«اخْتَلَفَ عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ ﵄، وَهُمَا بِعُسْفَانَ، فِي الْمُتْعَةِ، فَقَالَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥٦٩

الحديث رقم ١٥٦٩ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب التمتع والإقران والإفراد.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٥٦٩ في صحيح البخاري

«اخْتَلَفَ عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ ، وَهُمَا بِعُسْفَانَ، فِي الْمُتْعَةِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: مَا تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَنْهَى عَنْ أَمْرٍ فَعَلَهُ النَّبِيُّ ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَلِيٌّ أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا».

بَابُ مَنْ لَبَّى بِالْحَجِّ وَسَمَّاهُ

إسناد حديث البخاري رقم ١٥٦٩

١٥٦٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَعْوَرُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٥٦٩: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

١٥٦٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَعْوَرُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: اخْتَلَفَ عَلِيٌّ، وَعُثْمَانُ وَهُمَا بِعُسْفَانَ فِي الْمُتْعَةِ؛ فَقَالَ عَلِيٌّ: مَا تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَنْهَى عَنْ أَمْرٍ فَعَلَهُ النَّبِيُّ . فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَلِيٌّ أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا.

قَوْلُهُ: (بَابُ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَالْإِفْرَادِ بِالْحَجِّ وَفَسْخِ الْحَجِّ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ) أَمَّا التَّمَتُّعُ فَالْمَعْرُوفُ أَنَّهُ الِاعْتِمَارُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ التَّحَلُّلُ مِنْ تِلْكَ الْعُمْرَةِ وَالْإِهْلَالُ بِالْحَجِّ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ وَيُطْلَقُ التَّمَتُّعُ فِي عُرْفِ السَّلَفِ عَلَى الْقِرَانِ أَيْضًا.

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ التَّمَتُّعَ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ أَنَّهُ الِاعْتِمَارُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ قَبْلَ الْحَجِّ. قَالَ: وَمِنَ التَّمَتُّعِ أَيْضًا الْقِرَانُ؛ لِأَنَّهُ تَمَتَّعَ بِسُقُوطِ سَفَرٍ لِلنُّسُكِ الْآخَرِ مِنْ بَلَدِهِ، وَمِنَ التَّمَتُّعِ فَسْخُ الْحَجِّ أَيْضًا إِلَى الْعُمْرَةِ، انْتَهَى. وَأَمَّا الْقِرَانُ فَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ الْإِقْرَانُ بِالْأَلِفِ، وَهُوَ خَطَأٌ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ كَمَا قَالَهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ، وَصُورَتُهُ الْإِهْلَالُ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَعًا - وَهَذَا لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ - أَوِ الْإِهْلَالُ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَيْهَا الْحَجُّ أَوْ عَكْسُهُ - وَهَذَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ. وَأَمَّا الْإِفْرَادُ فَالْإِهْلَالُ بِالْحَجِّ وَحْدَهُ فِي أَشْهُرِهِ عِنْدَ الْجَمِيعِ، وَفِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ أَيْضًا عِنْدَ مَنْ يُجِيزُهُ، وَالِاعْتِمَارُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ لِمَنْ شَاءَ. وَأَمَّا فَسْخُ الْحَجِّ فَالْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ ثُمَّ يَتَحَلَّلُ مِنْهُ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ فَيَصِيرُ مُتَمَتِّعًا، وَفِي جَوَازِهِ اخْتِلَافٌ آخَرُ، وَظَاهِرُ تَصَرُّفِ الْمُصَنِّفِ إِجَازَتُهُ، فَإِنَّ تَقْدِيرَ التَّرْجَمَةِ بَابُ مَشْرُوعِيَّةِ التَّمَتُّعِ. . . إِلَخْ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ بَابُ حُكْمِ التَّمَتُّعِ. . . إِلَخْ، فَلَا يَكُونُ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ يُجِيزُهُ.

ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ سَبْعَةَ أَحَادِيثَ؛ الْأَوَّلُ: حَدِيثُ عَائِشَةَ مِنْ وَجْهَيْنِ.

قَوْلُهُ: (خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ بَيَانُ الْوَقْتِ الَّذِي خَرَجُوا فِيهِ.

قَوْلُهُ: (وَلَا نَرَى إِلَّا أَنَّهُ الْحَجُّ)، وَلِأَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْهَا كَمَا سَيَأْتِي: مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ عَنْهَا: لَا نَذْكُرُ إِلَّا الْحَجَّ، وَلَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: لَبَّيْنَا بِالْحَجِّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ عَائِشَةَ مَعَ غَيْرِهَا مِنَ الصَّحَابَةِ كَانُوا أَوَّلًا مُحْرِمِينَ بِالْحَجِّ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ عَنْهَا هُنَا: فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ؛ فَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى أَنَّهَا ذَكَرَتْ مَا كَانُوا يَعْهَدُونَهُ مِنْ تَرْكِ الِاعْتِمَارِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَخَرَجُوا لَا يَعْرِفُونَ إِلَّا الْحَجَّ، ثُمَّ بَيَّنَ لَهُمُ النَّبِيُّ وُجُوهَ الْإِحْرَامِ، وَجَوَّزَ لَهُمُ الِاعْتِمَارَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الِاعْتِمَارِ بَعْدَ الْحَجِّ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا: فَقَالَ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ فَلْيُهِلَّ. وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ: فَقَالَ: مَنْ شَاءَ فَلْيُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُهِلَّ بِحَجٍّ. وَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانُوا يَرَوْنَ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ. فَأَشَارَ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَ مَا اخْتُلِفَ عَنْ عَائِشَةَ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا عَائِشَةُ نَفْسُهَا فَسَيَأْتِي فِي أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ وَفِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنَ الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا فِي أَثْنَاءِ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَتْ: وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ.

وَسَبَقَ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ نَحْوُهُ عَنْ عُرْوَةَ، زَادَ أَحْمَدُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ: وَلَمْ أَسُقْ هَدْيًا، فَادَّعَى إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ أَنَّ هَذَا غَلَطٌ مِنْ عُرْوَةَ، وَأَنَّ الصَّوَابَ رِوَايَةُ الْأَسْوَدِ، وَالْقَاسِمِ، وَعُرْوَةَ عَنْهَا أَنَّهَا أَهَلَّتْ بِالْحَجِّ مُفْرَدًا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ قَوْلَ عُرْوَةَ عَنْهَا: إِنَّهَا أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ، صَرِيحٌ. وَأَمَّا قَوْلُ الْأَسْوَدِ وَغَيْرِهِ عَنْهَا: لَا نَرَى إِلَّا الْحَجَّ فَلَيْسَ صَرِيحًا فِي إِهْلَالِهَا بِحَجٍّ مُفْرَدٍ، فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ غَيْرِ تَغْلِيطِ عُرْوَةَ وَهُوَ أَعْلَمُ النَّاسِ بِحَدِيثِهَا، وَقَدْ وَافَقَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّحَابِيُّ

كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْهُ، وَكَذَا رَوَاهُ طَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ عَنْ عَائِشَةَ، وَيَحْتَمِلُ فِي الْجَمْعِ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ: أَهَلَّتْ عَائِشَةُ بِالْحَجِّ مُفْرَدًا كَمَا فَعَلَ غَيْرُهَا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَعَلَى هَذَا يُنَزَّلُ حَدِيثُ الْأَسْوَدِ وَمَنْ تَبِعَهُ: ثُمَّ أَمَرَ النَّبِيُّ أَصْحَابَهُ أَنْ يَفْسَخُوا الْحَجَّ إِلَى الْعُمْرَةِ، فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ مَا صَنَعُوا، فَصَارَتْ مُتَمَتِّعَةً. وَعَلَى هَذَا يَتَنَزَّلُ حَدِيثُ عُرْوَةَ: ثُمَّ لَمَّا دَخَلَتْ مَكَّةَ وَهِيَ حَائِضٌ فَلَمْ تَقْدِرْ عَلَى الطَّوَافِ لِأَجْلِ الْحَيْضِ أَمَرَهَا أَنْ تُحْرِمَ بِالْحَجِّ. عَلَى مَا سَيَأْتِي مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا قَدِمْنَا تَطَوَّفْنَا بِالْبَيْتِ)؛ أَيْ غَيْرُهَا، لِقَوْلِهَا بَعْدَهُ: فَلَمْ أَطُفْ؛ فَإِنَّهُ تَبَيَّنَ بِهِ أَنَّ قَوْلَهَا: تَطَوَّفْنَا مِنَ الْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ.

قَوْلُهُ: (فَأَمَرَ النَّبِيُّ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ أَنْ يُحِلَّ)؛ أَيْ مِنَ الْحَجِّ بِعَمَلِ الْعُمْرَةِ، وَهَذَا هُوَ فَسْخُ الْحَجِّ الْمُتَرْجَمِ بِهِ.

قَوْلُهُ: (وَنِسَاؤُهُ لَمْ يَسُقْنَ)؛ أَيِ الْهَدْيَ.

قَوْلُهُ: (فَأَحْلَلْنَ)؛ أَيْ وَهِيَ مِنْهُنَّ، لَكِنْ مَنَعَهَا مِنَ التَّحَلُّلِ كَوْنُهَا حَاضَتْ لَيْلَةَ دُخُولِهِمْ مَكَّةَ، وَقَدْ مَضَى فِي الْبَابِ قَبْلَهُ بَيَانُ ذَلِكَ وَأَنَّهَا بَكَتْ، وَأَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لَهَا: كُونِي فِي حَجِّكِ. فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَمَرَهَا أَنْ تَجْعَلَ عُمْرَتَهَا حَجًّا، وَلِهَذَا قَالَتْ: يَرْجِعُ النَّاسُ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَأَرْجِعُ بِحَجٍّ. فَأَعْمَرَهَا لِأَجْلِ ذَلِكَ مِنَ التَّنْعِيمِ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى حَدِيثِ عُرْوَةَ قَدِيمًا وَلَا حَدِيثًا. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: يُرِيدُ لَيْسَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ فِي رَفْضِ الْعُمْرَةِ وَجَعْلِهَا حَجًّا بِخِلَافِ جَعْلِ الْحَجِّ عُمْرَةً فَإِنَّهُ وَقَعَ لِلصَّحَابَةِ. وَاخْتُلِفَ فِي جَوَازِهِ مِنْ بَعْدِهِمْ، لَكِنْ أَجَابَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَنْ ذَلِكَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ارْفُضِي عُمْرَتَكِ أَيِ اتْرُكِي التَّحَلُّلَ مِنْهَا، وَأَدْخِلِي عَلَيْهَا الْحَجَّ فَتَصِيرُ قَارِنَةً، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: وَأَمْسِكِي عَنِ الْعُمْرَةِ؛ أَيْ عَنْ أَعْمَالِهَا. وَإِنَّمَا قَالَتْ عَائِشَةُ: وَأَرْجِعُ بِحَجٍّ لِاعْتِقَادِهَا أَنَّ إِفْرَادَ الْعُمْرَةِ بِالْعَمَلِ أَفْضَلُ كَمَا وَقَعَ لِغَيْرِهَا مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَاسْتُبْعِدَ هَذَا التَّأْوِيلُ لِقَوْلِهَا فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ عَنْهَا: وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ لَيْسَ مَعَهَا عُمْرَةٌ.

أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَهَذَا يُقَوِّي قَوْلَ الْكُوفِيِّينَ: إِنَّ عَائِشَةَ تَرَكَتِ الْعُمْرَةَ وَحَجَّتْ مُفْرِدَةً، وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهَا فِي الرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ: دَعِي عُمْرَتَكِ، وفِي رِوَايَةٍ: ارْفُضِي عُمْرَتَكِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَاسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ إِذَا أَهَلَّتْ بِالْعُمْرَةِ مُتَمَتِّعَةً فَحَاضَتْ قَبْلَ أَنْ تَطُوفَ أَنْ تَتْرُكَ الْعُمْرَةَ وَتُهِلَّ بِالْحَجِّ مُفْرَدًا كَمَا فَعَلَتْ عَائِشَةُ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ عَنْهَا ضَعْفٌ، وَالرَّافِعُ لِلْإِشْكَالِ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ عَائِشَةَ أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ، حَتَّى إِذَا كَانَتْ بِسَرِفَ حَاضَتْ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ : أَهِلِّي بِالْحَجِّ، حَتَّى إِذَا طَهُرَتْ طَافَتْ بِالْكَعْبَةِ وَسَعَتْ. فَقَالَ: قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ. قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي أَنِّي لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى حَجَجْتُ، قَالَ: فَأَعْمَرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ عَنْهَا: فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ : طَوَافُكِ يَسَعُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ؛ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهَا كَانَتْ قَارِنَةً لِقَوْلِهِ: قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ، وَإِنَّمَا أَعْمَرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ تَطْيِيبًا لِقَلْبِهَا، لِكَوْنِهَا لَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ لَمَّا دَخَلَتْ مُعْتَمِرَةً. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: وَكَانَ النَّبِيُّ رَجُلًا سَهْلًا إِذَا هَوِيَتِ الشَّيْءَ تَابَعَهَا عَلَيْهِ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى قِصَّةِ صَفِيَّةَ فِي أَوَاخِرِ الْحَجِّ وَعَلَى مَا فِي قِصَّةِ اعْتِمَارِ عَائِشَةَ مِنَ الْفَوَائِدِ فِي أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: وَأَرْجِعُ لِي بِحَجَّةٍ.

قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ: (فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ أَوْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ) كَذَا فِيهِ هُنَا، وَسَيَأْتِي فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِلَفْظِ: فَلَمْ يَحِلُّوا بِزِيَادَةِ فَاءٍ، وَهُوَ الْوَجْهُ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي:

قَوْلُهُ: (عَنِ الْحَكَمِ) هُوَ ابْنُ عُتَيْبَةَ - بِالْمُثَنَّاةِ وَالْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّرًا - الْفَقِيهُ الْكُوفِيُّ، وعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ هُوَ زَيْنُ الْعَابِدِينَ.

قَوْلُهُ: (شَهِدْتُ عُثْمَانَ، وَعَلِيًّا) سَيَأْتِي فِي آخِرِ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِعُسْفَانَ.

قَوْلُهُ: (وَعُثْمَانُ يَنْهَى عَنِ الْمُتْعَةِ وَأَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا)؛ أَيْ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ (فَلَمَّا رَأَى عَلِيٌّ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: فَقَالَ عَلِيٌّ: مَا تُرِيدُ إِلَى أَنْ

تَنْهَى عَنْ أَمْرٍ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ . وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: إِلَّا أَنْ تَنْهَى بِحَرْفِ الِاسْتِثْنَاءِ، زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: فَقَالَ عُثْمَانُ: دَعْنَا عَنْكَ. قَالَ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَدَعَكَ. وَقَوْلُهُ (وَأَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا) يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ عَاطِفَةً، فَيَكُونَ نَهَى عَنِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ مَعًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَطْفًا تَفْسِيرِيًّا، وَهُوَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يُطْلِقُونَ عَلَى الْقِرَانِ تَمَتُّعًا، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْقَارِنَ يَتَمَتَّعُ بِتَرْكِ النَّصَبِ بِالسَّفَرِ مَرَّتَيْنِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا قِرَانًا أَوِ إِيقَاعًا لَهُمَا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ بِتَقْدِيمِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ، وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ بِلَفْظِ: نَهَى عُثْمَانُ عَنِ التَّمَتُّعِ. وَزَادَ فِيهِ: فَلَبَّى عَلِيٌّ وَأَصْحَابُهُ بِالْعُمْرَةِ فَلَمْ يَنْهَهُمْ عُثْمَانُ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: أَلَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ تَمَتَّعَ؟ قَالَ: بَلَى. وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يُلَبِّي بِهِمَا جَمِيعًا. زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ عُثْمَانَ قَالَ: أَجَلْ، وَلَكِنَّا كُنَّا خَائِفِينَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: لَعَلَّهُ أَشَارَ إِلَى عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ سَنَةَ سَبْعٍ، لَكِنْ لَمْ يَكُنْ فِي تِلْكَ السَّنَةِ حَقِيقَةُ تَمَتُّعٍ، إِنَّمَا كَانَ عُمْرَةً وَحْدَهَا.

