ فِي الضَّحَايَا وَنَقَلَهُ فِي: شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنِ الْقَفَّالِ، وَالْمَاوَرْدِيِّ، وَنَقَلَ فِيهِ عَنْ أَبِي حَامِدٍ، وَالْبَنْدَنِيجِيِّ وَغَيْرِهِمَا تَقْيِيدَهُ بِالْحَاجَةِ، وَقَالَ الرُّويَانِيُّ: تَجْوِيزُهُ بِغَيْرِ حَاجَةٍ يُخَالِفُ النَّصَّ، وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَطْلَقَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كَرَاهَةَ رُكُوبِهَا بِغَيْرِ حَاجَةٍ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَقَيَّدَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بِالِاضْطِرَارِ إِلَى ذَلِكَ، وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنِ الشَّعْبِيِّ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَلَفْظُهُ: لَا يَرْكَبُ الْهَدْيَ إِلَّا مَنْ لَا يَجِدُ مِنْهُ بُدًّا. وَلَفْظُ الشَّافِعِيِّ الَّذِي نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَتَرْجَمَ لَهُ الْبَيْهَقِيُّ: يَرْكَبُ إِذَا اضْطُرَّ رُكُوبًا غَيْرَ فَادِحٍ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، عَنْ مَالِكٍ: يَرْكَبُ لِلضَّرُورَةِ فَإِذَا اسْتَرَاحَ نَزَلَ.
وَمُقْتَضَى مَنْ قَيَّدَهُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ مَنِ انْتَهَتْ ضَرُورَتُهُ لَا يَعُودُ إِلَى رُكُوبِهَا إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ أُخْرَى، وَالدَّلِيلُ عَلَى اعْتِبَارِ هَذِهِ الْقُيُودِ الثَّلَاثَةِ - وَهِيَ الِاضْطِرَارُ وَالرُّكُوبُ بِالْمَعْرُوفِ وَانْتِهَاءُ الرُّكُوبِ بِانْتِهَاءِ الضَّرُورَةِ - مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ إِذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْهَا حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا فَإِنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّهُ إِذَا وَجَدَ غَيْرَهَا تَرَكَهَا، رَوَى سَعِيدُ بْنُ
مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: يَرْكَبُهَا إِذَا أَعْيَا قَدْرَ مَا يَسْتَرِيحُ عَلَى ظَهْرِهَا. وَفِي الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبٌ خَامِسٌ وَهُوَ الْمَنْعُ مُطْلَقًا نَقَلَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَشَنَّعَ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ الَّذِي نَقَلَهُ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ الْجَوَازُ بِقَدَرِ الْحَاجَةِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: وَمَعَ ذَلِكَ يَضْمَنُ مَا نَقَصَ مِنْهَا بِرُكُوبِهِ. وَضَمَانُ النَّقْصِ وَافَقَ عَلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْهَدْيِ الْوَاجِبِ كَالنَّذْرِ. وَمَذْهَبٌ سَادِسٌ وَهُوَ وُجُوبُ ذَلِكَ نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ الْأَمْرِ وَالمُخَالَفَة مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَرَدَّهُ بِأَنِ الَّذِينَ سَاقُوا الْهَدْيَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ كَانُوا كَثِيرًا وَلَمْ يَأْمُرْ أَحَدًا مِنْهُمْ بِذَلِكَ. انْتَهَى. وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ وَلَهُ شَاهِدٌ مُرْسَلٌ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي: الْمَرَاسِيلِ عَنْ عَطَاءٍ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْمُرُ بِالْبَدَنَةِ إِذَا احْتَاجَ إِلَيْهَا سَيِّدُهَا أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا وَيَرْكَبَهَا غَيْرَ مُنْهِكِهَا.
قُلْتُ: مَاذَا؟ قَالَ: الرَّاجِلُ وَالْمُتَيِّعُ الْيَسِيرُ فَإِنْ نَتَجَتْ حَمَلَ عَلَيْهَا وَلَدَهَا (١) وَلَا يَمْتَنِعُ الْقَوْلُ بِوُجُوبِهِ إِذَا تَعَيَّنَ طَرِيقًا إِلَى إِنْقَاذِ مُهْجَةِ إِنْسَانٍ مِنَ الْهَلَاكِ. وَاخْتَلَفَ الْمُجِيزُونَ هَلْ يَحْمِلُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ؟ فَمَنَعَهُ مَالِكٌ وَأَجَازَهُ الْجُمْهُورُ. وَهَلْ يَحْمِلُ عَلَيْهَا غَيْرَهُ؟ أَجَازَهُ الْجُمْهُورُ أَيْضًا عَلَى التَّفْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ. وَنَقَلَ عِيَاضٌ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤْجِرُهَا. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ فِي: اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ: قَالَ أَصْحَابُنَا وَالشَّافِعِيُّ إِنِ احْتَلَبَ مِنْهَا شَيْئًا تَصَدَّقَ بِهِ، فَإِنْ أَكَلَهُ تَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ وَيَرْكَبُ إِذَا احْتَاجَ فَإِنْ نَقَصَهُ ذَلِكَ ضَمِنَ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَشْرَبُ مِنْ لَبَنِهِ فَإِنْ شَرِبَ لَمْ يَغْرَمْ. وَلَا يَرْكَبُ إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ فَإِنْ رَكِبَ لَمْ يَغْرَمْ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: لَا يَرْكَبُ إِلَّا إِذَا اضْطُرَّ.
قَوْلُهُ: (وَيْلَكَ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَالَهَا لَهُ تَأْدِيبًا لِأَجْلِ مُرَاجَعَتِهِ لَهُ مَعَ عَدَمِ خَفَاءِ الْحَالِ عَلَيْهِ، وَبِهَذَا جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَابْنُ الْعَرَبِيِّ وَبَالَغَ حَتَّى قَالَ: الْوَيْلُ لِمَنْ رَاجَعَ فِي ذَلِكَ بَعْدَ هَذَا، قَالَ: وَلَوْلَا أَنَّهُ ﷺ اشْتَرَطَ عَلَى رَبِّهِ مَا اشْتَرَطَ لَهَلَكَ ذَلِكَ الرَّجُلُ لَا مَحَالَةَ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فُهِمَ عَنْهُ أَنَّهُ يَتْرُكُ رُكُوبَهَا عَلَى عَادَةِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي السَّائِبَةِ وَغَيْرِهَا فَزَجَرَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَعَلَى الْحَالَتَيْنِ هِيَ إِنْشَاءٌ. وَرَجَّحَهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ قَالُوا: وَالْأَمْرُ هُنَا وَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ لِلْإِرْشَادِ لَكِنَّهُ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ بِتَوَقُّفِهِ عَلَى امْتِثَالِ الْأَمْرِ. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ مَا تَرَكَ الِامْتِثَالَ عِنَادًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ظَنَّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ غُرْمٌ بِرُكُوبِهَا أَوْ إِثْمٌ وَأَنَّ الْإِذْنَ الصَّادِرَ لَهُ بِرُكُوبِهَا إِنَّمَا هُوَ لِلشَّفَقَةِ عَلَيْهِ فَتَوَقَّفَ فَلَمَّا أَغْلَظَ لَهُ بَادَرَ إِلَى الِامْتِثَالِ. وَقِيلَ لِأَنَّهُ كَانَ أَشْرَفَ عَلَى هَلَكه مِنَ الْجَهْدِ. وَوَيْلٌ كَلِمَةٌ تُقَالُ لِمَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَةٍ، فَالْمَعْنَى أَشْرَفْتَ عَلَى الْهَلَكَةِ فَارْكَبْ فَعَلَى هَذَا هِيَ إِخْبَارٌ وَقِيلَ هِيَ كَلِمَةٌ تَدْعَمُ بِهَا الْعَرَبُ كَلَامَهَا وَلَا تَقْصِدُ مَعْنَاهَا كَقَوْلِهِ لَا أُمَّ لَكَ وَيُقَوِّيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِلَفْظِ: وَيْحَكَ بَدَلَ وَيْلَكَ، قَالَ الْهَرَوِيُّ: وَيْلٌ يُقَالُ لِمَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَةٍ يَسْتَحِقُّهَا وَوَيْحٌ لِمَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَةٍ لَا يَسْتَحِقُّهَا.
وَفِي الْحَدِيثِ تَكْرِيرُ الْفَتْوَى وَالنَّدْبُ إِلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَى امْتِثَالِ أَمْر وَزَجْرُ مَنْ لَمْ يُبَادِرْ إِلَى ذَلِكَ وَتَوْبِيخُهُ وَجَوَازُ مُسَايَرَةِ الْكِبَارِ فِي السَّفَرِ وَأَنَّ الْكَبِيرَ إِذَا رَأَى مَصْلَحَةً لِلصَّغِيرِ لَا يَأْنَفُ عَنِ إِرْشَادِهِ إِلَيْهَا، وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْمُصَنِّفُ جَوَازَ انْتِفَاعِ الْوَاقِفِ بِوَقْفِهِ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْجُمْهُورِ فِي الْأَوْقَافِ الْعَامَّةِ أَمَّا الْخَاصَّةُ فَالْوَقْفُ عَلَى النَّفْسِ لَا يَصِحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي مَكَانِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَنَسٍ) فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ، عَنْ شُعْبَةَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ارْكَبْهَا ثَلَاثًا) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ مُخْتَصَرًا وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ، قَالَ ارْكَبْهَا. قَالَ إِنَّهَا بَدَنَةٌ، قَالَ ارْكَبْهَا. ثَلَاثًا. وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو مُسْلِمٍ الْكَجِّيُّ فِي السُّنَنِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ شَيْخِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وألفٌ قبلها ومُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ بعدها، أي: لسمنها، وأخرج عبد بن حُمَيٍد من طريق ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ قال: إنَّما سُمِّيت البدن من قِبَل السَّمانة (وَالقَانِعُ: السَّائِلُ) من قنع إذا سأل (وَالمُعْتَرُّ: الَّذِي يَعْتَرُّ) أي (١): يطيف (بِالبُدْنِ) يتعرَّض لها (٢) (مِنْ غَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ) قال مجاهدٌ -فيما أخرجه عبد بن حُمَيدٍ-: القانع: جارك الذي ينتظر ما دخل بيتك، والمُعتَرُّ: الذي يعترُّ ببابك ويريك نفسه ولا يسألك شيئًا، وروى عنه ابن أبي حاتمٍ: القانع: الطَّامع، وقال مرَّة: هو السَّائل (وَشَعَائِرُ الله) (٣) المذكورة (٤) في الآية: (اسْتِعْظَامُ البُدْنِ وَاسْتِحْسَانُهَا) عن مجاهدٍ، فيما أخرجه عبد بن حُمَيدٍ أيضًا في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ﴾ [الحج: ٣٢] فإنَّ استعظامَ البُدن استحسانُها واستسمانها (وَالعَتِيقُ) المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] (عِتْقُهُ مِنَ الجَبَابِرَةِ) قال مجاهدٌ: كما رواه عبد بن حُمَيدٍ أيضًا إنَّما سُمِّي، أي: البيت العتيق لأنَّه عُتِق من الجبابرة (وَيُقَالُ: وَجَبَتْ) أي: (سَقَطَتْ إِلَى الأَرْضِ) هو قول ابن عبَّاسٍ -فيما أخرجه ابن أبي حاتمٍ- والمراد به تفسير قوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ وسقطت «الواو» من قوله (٥): «ويُقال» (وَمِنْهُ: وَجَبَتِ الشَّمْسُ) إذا سقطت للغروب.