قُلْتُ: هِيَ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ؛ فَقَدْ رَوَى الْحَدِيثَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ - وَهُمَا أَعْلَمُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ - فَلَمْ يَقُولَا ذَلِكَ، وَالتَّمَتُّعُ إِنَّمَا كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ: كُنَّا آمَنَ مَا يَكُونُ النَّاسِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَوْلُهُ: خَائِفِينَ؛ أَيْ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَجْرُ مَنْ أَفْرَدَ أَعْظَمَ مِنْ أَجْرِ مَنْ تَمَتَّعَ، كَذَا قَالَ، وَهُوَ جَمْعٌ حَسَنٌ، وَلَكِنْ لَا يَخْفَى بُعْدُهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُثْمَانُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي اخْتِيَارِهِ فَسْخُ (١) إِلَى الْعُمْرَةِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ دَفَعَ اعْتِقَادَ قُرَيْشٍ مَنْعَ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ ذَلِكَ بِالْحُدَيْبِيَةِ، لِأَنَّ إِحْرَامَهُمْ بِالْعُمْرَةِ كَانَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَهُوَ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَهُنَاكَ يَصِحُّ إِطْلَاقُ كَوْنِهِمْ خَائِفِينَ، أَيْ مِنْ وُقُوعِ الْقِتَالِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ صَدُّوهُمْ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ فَتَحَلَّلُوا مِنْ عُمْرَتِهِمْ، وَكَانَتْ أَوَّلَ عُمْرَةٍ وَقَعَتْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ جَاءَتْ عُمْرَةُ الْقَضِيَّةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ أَيْضًا، ثُمَّ أَرَادَ تَأكدَ ذَلِكَ بِالْمُبَالَغَةِ فِيهِ حَتَّى أَمَرَهُمْ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ.

قَوْلُهُ: (مَا كُنْتُ لِأَدَعَ. . . إِلَخْ) زَادَ النَّسَائِيُّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ: فَقَالَ عُثْمَانُ: تَرَانِي أَنْهَى النَّاسَ وَأَنْتَ تَفْعَلُهُ؟ فَقَالَ: مَا كُنْتُ أَدَعُ. وَفِي قِصَّةِ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ مِنَ الْفَوَائِدِ إِشَاعَةُ الْعَالِمِ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْعِلْمِ وَإِظْهَارُهُ، وَمُنَاظَرَةُ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَغَيْرِهِمْ فِي تَحْقِيقِهِ لِمَنْ قَوِيَ عَلَى ذَلِكَ لِقَصْدِ مُنَاصَحَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْبَيَانُ بِالْفِعْلِ مَعَ الْقَوْلِ، وَجَوَازُ الِاسْتِنْبَاطِ مِنَ النَّصِّ، لِأَنَّ عُثْمَانَ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ أَنَّ التَّمَتُّعَ وَالْقِرَانَ جَائِزَانِ، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهُمَا لِيُعْمَلَ بِالْأَفْضَلِ كَمَا وَقَعَ لِعُمَرَ، لَكِنْ خَشِيَ عَلِيٌّ أَنْ يَحْمِلَ غَيْرُهُ النَّهْيَ عَلَى التَّحْرِيمِ، فَأَشَاعَ جَوَازَ ذَلِكَ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُجْتَهِدٌ مَأْجُورٌ.

(تَنْبِيهٌ): ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ حَدِيثَ عُثْمَانَ فِي التَّمَتُّعِ دَلِيلًا لِمَسْأَلَةِ اتِّفَاقِ أَهْلِ الْعَصْرِ الثَّانِي بَعْدَ اخْتِلَافِ أَهْلِ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ فَقَالَ: وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ عُثْمَانَ كَانَ نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: ثُمَّ صَارَ إِجْمَاعًا. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ نَهْيَ عُثْمَانَ عَنِ الْمُتْعَةِ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الِاعْتِمَارَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ قَبْلَ الْحَجِّ فَلَمْ يَسْتَقِرَّ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْحَنَفِيَّةَ يُخَالِفُونَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ فَسْخَ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ فَكَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَنَابِلَةَ يُخَالِفُونَ فِيهِ، ثُمَّ وَرَاءَ ذَلِكَ أَنَّ رِوَايَةَ النَّسَائِيِّ السَّابِقَةَ مُشْعِرَةٌ بِأَنَّ عُثْمَانَ رَجَعَ عَنِ النَّهْيِ فَلَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهِ، وَلَفْظُ الْبَغَوِيِّ بَعْدَ أَنْ سَاقَ حَدِيثَ عُثْمَانَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: هَذَا خِلَافُ عَلِيٍّ، وَأَكْثَرُ الصَّحَابَةِ عَلَى الْجَوَازِ، وَاتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ بَعْدُ، فَحَمَلَهُ عَلَى أَنَّ عُثْمَانَ نَهَى عَنِ التَّمَتُّعِ الْمَعْهُودِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ عُثْمَانَ مَا كَانَ يُبْطِلُهُ، وإِنَّمَا كَانَ يَرَى أَنَّ الْإِفْرَادَ أَفْضَلُ مِنْهُ، وَإِذَا كَانَ كذَلِكَ فَلَمْ تَتَّفِقِ الْأَئِمَّةُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ الْخِلَافَ فِي أَيِّ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ أَفْضَلُ بَاقٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِيهِ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يُلْزِمُ مُجْتَهِدًا

آخَرَ بِتَقْلِيدِهِ لِعَدَمِ إِنْكَارِ عُثْمَانَ عَلَى عَلِيٍّ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِ عُثْمَانَ الْإِمَامَ إِذْ ذَاكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ:

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْعُمْرَةَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ؛ أَيْ يَعْتَقِدُونَ، وَالْمُرَادُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ. وَلِابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَعْمَرَ رَسُولُ اللَّهِ عَائِشَةَ فِي ذِي الْحِجَّةِ إِلَّا لِيَقْطَعَ بِذَلِكَ أَمْرَ أَهْلِ الشِّرْكِ، فَإِنَّ هَذَا الْحَيَّ مِنْ قُرَيْشٍ وَمَنْ دَانَ دِينَهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ. . . فَذَكَرَ نَحْوَهُ، فَعُرِفَ بِهَذَا تَعْيِينُ الْقَائِلِينَ.

قَوْلُهُ: (مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ) هَذَا مِنْ تَحَكُّمَاتِهِمُ الْبَاطِلَةِ الْمَأْخُوذَةِ عَنْ غَيْرِ أَصْلٍ.

قَوْلُهُ: (وَيَجْعَلُونَ الْمُحَرَّمَ صَفَرَ) كَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ مِنَ الصَّحِيحَيْنِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُكْتَبَ بِالْأَلِفِ، وَلَكِنْ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِهَا لَا بُدَّ مِنْ قِرَاءَتِهِ مَنْصُوبًا، لِأَنَّهُ مَصْرُوفٌ بِلَا خِلَافٍ، يَعْنِي وَالْمَشْهُورُ عَنِ اللُّغَةِ الرَّبِيعِيَّةِ كِتَابَةُ الْمَنْصُوبِ بِغَيْرِ أَلِفٍ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كِتَابَتِهِ بِغَيْرِ أَلِفٍ أَنْ لَا يُصْرَفَ، فَيُقْرَأَ بِالْأَلِفِ. وَسَبَقَهُ عِيَاضٌ إِلَى نَفْيِ الْخِلَافِ فِيهِ، لَكِنْ فِي الْمُحْكَمِ كَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ لَا يَصْرِفُهُ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ الصَّرْفُ حَتَّى يَجْتَمِعَ عِلَّتَانِ، فَمَا هُمَا؟ قَالَ: الْمَعْرِفَةُ وَالسَّاعَةُ. وَفَسَّرَهُ الْمُطَرِّزِيُّ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِالسَّاعَةِ أَنَّ الْأَزْمِنَةَ سَاعَاتٌ، وَالسَّاعَةُ مُؤَنَّثَةٌ، انْتَهَى. وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا حُجَّةٌ قَوِيَّةٌ لِأَبِي عُبَيْدَةَ، وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ أَنَّ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ صَفَرًا بِالْأَلِفِ. وَأَمَّا جَعْلُهُمْ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْمُرَادُ الْإِخْبَارُ عَنْ النَّسِيءِ الَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَكَانُوا يُسَمُّونَ الْمُحَرَّمَ صَفَرًا وَيُحِلُّونَهُ، وَيُؤَخِّرُونَ تَحْرِيمَ الْمُحَرَّمِ إِلَى نَفْسِ صَفَرَ لِئَلَّا تَتَوَالَى عَلَيْهِمْ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ مُحَرَّمَةٍ، فَيَضِيقُ عَلَيْهِمْ فِيهَا مَا اعْتَادُوهُ مِنَ الْمُقَاتَلَةِ وَالْغَارَةِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَضَلَّلَهُمُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الْآيَةَ.

قَوْلُهُ: (وَيَقُولُونَ: إِذَا بَرَأَ الدَّبَرْ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ؛ أَيْ مَا كَانَ يَحْصُلُ بِظُهُورِ الْإِبِلِ مِنَ الْحَمْلِ عَلَيْهَا وَمَشَقَّةِ السَّفَرِ، فَإِنَّهُ كَانَ يبْرَأ بَعْدَ انْصِرَافِهِمْ مِنَ الْحَجِّ، وقَوْلُهُ: (وَعَفَا الْأَثَرْ)؛ أَيِ انْدَرَسَ أَثَرُ الْإِبِلِ وَغَيْرِهَا فِي سَيْرِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَثَرَ الدَّبَرِ الْمَذْكُورِ. وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ: وعَفَا الْوَبَرْ؛ أَيْ كَثُرَ وَبَرُ الْإِبِلِ الَّذِي حُلِقَ بِالرِّحَالِ، وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ تُقْرَأْ سَاكِنَةَ الرَّاءِ لِإِرَادَةِ السَّجْعِ، وَوَجْهُ تَعَلُّقِ جَوَازِ الِاعْتِمَارِ بِانْسِلَاخِ صَفَرَ - مَعَ كَوْنِهِ لَيْسَ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَكَذَلِكَ الْمُحَرَّمُ - أَنَّهُمْ لَمَّا جَعَلُوا الْمُحَرَّمَ صَفَرًا وَلَا يَسْتَقِرُّونَ بِبِلَادِهِمْ فِي الْغَالِبِ وَيَبْرَأ دَبَرُ إِبِلِهِمْ إِلَّا عِنْدَ انْسِلَاخِهِ أَلْحَقُوهُ بِأَشْهُرِ الْحَجِّ عَلَى طَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ، وَجَعَلُوا أَوَّلَ أَشْهُرِ الِاعْتِمَارِ شَهْرَ الْمُحَرَّمِ الَّذِي هُوَ فِي الْأَصْلِ صَفَرُ، والْعُمْرَةُ عِنْدَهُمْ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَأَمَّا تَسْمِيَةُ الشَّهْرِ صَفَرًا فَقَالَ رُؤْبَةُ: أَصْلُهَا أَنَّهُمْ كَانُوا يُغِيرُونَ فِيهِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَيَتْرُكُونَ مَنَازِلَهُمْ صَفَرًا؛ أَيْ خَالِيَةً مِنَ الْمَتَاعِ، وَقِيلَ: لِإِصْفَارِ أَمَاكِنِهِمْ مِنْ أَهْلِهَا.

قَوْلُهُ: (قَدِمَ النَّبِيُّ كَذَا فِي الْأُصُولِ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ وُهَيْبٍ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ وُهَيْبٍ بِلَفْظِ: فَقَدِمَ بِزِيَادَةِ فَاءٍ، وَهُوَ الْوَجْهُ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ بَهْزِ بْنِ أَسَدٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَجَّاجِ؛ كِلَاهُمَا عَنْ وُهَيْبٍ.

قَوْلُهُ: (صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ)؛ أَيْ يَوْمُ الْأَحَدِ.

قَوْلُهُ: (مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ) فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَجَّاجِ: وَهُمْ يُلَبُّونَ بِالْحَجِّ وَهِيَ مُفَسِّرَةٌ لِقَوْلِهِ: مُهِلِّينَ، وَاحْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ: كَانَ حَجُّ النَّبِيِّ مُفْرَدًا. وَأَجَابَ مَنْ قَالَ: كَانَ قَارِنًا، بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ إِهْلَالِهِ بِالْحَجِّ أَنْ لَا يَكُونَ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ.

قَوْلُهُ: (أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ)؛ أَيْ لِمَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ أَوَّلًا، وَفِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَجَّاجِ: فَكَبُرَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ.

قَوْلُهُ: (أَيِ الْحِلُّ) كَأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَ أَنَّ لِلْحَجِّ تَحَلُّلَيْنِ فَأَرَادُوا بَيَانَ ذَلِكَ، فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ يَتَحَلَّلُونَ الْحِلَّ كُلَّهُ، لِأَنَّ الْعُمْرَةَ لَيْسَ لَهَا إِلَّا تَحَلُّلٌ وَاحِدٌ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ: أَيُّ الْحِلِّ نُحِلُّ؟ قَالَ: الْحِلُّ كُلُّهُ.

الْحَدِيثُ الرَّابِعُ:

حَدِيثُ أَبِي مُوسَى: قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ فَأَمَرَنِي بِالْحِلِّ.

هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَامًّا مَشْرُوحًا قَبْلُ بِبَابٍ. وَوَقَعَ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ: فَأَمَرَهُ بِالْحِلِّ عَلَى الِالْتِفَاتِ.

الْحَدِيثُ الْخَامِسُ:

حَدِيثُ حَفْصَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا بِعُمْرَةٍ. . . الْحَدِيثَ. لَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ قَوْلُهُ: بِعُمْرَةٍ. وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ أَصْحَابَ مَالِكٍ ذَكَرَهَا بَعْضُهُمْ وَحَذَفَهَا بَعْضُهُمْ، وَاسْتُشْكِلَ كَيْفَ حَلُّوا بِعُمْرَةٍ مَعَ قَوْلِهَا: وَلَمْ تُحِلَّ مِنْ عُمْرَتِكَ؟! وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بقَوْلُهَا بِعُمْرَةٍ؛ أَيْ أنَّ إِحْرَامَهُمْ بعُمْرَةٍ كَانَ سَبَبًا لِسُرْعَةِ حِلِّهِمْ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ لَا يَتَحَلَّلُ مِنْ عَمَلِ الْعُمْرَةِ حَتَّى يُحِلَّ بِالْحَجِّ وَيَفْرُغَ مِنْهُ، لِأَنَّهُ جَعَلَ الْعِلَّةَ فِي بَقَائِهِ عَلَى إِحْرَامِهِ كَوْنَهُ أَهْدَى، وَكَذَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ سَابِعَ أَحَادِيثِ الْبَابِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَنْحَرَ الْهَدْيَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدَ وَمَنْ وَافَقَهُمَا، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ أَوَّلِ حَدِيثِ الْبَابِ: فَأَمَرَ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ أَنْ يُحِلَّ. وَالْأَحَادِيثُ بِذَلِكَ مُتَضَافِرَةٌ، وَأَجَابَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ السَّبَبَ فِي عَدَمِ تَحَلُّلِهِ مِنَ الْعُمْرَةِ كَوْنُهُ أَدْخَلَهَا عَلَى الْحَجِّ، وَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ حَجَّهُ كَانَ مُفْرَدًا.

وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَيْسَ لِمَنْ قَالَ كَانَ مُفْرَدًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ انْفِصَالٌ؛ لِأَنَّهُ إِنْ قَالَ بِهِ اسْتُشْكِلَ عَلَيْهِ كَوْنُهُ عَلَّلَ عَدَمَ التَّحَلُّلِ بِسَوْقِ الْهَدْيِ، لِأَنَّ عَدَمَ التَّحَلُّلِ لَا يَمْتَنِعُ عَلَى مَنْ كَانَ قَارِنًا عِنْدَهُ، وَجَنَحَ الْأَصِيلِيُّ وَغَيْرُهُ إِلَى تَوْهِيمِ مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ: وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ، وَأَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ فِي حَدِيثِ حَفْصَةَ غَيْرُهُ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ - عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ انْفِرَادِهِ - بِأَنَّهَا زِيَادَةُ حَافِظٍ، فَيَجِبُ قَبُولُهَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَنْفَرِدْ، فَقَدْ تَابَعَهُ أَيُّوبُ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَهُمَا مَعَ ذَلِكَ حُفَّاظٌ أَصْحَابُ نَافِعٍ، انْتَهَى. وَرِوَايَةُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَالْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ؛ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ نَافِعٍ بِدُونِهَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ: فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَحِلَّ مِنَ الْحَجِّ، وَلَا تُنَافِي هَذِهِ رِوَايَةَ مَالِكٍ، لِأَنَّ الْقَارِنَ لَا يَحِلُّ مِنَ الْعُمْرَةِ وَلَا مِنَ الْحَجِّ حَتَّى يَنْحَرَ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِأَنَّهُ كَانَ مُتَمَتِّعًا كَمَا سَيَأْتِي، لِأَنَّ قَوْلَ حَفْصَةَ: وَلَمْ تَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِكَ وَقَوْلُهُ هُوَ: حَتَّى أَحِلَّ مِنَ الْحَجِّ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا.