١٦٨٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي
الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا) لم يُعرَف اسمه (١) (يَسُوقُ بَدَنَةً) زاد مسلمٌ: «مقلَّدةً» والبدنة: تقع على الجمل والنَّاقة والبقرة، وهي بالإبل أشبه، وكثر (٢) استعمالها فيما كان هديًا (فَقَالَ) له ﵊: (ارْكَبْهَا) لتخالف بذلك الجاهليَّة في ترك الانتفاع بالسَّائبة والوصيلة والحَامِ، وأوجب بعضهم ركوبها لهذا المعنى عملًا بظاهر هذا الأمر، وحمله الجمهور على الإرشاد لمصلحةٍ دنيويَّةٍ، واستدلُّوا بأنَّه ﷺ أهدى ولم يركب، ولم يأمر النَّاس بركوب الهدايا، وجزم به (٣) النَّوويُّ في «الرَّوضة» كأصلها في الضَّحايا، ونقل (٤) في «المجموع» عن القفَّال والماورديِّ: جواز الرُّكوب مطلقًا، ونقل فيه عن أبي حامدٍ والبندنيجيِّ وغيرهما تقييده بالحاجة، وفي «شرح مسلمٍ»: عن عروة بن الزُّبير ومالكٍ في روايةٍ عنه وأحمد وإسحاق: له ركوبها من غير حاجةٍ بحيث لا يضرُّها، ثمَّ قال: ودليلنا على عروة وموافقيه رواية جابرٍ عند مسلمٍ: «اركبها بالمعروف إذا أُلجئِت إليها حتَّى تجد ظهرًا». انتهى. يعني: لأنَّه مقيَّدٌ، والمُقيَّد يقضي على المطلق، ولأنَّه شيءٌ خرج عنه لله، فلا يرجع فيه، ولو أُبيح النَّفع لغير ضرورةٍ أُبيح استئجاره ولا يجوز باتِّفاقٍ، والذي رأيته في «تنقيح المقنع» من كتب الحنابلة -وعليه الفتوى عندهم-: وله ركوبها لحاجةٍ فقط بلا ضررٍ ويضمن نقصها، وهو مذهب الحنفيَّة أيضًا (فَقَالَ) الرَّجل: (إِنَّهَا بَدَنَةٌ) أي: هديٌ (فَقَالَ) ﷺ له: (ارْكَبْهَا، فَقَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ، قال (٥): ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ) نُصِب أبدًا على المفعول (٦) المطلق بفعلٍ من معناه، محذوفٍ وجوبًا، أي: ألزمه الله ويلًا، وهي كلمةٌ تُقال
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
والإقران: وَبَاب التَّمَتُّع على عهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. الثَّانِيَة: حكم الْهَدْي، فَذكره فِي حَدِيث هَذَا الْبَاب. الثَّالِثَة: حكم الصَّوْم، فَذكره أَيْضا فِي: بَاب قَوْله تَعَالَى: {ذَلِك لمن لم يكن أَهله حاضري الْمَسْجِد الْحَرَام} (الْبَقَرَة: ٦٩١) . الرَّابِعَة: حكم حاضري الْمَسْجِد الْحَرَام، فَذكره أَيْضا فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: {ذَلِك لمن لم يكن أَهله حاضري الْمَسْجِد الْحَرَام} (الْبَقَرَة: ٦٩١) [/ ح.
وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِيمَا {اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي} (الْبَقَرَة: ٦٩١) . فَقَالَت طَائِفَة: شَاة، رُوِيَ ذَلِك عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَوَاهُ عَنْهُمَا مَالك فِي (موطئِهِ) وَأخذ بِهِ، وَقَالَ بِهِ جُمْهُور الْعلمَاء. وَاحْتج بقول الله تَعَالَى: {هذيا بَالغ الْكَعْبَة} (الْمَائِدَة: ٥٩) . قَالَ: وَإِنَّمَا يحكم بِهِ فِي الْهَدْي شَاة، وَقد سَمَّاهَا الله تَعَالَى: هَديا، وَرُوِيَ عَن طَاوُوس عَن ابْن عَبَّاس مَا يَقْتَضِي أَن مَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي، فِي حق النَّبِي بَدَنَة، وَفِي حق غَيره بقرة، وَفِي حق الْفَقِير: شَاة، وَعَن ابْن عمر وَابْن الزبير وَعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم: أَنه من الْإِبِل وَالْبَقر خَاصَّة، وَكَأَنَّهُم ذَهَبُوا إِلَى ذَلِك من أجل قَوْله تَعَالَى: {وَالْبدن جعلناها لكم من شَعَائِر الله} (الْحَج: ٦٣) . فَذَهَبُوا إِلَى أَن الْهَدْي مَا وَقع عَلَيْهِ اسْم بدن، وَيَردهُ قَوْله تَعَالَى: {فجزاء مثل مَا قتل من النعم} (الْمَائِدَة: ٥٩) . إِلَى قَوْله: {هَديا بَالغ الْكَعْبَة} (الْمَائِدَة: ٥٩) . وَقد حكم الْمُسلمُونَ فِي الظبي بِشَاة، فَوَقع عَلَيْهَا اسْم هدي. وَقَوله تَعَالَى: {فَمَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي} (الْبَقَرَة: ٦٩١) . يحْتَمل أَن يُشِير بِهِ إِلَى أقل أَجنَاس الْهَدْي، وَهُوَ الشَّاة وَإِلَى أقل صِفَات كل جنس، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَن ابْن عمر: الْبَدنَة دون الْبَدنَة وَالْبَقَرَة دون الْبَقَرَة فَهَذَا عِنْده أفضل من الشَّاة، وَلَا خلاف يعلم فِي ذَلِك، وَإِنَّمَا مَحل الْخلاف أَن الْوَاجِد لِلْإِبِلِ وَالْبَقر هَل يخرج شَاة؟ فَعِنْدَ ابْن عمر: يمْنَع إِمَّا تَحْرِيمًا، وَإِمَّا كَرَاهَة، وَعند غَيره: نعم، وَرُوِيَ عَن ابْن عمر وَأنس: يجزيء فِيهَا شرك فِي دم، وَرُوِيَ عَن عَطاء وطاووس وَالْحسن مثله، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر، وَلَا تجزىء عِنْدهم الْبَدنَة أَو الْبَقَرَة عَن أَكثر من سَبْعَة، وَلَا الشَّاة عَن أَكثر من وَاحِد. وَأما مَا رُوِيَ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ضحى بِشَاة عَن أمته فَإِنَّمَا كَانَت تَطَوّعا، وَعند الْمَالِكِيَّة: تجوز الْبَدنَة أَو الْبَقَرَة عَن أَكثر من سَبْعَة إِذا كَانَت ملكا لرجل وَاحِد وضحى بهَا عَن نَفسه وَأَهله.
٣٠١ - (بابُ رُكُوبِ الْبُدْنِ لِقَوْلِهِ تعَالى: {والبُدْنَ جَعلْناهَا لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ الله لَكُمْ فِيهَا خَيرٌ فاذْكُرُوا اسْمَ الله علَيْهَا صَوَافَّ فإذَا وجَبَتْ جُنُوبُهَا فكُلُوا مِنْهَا وأطْعِمُوا القَانِعَ والمُعْتَرَّ كذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ لَنْ يَنالَ الله لُحُومُها ولَا دمَاؤُها ولاكِنُ يَنَالُهُ التَّقْوى مِنكُم كَذلِكَ سَخَّرهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا الله علَى مَا هدَاكُم وبَشِّرِ الْمُحْسِنينَ} )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز ركُوب الْبدن، وَاسْتدلَّ على ذَلِك بقوله تَعَالَى: {وَالْبدن جعلناها لكم ... } (الْحَج: ٦٣) . إِلَى آخِره، وَهَاتَانِ الْآيَتَانِ مذكورتان بتمامهما فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر وَأبي الْوَقْت الْمَذْكُور مِنْهُمَا من قَوْله: {وَالْبدن جعلناها لكم} (الْحَج: ٦٣) . إِلَى قَوْله: {فَإِذا