وَأَجَابَ مَنْ قَالَ كَانَ مُفْرِدًا عَنْ قَوْلِهِ: وَلَمْ تَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِكَ بِأَجْوِبَةٍ: أَحَدُهَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ: مَعْنَاهُ وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ مِنْ إِحْرَامِكَ الَّذِي ابْتَدَأَتْهُ مَعَهُمْ بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَلَمْ تَحِلَّ مِنْ حَجِّكَ بِعُمْرَةٍ كَمَا أَمَرْتَ أَصْحَابِكَ، قَالُوا: وَقَدْ تَأْتِي مِنْ بِمَعْنَى الْبَاءِ، كَقَوْلِهِ ﷿: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾؛ أَيْ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ بِعُمْرَةٍ مِنْ إِحْرَامِكَ، وَقِيلَ: ظَنَّتْ أَنَّهُ فَسَخَ حَجَّهُ بِعُمْرَةٍ كَمَا فَعَلَ أَصْحَابُهُ بِأَمْرِهِ، فَقَالَتْ: لِمَ لَمْ تَحِلَّ أَنْتَ أَيْضًا مِنْ عُمْرَتِكَ؟ وَلَا يَخْفَى مَا فِي بَعْضِ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ مِنَ التَّعَسُّفِ. وَالَّذِي تَجْتَمِعُ بِهِ الرِّوَايَاتُ أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا، بِمَعْنَى أَنَّهُ أَدْخَلَ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ بَعْدَ أَنْ أَهَلَّ بِهِ مُفْرِدًا، لَا أَنَّهُ أَوَّلُ مَا أَهَلَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَعًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ عُمَرَ مَرْفُوعًا: وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ: ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: جَمَعَ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ. وَلِأَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ مَرْفُوعًا: إنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ وَقَرَنْتُ. وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ مِثْلُهُ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ سُرَاقَةَ أَنَّ النَّبِيَّ قَرَنَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ. وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ: جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.

وَلِلدَّارقُطْنِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي قَتَادَةَ، وَالْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى؛ ثَلَاثَتُهُمْ مَرْفُوعًا مِثْلُهُ. وَأَجَابَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَغَيْرِهَا نُصْرَةً لِمَنْ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ مُفْرِدًا، فَنُقِلَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ أَنَّ رِوَايَةَ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ - أَنَّهُ سَمِعَهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا - أَثْبَتُ مِنْ رِوَايَةِ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، ثُمَّ تَعَقَّبَهُ بِأَنَّ

قَتَادَةَ وَغَيْرَهُ مِنَ الْحُفَّاظِ رَوَوْهُ عَنْ أَنَسٍ كَذَلِكَ، فَالِاخْتِلَافُ فِيهِ عَلَى أَنَسٍ نَفْسِهِ، قَالَ: فَلَعَلَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ يُعَلِّمُ غَيْرَهُ كَيْفَ يُهِلُّ بِالْقِرَانِ، فَظَنَّ أَنَّهُ أَهَلَّ عَنْ نَفْسِهِ، وَأَجَابَ عَنْ حَدِيثِ حَفْصَةَ بِمَا نُقِلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهَا: وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؛ أَيْ مِنْ إِحْرَامِكَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَعَنْ حَدِيثِ عُمَرَ بِأَنَّ جَمَاعَةً رَوَوْهُ بِلَفْظِ: صَلَّى فِي هَذَا الْوَادِي، وَقَالَ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ. قَالَ: وَهَؤُلَاءِ أَكْثَرُ عَدَدًا مِمَّنْ رَوَاهُ: وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ، فَيَكُونُ إِذْنًا فِي الْقِرَانِ لَا أَمْرًا لِلنَّبِيِّ فِي حَالِ نَفْسِهِ. وَعَنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ إِذْنُهُ لِأَصْحَابِهِ فِي الْقِرَانِ بِدَلِيلِ رِوَايَتِهِ الْأُخْرَى أَنَّهُ أَعْمَرَ بَعْضَ أَهْلِهِ فِي الْعَشْرِ، وَرِوَايَتِهِ الْأُخْرَى أَنَّهُ تَمَتَّعَ، فَإِنَّ مُرَادَهُ بِكُلِّ ذَلِكَ إِذْنُهُ فِي ذَلِكَ.

وَعَنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بِأَنَّهُ سَاقَهُ فِي قِصَّةِ عَلِيٍّ، وَقَدْ رَوَاهَا أَنَسٌ - يَعْنِي كَمَا تَقَدَّمَ - فِي هَذَا الْبَابِ، وَجَابِرٌ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَلَيْسَ فِيهَا لَفْظُ: وَقَرَنْتُ، وَأَخْرَجَ حَدِيثَ مُجَاهِدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَقَدْ عَلِمَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ قَدِ اعْتَمَرَ ثَلَاثًا سِوَى الَّتِي قَرَنَهَا فِي حَجَّتِهِ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: تَفَرَّدَ أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا، وَقَدْ رَوَاهُ مَنْصُورٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: فَقَالَتْ: مَا اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ قَطُّ. وَقَالَ: هَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ؛ يَعْنِي كَمَا سَيَأْتِي فِي أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ، فَرَوَاهُ زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْهُ هَكَذَا. وَقَالَ زَكَرِيَّا، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، ثُمَّ رَوَى حَدِيثَ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ حَجَّ حَجَّتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ وَحَجَّةً قَرَنَ مَعَهَا عُمْرَةً؛ يَعْنِي بَعْدَ مَا هَاجَرَ.

وَحُكِيَ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ أَعَلَّهُ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ، وَزَيْدٌ رُبَّمَا يَهِمُ فِي الشَّيْءِ، وَالْمَحْفُوظُ عَنِ الثَّوْرِيِّ مُرْسَلٌ، وَالْمَعْرُوفُ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ خَالِصًا، ثُمَّ رَوَى حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ عَنْ عَائِشَةَ، وَأَعَلَّهُ بِدَاوُدَ الْعَطَّارِ، وَقَالَ: إِنَّهُ تَفَرَّدَ بِوَصْلِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو فَأَرْسَلَهُ؛ لَمْ يَذْكُرِ ابْنَ عَبَّاسٍ، ثُمَّ رَوَى حَدِيثَ الصُّبَيِّ بْنِ مَعْبَدٍ أَنَّهُ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَعًا، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ، الْحَدِيثَ. وَهُوَ فِي السُّنَنِ، وَفِيهِ قِصَّةٌ، وَأَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْقِرَانِ لِأَنَّ النَّبِيَّ كَانَ قَارِنًا، وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذِهِ الْأَجْوِبَةِ مِنَ التَّعَسُّفِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الصَّوَابُ الَّذِي نَعْتَقِدُهُ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ قَارِنًا، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَمْ يَعْتَمِرْ فِي تِلْكَ السَّنَةِ بَعْدَ الْحَجِّ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقِرَانَ أَفْضَلُ مِنَ الْإِفْرَادِ الَّذِي لَا يَعْتَمِرُ فِي سَنَتِهِ عِنْدنَا، وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ أَنَّ الْحَجَّ وَحْدَهُ أَفْضَلُ مِنَ الْقِرَانِ، كَذَا قَالَ. وَالْخِلَافُ ثَابِتٌ قَدِيمًا وَحَدِيثًا؛ أَمَّا قَدِيمًا فَالثَّابِتُ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أَتَمَّ لِحَجِّكُمْ وَعُمْرَتِكُمْ أَنْ تُنْشِئُوا لِكُلٍّ مِنْهُمَا سَفَرًا. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوُهُ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ.

وَأَمَّا حَدِيثًا فَقَدْ صَرَّحَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَالْمُتَوَلِّي بِتَرْجِيحِ الْإِفْرَادِ، وَلَوْ لَمْ يَعْتَمِرْ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، وَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: الْخِلَافُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْقَارِنَ يَطُوفُ طَوَافًا وَاحِدًا وَسَعْيًا وَاحِدًا، فَبِهَذَا قَالَ: إِنَّ الْإِفْرَادَ أَفْضَلُ، وَنَحْنُ عِنْدَنَا أَنَّ الْقَارِنَ يَطُوفُ طَوَافَيْنِ وَسَعْيَيْنِ، فَهُوَ أَفْضَلُ لِكَوْنِهِ أَكْثَرَ عَمَلًا. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِيمَا كَانَ النَّبِيُّ بِهِ مُحْرِمًا، وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ كُلَّ رَاوٍ أَضَافَ إِلَيْهِ مَا أُمِرَ بِهِ اتِّسَاعًا، ثُمَّ رُجِّحَ بِأَنَّهُ كَانَ أَفْرَدَ الْحَجَّ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَقَدْ بَسَطَ الشَّافِعِيُّ الْقَوْلَ فِيهِ فِي اخْتِلَافُ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ، وَرُجِّحَ أَنَّهُ أَحْرَمَ إِحْرَامًا مُطْلَقًا يَنْتَظِرُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ، فَنُزِّلَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بِذَلِكَ وَهُوَ عَلَى الصَّفَا، وَرَجَّحُوا الْإِفْرَادَ أَيْضًا بِأَنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ وَاظَبُوا عَلَيْهِ، وَلَا يُظَنُّ بِهِمُ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى تَرْكِ الْأَفْضَلِ، وَبِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ كَرِهَ الْإِفْرَادَ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْهُمْ كَرَاهِيَةُ التَّمَتُّعِ وَالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا حَتَّى فَعَلَهُ عَلِيٌّ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَبِأَنَّ الْإِفْرَادَ لَا يَجِبُ فِيهِ دَمٌ بِالْإِجْمَاعِ بِخِلَافِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ، انْتَهَى.

وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ دَمَ الْقِرَانِ دَمُ جُبْرَانٍ، وَقَدْ

مَنَعَهُ مَنْ رَجَّحَ الْقِرَانَ، وَقَالَ: إِنَّهُ دَمُ فَضْلٍ وَثَوَابٍ كَالْأُضْحِيَّةِ، وَلَوْ كَانَ دَمَ نَقْصٍ لَمَا قَامَ الصِّيَامُ مَقَامَهُ، وَلِأَنَّهُ يُؤْكَلُ مِنْهُ، وَدَمُ النَّقْصِ لَا يُؤْكَلُ مِنْهُ كَدَمِ الْجَزَاءِ، قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ. وَقَالَ عِيَاضٌ نَحْوَ مَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ، وَزَادَ: وَأَمَّا إِحْرَامُهُ هُوَ، فَقَدْ تَضَافَرَتِ الرِّوَايَاتُ الصَّحِيحَةُ بِأَنَّهُ كَانَ مُفْرِدًا، وَأَمَّا رِوَايَةُ مَنْ رَوَى مُتَمَتِّعًا فَمَعْنَاهُ أَمَرَ بِهِ، لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِقَوْلِهِ: وَلَوْلَا أَنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ. فَصَحَّ أَنَّهُ لَمْ يَتَحَلَّلْ. وَأَمَّا رِوَايَةُ مَنْ رَوَى الْقِرَانَ، فَهُوَ إِخْبَارٌ عَنْ آخِرِ أَحْوَالِهِ، لِأَنَّهُ أَدْخَلَ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ لَمَّا جَاءَ إِلَى الْوَادِي، وَقِيلَ لَهُ: قُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ، انْتَهَى.

وَهَذَا الْجَمْعُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقَدْ سَبَقَ إِلَيْهِ قَدِيمًا ابْنُ الْمُنْذِرِ وَبَيَّنَهُ ابْنُ حَزْمٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بَيَانًا شَافِيًا، وَمَهَّدَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ تَمْهِيدًا بَالِغًا يَطُولُ ذِكْرُهُ، وَمُحَصَّلُهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ الْإِفْرَادُ حُمِلَ عَلَى مَا أَهَلَّ بِهِ فِي أَوَّلِ الْحَالِ، وَكُلَّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ التَّمَتُّعُ أَرَادَ مَا أَمَرَ بِهِ أَصْحَابَهُ، وَكُلَّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ الْقِرَانُ أَرَادَ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أَمْرُهُ، وَيَتَرَجَّحُ رِوَايَةُ مَنْ رَوَى الْقِرَانَ بِأُمُورٍ، مِنْهَا: أَنَّ مَعَهُ زِيَادَةُ عِلْمٍ عَلَى مَنْ رَوَى الْإِفْرَادَ وَغَيْرَهُ، وَبِأَنَّ مَنْ رَوَى الْإِفْرَادَ وَالتَّمَتُّعَ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ؛ فَأَشْهَرُ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ الْإِفْرَادُ عَائِشَةُ - وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهَا أَنَّهُ اعْتَمَرَ مَعَ حَجَّتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ - وَابْنُ عُمَرَ - وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ بَدَأَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ كَمَا سَيَأْتِي فِي أَبْوَابِ الْهَدْيِ، وَثَبَتَ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ، ثُمَّ حَدَثَ أَنَّ النَّبِيَّ فَعَلَ ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي أَيْضًا - وَجَابِرٌ - وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: إِنَّهُ اعْتَمَرَ مَعَ حَجَّتِهِ أَيْضًا. وَرَوَى الْقِرَانَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِمْ فِيهِ، وَبِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ النَّقْلُ عَنْهُ مِنْ لَفْظِهِ أَنَّهُ قَالَ: أَفْرَدْتُ وَلَا تَمَتَّعْتُ، بَلْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: قَرَنْتُ، وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَوْلَا أَنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ.

وَأَيْضًا فَإِنَّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ الْقِرَانُ لَا يَحْتَمِلُ حَدِيثُهُ التَّأْوِيلَ إِلَّا بِتَعَسُّفٍ، بِخِلَافِ مَنْ رَوَى الْإِفْرَادَ فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَوَّلِ الْحَالِ وَيَنْتَفِي التَّعَارُضُ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ مَنْ جَاءَ عَنْهُ الْإِفْرَادُ جَاءَ عَنْهُ صُورَةُ الْقِرَانِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمَنْ رُوِيَ عَنْهُ التَّمَتُّعُ فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاقْتِصَارِ عَلَى سَفَرٍ وَاحِدٍ لِلنُّسُكَيْنِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ مَنْ جَاءَ عَنْهُ التَّمَتُّعُ لَمَّا وَصَفَهُ وَصَفَهُ بِصُورَةِ الْقِرَانِ، لِأَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ حَتَّى أَتَمَّ عَمَلَ جَمِيعِ الْحَجِّ، وَهَذِهِ إِحْدَى صُوَرِ الْقِرَانِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ رِوَايَةَ الْقِرَانِ جَاءَتْ عَنْ بِضْعَةِ عَشَرَ صَحَابِيًّا بِأَسَانِيدَ جِيَادٍ، بِخِلَافِ رِوَايَتَيِ الْإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ، وَهَذَا يَقْتَضِي رَفْعَ الشَّكِّ عَنْ ذَلِكَ وَالْمَصِيرَ إِلَى أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْقِرَانُ أَفْضَلَ مِنَ الْإِفْرَادِ وَمِنَ التَّمَتُّعِ وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ، وَاخْتَارَهُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ الْمُزَنِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ، وَمِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ.

وَبَحَثَ مَعَ النَّوَوِيِّ فِي اخْتِيَارِهِ أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا وَأَنَّ الْإِفْرَادَ مَعَ ذَلِكَ أَفْضَلُ، مُسْتَنِدًا إِلَى أَنَّهُ اخْتَارَ الْإِفْرَادَ أَوَّلًا، ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ لِبَيَانِ جَوَازِ الِاعْتِمَارِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لِكَوْنِهِمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ كَمَا فِي ثَالِثِ أَحَادِيثِ الْبَابِ، وَمُلَخَّصُ مَا يُتَعَقَّبُ بِهِ كَلَامُهُ أَنَّ الْبَيَانَ قَدْ سَبَقَ مِنْهُ فِي عُمَرِهِ الثَّلَاثِ، فَإِنَّهُ أَحْرَمَ بِكُلٍّ مِنْهَا: فِي ذِي الْقَعْدَةِ عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ الَّتِي صُدَّ عَنِ الْبَيْتِ فِيهَا، وَعُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ الَّتِي بَعْدَهَا، وَعُمْرَةَ الْجِعْرَانَةِ. وَلَوْ كَانَ أَرَادَ بِاعْتِمَارِهِ معَ حَجَّتِهِ بَيَانَ الْجَوَازِ فَقَطْ مَعَ أَنَّ الْأَفْضَلَ خِلَافُهُ لَاكْتَفَى فِي ذَلِكَ بِأَمْرِهِ أَصْحَابَهُ أَنْ يَفْسَخُوا حَجَّهُمْ إِلَى الْعُمْرَةِ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إِلَى أَنَّ التَّمَتُّعَ أَفْضَلُ لِكَوْنِهِ تَمَنَّاهُ، فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ. وَلَا يَتَمَنَّى إِلَّا الْأَفْضَلَ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا تَمَنَّاهُ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِ أَصْحَابِهِ لِحُزْنِهِمْ عَلَى فَوَاتِ مُوَافَقَتِهِ، وَإِلَّا فَالْأَفْضَلُ مَا اخْتَارَهُ اللَّهُ لَهُ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ.

وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: يَتَرَجَّحُ التَّمَتُّعُ بِأَنَّ الَّذِي يُفْرِدُ إِنِ اعْتَمَرَ بَعْدَهَا فَهِيَ عُمْرَةٌ مُخْتَلَفٌ فِي إِجْزَائِهَا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ بِخِلَافِ عُمْرَةِ التَّمَتُّعِ فَهِيَ مُجْزِئَةٌ بِلَا خِلَافٍ، فَيَتَرَجَّحُ التَّمَتُّعُ عَلَى الْإِفْرَادِ وَيَلِيهِ الْقِرَانُ، وَقَالَ مَنْ رَجَّحَ

الْقِرَانَ: هُوَ أَشَقُّ مِنَ التَّمَتُّعِ، وَعُمْرَتُهُ مُجْزِئَةٌ بِلَا خِلَافٍ، فَيَكُونُ أَفْضَلَ مِنْهُمَا. وَحَكَى عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الصُّوَرَ الثَّلَاثَ فِي الْفَضْلِ سَوَاءٌ، وَهُوَ مُقْتَضَى تَصَرُّفِ ابْنِ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ الْقِرَانُ وَالتَّمَتُّعُ فِي الْفَضْلِ سَوَاءٌ، وَهُمَا أَفْضَلُ مِنَ الْإِفْرَادِ، وَعَنْ أَحْمَدَ: مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَالْقِرَانُ أَفْضَلُ لَهُ لِيُوَافِقَ فِعْلَ النَّبِيِّ ، وَمَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ فَالتَّمَتُّعُ أَفْضَلُ لَهُ لِيُوَافِقَ مَا تَمَنَّاهُ وَأَمَرَ بِهِ أَصْحَابَهُ. زَادَ بَعْضُ أَتْبَاعِهِ: وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُنْشِئَ لِعُمْرَتِهِ مِنْ بَلَدِهِ سَفَرًا فَالْإِفْرَادُ أَفْضَلُ لَهُ. قَالَ: وَهَذَا أَعْدَلُ الْمَذَاهِبِ وَأَشْبَهُهَا بِمُوَافَقَةِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، فَمَنْ قَالَ: الْإِفْرَادُ أَفْضَلُ، فَعَلَى هَذَا يَتَنَزَّلُ؛ لِأَنَّ أَعْمَالَ سَفَرَيْنِ لِلنُّسُكَيْنِ أَكْثَرُ مَشَقَّةً، فَيَكُونُ أَعْظَمَ أَجْرًا، وَلِتُجْزِئُ عَنْهُ عُمْرَتُهُ مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ وَلَا اخْتِلَافٍ.

وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ عَلَى نَمَطٍ آخَرَ مَعَ مُوَافَقَتِهِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا كَالطَّحَاوِيِّ، وَابْنِ حِبَّانَ وَغَيْرِهِمَا، فَقِيلَ: أَهَلَّ أَوَّلًا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ لَمْ يَتحْلِلْ مِنْهَا إِلَى أَنْ أَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَمُسْتَنَدُ هَذَا الْقَائِلِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْآتِي فِي أَبْوَابِ الْهَدْيِ بلَفْظِ: فَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ. وَهَذَا لَا يُنَافِي إِنْكَارَ ابْنِ عُمَرَ عَلَى أَنَسٍ كَوْنَهُ نَقَلَ أَنَّهُ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ كَمَا سَيَأْتِي فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنَ الْمَغَازِي، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ إِنْكَارِهِ كَوْنَهُ نَقَلَ أَنَّهُ أَهَلَّ بِهِمَا مَعًا، وَإِنَّمَا الْمَعْرُوفُ عِنْدَهُ أَنَّهُ أَدْخَلَ أَحَدَ النُّسُكَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، لَكِنَّ جَزْمَهُ بِأَنَّهُ بَدَأَ بِالْعُمْرَةِ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ فَهُوَ مَرْجُوحٌ، وَقِيلَ: أَهَلَّ أَوَّلًا بِالْحَجِّ مُفْرِدًا، ثُمَّ اسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِأَنْ يَفْسَخُوا حَجَّهُمْ فَيَجْعَلُوهُ عُمْرَةً وَفَسَخَ مَعَهُمْ، وَمَنَعَهُ مِنَ التَّحَلُّلِ مِنْ عُمْرَتِهِ الْمَذْكُورَةِ مَا ذَكَرَهُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ وَغَيْرِهِ مِنْ سَوْقِ الْهَدْيِ، فَاسْتَمَرَّ مُعْتَمِرًا إِلَى أَنْ أَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ حَتَّى تَحَلَّلَ مِنْهُمَا جَمِيعًا، وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ أَنَّهُ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ، لَكِنَّ الْجَمْعَ الْأَوَّلَ أَوْلَى. وَقِيلَ: إِنَّهُ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا، وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ تَحَلَّلَ مِنْهُ بِمِنًى، وَلَمْ يَعْتَمِرْ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، وَهُوَ مُقْتَضَى مَنْ رَجَّحَ أَنَّهُ كَانَ مُفْرِدًا.

وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ الْقِرَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ نَفَى أَنْ يَكُونَ أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا فِي أَوَّلِ الْحَالِ، وَلَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ، فَيَجْتَمِعُ الْقَوْلَانِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمْ.

قَوْلُهُ: (وَلَمْ تَحْلِلْ) بِكَسْرِ اللَّامِ الْأُولَى؛ أَيْ لَمْ تَحِلَّ، وَإِظْهَارُ التَّضْعِيفِ لُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ.

قَوْلُهُ: (لَبَّدْتُ) بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ؛ أَيْ شَعْرَ رَأْسِي، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ التَّلْبِيدِ، وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ فِيهِ شَيْءٌ لِيَلْتَصِقَ بِهِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ اسْتِحْبَابُ ذَلِكَ لِلْمُحْرِمِ.

قَوْلُهُ: (فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ) يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ السَّابِعِ.

الحديث السادس:

قَوْلُهُ: (أَبُو جَمْرَةَ) بِالْجِيمِ وَالرَّاءِ.

قَوْلُهُ: (تَمَتَّعْتُ فَنَهَانِي نَاسٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى أَسْمَائِهِمْ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي زَمَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَكَانَ يَنْهَى عَنِ الْمُتْعَةِ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْهُ وَعَنْ جَابِرٍ، وَنَقَلَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى التَّمَتُّعَ إِلَّا لِلْمُحْصَرِ، وَوَافَقَهُ عَلْقَمَةُ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا اخْتِصَاصَ بذَلِكَ لِلْحَصْرِ.

قَوْلُهُ: (فَأَمَرَنِي)؛ أَيْ أَنْ أَسْتَمِرَّ عَلَى عُمْرَتِي، وَلِأَحْمَدَ، وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ: فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَأَمَرَنِي بِهَا، ثُمَّ انْطَلَقْتُ إِلَى الْبَيْتِ فَنِمْتُ، فَأَتَانِي آتٍ فِي مَنَامِي.

قَوْلُهُ: (وَعُمْرَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ) فِي رِوَايَةِ النَّضْرِ، عَنْ شُعْبَةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي أَبْوَابِ الْهَدْيِ: مُتْعَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ، وَهُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ هَذِهِ عُمْرَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْمَبْرُورِ فِي أَوَائِلِ الْحَجِّ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ) هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ هَذِهِ سُنَّةُ. وَيَجُوزُ فِيهِ النَّصْبُ؛ أَيْ وَافَقَتْ سُنَّةَ أَبِي الْقَاسِمِ، أَوْ عَلَى الِاخْتِصَاصِ. وَفِي رِوَايَةِ النَّضْرِ: فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ، وَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَالَ لِي)؛ أَيِ ابْنُ عَبَّاسٍ (أَقِمْ عِنْدِي وَأَجْعَلْ لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالِي)؛ أَيْ نَصِيبًا (قَالَ شُعْبَةُ: فَقُلْتُ) يَعْنِي لِأَبِي جَمْرَةَ (وَلِمَ؟)؛ أَيِ أَسْتَفْهِمُهُ عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ (فَقَالَ: لِلرُّؤْيَا)؛ أَيْ لِأَجْلِ

الرُّؤْيَا الْمَذْكُورَةِ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ إِكْرَامُ مَنْ أَخْبَرَ الْمَرْءَ بِمَا يَسُرُّهُ، وَفَرَحُ الْعَالِمِ بِمُوَافَقَتِهِ الْحَقَّ، وَالِاسْتِئْنَاسُ بِالرُّؤْيَا لِمُوَافَقَةِ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ، وَعَرْضُ الرُّؤْيَا عَلَى الْعَالِمِ، وَالتَّكْبِيرُ عِنْدَ الْمُسِرَّةِ، وَالْعَمَلُ بِالْأَدِلَّةِ الظَّاهِرَةِ، وَالتَّنْبِيهُ عَلَى اخْتِلَافِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِيُعْمَلَ بِالرَّاجِحِ مِنْهُ الْمُوَافِقِ لِلدَّلِيلِ.

الْحَدِيثُ السَّابِعُ:

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ) هُوَ الْأَكْبَرُ، وَاسْمُهُ مُوسَى بْنُ نَافِعٍ.

قَوْلُهُ: (حَجُّكَ مَكِّيًّا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: حَجَّتُكَ مَكِّيَّةٌ؛ يَعْنِي قَلِيلَةُ الثَّوَابِ لِقِلَّةِ مَشَقَّتِهَا. وَقَالَ ابنُ بَطَّالٍ: مَعْنَاهُ أَنَّكَ تُنْشِئُ حَجَّكَ مِنْ مَكَّةَ كَمَا يُنْشِئُ أَهْلُ مَكَّةَ مِنْهَا، فَيَفُوتُكَ فَضْلُ الْإِحْرَامِ مِنَ الْمِيقَاتِ.

قَوْلُهُ: (فَدَخَلْتُ عَلَى عَطَاءٍ)؛ أَيِ ابْنِ أَبِي رَبَاحٍ.

قَوْلُهُ: (يَوْمَ سَاقَ الْبُدْنَ مَعَهُ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ؛ جَمْعُ بَدَنَةٍ، وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِلَفْظِ: عَامَ سَاقَ الْهَدْيَ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ لَهُمْ: أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ. . . إِلَخْ)؛ أَيِ اجْعَلُوا حَجَّكُمْ عُمْرَةً، وَتَحَلَّلُوا مِنْهَا بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ.

قَوْلُهُ: (وَقَصَّرُوا) إِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يُهِلُّونَ بَعْدَ قَلِيلٍ بِالْحَجِّ، فَأَخَّرَ الْحَلْقَ لِأَنَّ بَيْنَ دُخُولِهِمْ وَبَيْنَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ فَقَطْ.

قَوْلُهُ: (وَاجْعَلُوا الَّتِي قَدِمْتُمْ بِهَا مُتْعَةً)؛ أَيِ اجْعَلُوا الْحَجَّةَ الْمُفْرَدَةَ الَّتِي أَهْلَلْتُمْ بِهَا عُمْرَةً تَتَحَلَّلُوا مِنْهَا فَتَصِيرُوا مُتَمَتِّعِينَ، فَأَطْلَقَ عَلَى الْعُمْرَةِ مُتْعَةً مَجَازًا وَالْعَلَاقَةُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرَةٌ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ أَمَرَنَا أَنْ نُحِلَّ وَنَجْعَلَهَا عُمْرَةً. وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ الْبَاقِرِ، عَنْ جَابِرٍ فِي الْخَبَرِ الطَّوِيلِ عِنْدَ مُسْلِمٍ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: افْعَلُوا مَا أَمَرْتُكُمْ، فَلَوْلَا أَنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ. . . إِلَخْ) فِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ تَطْيِيبِ قُلُوبِ أَصْحَابِهِ وَتَلَطُّفِهِ بِهِمْ وَحِلْمِهِ عَنْهُمْ.

قَوْلُهُ: (لَا يَحِلُّ مِنِّي حَرَامٌ) بِكَسْرِ حَاءِ يَحِلُّ؛ أَيْ شَيْءٌ حَرَامٌ، وَالْمَعْنَى: لَا يَحِلُّ مِنِّي مَا حَرُمَ عَلَيَّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: لَا يَحِلُّ مِنِّي حَرَامًا بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، وَعَلَى هَذَا فَيُقْرَأُ: يُحَلُّ؛ بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَالْفَاعِلُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَا يُحِلُّ طُولُ الْمُكْثِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنِّي شَيْئًا حَرَامًا حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ؛ أَيْ إِذَا نَحَرَ يَوْمَ مِنًى. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنِ اعْتَمَرَ فَسَاقَ هَدْيًا لَا يَتَحَلَّلُ مِنْ عُمْرَتِهِ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ حَفْصَةَ نَحْوَهُ، وَيَأْتِي حَدِيثُ عَائِشَةَ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْهَا بِلَفْظِ: مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فَأَهْدَى فَلَا يُحِلُّ حَتَّى يَنْحَرَ. وَتَأَوَّلَ ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ: وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ، وَلَا يُحِلَّ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. قُلْتُ: فَإِنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ الْمُصَنِّفُ.

قَوْلُهُ: (أَبُو شِهَابٍ لَيْسَ لَهُ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ إِلَّا هَذَا)؛ أَيْ لَمْ يَرْوِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ. قَالَ مُغَلْطَايْ: كَأَنَّهُ يَقُولُ: مَنْ كَانَ هَكَذَا لَا يَجْعَلُ حَدِيثَهُ أَصْلًا مِنْ أَصوْلِ الْعِلْمِ. قُلْتُ: إِذَا كَانَ مَوْصُوفًا بِصِفَةِ مَنْ يُصَحَّحُ حَدِيثُهُ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ قَدْ تُوبِعَ عَلَيْهِ، ثُمَّ كَلَامُ مُغَلْطَايْ مَحْمُولٌ عَلَى ظَاهِرِ الْإِطْلَاقِ، وَقَدْ أَجَابَ غَيْرُهُ بِأَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِالرِّوَايَةِ عَنْ عَطَاءٍ، فَإِنَّ حَدِيثَهُ هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ الَّذِي انْفَرَدَ مُسْلِمٌ بِسِيَاقِهِ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ، وَفِي هَذَا الطَّرَفِ زِيَادَةُ بَيَانٍ لِصِفَةِ التَّحَلُّلِ مِنَ الْعُمْرَةِ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ حَيْثُ قَالَ فِيهِ: أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ بِطَوَافِ الْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَصِّرُوا، ثُمَّ أَقِيمُوا حَلَالًا إِلَى يَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَأَهِلُّوا بِالْحَجِّ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَازُ جَوَابِ الْمُفْتِي لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ حُكْمٍ خَاصٍّ بِأَنْ يَذْكُرَ لَهُ قِصَّةً مُسْنَدَةً مَرْفُوعَةً إِلَى النَّبِيِّ تَشْتَمِلُ عَلَى جَوَابِ سُؤَالِهِ وَيَكُونُ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْفَوَائِدِ الزَّائِدَةِ عَلَى ذَلِكَ زِيَادَةُ خَيْرٍ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحِلُّ ذَلِكَ لَائِقًا بِحَالِ السَّائِلِ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ اخْتِلَافِ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ فِي التَّمَتُّعِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ ثَانِي أَحَادِيثِ هَذَا الْبَابِ. فَاشْتَمَلَتْ أَحَادِيثُ الْبَابِ عَلَى مَا تُرْجِمَ بِهِ، فَحَدِيثُ عَائِشَةَ مِنْ طَرِيقٍ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْفَسْخُ وَالْإِفْرَادُ، وَحَدِيثُ عَلِيٍّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٥٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَعْوَرُ، عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ) بسكون الميم في الأوَّل وضمِّها في الثَّاني وتشديد الرَّاء (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قَالَ: اخْتَلَفَ عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ وَهُمَا بِعُسْفَانَ) جملةٌ حاليَّةٌ، أي: كائنان بعُسْفان بضمِّ العين وسكون السِّين المهملتين وبالفاء وبعد الألف نونٌ: قريةٌ جامعةٌ بينها وبين مكَّة ستَّةٌ وثلاثون ميلًا (فِي المُتْعَةِ، فَقَالَ عَلِيٌّ) لعثمان: (مَا تُرِيدُ إِلَى أَنْ تَنْهَى) أي: ما تريد إرادةً منتهيةً إلى النَّهي، أو ضَمَّنَ الإرادةَ معنى الميل، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «إلَّا أن تنهى» بحرف الاستثناء (عَنْ أَمْرٍ فَعَلَهُ النَّبِيُّ ) صفةٌ لقوله: «عن أمرٍ»، والجملة حاليَّةٌ، قال ابن المُسيَّب: (فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ) النَّهيَ (عَلِيٌّ) (أَهَلَّ بِهِمَا) أي: بالحجِّ والعمرة (جَمِيعًا) وهذا هو القِرَان، قال في «الكواكب»: فإن قلت: الاختلاف بينهما كان في التَّمتُّع وهذا قرانٌ، فكيف يكون فعله مثبتًا لقوله نافيًا لقول صاحبه؟ وأجاب بأنَّ القِران أيضًا نوعٌ من التَّمتُّع لأنَّه يتمتَّع بما فيه من التَّخفيف، أو كان القران كالتَّمتُّع عند عثمان بدليل ما تقدَّم حيث قال: وأن يجمع بينهما، وكان حكمهما واحدًا عنده جوازًا ومنعًا، أو المراد بالمتعة العمرة في أشهر الحجِّ، سواءٌ كانت في ضمن الحجِّ أو متقدِّمةً عنه (١) منفردةً، وسبب تسميتها متعةً: ما فيها من التَّخفيف الذي هو تمتُّعٌ. انتهى.