وَجَبت جنوبها} (الْحَج) . ثمَّ الْمَذْكُور بعد {جنوبها} إِلَى قَوْله: {وَبشر الْمُحْسِنِينَ} (الْحَج: ٦٣) . وَمَوْضِع الِاسْتِدْلَال فِي جَوَاز ركُوب الْبدن فِي قَوْله: {لكم فِيهَا خير} (الْحَج: ٦٣) . يَعْنِي: من الرّكُوب والحلب لما روى ابْن أبي حَاتِم وَغَيره بِإِسْنَاد جيد عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: {لكم فِيهَا خير} (الْحَج: ٦٣) . من شَاءَ ركب وَمن شَاءَ حلب، وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) فِي قَوْله: {لكم فِيهَا خير} (الْحَج: ٦٣) . من احْتَاجَ إِلَى ظهرهَا ركب، وَمن احْتَاجَ إِلَى لَبنهَا شرب. وَقيل: فِي الْبدن خير وَهُوَ النَّفْع فِي الدُّنْيَا وَالْأَجْر فِي الْآخِرَة، وَمن شَأْن الْحَاج أَن يحرص على شَيْء فِيهِ خير وَمَنَافع، وَعَن بعض السّلف: أَنه لم يملك إلَاّ تِسْعَة دَنَانِير، فَاشْترى بهَا بَدَنَة، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: سَمِعت رَبِّي يَقُول: {لكم فِيهَا خير} (الْحَج: ٦٣) . قَوْله: (وَالْبدن) بِضَم الْبَاء جمع بَدَنَة، سميت بذلك لعظم بدنهَا، وَهِي الْإِبِل الْعِظَام الضخام الْأَجْسَام، وَهِي من الْإِبِل خَاصَّة وقرىء {وَالْبدن} بِضَمَّتَيْنِ كتمر فِي جمع: تَمْرَة، وَعَن ابْن أبي إِسْحَاق، بِضَمَّتَيْنِ وَتَشْديد النُّون على لفظ الْوَقْف، وقرىء: الْبدن، بِالرَّفْع وَالنّصب كَمَا فِي قَوْله: {وَالْقَمَر قدرناه} (يس: ٩٣) . قَوْله: {من شَعَائِر الله} (الْحَج: ٦٣) . أَي: من أَعْلَام الشَّرِيعَة الَّتِي شرعها وأضافها إِلَى اسْمه تَعْظِيمًا لَهَا. قَوْله: {لكم فِيهَا} أَي: فِي الْبدن. قَوْله: {فاذكروا اسْم الله عَلَيْهَا} عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: ذكر اسْم الله عَلَيْهَا أَن يَقُول عِنْد النَّحْر: بِسم الله، الله أكبر، لَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر أللهم مِنْك وَإِلَيْك. قَوْله: (صوافّ) أَي: قائمات قد صففن أَيْدِيهنَّ وَأَرْجُلهنَّ. وَقيل: أَي قيَاما على ثَلَاثَة قَوَائِم قد صفت رِجْلَيْهَا وإحدي يَديهَا ويدها الْيُسْرَى معقولة، وقرىء: صَوَافِن، من: صفون الْفرس وَهُوَ: أَن تقوم على ثَلَاث وتنصب الرَّابِعَة على طرف سنبكه، لِأَن الْبَدنَة تعقل إِحْدَى يَديهَا فتقوم على ثَلَاث، وقرىء: صوافي، أَي خوالص لوجه الله تَعَالَى. وَعَن عَمْرو بن عبيد: صوافا، بِالتَّنْوِينِ عوضا عَن حرف الْإِطْلَاق عِنْد الْوَقْف. وَعَن بَعضهم: صواف، نَحْو مثل قَول الْعَرَب: أعْط الْقوس باريها، بِسُكُون الْيَاء. قَوْله: {فَإِذا وَجَبت} قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وجوب الْجنُوب وُقُوعهَا على الأَرْض، من: وَجب الْحَائِط وجبة إِذا سقط، وَوَجَبَت الشَّمْس وجبة غربت، وَالْمعْنَى: فَإِذا وَجَبت جنوبها وسكنت نسائسها حل لكم الْأكل مِنْهَا وَالْإِطْعَام، وَسَيَأْتِي تَفْسِير القانع والمعتر. قَوْله: {كَذَلِك سخرناها لكم} هَذَا منّ من الله تَعَالَى على عباده بِأَن سخر لَهُم الْبدن مثل التسخير الَّذِي رَأَوْا وَعَلمُوا أَن يأخذونها منقادة للأخذ، فيعقلونها طائعه ويحبسونها صافة قَوَائِمهَا، ثمَّ يطعنون فِي لباتها، وَلَوْلَا تسخير الله تَعَالَى لم تطق. قَوْله: {لن ينَال الله لحومها} وَذَلِكَ أَن أهل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا إِذا نحرُوا الْبدن لطخوا حيطان الْكَعْبَة بدمائها، فهم الْمُسلمُونَ مثل ذَلِك، فَأنْزل الله تَعَالَى: {لن ينَال الله لحومها} أَي: لن يصل إِلَى الله تَعَالَى لحومها الْمُتَصَدّق بهَا وَلَا الدِّمَاء المهراقة بالنحر، {وَلَكِن يَنَالهُ التَّقْوَى مِنْكُم} وَالْمعْنَى: لن يُرْضِي المضحون والمقربون ربَّهم إلَاّ بمراعاة النِّيَّة وَالْإِخْلَاص والاحتفاظ بِشُرُوط التَّقْوَى. قَوْله: {كَذَلِك سخرها لكم} أَي: سخر الْبدن، وَكرر تذكير النِّعْمَة بالتسخير، ثمَّ قَالَ: {لتكبروا الله على مَا هدَاكُمْ} يَعْنِي: على هدايته إيَّاكُمْ لإعلام دينه ومناسك حجه بِأَن تكبروا وتهللوا، وَضمن التَّكْبِير معنى الشُّكْر، وعدى تعديته. قَوْله: {وَبشر الْمُحْسِنِينَ} الْخطاب للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أمره بِأَن يبشر الْمُحْسِنِينَ الَّذين يعْبدُونَ الله تَعَالَى كَأَنَّهُمْ يرونه، فَإِن لم يروه فَإِنَّهُ يراهم بقبوله، وَقيل: بِالْجنَّةِ.
قَالَ مجاهِدٌ: سُمِّيَتِ الْبُدْنَ لِبُدْنِها
بِضَم الْبَاء وَسُكُون الدَّال فِي رِوَايَة بَعضهم، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: بِفَتْح الْبَاء وَفتح الدَّال، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: لبدانتها أَي: لضخامتها. وَأخرج عبد بن حميد من طَرِيق ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، قَالَ: إِنَّمَا سميت الْبدن من قبل السمانة. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْبَدنَة نَاقَة تنحر بِمَكَّة، سميت بذلك لأَنهم كَانُوا يسمنونها، وَالْبدن التسمين والاكتناز، وبدن إِذا ضخم وبدن بِالتَّشْدِيدِ إِذا أسن، وَقد ذكرنَا عَن قريب أَن الْبدن من الْإِبِل خَاصَّة، وَقَالَ الدَّاودِيّ قيل: إِن الْبَدنَة تكون من الْبَقر، وَهَذَا نقل عَن الْخَلِيل.
والْقانِعُ السَّائلُ، والْمُعْتَرُّ يعْتَرُّ بالبُدْنِ مِنْ غَنِيٍّ أَو فَقِيرٍ
هَذَا من كَلَام البُخَارِيّ، وَكَذَا قَالَ ابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن الْمسيب وَالْحسن الْبَصْرِيّ، القانع: السَّائِل والمعترض الَّذِي يتَعَرَّض وَلَا يسْأَل. وَقَالَ مَالك: أحسن مَا سَمِعت فِيهِ أَن القانع الْفَقِير والمعتر الدائر، وَقيل: القانع السَّائِل الَّذِي لَا يقنع بِالْقَلِيلِ. وَفِي (الموعب)
قَالَ أَبُو زيد: القانع هُوَ المتعرض لما فِي أَيدي النَّاس، وَهُوَ ذمّ لَهُ، وَهُوَ الطمع، وَقَالَ صَاحب (الْعين) : القنوع الذلة للمسألة. وَقَالَ إِبْرَاهِيم: قنع إِلَيْهِ مَال وخضع وَهُوَ السَّائِل والمعتر الَّذِي يتَعَرَّض وَلَا يسْأَل، وَقَالَ الزّجاج القانع الَّذِي يقنع بِمَا يعطاه، وَقيل: الَّذِي يقنع باليسير. وَقَالَ قطرب: كَانَ الْحسن يَقُول: هُوَ السَّائِل الَّذِي يقنع بِمَا أوتيه وَيصير القانع من معنى القناعة والرضى. وَقَالَ الطوسي: قنع يقنع قنوعا إِذا سَأَلَ وتكفف، وقنع يقنع قناعة إِذا رَضِي. قلت: الأول من بَاب، فتح يفتح، وَالثَّانِي من بَاب: علم يعلم، قَالَ إِسْمَاعِيل: وَقَالُوا: رجل قنعان، بِضَم الْقَاف يرضى باليسير، وَقَالَ صَاحب (الْعين) : القانع خَادِم الْقَوْم وأجيرهم، وَقَرَأَ الْحسن والمعتري، وَمَعْنَاهُ: المعتر، يُقَال: أعتره واعتراه وعره وعراه إِذا تعرض لما عِنْده أَو طَالبه، وَأخرج ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، قَالَ: القانع هُوَ الطامع، وَقَالَ مرّة: هُوَ السَّائِل، وَمن طَرِيق الثَّوْريّ عَن فرات عَن سعيد بن جُبَير: المعتر الَّذِي يعتريك يزورك وَلَا يَسْأَلك، وَمن طَرِيق ابْن جريج عَن مُجَاهِد: المعتر الَّذِي يعتر بِالْبدنِ من غَنِي أَو فَقير، يَعْنِي: يطِيف بهَا متعرضا لَهَا، وَهَذَا الَّذِي ذكره البُخَارِيّ مُعَلّقا.
وشعَائِرُ الله اسْتِعْظَامُ البُدْنِ واسْتِحْسَانُهَا
أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير مَا ذكر فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة من شَعَائِر الله، وَأخرجه عبد بن حميد من طَرِيق وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: {وَمن يعظم شَعَائِر الله} (الْحَج، ٢٣) . قَالَ: استعظام الْبدن استحسانها وإسمانها، وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة من وَجه آخر عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، نَحوه.
والْعَتِيقُ عِتْقُهُ مِنَ الجَبَابِرَةِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا ذكر قبل الْآيَتَيْنِ المذكورتين من قَوْله تَعَالَى: {وليطوفوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق} (الْحَج: ٩٢) . وَفسّر: الْعَتِيق، بقوله: عتقه من الْجَبَابِرَة، وَعَن قَتَادَة: أعتق من الْجَبَابِرَة فكم جَبَّار سَار إِلَيْهِ ليهدمه فَمَنعه الله، وَعَن مُجَاهِد: أعتق من الْغَرق، وَأخرج عبد بن حميد من طَرِيق سُفْيَان عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، قَالَ: إِنَّمَا سمي الْعَتِيق لِأَنَّهُ أعتق من الْجَبَابِرَة. وَقيل: سمي الْعَتِيق لقدمه. وَقيل: لِأَنَّهُ لم يملك قطّ.