وهذا الحديث قد (٢) تقدَّم قريبًا من وجهٍ آخر [خ¦١٥٦٣] (٣).

(٣٥) (بابُ مَنْ لَبَّى بِالحَجِّ وَسَمَّاهُ) أي: عيَّنه.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

١٥٦٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَعْوَرُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: اخْتَلَفَ عَلِيٌّ، وَعُثْمَانُ وَهُمَا بِعُسْفَانَ فِي الْمُتْعَةِ؛ فَقَالَ عَلِيٌّ: مَا تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَنْهَى عَنْ أَمْرٍ فَعَلَهُ النَّبِيُّ . فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَلِيٌّ أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا.

قَوْلُهُ: (بَابُ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَالْإِفْرَادِ بِالْحَجِّ وَفَسْخِ الْحَجِّ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ) أَمَّا التَّمَتُّعُ فَالْمَعْرُوفُ أَنَّهُ الِاعْتِمَارُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ التَّحَلُّلُ مِنْ تِلْكَ الْعُمْرَةِ وَالْإِهْلَالُ بِالْحَجِّ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ وَيُطْلَقُ التَّمَتُّعُ فِي عُرْفِ السَّلَفِ عَلَى الْقِرَانِ أَيْضًا.

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ التَّمَتُّعَ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ أَنَّهُ الِاعْتِمَارُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ قَبْلَ الْحَجِّ. قَالَ: وَمِنَ التَّمَتُّعِ أَيْضًا الْقِرَانُ؛ لِأَنَّهُ تَمَتَّعَ بِسُقُوطِ سَفَرٍ لِلنُّسُكِ الْآخَرِ مِنْ بَلَدِهِ، وَمِنَ التَّمَتُّعِ فَسْخُ الْحَجِّ أَيْضًا إِلَى الْعُمْرَةِ، انْتَهَى. وَأَمَّا الْقِرَانُ فَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ الْإِقْرَانُ بِالْأَلِفِ، وَهُوَ خَطَأٌ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ كَمَا قَالَهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ، وَصُورَتُهُ الْإِهْلَالُ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَعًا - وَهَذَا لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ - أَوِ الْإِهْلَالُ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَيْهَا الْحَجُّ أَوْ عَكْسُهُ - وَهَذَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ. وَأَمَّا الْإِفْرَادُ فَالْإِهْلَالُ بِالْحَجِّ وَحْدَهُ فِي أَشْهُرِهِ عِنْدَ الْجَمِيعِ، وَفِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ أَيْضًا عِنْدَ مَنْ يُجِيزُهُ، وَالِاعْتِمَارُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ لِمَنْ شَاءَ. وَأَمَّا فَسْخُ الْحَجِّ فَالْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ ثُمَّ يَتَحَلَّلُ مِنْهُ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ فَيَصِيرُ مُتَمَتِّعًا، وَفِي جَوَازِهِ اخْتِلَافٌ آخَرُ، وَظَاهِرُ تَصَرُّفِ الْمُصَنِّفِ إِجَازَتُهُ، فَإِنَّ تَقْدِيرَ التَّرْجَمَةِ بَابُ مَشْرُوعِيَّةِ التَّمَتُّعِ. . . إِلَخْ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ بَابُ حُكْمِ التَّمَتُّعِ. . . إِلَخْ، فَلَا يَكُونُ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ يُجِيزُهُ.

ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ سَبْعَةَ أَحَادِيثَ؛ الْأَوَّلُ: حَدِيثُ عَائِشَةَ مِنْ وَجْهَيْنِ.

قَوْلُهُ: (خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ بَيَانُ الْوَقْتِ الَّذِي خَرَجُوا فِيهِ.

قَوْلُهُ: (وَلَا نَرَى إِلَّا أَنَّهُ الْحَجُّ)، وَلِأَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْهَا كَمَا سَيَأْتِي: مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ عَنْهَا: لَا نَذْكُرُ إِلَّا الْحَجَّ، وَلَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: لَبَّيْنَا بِالْحَجِّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ عَائِشَةَ مَعَ غَيْرِهَا مِنَ الصَّحَابَةِ كَانُوا أَوَّلًا مُحْرِمِينَ بِالْحَجِّ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ عَنْهَا هُنَا: فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ؛ فَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى أَنَّهَا ذَكَرَتْ مَا كَانُوا يَعْهَدُونَهُ مِنْ تَرْكِ الِاعْتِمَارِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَخَرَجُوا لَا يَعْرِفُونَ إِلَّا الْحَجَّ، ثُمَّ بَيَّنَ لَهُمُ النَّبِيُّ وُجُوهَ الْإِحْرَامِ، وَجَوَّزَ لَهُمُ الِاعْتِمَارَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الِاعْتِمَارِ بَعْدَ الْحَجِّ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا: فَقَالَ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ فَلْيُهِلَّ. وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ: فَقَالَ: مَنْ شَاءَ فَلْيُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُهِلَّ بِحَجٍّ. وَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانُوا يَرَوْنَ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ. فَأَشَارَ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَ مَا اخْتُلِفَ عَنْ عَائِشَةَ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا عَائِشَةُ نَفْسُهَا فَسَيَأْتِي فِي أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ وَفِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنَ الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا فِي أَثْنَاءِ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَتْ: وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ.

وَسَبَقَ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ نَحْوُهُ عَنْ عُرْوَةَ، زَادَ أَحْمَدُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ: وَلَمْ أَسُقْ هَدْيًا، فَادَّعَى إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ أَنَّ هَذَا غَلَطٌ مِنْ عُرْوَةَ، وَأَنَّ الصَّوَابَ رِوَايَةُ الْأَسْوَدِ، وَالْقَاسِمِ، وَعُرْوَةَ عَنْهَا أَنَّهَا أَهَلَّتْ بِالْحَجِّ مُفْرَدًا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ قَوْلَ عُرْوَةَ عَنْهَا: إِنَّهَا أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ، صَرِيحٌ. وَأَمَّا قَوْلُ الْأَسْوَدِ وَغَيْرِهِ عَنْهَا: لَا نَرَى إِلَّا الْحَجَّ فَلَيْسَ صَرِيحًا فِي إِهْلَالِهَا بِحَجٍّ مُفْرَدٍ، فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ غَيْرِ تَغْلِيطِ عُرْوَةَ وَهُوَ أَعْلَمُ النَّاسِ بِحَدِيثِهَا، وَقَدْ وَافَقَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّحَابِيُّ

كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْهُ، وَكَذَا رَوَاهُ طَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ عَنْ عَائِشَةَ، وَيَحْتَمِلُ فِي الْجَمْعِ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ: أَهَلَّتْ عَائِشَةُ بِالْحَجِّ مُفْرَدًا كَمَا فَعَلَ غَيْرُهَا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَعَلَى هَذَا يُنَزَّلُ حَدِيثُ الْأَسْوَدِ وَمَنْ تَبِعَهُ: ثُمَّ أَمَرَ النَّبِيُّ أَصْحَابَهُ أَنْ يَفْسَخُوا الْحَجَّ إِلَى الْعُمْرَةِ، فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ مَا صَنَعُوا، فَصَارَتْ مُتَمَتِّعَةً. وَعَلَى هَذَا يَتَنَزَّلُ حَدِيثُ عُرْوَةَ: ثُمَّ لَمَّا دَخَلَتْ مَكَّةَ وَهِيَ حَائِضٌ فَلَمْ تَقْدِرْ عَلَى الطَّوَافِ لِأَجْلِ الْحَيْضِ أَمَرَهَا أَنْ تُحْرِمَ بِالْحَجِّ. عَلَى مَا سَيَأْتِي مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا قَدِمْنَا تَطَوَّفْنَا بِالْبَيْتِ)؛ أَيْ غَيْرُهَا، لِقَوْلِهَا بَعْدَهُ: فَلَمْ أَطُفْ؛ فَإِنَّهُ تَبَيَّنَ بِهِ أَنَّ قَوْلَهَا: تَطَوَّفْنَا مِنَ الْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ.

قَوْلُهُ: (فَأَمَرَ النَّبِيُّ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ أَنْ يُحِلَّ)؛ أَيْ مِنَ الْحَجِّ بِعَمَلِ الْعُمْرَةِ، وَهَذَا هُوَ فَسْخُ الْحَجِّ الْمُتَرْجَمِ بِهِ.

قَوْلُهُ: (وَنِسَاؤُهُ لَمْ يَسُقْنَ)؛ أَيِ الْهَدْيَ.

قَوْلُهُ: (فَأَحْلَلْنَ)؛ أَيْ وَهِيَ مِنْهُنَّ، لَكِنْ مَنَعَهَا مِنَ التَّحَلُّلِ كَوْنُهَا حَاضَتْ لَيْلَةَ دُخُولِهِمْ مَكَّةَ، وَقَدْ مَضَى فِي الْبَابِ قَبْلَهُ بَيَانُ ذَلِكَ وَأَنَّهَا بَكَتْ، وَأَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لَهَا: كُونِي فِي حَجِّكِ. فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَمَرَهَا أَنْ تَجْعَلَ عُمْرَتَهَا حَجًّا، وَلِهَذَا قَالَتْ: يَرْجِعُ النَّاسُ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَأَرْجِعُ بِحَجٍّ. فَأَعْمَرَهَا لِأَجْلِ ذَلِكَ مِنَ التَّنْعِيمِ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى حَدِيثِ عُرْوَةَ قَدِيمًا وَلَا حَدِيثًا. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: يُرِيدُ لَيْسَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ فِي رَفْضِ الْعُمْرَةِ وَجَعْلِهَا حَجًّا بِخِلَافِ جَعْلِ الْحَجِّ عُمْرَةً فَإِنَّهُ وَقَعَ لِلصَّحَابَةِ. وَاخْتُلِفَ فِي جَوَازِهِ مِنْ بَعْدِهِمْ، لَكِنْ أَجَابَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَنْ ذَلِكَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ارْفُضِي عُمْرَتَكِ أَيِ اتْرُكِي التَّحَلُّلَ مِنْهَا، وَأَدْخِلِي عَلَيْهَا الْحَجَّ فَتَصِيرُ قَارِنَةً، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: وَأَمْسِكِي عَنِ الْعُمْرَةِ؛ أَيْ عَنْ أَعْمَالِهَا. وَإِنَّمَا قَالَتْ عَائِشَةُ: وَأَرْجِعُ بِحَجٍّ لِاعْتِقَادِهَا أَنَّ إِفْرَادَ الْعُمْرَةِ بِالْعَمَلِ أَفْضَلُ كَمَا وَقَعَ لِغَيْرِهَا مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَاسْتُبْعِدَ هَذَا التَّأْوِيلُ لِقَوْلِهَا فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ عَنْهَا: وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ لَيْسَ مَعَهَا عُمْرَةٌ.

أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَهَذَا يُقَوِّي قَوْلَ الْكُوفِيِّينَ: إِنَّ عَائِشَةَ تَرَكَتِ الْعُمْرَةَ وَحَجَّتْ مُفْرِدَةً، وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهَا فِي الرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ: دَعِي عُمْرَتَكِ، وفِي رِوَايَةٍ: ارْفُضِي عُمْرَتَكِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَاسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ إِذَا أَهَلَّتْ بِالْعُمْرَةِ مُتَمَتِّعَةً فَحَاضَتْ قَبْلَ أَنْ تَطُوفَ أَنْ تَتْرُكَ الْعُمْرَةَ وَتُهِلَّ بِالْحَجِّ مُفْرَدًا كَمَا فَعَلَتْ عَائِشَةُ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ عَنْهَا ضَعْفٌ، وَالرَّافِعُ لِلْإِشْكَالِ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ عَائِشَةَ أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ، حَتَّى إِذَا كَانَتْ بِسَرِفَ حَاضَتْ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ : أَهِلِّي بِالْحَجِّ، حَتَّى إِذَا طَهُرَتْ طَافَتْ بِالْكَعْبَةِ وَسَعَتْ. فَقَالَ: قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ. قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي أَنِّي لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى حَجَجْتُ، قَالَ: فَأَعْمَرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ عَنْهَا: فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ : طَوَافُكِ يَسَعُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ؛ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهَا كَانَتْ قَارِنَةً لِقَوْلِهِ: قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ، وَإِنَّمَا أَعْمَرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ تَطْيِيبًا لِقَلْبِهَا، لِكَوْنِهَا لَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ لَمَّا دَخَلَتْ مُعْتَمِرَةً. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: وَكَانَ النَّبِيُّ رَجُلًا سَهْلًا إِذَا هَوِيَتِ الشَّيْءَ تَابَعَهَا عَلَيْهِ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى قِصَّةِ صَفِيَّةَ فِي أَوَاخِرِ الْحَجِّ وَعَلَى مَا فِي قِصَّةِ اعْتِمَارِ عَائِشَةَ مِنَ الْفَوَائِدِ فِي أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: وَأَرْجِعُ لِي بِحَجَّةٍ.

قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ: (فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ أَوْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ) كَذَا فِيهِ هُنَا، وَسَيَأْتِي فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِلَفْظِ: فَلَمْ يَحِلُّوا بِزِيَادَةِ فَاءٍ، وَهُوَ الْوَجْهُ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي:

قَوْلُهُ: (عَنِ الْحَكَمِ) هُوَ ابْنُ عُتَيْبَةَ - بِالْمُثَنَّاةِ وَالْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّرًا - الْفَقِيهُ الْكُوفِيُّ، وعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ هُوَ زَيْنُ الْعَابِدِينَ.

قَوْلُهُ: (شَهِدْتُ عُثْمَانَ، وَعَلِيًّا) سَيَأْتِي فِي آخِرِ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِعُسْفَانَ.

قَوْلُهُ: (وَعُثْمَانُ يَنْهَى عَنِ الْمُتْعَةِ وَأَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا)؛ أَيْ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ (فَلَمَّا رَأَى عَلِيٌّ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: فَقَالَ عَلِيٌّ: مَا تُرِيدُ إِلَى أَنْ

تَنْهَى عَنْ أَمْرٍ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ . وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: إِلَّا أَنْ تَنْهَى بِحَرْفِ الِاسْتِثْنَاءِ، زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: فَقَالَ عُثْمَانُ: دَعْنَا عَنْكَ. قَالَ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَدَعَكَ. وَقَوْلُهُ (وَأَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا) يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ عَاطِفَةً، فَيَكُونَ نَهَى عَنِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ مَعًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَطْفًا تَفْسِيرِيًّا، وَهُوَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يُطْلِقُونَ عَلَى الْقِرَانِ تَمَتُّعًا، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْقَارِنَ يَتَمَتَّعُ بِتَرْكِ النَّصَبِ بِالسَّفَرِ مَرَّتَيْنِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا قِرَانًا أَوِ إِيقَاعًا لَهُمَا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ بِتَقْدِيمِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ، وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ بِلَفْظِ: نَهَى عُثْمَانُ عَنِ التَّمَتُّعِ. وَزَادَ فِيهِ: فَلَبَّى عَلِيٌّ وَأَصْحَابُهُ بِالْعُمْرَةِ فَلَمْ يَنْهَهُمْ عُثْمَانُ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: أَلَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ تَمَتَّعَ؟ قَالَ: بَلَى. وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يُلَبِّي بِهِمَا جَمِيعًا. زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ عُثْمَانَ قَالَ: أَجَلْ، وَلَكِنَّا كُنَّا خَائِفِينَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: لَعَلَّهُ أَشَارَ إِلَى عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ سَنَةَ سَبْعٍ، لَكِنْ لَمْ يَكُنْ فِي تِلْكَ السَّنَةِ حَقِيقَةُ تَمَتُّعٍ، إِنَّمَا كَانَ عُمْرَةً وَحْدَهَا.

قُلْتُ: هِيَ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ؛ فَقَدْ رَوَى الْحَدِيثَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ - وَهُمَا أَعْلَمُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ - فَلَمْ يَقُولَا ذَلِكَ، وَالتَّمَتُّعُ إِنَّمَا كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ: كُنَّا آمَنَ مَا يَكُونُ النَّاسِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَوْلُهُ: خَائِفِينَ؛ أَيْ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَجْرُ مَنْ أَفْرَدَ أَعْظَمَ مِنْ أَجْرِ مَنْ تَمَتَّعَ، كَذَا قَالَ، وَهُوَ جَمْعٌ حَسَنٌ، وَلَكِنْ لَا يَخْفَى بُعْدُهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُثْمَانُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي اخْتِيَارِهِ فَسْخُ (١) إِلَى الْعُمْرَةِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ دَفَعَ اعْتِقَادَ قُرَيْشٍ مَنْعَ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ ذَلِكَ بِالْحُدَيْبِيَةِ، لِأَنَّ إِحْرَامَهُمْ بِالْعُمْرَةِ كَانَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَهُوَ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَهُنَاكَ يَصِحُّ إِطْلَاقُ كَوْنِهِمْ خَائِفِينَ، أَيْ مِنْ وُقُوعِ الْقِتَالِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ صَدُّوهُمْ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ فَتَحَلَّلُوا مِنْ عُمْرَتِهِمْ، وَكَانَتْ أَوَّلَ عُمْرَةٍ وَقَعَتْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ جَاءَتْ عُمْرَةُ الْقَضِيَّةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ أَيْضًا، ثُمَّ أَرَادَ تَأكدَ ذَلِكَ بِالْمُبَالَغَةِ فِيهِ حَتَّى أَمَرَهُمْ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ.