ويُقَالُ وجَبَتْ سَقَطَتْ إلَى الأرْضِ ومِنْهُ وجَبَتِ الشَّمْسُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا ذكر فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة من قَوْله: {فَإِذا وَجَبت جنوبها} (الْحَج: ٦٣) . وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق مقسم عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: فَإِذا وَجَبت أَي: سَقَطت، وَكَذَا أخرجه الطَّبَرِيّ من طَرِيقين عَن مُجَاهِد. قَوْله: (وَمِنْه) ، أَي: وَمن الْمَعْنى الْمَذْكُور، وَقَوْلهمْ: وَجَبت الشَّمْس إِذا سَقَطت للغروب.
٩٨٦١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عَنْ أبِي الزِّنَادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَأى رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ ارْكَبْهَا فَقَالَ إنَّهَا بَدَنَةٌ فَقَالَ ارْكَبُهَا قَالَ إنَّهَا بَدَنةٌ قَالَ ارْكَبْهَا ويْلَكَ فِي الثَّالِثَةِ أوْ فِي الثَّانِيَةِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم، وَأَبُو الزِّنَاد بِكَسْر الزَّاي وَالنُّون واسْمه، عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز، وَلم تخْتَلف الروَاة عَن مَالك عَن أبي الزِّنَاد فِيهِ، وَرَوَاهُ ابْن عُيَيْنَة عَن أبي الزِّنَاد فَقَالَ: عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة أَو: عَن أبي الزِّنَاد عَن مُوسَى بن أبي عُثْمَان عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة أخرجه سعيد بن مَنْصُور عَنهُ، وَقد رَوَاهُ الثَّوْريّ عَن أبي الزِّنَاد بالإسنادين مفرقا.
وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْوَصَايَا عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس، وَفِي الْأَدَب: عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة، خمستهم عَن مَالك بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (رأى رجلا) لم يدر اسْمه. قَوْله: (يَسُوق بَدَنَة) كَذَا وَقع فِي أَكثر الرِّوَايَات، وَفِي رِوَايَة لمُسلم عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج بِهَذَا الْإِسْنَاد. قَالَ: (بَيْنَمَا رجل يَسُوق بدقة مقلدة) ، وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن همام بن مُنَبّه قَالَ: (هَذَا مَا حَدثنَا
أَبُو هُرَيْرَة عَن مُحَمَّد رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم،) . فَذكر أَحَادِيث مِنْهَا، وَقَالَ: (بَيْنَمَا رجل يَسُوق بَدَنَة مقلدة قَالَ لَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَيلك إركبها، فَقَالَ: بَدَنَة يَا رَسُول الله، قَالَ: وَيلك إركبها، وَيلك إركبها) . وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق وَالثَّوْري، كِلَاهُمَا عَن أبي الزِّنَاد، وَمن طَرِيق عجلَان (عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: اركبها وَيحك، قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَة. قَالَ: أركبها وَيحك) . وَزَاد أَبُو يعلى من رِوَايَة الْحسن: (فركبها) وللبخاري من طَرِيق عِكْرِمَة عَن أبي هُرَيْرَة: (فَلَقَد رَأَيْته رَاكِبًا يُسَايِر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والنعل فِي عُنُقهَا) . قَوْله: (وَيلك) قَالَ الْقُرْطُبِيّ: قَالَهَا لَهُ تأديبا لأجل مُرَاجعَته لَهُ مَعَ عدم خَفَاء الْحَال عَلَيْهِ، وَلِهَذَا قَالَ ابْن عبد الْبر وَابْن الْعَرَبِيّ: وَبَالغ حَتَّى قَالَ: الويل لمن رَاجع فِي ذَلِك بعد هَذَا. قَالَ: وَلَوْلَا أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اشْترط على ربه مَا اشْترط لهلك ذَلِك الرجل لَا محَالة، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَيحْتَمل أَن يكون فهم عَنهُ أَنه يتْرك ركُوبهَا على عَادَة الْجَاهِلِيَّة فِي السائبة وَغَيرهَا، فزجره عَن ذَلِك، فعلى الْحَالَتَيْنِ هِيَ إنْشَاء. وَرجحه عِيَاض وَغَيره، وَقَالُوا: وَالْأَمر هَهُنَا وَإِن قُلْنَا إِنَّه للإرشاد. لكنه اسْتحق الذَّم بتوقفه عَن امْتِثَال الْأَمر، وَالَّذِي يظْهر أَنه مَا ترك عنادا، وَيحْتَمل أَن يكون ظن أَنه يلْزمه غرم بركوبها أَو إِثْم، وَأَن الْإِذْن الصَّادِر لَهُ بركوبها إِنَّمَا هُوَ للشفقة عَلَيْهِ، فتوقف، فَلَمَّا أغْلظ لَهُ بَادر إِلَى الِامْتِثَال. وَقيل: لِأَنَّهُ كَانَ أشرف على هلكة من الْجهد، وويل: كلمة تقال لمن وَقع فِي هلكة، فَالْمَعْنى: أشرفت على الهلكة فاركب، فعلى هَذَا هِيَ إِخْبَار، وَقيل: هِيَ كلمة تدعم بهَا الْعَرَب كَلَامهَا وَلَا تقصد مَعْنَاهَا كَقَوْلِهِم: لَا أم لَك، ويقويه مَا تقدم فِي رِوَايَة أَحْمد: وَيحك بدل وَيلك. وَقَالَ الْهَرَوِيّ: ويل كلمة تقال لمن وَقع فِي هلكة يَسْتَحِقهَا، وويح لمن وَقع فِي هلكة لَا يَسْتَحِقهَا. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَيلك مخرجة مخرج الدُّعَاء عَلَيْهِ من غير قصد إِذْ أَبى من ركُوبهَا أول مرّة. وَقَالَ لَهُ: إِنَّهَا بَدَنَة، وَكَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يعلم ذَلِك فخاف أَن لَا يكون علمه، فَكَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: الويل لَك فِي مراجعتك إيَّايَ فِيمَا لَا نَعْرِف وَأعرف، وَكَانَ الْأَصْمَعِي يَقُول: ويل، كلمة عَذَاب، و: وَيْح، كلمة رَحْمَة. وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَيْح زجر لمن أشرف على هلكة. وَفِي الحَدِيث (ويلٌ وَاد فِي جَهَنَّم) . قَوْله: (فِي الثَّالِثَة) أَي: فِي الْمرة الثَّالِثَة. قَوْله: (أَو فِي الثَّانِيَة) أَي: أَو قَالَ ذَلِك فِي الْمرة الثَّانِيَة، وَهَذَا شكّ من الرَّاوِي.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: جَوَاز ركُوب الْبَدنَة المهداة سَوَاء كَانَت وَاجِبَة أَو مُتَطَوعا بهَا، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يفصل فِي قَوْله وَلَا استفصل صَاحبهَا عَن ذَلِك، فَدلَّ على أَن الحكم لَا يخْتَلف بذلك، ويوضح هَذَا مَا رَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه سُئِلَ: هَل يركب الرجل هَدْيه؟ فَقَالَ: لَا بَأْس، قد كَانَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يمر بِالرِّجَالِ يَمْشُونَ فيأمرهم بركوب هديهم.
وَقد اخْتلفُوا فِي هَذَا على أَقْوَال:
الأول: الْجَوَاز مُطلقًا، وَبِه قَالَ عُرْوَة بن الزبير وَنسبه ابْن الْمُنْذر إِلَى أَحْمد وَإِسْحَاق، وَبِه قَالَت الظَّاهِرِيَّة، وَهُوَ الَّذِي جزم بِهِ النَّوَوِيّ فِي (الرَّوْضَة) تبعا لأصله فِي الضَّحَايَا وَنَقله فِي (شرح الْمُهَذّب) عَن الْقفال والماوري.
الثَّانِي: مَا قَالَه النَّوَوِيّ، وَنقل عَنهُ عَن أبي حَامِد والبندنيجي وَغَيرهمَا مُقَيّدَة بِالْحَاجةِ، وَقَالَ الرَّوْيَانِيّ: تجويزه بِغَيْر الْحَاجة مُخَالفَة النَّص، وَهُوَ الَّذِي نَقله التِّرْمِذِيّ عَن الشَّافِعِي، حَيْثُ قَالَ: وَقد رخص قوم من أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَغَيرهم ركُوب الْبَدنَة إِذا احْتَاجَ إِلَى ظهرهَا، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق، وَهَذَا هُوَ الْمَنْقُول عَن جمَاعَة من التَّابِعين: أَنَّهَا لَا تركب إلَاّ عِنْد الِاضْطِرَار إِلَى ذَلِك، وَهُوَ الْمَنْقُول عَن الشّعبِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَعَطَاء بن أبي رَبَاح، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأَصْحَابه، فَلذَلِك قَيده صَاحب (الْهِدَايَة) من أَصْحَابنَا بالاضطرار إِلَى ذَلِك.
الثَّالِث: مَا ذكره ابْن عبد الْبر من كَرَاهَة الرّكُوب من غير حَاجَة، وَنَقله عَن الشَّافِعِي وَمَالك.
الرَّابِع: مَا قَالَه ابْن الْعَرَبِيّ: يركب للضَّرُورَة فَإِذا استراح نزل، يدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه سُئِلَ عَن ركُوب الْهَدْي؟ فَقَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: إركبها بِالْمَعْرُوفِ إِذا لجئت إِلَيْهَا حَتَّى تَجِد ظهرا، فَإِن مَفْهُومه أَنه إِذا وجد غَيرهَا تَركهَا. وروى سعيد بن مَنْصُور من طَرِيق إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، قَالَ: يركبهَا إِذا أعيي قدر مَا يستريح على ظهرهَا.
الْخَامِس: الْمَنْع مُطلقًا، نَقله ابْن الْعَرَبِيّ عَن أبي حنيفَة، وشنع عَلَيْهِ بِغَيْر وَجه. قَالَ بَعضهم: لِأَن مذْهبه هُوَ الَّذِي ذكره الطَّحَاوِيّ وَغَيره: الْجَوَاز بِغَيْر الْحَاجة إلَاّ أَنه قَالَ: إِن وَقع ذَلِك يضمن مَا نقص مِنْهَا بركوبه، وَقيل: ضَمَان النَّقْص وَافق عَلَيْهِ الشَّافِعِيَّة فِي الْهَدْي الْوَاجِب كالنذر. قلت: الَّذِي نَقله الطَّحَاوِيّ وَغَيره: أَن مَذْهَب أبي حنيفَة مَا ذكره صَاحب (الْهِدَايَة) وَقد ذَكرْنَاهُ.
السَّادِس: وجوب الرّكُوب، نَقله