قَوْلُهُ: (مَا كُنْتُ لِأَدَعَ. . . إِلَخْ) زَادَ النَّسَائِيُّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ: فَقَالَ عُثْمَانُ: تَرَانِي أَنْهَى النَّاسَ وَأَنْتَ تَفْعَلُهُ؟ فَقَالَ: مَا كُنْتُ أَدَعُ. وَفِي قِصَّةِ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ مِنَ الْفَوَائِدِ إِشَاعَةُ الْعَالِمِ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْعِلْمِ وَإِظْهَارُهُ، وَمُنَاظَرَةُ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَغَيْرِهِمْ فِي تَحْقِيقِهِ لِمَنْ قَوِيَ عَلَى ذَلِكَ لِقَصْدِ مُنَاصَحَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْبَيَانُ بِالْفِعْلِ مَعَ الْقَوْلِ، وَجَوَازُ الِاسْتِنْبَاطِ مِنَ النَّصِّ، لِأَنَّ عُثْمَانَ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ أَنَّ التَّمَتُّعَ وَالْقِرَانَ جَائِزَانِ، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهُمَا لِيُعْمَلَ بِالْأَفْضَلِ كَمَا وَقَعَ لِعُمَرَ، لَكِنْ خَشِيَ عَلِيٌّ أَنْ يَحْمِلَ غَيْرُهُ النَّهْيَ عَلَى التَّحْرِيمِ، فَأَشَاعَ جَوَازَ ذَلِكَ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُجْتَهِدٌ مَأْجُورٌ.

(تَنْبِيهٌ): ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ حَدِيثَ عُثْمَانَ فِي التَّمَتُّعِ دَلِيلًا لِمَسْأَلَةِ اتِّفَاقِ أَهْلِ الْعَصْرِ الثَّانِي بَعْدَ اخْتِلَافِ أَهْلِ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ فَقَالَ: وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ عُثْمَانَ كَانَ نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: ثُمَّ صَارَ إِجْمَاعًا. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ نَهْيَ عُثْمَانَ عَنِ الْمُتْعَةِ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الِاعْتِمَارَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ قَبْلَ الْحَجِّ فَلَمْ يَسْتَقِرَّ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْحَنَفِيَّةَ يُخَالِفُونَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ فَسْخَ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ فَكَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَنَابِلَةَ يُخَالِفُونَ فِيهِ، ثُمَّ وَرَاءَ ذَلِكَ أَنَّ رِوَايَةَ النَّسَائِيِّ السَّابِقَةَ مُشْعِرَةٌ بِأَنَّ عُثْمَانَ رَجَعَ عَنِ النَّهْيِ فَلَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهِ، وَلَفْظُ الْبَغَوِيِّ بَعْدَ أَنْ سَاقَ حَدِيثَ عُثْمَانَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: هَذَا خِلَافُ عَلِيٍّ، وَأَكْثَرُ الصَّحَابَةِ عَلَى الْجَوَازِ، وَاتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ بَعْدُ، فَحَمَلَهُ عَلَى أَنَّ عُثْمَانَ نَهَى عَنِ التَّمَتُّعِ الْمَعْهُودِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ عُثْمَانَ مَا كَانَ يُبْطِلُهُ، وإِنَّمَا كَانَ يَرَى أَنَّ الْإِفْرَادَ أَفْضَلُ مِنْهُ، وَإِذَا كَانَ كذَلِكَ فَلَمْ تَتَّفِقِ الْأَئِمَّةُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ الْخِلَافَ فِي أَيِّ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ أَفْضَلُ بَاقٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِيهِ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يُلْزِمُ مُجْتَهِدًا

آخَرَ بِتَقْلِيدِهِ لِعَدَمِ إِنْكَارِ عُثْمَانَ عَلَى عَلِيٍّ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِ عُثْمَانَ الْإِمَامَ إِذْ ذَاكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ:

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْعُمْرَةَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ؛ أَيْ يَعْتَقِدُونَ، وَالْمُرَادُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ. وَلِابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَعْمَرَ رَسُولُ اللَّهِ عَائِشَةَ فِي ذِي الْحِجَّةِ إِلَّا لِيَقْطَعَ بِذَلِكَ أَمْرَ أَهْلِ الشِّرْكِ، فَإِنَّ هَذَا الْحَيَّ مِنْ قُرَيْشٍ وَمَنْ دَانَ دِينَهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ. . . فَذَكَرَ نَحْوَهُ، فَعُرِفَ بِهَذَا تَعْيِينُ الْقَائِلِينَ.

قَوْلُهُ: (مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ) هَذَا مِنْ تَحَكُّمَاتِهِمُ الْبَاطِلَةِ الْمَأْخُوذَةِ عَنْ غَيْرِ أَصْلٍ.

قَوْلُهُ: (وَيَجْعَلُونَ الْمُحَرَّمَ صَفَرَ) كَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ مِنَ الصَّحِيحَيْنِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُكْتَبَ بِالْأَلِفِ، وَلَكِنْ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِهَا لَا بُدَّ مِنْ قِرَاءَتِهِ مَنْصُوبًا، لِأَنَّهُ مَصْرُوفٌ بِلَا خِلَافٍ، يَعْنِي وَالْمَشْهُورُ عَنِ اللُّغَةِ الرَّبِيعِيَّةِ كِتَابَةُ الْمَنْصُوبِ بِغَيْرِ أَلِفٍ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كِتَابَتِهِ بِغَيْرِ أَلِفٍ أَنْ لَا يُصْرَفَ، فَيُقْرَأَ بِالْأَلِفِ. وَسَبَقَهُ عِيَاضٌ إِلَى نَفْيِ الْخِلَافِ فِيهِ، لَكِنْ فِي الْمُحْكَمِ كَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ لَا يَصْرِفُهُ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ الصَّرْفُ حَتَّى يَجْتَمِعَ عِلَّتَانِ، فَمَا هُمَا؟ قَالَ: الْمَعْرِفَةُ وَالسَّاعَةُ. وَفَسَّرَهُ الْمُطَرِّزِيُّ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِالسَّاعَةِ أَنَّ الْأَزْمِنَةَ سَاعَاتٌ، وَالسَّاعَةُ مُؤَنَّثَةٌ، انْتَهَى. وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا حُجَّةٌ قَوِيَّةٌ لِأَبِي عُبَيْدَةَ، وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ أَنَّ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ صَفَرًا بِالْأَلِفِ. وَأَمَّا جَعْلُهُمْ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْمُرَادُ الْإِخْبَارُ عَنْ النَّسِيءِ الَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَكَانُوا يُسَمُّونَ الْمُحَرَّمَ صَفَرًا وَيُحِلُّونَهُ، وَيُؤَخِّرُونَ تَحْرِيمَ الْمُحَرَّمِ إِلَى نَفْسِ صَفَرَ لِئَلَّا تَتَوَالَى عَلَيْهِمْ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ مُحَرَّمَةٍ، فَيَضِيقُ عَلَيْهِمْ فِيهَا مَا اعْتَادُوهُ مِنَ الْمُقَاتَلَةِ وَالْغَارَةِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَضَلَّلَهُمُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الْآيَةَ.

قَوْلُهُ: (وَيَقُولُونَ: إِذَا بَرَأَ الدَّبَرْ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ؛ أَيْ مَا كَانَ يَحْصُلُ بِظُهُورِ الْإِبِلِ مِنَ الْحَمْلِ عَلَيْهَا وَمَشَقَّةِ السَّفَرِ، فَإِنَّهُ كَانَ يبْرَأ بَعْدَ انْصِرَافِهِمْ مِنَ الْحَجِّ، وقَوْلُهُ: (وَعَفَا الْأَثَرْ)؛ أَيِ انْدَرَسَ أَثَرُ الْإِبِلِ وَغَيْرِهَا فِي سَيْرِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَثَرَ الدَّبَرِ الْمَذْكُورِ. وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ: وعَفَا الْوَبَرْ؛ أَيْ كَثُرَ وَبَرُ الْإِبِلِ الَّذِي حُلِقَ بِالرِّحَالِ، وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ تُقْرَأْ سَاكِنَةَ الرَّاءِ لِإِرَادَةِ السَّجْعِ، وَوَجْهُ تَعَلُّقِ جَوَازِ الِاعْتِمَارِ بِانْسِلَاخِ صَفَرَ - مَعَ كَوْنِهِ لَيْسَ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَكَذَلِكَ الْمُحَرَّمُ - أَنَّهُمْ لَمَّا جَعَلُوا الْمُحَرَّمَ صَفَرًا وَلَا يَسْتَقِرُّونَ بِبِلَادِهِمْ فِي الْغَالِبِ وَيَبْرَأ دَبَرُ إِبِلِهِمْ إِلَّا عِنْدَ انْسِلَاخِهِ أَلْحَقُوهُ بِأَشْهُرِ الْحَجِّ عَلَى طَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ، وَجَعَلُوا أَوَّلَ أَشْهُرِ الِاعْتِمَارِ شَهْرَ الْمُحَرَّمِ الَّذِي هُوَ فِي الْأَصْلِ صَفَرُ، والْعُمْرَةُ عِنْدَهُمْ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَأَمَّا تَسْمِيَةُ الشَّهْرِ صَفَرًا فَقَالَ رُؤْبَةُ: أَصْلُهَا أَنَّهُمْ كَانُوا يُغِيرُونَ فِيهِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَيَتْرُكُونَ مَنَازِلَهُمْ صَفَرًا؛ أَيْ خَالِيَةً مِنَ الْمَتَاعِ، وَقِيلَ: لِإِصْفَارِ أَمَاكِنِهِمْ مِنْ أَهْلِهَا.

قَوْلُهُ: (قَدِمَ النَّبِيُّ كَذَا فِي الْأُصُولِ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ وُهَيْبٍ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ وُهَيْبٍ بِلَفْظِ: فَقَدِمَ بِزِيَادَةِ فَاءٍ، وَهُوَ الْوَجْهُ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ بَهْزِ بْنِ أَسَدٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَجَّاجِ؛ كِلَاهُمَا عَنْ وُهَيْبٍ.

قَوْلُهُ: (صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ)؛ أَيْ يَوْمُ الْأَحَدِ.

قَوْلُهُ: (مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ) فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَجَّاجِ: وَهُمْ يُلَبُّونَ بِالْحَجِّ وَهِيَ مُفَسِّرَةٌ لِقَوْلِهِ: مُهِلِّينَ، وَاحْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ: كَانَ حَجُّ النَّبِيِّ مُفْرَدًا. وَأَجَابَ مَنْ قَالَ: كَانَ قَارِنًا، بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ إِهْلَالِهِ بِالْحَجِّ أَنْ لَا يَكُونَ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ.

قَوْلُهُ: (أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ)؛ أَيْ لِمَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ أَوَّلًا، وَفِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَجَّاجِ: فَكَبُرَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ.

قَوْلُهُ: (أَيِ الْحِلُّ) كَأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَ أَنَّ لِلْحَجِّ تَحَلُّلَيْنِ فَأَرَادُوا بَيَانَ ذَلِكَ، فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ يَتَحَلَّلُونَ الْحِلَّ كُلَّهُ، لِأَنَّ الْعُمْرَةَ لَيْسَ لَهَا إِلَّا تَحَلُّلٌ وَاحِدٌ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ: أَيُّ الْحِلِّ نُحِلُّ؟ قَالَ: الْحِلُّ كُلُّهُ.

الْحَدِيثُ الرَّابِعُ:

حَدِيثُ أَبِي مُوسَى: قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ فَأَمَرَنِي بِالْحِلِّ.

هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَامًّا مَشْرُوحًا قَبْلُ بِبَابٍ. وَوَقَعَ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ: فَأَمَرَهُ بِالْحِلِّ عَلَى الِالْتِفَاتِ.

الْحَدِيثُ الْخَامِسُ:

حَدِيثُ حَفْصَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا بِعُمْرَةٍ. . . الْحَدِيثَ. لَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ قَوْلُهُ: بِعُمْرَةٍ. وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ أَصْحَابَ مَالِكٍ ذَكَرَهَا بَعْضُهُمْ وَحَذَفَهَا بَعْضُهُمْ، وَاسْتُشْكِلَ كَيْفَ حَلُّوا بِعُمْرَةٍ مَعَ قَوْلِهَا: وَلَمْ تُحِلَّ مِنْ عُمْرَتِكَ؟! وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بقَوْلُهَا بِعُمْرَةٍ؛ أَيْ أنَّ إِحْرَامَهُمْ بعُمْرَةٍ كَانَ سَبَبًا لِسُرْعَةِ حِلِّهِمْ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ لَا يَتَحَلَّلُ مِنْ عَمَلِ الْعُمْرَةِ حَتَّى يُحِلَّ بِالْحَجِّ وَيَفْرُغَ مِنْهُ، لِأَنَّهُ جَعَلَ الْعِلَّةَ فِي بَقَائِهِ عَلَى إِحْرَامِهِ كَوْنَهُ أَهْدَى، وَكَذَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ سَابِعَ أَحَادِيثِ الْبَابِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَنْحَرَ الْهَدْيَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدَ وَمَنْ وَافَقَهُمَا، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ أَوَّلِ حَدِيثِ الْبَابِ: فَأَمَرَ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ أَنْ يُحِلَّ. وَالْأَحَادِيثُ بِذَلِكَ مُتَضَافِرَةٌ، وَأَجَابَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ السَّبَبَ فِي عَدَمِ تَحَلُّلِهِ مِنَ الْعُمْرَةِ كَوْنُهُ أَدْخَلَهَا عَلَى الْحَجِّ، وَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ حَجَّهُ كَانَ مُفْرَدًا.

وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَيْسَ لِمَنْ قَالَ كَانَ مُفْرَدًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ انْفِصَالٌ؛ لِأَنَّهُ إِنْ قَالَ بِهِ اسْتُشْكِلَ عَلَيْهِ كَوْنُهُ عَلَّلَ عَدَمَ التَّحَلُّلِ بِسَوْقِ الْهَدْيِ، لِأَنَّ عَدَمَ التَّحَلُّلِ لَا يَمْتَنِعُ عَلَى مَنْ كَانَ قَارِنًا عِنْدَهُ، وَجَنَحَ الْأَصِيلِيُّ وَغَيْرُهُ إِلَى تَوْهِيمِ مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ: وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ، وَأَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ فِي حَدِيثِ حَفْصَةَ غَيْرُهُ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ - عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ انْفِرَادِهِ - بِأَنَّهَا زِيَادَةُ حَافِظٍ، فَيَجِبُ قَبُولُهَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَنْفَرِدْ، فَقَدْ تَابَعَهُ أَيُّوبُ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَهُمَا مَعَ ذَلِكَ حُفَّاظٌ أَصْحَابُ نَافِعٍ، انْتَهَى. وَرِوَايَةُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَالْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ؛ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ نَافِعٍ بِدُونِهَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ: فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَحِلَّ مِنَ الْحَجِّ، وَلَا تُنَافِي هَذِهِ رِوَايَةَ مَالِكٍ، لِأَنَّ الْقَارِنَ لَا يَحِلُّ مِنَ الْعُمْرَةِ وَلَا مِنَ الْحَجِّ حَتَّى يَنْحَرَ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِأَنَّهُ كَانَ مُتَمَتِّعًا كَمَا سَيَأْتِي، لِأَنَّ قَوْلَ حَفْصَةَ: وَلَمْ تَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِكَ وَقَوْلُهُ هُوَ: حَتَّى أَحِلَّ مِنَ الْحَجِّ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا.

وَأَجَابَ مَنْ قَالَ كَانَ مُفْرِدًا عَنْ قَوْلِهِ: وَلَمْ تَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِكَ بِأَجْوِبَةٍ: أَحَدُهَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ: مَعْنَاهُ وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ مِنْ إِحْرَامِكَ الَّذِي ابْتَدَأَتْهُ مَعَهُمْ بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَلَمْ تَحِلَّ مِنْ حَجِّكَ بِعُمْرَةٍ كَمَا أَمَرْتَ أَصْحَابِكَ، قَالُوا: وَقَدْ تَأْتِي مِنْ بِمَعْنَى الْبَاءِ، كَقَوْلِهِ ﷿: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾؛ أَيْ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ بِعُمْرَةٍ مِنْ إِحْرَامِكَ، وَقِيلَ: ظَنَّتْ أَنَّهُ فَسَخَ حَجَّهُ بِعُمْرَةٍ كَمَا فَعَلَ أَصْحَابُهُ بِأَمْرِهِ، فَقَالَتْ: لِمَ لَمْ تَحِلَّ أَنْتَ أَيْضًا مِنْ عُمْرَتِكَ؟ وَلَا يَخْفَى مَا فِي بَعْضِ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ مِنَ التَّعَسُّفِ. وَالَّذِي تَجْتَمِعُ بِهِ الرِّوَايَاتُ أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا، بِمَعْنَى أَنَّهُ أَدْخَلَ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ بَعْدَ أَنْ أَهَلَّ بِهِ مُفْرِدًا، لَا أَنَّهُ أَوَّلُ مَا أَهَلَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَعًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ عُمَرَ مَرْفُوعًا: وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ: ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: جَمَعَ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ. وَلِأَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ مَرْفُوعًا: إنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ وَقَرَنْتُ. وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ مِثْلُهُ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ سُرَاقَةَ أَنَّ النَّبِيَّ قَرَنَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ. وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ: جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.

وَلِلدَّارقُطْنِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي قَتَادَةَ، وَالْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى؛ ثَلَاثَتُهُمْ مَرْفُوعًا مِثْلُهُ. وَأَجَابَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَغَيْرِهَا نُصْرَةً لِمَنْ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ مُفْرِدًا، فَنُقِلَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ أَنَّ رِوَايَةَ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ - أَنَّهُ سَمِعَهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا - أَثْبَتُ مِنْ رِوَايَةِ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، ثُمَّ تَعَقَّبَهُ بِأَنَّ

قَتَادَةَ وَغَيْرَهُ مِنَ الْحُفَّاظِ رَوَوْهُ عَنْ أَنَسٍ كَذَلِكَ، فَالِاخْتِلَافُ فِيهِ عَلَى أَنَسٍ نَفْسِهِ، قَالَ: فَلَعَلَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ يُعَلِّمُ غَيْرَهُ كَيْفَ يُهِلُّ بِالْقِرَانِ، فَظَنَّ أَنَّهُ أَهَلَّ عَنْ نَفْسِهِ، وَأَجَابَ عَنْ حَدِيثِ حَفْصَةَ بِمَا نُقِلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهَا: وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؛ أَيْ مِنْ إِحْرَامِكَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَعَنْ حَدِيثِ عُمَرَ بِأَنَّ جَمَاعَةً رَوَوْهُ بِلَفْظِ: صَلَّى فِي هَذَا الْوَادِي، وَقَالَ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ. قَالَ: وَهَؤُلَاءِ أَكْثَرُ عَدَدًا مِمَّنْ رَوَاهُ: وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ، فَيَكُونُ إِذْنًا فِي الْقِرَانِ لَا أَمْرًا لِلنَّبِيِّ فِي حَالِ نَفْسِهِ. وَعَنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ إِذْنُهُ لِأَصْحَابِهِ فِي الْقِرَانِ بِدَلِيلِ رِوَايَتِهِ الْأُخْرَى أَنَّهُ أَعْمَرَ بَعْضَ أَهْلِهِ فِي الْعَشْرِ، وَرِوَايَتِهِ الْأُخْرَى أَنَّهُ تَمَتَّعَ، فَإِنَّ مُرَادَهُ بِكُلِّ ذَلِكَ إِذْنُهُ فِي ذَلِكَ.

وَعَنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بِأَنَّهُ سَاقَهُ فِي قِصَّةِ عَلِيٍّ، وَقَدْ رَوَاهَا أَنَسٌ - يَعْنِي كَمَا تَقَدَّمَ - فِي هَذَا الْبَابِ، وَجَابِرٌ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَلَيْسَ فِيهَا لَفْظُ: وَقَرَنْتُ، وَأَخْرَجَ حَدِيثَ مُجَاهِدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَقَدْ عَلِمَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ قَدِ اعْتَمَرَ ثَلَاثًا سِوَى الَّتِي قَرَنَهَا فِي حَجَّتِهِ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: تَفَرَّدَ أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا، وَقَدْ رَوَاهُ مَنْصُورٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: فَقَالَتْ: مَا اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ قَطُّ. وَقَالَ: هَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ؛ يَعْنِي كَمَا سَيَأْتِي فِي أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ، فَرَوَاهُ زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْهُ هَكَذَا. وَقَالَ زَكَرِيَّا، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، ثُمَّ رَوَى حَدِيثَ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ حَجَّ حَجَّتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ وَحَجَّةً قَرَنَ مَعَهَا عُمْرَةً؛ يَعْنِي بَعْدَ مَا هَاجَرَ.

وَحُكِيَ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ أَعَلَّهُ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ، وَزَيْدٌ رُبَّمَا يَهِمُ فِي الشَّيْءِ، وَالْمَحْفُوظُ عَنِ الثَّوْرِيِّ مُرْسَلٌ، وَالْمَعْرُوفُ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ خَالِصًا، ثُمَّ رَوَى حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ عَنْ عَائِشَةَ، وَأَعَلَّهُ بِدَاوُدَ الْعَطَّارِ، وَقَالَ: إِنَّهُ تَفَرَّدَ بِوَصْلِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو فَأَرْسَلَهُ؛ لَمْ يَذْكُرِ ابْنَ عَبَّاسٍ، ثُمَّ رَوَى حَدِيثَ الصُّبَيِّ بْنِ مَعْبَدٍ أَنَّهُ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَعًا، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ، الْحَدِيثَ. وَهُوَ فِي السُّنَنِ، وَفِيهِ قِصَّةٌ، وَأَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْقِرَانِ لِأَنَّ النَّبِيَّ كَانَ قَارِنًا، وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذِهِ الْأَجْوِبَةِ مِنَ التَّعَسُّفِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الصَّوَابُ الَّذِي نَعْتَقِدُهُ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ قَارِنًا، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَمْ يَعْتَمِرْ فِي تِلْكَ السَّنَةِ بَعْدَ الْحَجِّ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقِرَانَ أَفْضَلُ مِنَ الْإِفْرَادِ الَّذِي لَا يَعْتَمِرُ فِي سَنَتِهِ عِنْدنَا، وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ أَنَّ الْحَجَّ وَحْدَهُ أَفْضَلُ مِنَ الْقِرَانِ، كَذَا قَالَ. وَالْخِلَافُ ثَابِتٌ قَدِيمًا وَحَدِيثًا؛ أَمَّا قَدِيمًا فَالثَّابِتُ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أَتَمَّ لِحَجِّكُمْ وَعُمْرَتِكُمْ أَنْ تُنْشِئُوا لِكُلٍّ مِنْهُمَا سَفَرًا. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوُهُ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ.

وَأَمَّا حَدِيثًا فَقَدْ صَرَّحَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَالْمُتَوَلِّي بِتَرْجِيحِ الْإِفْرَادِ، وَلَوْ لَمْ يَعْتَمِرْ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، وَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: الْخِلَافُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْقَارِنَ يَطُوفُ طَوَافًا وَاحِدًا وَسَعْيًا وَاحِدًا، فَبِهَذَا قَالَ: إِنَّ الْإِفْرَادَ أَفْضَلُ، وَنَحْنُ عِنْدَنَا أَنَّ الْقَارِنَ يَطُوفُ طَوَافَيْنِ وَسَعْيَيْنِ، فَهُوَ أَفْضَلُ لِكَوْنِهِ أَكْثَرَ عَمَلًا. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِيمَا كَانَ النَّبِيُّ بِهِ مُحْرِمًا، وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ كُلَّ رَاوٍ أَضَافَ إِلَيْهِ مَا أُمِرَ بِهِ اتِّسَاعًا، ثُمَّ رُجِّحَ بِأَنَّهُ كَانَ أَفْرَدَ الْحَجَّ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَقَدْ بَسَطَ الشَّافِعِيُّ الْقَوْلَ فِيهِ فِي اخْتِلَافُ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ، وَرُجِّحَ أَنَّهُ أَحْرَمَ إِحْرَامًا مُطْلَقًا يَنْتَظِرُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ، فَنُزِّلَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بِذَلِكَ وَهُوَ عَلَى الصَّفَا، وَرَجَّحُوا الْإِفْرَادَ أَيْضًا بِأَنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ وَاظَبُوا عَلَيْهِ، وَلَا يُظَنُّ بِهِمُ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى تَرْكِ الْأَفْضَلِ، وَبِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ كَرِهَ الْإِفْرَادَ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْهُمْ كَرَاهِيَةُ التَّمَتُّعِ وَالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا حَتَّى فَعَلَهُ عَلِيٌّ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَبِأَنَّ الْإِفْرَادَ لَا يَجِبُ فِيهِ دَمٌ بِالْإِجْمَاعِ بِخِلَافِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ، انْتَهَى.

وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ دَمَ الْقِرَانِ دَمُ جُبْرَانٍ، وَقَدْ

مَنَعَهُ مَنْ رَجَّحَ الْقِرَانَ، وَقَالَ: إِنَّهُ دَمُ فَضْلٍ وَثَوَابٍ كَالْأُضْحِيَّةِ، وَلَوْ كَانَ دَمَ نَقْصٍ لَمَا قَامَ الصِّيَامُ مَقَامَهُ، وَلِأَنَّهُ يُؤْكَلُ مِنْهُ، وَدَمُ النَّقْصِ لَا يُؤْكَلُ مِنْهُ كَدَمِ الْجَزَاءِ، قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ. وَقَالَ عِيَاضٌ نَحْوَ مَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ، وَزَادَ: وَأَمَّا إِحْرَامُهُ هُوَ، فَقَدْ تَضَافَرَتِ الرِّوَايَاتُ الصَّحِيحَةُ بِأَنَّهُ كَانَ مُفْرِدًا، وَأَمَّا رِوَايَةُ مَنْ رَوَى مُتَمَتِّعًا فَمَعْنَاهُ أَمَرَ بِهِ، لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِقَوْلِهِ: وَلَوْلَا أَنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ. فَصَحَّ أَنَّهُ لَمْ يَتَحَلَّلْ. وَأَمَّا رِوَايَةُ مَنْ رَوَى الْقِرَانَ، فَهُوَ إِخْبَارٌ عَنْ آخِرِ أَحْوَالِهِ، لِأَنَّهُ أَدْخَلَ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ لَمَّا جَاءَ إِلَى الْوَادِي، وَقِيلَ لَهُ: قُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ، انْتَهَى.

وَهَذَا الْجَمْعُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقَدْ سَبَقَ إِلَيْهِ قَدِيمًا ابْنُ الْمُنْذِرِ وَبَيَّنَهُ ابْنُ حَزْمٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بَيَانًا شَافِيًا، وَمَهَّدَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ تَمْهِيدًا بَالِغًا يَطُولُ ذِكْرُهُ، وَمُحَصَّلُهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ الْإِفْرَادُ حُمِلَ عَلَى مَا أَهَلَّ بِهِ فِي أَوَّلِ الْحَالِ، وَكُلَّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ التَّمَتُّعُ أَرَادَ مَا أَمَرَ بِهِ أَصْحَابَهُ، وَكُلَّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ الْقِرَانُ أَرَادَ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أَمْرُهُ، وَيَتَرَجَّحُ رِوَايَةُ مَنْ رَوَى الْقِرَانَ بِأُمُورٍ، مِنْهَا: أَنَّ مَعَهُ زِيَادَةُ عِلْمٍ عَلَى مَنْ رَوَى الْإِفْرَادَ وَغَيْرَهُ، وَبِأَنَّ مَنْ رَوَى الْإِفْرَادَ وَالتَّمَتُّعَ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ؛ فَأَشْهَرُ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ الْإِفْرَادُ عَائِشَةُ - وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهَا أَنَّهُ اعْتَمَرَ مَعَ حَجَّتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ - وَابْنُ عُمَرَ - وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ بَدَأَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ كَمَا سَيَأْتِي فِي أَبْوَابِ الْهَدْيِ، وَثَبَتَ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ، ثُمَّ حَدَثَ أَنَّ النَّبِيَّ فَعَلَ ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي أَيْضًا - وَجَابِرٌ - وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: إِنَّهُ اعْتَمَرَ مَعَ حَجَّتِهِ أَيْضًا. وَرَوَى الْقِرَانَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِمْ فِيهِ، وَبِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ النَّقْلُ عَنْهُ مِنْ لَفْظِهِ أَنَّهُ قَالَ: أَفْرَدْتُ وَلَا تَمَتَّعْتُ، بَلْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: قَرَنْتُ، وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَوْلَا أَنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ.

وَأَيْضًا فَإِنَّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ الْقِرَانُ لَا يَحْتَمِلُ حَدِيثُهُ التَّأْوِيلَ إِلَّا بِتَعَسُّفٍ، بِخِلَافِ مَنْ رَوَى الْإِفْرَادَ فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَوَّلِ الْحَالِ وَيَنْتَفِي التَّعَارُضُ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ مَنْ جَاءَ عَنْهُ الْإِفْرَادُ جَاءَ عَنْهُ صُورَةُ الْقِرَانِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمَنْ رُوِيَ عَنْهُ التَّمَتُّعُ فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاقْتِصَارِ عَلَى سَفَرٍ وَاحِدٍ لِلنُّسُكَيْنِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ مَنْ جَاءَ عَنْهُ التَّمَتُّعُ لَمَّا وَصَفَهُ وَصَفَهُ بِصُورَةِ الْقِرَانِ، لِأَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ حَتَّى أَتَمَّ عَمَلَ جَمِيعِ الْحَجِّ، وَهَذِهِ إِحْدَى صُوَرِ الْقِرَانِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ رِوَايَةَ الْقِرَانِ جَاءَتْ عَنْ بِضْعَةِ عَشَرَ صَحَابِيًّا بِأَسَانِيدَ جِيَادٍ، بِخِلَافِ رِوَايَتَيِ الْإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ، وَهَذَا يَقْتَضِي رَفْعَ الشَّكِّ عَنْ ذَلِكَ وَالْمَصِيرَ إِلَى أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْقِرَانُ أَفْضَلَ مِنَ الْإِفْرَادِ وَمِنَ التَّمَتُّعِ وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ، وَاخْتَارَهُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ الْمُزَنِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ، وَمِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ.

وَبَحَثَ مَعَ النَّوَوِيِّ فِي اخْتِيَارِهِ أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا وَأَنَّ الْإِفْرَادَ مَعَ ذَلِكَ أَفْضَلُ، مُسْتَنِدًا إِلَى أَنَّهُ اخْتَارَ الْإِفْرَادَ أَوَّلًا، ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ لِبَيَانِ جَوَازِ الِاعْتِمَارِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لِكَوْنِهِمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ كَمَا فِي ثَالِثِ أَحَادِيثِ الْبَابِ، وَمُلَخَّصُ مَا يُتَعَقَّبُ بِهِ كَلَامُهُ أَنَّ الْبَيَانَ قَدْ سَبَقَ مِنْهُ فِي عُمَرِهِ الثَّلَاثِ، فَإِنَّهُ أَحْرَمَ بِكُلٍّ مِنْهَا: فِي ذِي الْقَعْدَةِ عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ الَّتِي صُدَّ عَنِ الْبَيْتِ فِيهَا، وَعُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ الَّتِي بَعْدَهَا، وَعُمْرَةَ الْجِعْرَانَةِ. وَلَوْ كَانَ أَرَادَ بِاعْتِمَارِهِ معَ حَجَّتِهِ بَيَانَ الْجَوَازِ فَقَطْ مَعَ أَنَّ الْأَفْضَلَ خِلَافُهُ لَاكْتَفَى فِي ذَلِكَ بِأَمْرِهِ أَصْحَابَهُ أَنْ يَفْسَخُوا حَجَّهُمْ إِلَى الْعُمْرَةِ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إِلَى أَنَّ التَّمَتُّعَ أَفْضَلُ لِكَوْنِهِ تَمَنَّاهُ، فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ. وَلَا يَتَمَنَّى إِلَّا الْأَفْضَلَ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا تَمَنَّاهُ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِ أَصْحَابِهِ لِحُزْنِهِمْ عَلَى فَوَاتِ مُوَافَقَتِهِ، وَإِلَّا فَالْأَفْضَلُ مَا اخْتَارَهُ اللَّهُ لَهُ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ.

وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: يَتَرَجَّحُ التَّمَتُّعُ بِأَنَّ الَّذِي يُفْرِدُ إِنِ اعْتَمَرَ بَعْدَهَا فَهِيَ عُمْرَةٌ مُخْتَلَفٌ فِي إِجْزَائِهَا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ بِخِلَافِ عُمْرَةِ التَّمَتُّعِ فَهِيَ مُجْزِئَةٌ بِلَا خِلَافٍ، فَيَتَرَجَّحُ التَّمَتُّعُ عَلَى الْإِفْرَادِ وَيَلِيهِ الْقِرَانُ، وَقَالَ مَنْ رَجَّحَ

الْقِرَانَ: هُوَ أَشَقُّ مِنَ التَّمَتُّعِ، وَعُمْرَتُهُ مُجْزِئَةٌ بِلَا خِلَافٍ، فَيَكُونُ أَفْضَلَ مِنْهُمَا. وَحَكَى عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الصُّوَرَ الثَّلَاثَ فِي الْفَضْلِ سَوَاءٌ، وَهُوَ مُقْتَضَى تَصَرُّفِ ابْنِ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ الْقِرَانُ وَالتَّمَتُّعُ فِي الْفَضْلِ سَوَاءٌ، وَهُمَا أَفْضَلُ مِنَ الْإِفْرَادِ، وَعَنْ أَحْمَدَ: مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَالْقِرَانُ أَفْضَلُ لَهُ لِيُوَافِقَ فِعْلَ النَّبِيِّ ، وَمَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ فَالتَّمَتُّعُ أَفْضَلُ لَهُ لِيُوَافِقَ مَا تَمَنَّاهُ وَأَمَرَ بِهِ أَصْحَابَهُ. زَادَ بَعْضُ أَتْبَاعِهِ: وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُنْشِئَ لِعُمْرَتِهِ مِنْ بَلَدِهِ سَفَرًا فَالْإِفْرَادُ أَفْضَلُ لَهُ. قَالَ: وَهَذَا أَعْدَلُ الْمَذَاهِبِ وَأَشْبَهُهَا بِمُوَافَقَةِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، فَمَنْ قَالَ: الْإِفْرَادُ أَفْضَلُ، فَعَلَى هَذَا يَتَنَزَّلُ؛ لِأَنَّ أَعْمَالَ سَفَرَيْنِ لِلنُّسُكَيْنِ أَكْثَرُ مَشَقَّةً، فَيَكُونُ أَعْظَمَ أَجْرًا، وَلِتُجْزِئُ عَنْهُ عُمْرَتُهُ مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ وَلَا اخْتِلَافٍ.

وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ عَلَى نَمَطٍ آخَرَ مَعَ مُوَافَقَتِهِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا كَالطَّحَاوِيِّ، وَابْنِ حِبَّانَ وَغَيْرِهِمَا، فَقِيلَ: أَهَلَّ أَوَّلًا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ لَمْ يَتحْلِلْ مِنْهَا إِلَى أَنْ أَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَمُسْتَنَدُ هَذَا الْقَائِلِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْآتِي فِي أَبْوَابِ الْهَدْيِ بلَفْظِ: فَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ. وَهَذَا لَا يُنَافِي إِنْكَارَ ابْنِ عُمَرَ عَلَى أَنَسٍ كَوْنَهُ نَقَلَ أَنَّهُ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ كَمَا سَيَأْتِي فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنَ الْمَغَازِي، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ إِنْكَارِهِ كَوْنَهُ نَقَلَ أَنَّهُ أَهَلَّ بِهِمَا مَعًا، وَإِنَّمَا الْمَعْرُوفُ عِنْدَهُ أَنَّهُ أَدْخَلَ أَحَدَ النُّسُكَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، لَكِنَّ جَزْمَهُ بِأَنَّهُ بَدَأَ بِالْعُمْرَةِ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ فَهُوَ مَرْجُوحٌ، وَقِيلَ: أَهَلَّ أَوَّلًا بِالْحَجِّ مُفْرِدًا، ثُمَّ اسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِأَنْ يَفْسَخُوا حَجَّهُمْ فَيَجْعَلُوهُ عُمْرَةً وَفَسَخَ مَعَهُمْ، وَمَنَعَهُ مِنَ التَّحَلُّلِ مِنْ عُمْرَتِهِ الْمَذْكُورَةِ مَا ذَكَرَهُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ وَغَيْرِهِ مِنْ سَوْقِ الْهَدْيِ، فَاسْتَمَرَّ مُعْتَمِرًا إِلَى أَنْ أَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ حَتَّى تَحَلَّلَ مِنْهُمَا جَمِيعًا، وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ أَنَّهُ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ، لَكِنَّ الْجَمْعَ الْأَوَّلَ أَوْلَى. وَقِيلَ: إِنَّهُ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا، وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ تَحَلَّلَ مِنْهُ بِمِنًى، وَلَمْ يَعْتَمِرْ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، وَهُوَ مُقْتَضَى مَنْ رَجَّحَ أَنَّهُ كَانَ مُفْرِدًا.

وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ الْقِرَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ نَفَى أَنْ يَكُونَ أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا فِي أَوَّلِ الْحَالِ، وَلَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ، فَيَجْتَمِعُ الْقَوْلَانِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمْ.

قَوْلُهُ: (وَلَمْ تَحْلِلْ) بِكَسْرِ اللَّامِ الْأُولَى؛ أَيْ لَمْ تَحِلَّ، وَإِظْهَارُ التَّضْعِيفِ لُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ.

قَوْلُهُ: (لَبَّدْتُ) بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ؛ أَيْ شَعْرَ رَأْسِي، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ التَّلْبِيدِ، وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ فِيهِ شَيْءٌ لِيَلْتَصِقَ بِهِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ اسْتِحْبَابُ ذَلِكَ لِلْمُحْرِمِ.

قَوْلُهُ: (فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ) يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ السَّابِعِ.

الحديث السادس:

قَوْلُهُ: (أَبُو جَمْرَةَ) بِالْجِيمِ وَالرَّاءِ.

قَوْلُهُ: (تَمَتَّعْتُ فَنَهَانِي نَاسٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى أَسْمَائِهِمْ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي زَمَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَكَانَ يَنْهَى عَنِ الْمُتْعَةِ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْهُ وَعَنْ جَابِرٍ، وَنَقَلَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى التَّمَتُّعَ إِلَّا لِلْمُحْصَرِ، وَوَافَقَهُ عَلْقَمَةُ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا اخْتِصَاصَ بذَلِكَ لِلْحَصْرِ.

قَوْلُهُ: (فَأَمَرَنِي)؛ أَيْ أَنْ أَسْتَمِرَّ عَلَى عُمْرَتِي، وَلِأَحْمَدَ، وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ: فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَأَمَرَنِي بِهَا، ثُمَّ انْطَلَقْتُ إِلَى الْبَيْتِ فَنِمْتُ، فَأَتَانِي آتٍ فِي مَنَامِي.

قَوْلُهُ: (وَعُمْرَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ) فِي رِوَايَةِ النَّضْرِ، عَنْ شُعْبَةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي أَبْوَابِ الْهَدْيِ: مُتْعَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ، وَهُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ هَذِهِ عُمْرَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْمَبْرُورِ فِي أَوَائِلِ الْحَجِّ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ) هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ هَذِهِ سُنَّةُ. وَيَجُوزُ فِيهِ النَّصْبُ؛ أَيْ وَافَقَتْ سُنَّةَ أَبِي الْقَاسِمِ، أَوْ عَلَى الِاخْتِصَاصِ. وَفِي رِوَايَةِ النَّضْرِ: فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ، وَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَالَ لِي)؛ أَيِ ابْنُ عَبَّاسٍ (أَقِمْ عِنْدِي وَأَجْعَلْ لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالِي)؛ أَيْ نَصِيبًا (قَالَ شُعْبَةُ: فَقُلْتُ) يَعْنِي لِأَبِي جَمْرَةَ (وَلِمَ؟)؛ أَيِ أَسْتَفْهِمُهُ عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ (فَقَالَ: لِلرُّؤْيَا)؛ أَيْ لِأَجْلِ

الرُّؤْيَا الْمَذْكُورَةِ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ إِكْرَامُ مَنْ أَخْبَرَ الْمَرْءَ بِمَا يَسُرُّهُ، وَفَرَحُ الْعَالِمِ بِمُوَافَقَتِهِ الْحَقَّ، وَالِاسْتِئْنَاسُ بِالرُّؤْيَا لِمُوَافَقَةِ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ، وَعَرْضُ الرُّؤْيَا عَلَى الْعَالِمِ، وَالتَّكْبِيرُ عِنْدَ الْمُسِرَّةِ، وَالْعَمَلُ بِالْأَدِلَّةِ الظَّاهِرَةِ، وَالتَّنْبِيهُ عَلَى اخْتِلَافِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِيُعْمَلَ بِالرَّاجِحِ مِنْهُ الْمُوَافِقِ لِلدَّلِيلِ.

الْحَدِيثُ السَّابِعُ:

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ) هُوَ الْأَكْبَرُ، وَاسْمُهُ مُوسَى بْنُ نَافِعٍ.

قَوْلُهُ: (حَجُّكَ مَكِّيًّا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: حَجَّتُكَ مَكِّيَّةٌ؛ يَعْنِي قَلِيلَةُ الثَّوَابِ لِقِلَّةِ مَشَقَّتِهَا. وَقَالَ ابنُ بَطَّالٍ: مَعْنَاهُ أَنَّكَ تُنْشِئُ حَجَّكَ مِنْ مَكَّةَ كَمَا يُنْشِئُ أَهْلُ مَكَّةَ مِنْهَا، فَيَفُوتُكَ فَضْلُ الْإِحْرَامِ مِنَ الْمِيقَاتِ.

قَوْلُهُ: (فَدَخَلْتُ عَلَى عَطَاءٍ)؛ أَيِ ابْنِ أَبِي رَبَاحٍ.

قَوْلُهُ: (يَوْمَ سَاقَ الْبُدْنَ مَعَهُ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ؛ جَمْعُ بَدَنَةٍ، وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِلَفْظِ: عَامَ سَاقَ الْهَدْيَ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ لَهُمْ: أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ. . . إِلَخْ)؛ أَيِ اجْعَلُوا حَجَّكُمْ عُمْرَةً، وَتَحَلَّلُوا مِنْهَا بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ.

قَوْلُهُ: (وَقَصَّرُوا) إِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يُهِلُّونَ بَعْدَ قَلِيلٍ بِالْحَجِّ، فَأَخَّرَ الْحَلْقَ لِأَنَّ بَيْنَ دُخُولِهِمْ وَبَيْنَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ فَقَطْ.

قَوْلُهُ: (وَاجْعَلُوا الَّتِي قَدِمْتُمْ بِهَا مُتْعَةً)؛ أَيِ اجْعَلُوا الْحَجَّةَ الْمُفْرَدَةَ الَّتِي أَهْلَلْتُمْ بِهَا عُمْرَةً تَتَحَلَّلُوا مِنْهَا فَتَصِيرُوا مُتَمَتِّعِينَ، فَأَطْلَقَ عَلَى الْعُمْرَةِ مُتْعَةً مَجَازًا وَالْعَلَاقَةُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرَةٌ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ أَمَرَنَا أَنْ نُحِلَّ وَنَجْعَلَهَا عُمْرَةً. وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ الْبَاقِرِ، عَنْ جَابِرٍ فِي الْخَبَرِ الطَّوِيلِ عِنْدَ مُسْلِمٍ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: افْعَلُوا مَا أَمَرْتُكُمْ، فَلَوْلَا أَنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ. . . إِلَخْ) فِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ تَطْيِيبِ قُلُوبِ أَصْحَابِهِ وَتَلَطُّفِهِ بِهِمْ وَحِلْمِهِ عَنْهُمْ.

قَوْلُهُ: (لَا يَحِلُّ مِنِّي حَرَامٌ) بِكَسْرِ حَاءِ يَحِلُّ؛ أَيْ شَيْءٌ حَرَامٌ، وَالْمَعْنَى: لَا يَحِلُّ مِنِّي مَا حَرُمَ عَلَيَّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: لَا يَحِلُّ مِنِّي حَرَامًا بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، وَعَلَى هَذَا فَيُقْرَأُ: يُحَلُّ؛ بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَالْفَاعِلُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَا يُحِلُّ طُولُ الْمُكْثِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنِّي شَيْئًا حَرَامًا حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ؛ أَيْ إِذَا نَحَرَ يَوْمَ مِنًى. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنِ اعْتَمَرَ فَسَاقَ هَدْيًا لَا يَتَحَلَّلُ مِنْ عُمْرَتِهِ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ حَفْصَةَ نَحْوَهُ، وَيَأْتِي حَدِيثُ عَائِشَةَ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْهَا بِلَفْظِ: مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فَأَهْدَى فَلَا يُحِلُّ حَتَّى يَنْحَرَ. وَتَأَوَّلَ ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ: وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ، وَلَا يُحِلَّ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. قُلْتُ: فَإِنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ الْمُصَنِّفُ.

قَوْلُهُ: (أَبُو شِهَابٍ لَيْسَ لَهُ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ إِلَّا هَذَا)؛ أَيْ لَمْ يَرْوِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ. قَالَ مُغَلْطَايْ: كَأَنَّهُ يَقُولُ: مَنْ كَانَ هَكَذَا لَا يَجْعَلُ حَدِيثَهُ أَصْلًا مِنْ أَصوْلِ الْعِلْمِ. قُلْتُ: إِذَا كَانَ مَوْصُوفًا بِصِفَةِ مَنْ يُصَحَّحُ حَدِيثُهُ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ قَدْ تُوبِعَ عَلَيْهِ، ثُمَّ كَلَامُ مُغَلْطَايْ مَحْمُولٌ عَلَى ظَاهِرِ الْإِطْلَاقِ، وَقَدْ أَجَابَ غَيْرُهُ بِأَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِالرِّوَايَةِ عَنْ عَطَاءٍ، فَإِنَّ حَدِيثَهُ هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ الَّذِي انْفَرَدَ مُسْلِمٌ بِسِيَاقِهِ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ، وَفِي هَذَا الطَّرَفِ زِيَادَةُ بَيَانٍ لِصِفَةِ التَّحَلُّلِ مِنَ الْعُمْرَةِ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ حَيْثُ قَالَ فِيهِ: أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ بِطَوَافِ الْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَصِّرُوا، ثُمَّ أَقِيمُوا حَلَالًا إِلَى يَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَأَهِلُّوا بِالْحَجِّ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَازُ جَوَابِ الْمُفْتِي لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ حُكْمٍ خَاصٍّ بِأَنْ يَذْكُرَ لَهُ قِصَّةً مُسْنَدَةً مَرْفُوعَةً إِلَى النَّبِيِّ تَشْتَمِلُ عَلَى جَوَابِ سُؤَالِهِ وَيَكُونُ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْفَوَائِدِ الزَّائِدَةِ عَلَى ذَلِكَ زِيَادَةُ خَيْرٍ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحِلُّ ذَلِكَ لَائِقًا بِحَالِ السَّائِلِ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ اخْتِلَافِ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ فِي التَّمَتُّعِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ ثَانِي أَحَادِيثِ هَذَا الْبَابِ. فَاشْتَمَلَتْ أَحَادِيثُ الْبَابِ عَلَى مَا تُرْجِمَ بِهِ، فَحَدِيثُ عَائِشَةَ مِنْ طَرِيقٍ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْفَسْخُ وَالْإِفْرَادُ، وَحَدِيثُ عَلِيٍّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٥٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَعْوَرُ، عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ) بسكون الميم في الأوَّل وضمِّها في الثَّاني وتشديد الرَّاء (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قَالَ: اخْتَلَفَ عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ وَهُمَا بِعُسْفَانَ) جملةٌ حاليَّةٌ، أي: كائنان بعُسْفان بضمِّ العين وسكون السِّين المهملتين وبالفاء وبعد الألف نونٌ: قريةٌ جامعةٌ بينها وبين مكَّة ستَّةٌ وثلاثون ميلًا (فِي المُتْعَةِ، فَقَالَ عَلِيٌّ) لعثمان: (مَا تُرِيدُ إِلَى أَنْ تَنْهَى) أي: ما تريد إرادةً منتهيةً إلى النَّهي، أو ضَمَّنَ الإرادةَ معنى الميل، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «إلَّا أن تنهى» بحرف الاستثناء (عَنْ أَمْرٍ فَعَلَهُ النَّبِيُّ ) صفةٌ لقوله: «عن أمرٍ»، والجملة حاليَّةٌ، قال ابن المُسيَّب: (فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ) النَّهيَ (عَلِيٌّ) (أَهَلَّ بِهِمَا) أي: بالحجِّ والعمرة (جَمِيعًا) وهذا هو القِرَان، قال في «الكواكب»: فإن قلت: الاختلاف بينهما كان في التَّمتُّع وهذا قرانٌ، فكيف يكون فعله مثبتًا لقوله نافيًا لقول صاحبه؟ وأجاب بأنَّ القِران أيضًا نوعٌ من التَّمتُّع لأنَّه يتمتَّع بما فيه من التَّخفيف، أو كان القران كالتَّمتُّع عند عثمان بدليل ما تقدَّم حيث قال: وأن يجمع بينهما، وكان حكمهما واحدًا عنده جوازًا ومنعًا، أو المراد بالمتعة العمرة في أشهر الحجِّ، سواءٌ كانت في ضمن الحجِّ أو متقدِّمةً عنه (١) منفردةً، وسبب تسميتها متعةً: ما فيها من التَّخفيف الذي هو تمتُّعٌ. انتهى.

وهذا الحديث قد (٢) تقدَّم قريبًا من وجهٍ آخر [خ¦١٥٦٣] (٣).

(٣٥) (بابُ مَنْ لَبَّى بِالحَجِّ وَسَمَّاهُ) أي: عيَّنه.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
الله أكبر