«خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥٥٦

الحديث رقم ١٥٥٦ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب كيف تهل الحائض والنفساء.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «خرجنا مع النبي ﷺ في حجة الوداع، فأهللنا…

«خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ : مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا. فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: انْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ، وَدَعِي الْعُمْرَةَ. فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا قَضَيْنَا الْحَجَّ، أَرْسَلَنِي النَّبِيُّ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ إِلَى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرْتُ، فَقَالَ: هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ. قَالَتْ: فَطَافَ الَّذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا».

سند حديث: ١٥٥٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ…

١٥٥٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ قَالَتْ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «خرجنا مع النبي ﷺ في حجة الوداع، فأهللنا…

تذكر عائشة رضي الله عنها قصةً تبين لنا مدى محبة النبي صلى الله عليه وسلم للسواك وتعلقه به، وذلك أن عبد الرحمن بن أبى بكر رضي الله عنه -أخا عائشة- دخل على النبي صلى الله عليه وسلم في حال النزع ومعه سواك رطب، يدلك به أسنانه.
فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم السواك مع عبد الرحمن، لم يشغله عنه ما هو فيه من المرض والنزع، من محبته له، فمدَّ إليه بصره، كالراغب فيه، ففطنت عائشة رضي الله عنها فأخذت السواك من أخيها، وقصت رأس السواك بأسنانها ونظفته وطيبته، ثم ناولته النبي صلى الله عليه وسلم ، فاستاك به.
فما رأت عائشة تسوكًا أحسن من تسوكه.
فلما طهر وفرغ من التسوك، رفع إصبعه، يوحد الله تعالى ، ويختار النقلة إلى ربه تعالى ، ثم توفي صلى الله عليه وسلم .
فكانت عائشة رضي الله عنها مغتبطة، وحُق لها ذلك، بأنه صلى الله عليه وسلم توفي ورأسه على صدرها.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • جواز الاستياك بالسواك الرطب.
  • محبة النبي -صلى الله عليه وسلم- للسواك.
  • قوة فطنة عائشة -رضي الله عنها-.
  • العمل بما يفهم من الإشارة والدلالة.
  • إصلاح السواك وتهيئته.
  • جواز الاستياك بسواك الغير بعد تطهيره وتنظيفه.
  • توكيد أمر السواك لكونه -صلى الله عليه وسلم- حرص عليه مع ما هو فيه من تعب المرض.
  • قوة قلب النبي -صلى الله عليه وسلم- ورباطة جأشه حيث لم يذهل عن التسوُّك والدعاء حال الموت.
  • استحباب الاستياك عند الاحتضار.
  • إثبات علو الله -عز وجل- في السماء.
  • فضيلة عائشة -رضي الله عنها- ووفاته -صلى الله عليه وسلم- في حِجرها، وبيتها، ويومها.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «خرجنا مع النبي ﷺ في حجة الوداع، فأهللنا…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

ذَلِكَ، وَرُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدِي لِمَا سَيَأْتِي فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ التَّصْرِيحِ بِنَحْوِ ذَلِكَ فِي أَحَادِيثَ أُخَرَ وَكَوْنُ ذَلِكَ كَانَ فِي الْمَنَامِ، وَالَّذِي قَبْلَهُ أَيْضًا لَيْسَ بِبَعِيدٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: تَوْهِيمُ الْمُهَلَّبِ لِلرَّاوِي وَهَمٌ مِنْهُ، وَإِلَّا فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ مُوسَى وَعِيسَى! لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ عِيسَى مُنْذُ رُفِعَ نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ، وإِنَّمَا ثَبَتَ أَنَّهُ سَيَنْزِلُ. قُلْتُ: أَرَادَ الْمُهَلَّبُ بِأَنَّ عِيسَى لَمَّا ثَبَتَ أَنَّهُ سَيَنْزِلُ كَانَ كَالْمُحَقَّقِ، فَقَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَلِهَذَا اسْتَدَلَّ الْمُهَلَّبُ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي فِيهِ: لَيُهِلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِالْحَجِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (إِذا انْحَدَرَ) كَذَا فِي الْأُصُولِ، وَحَكَى عِيَاضٌ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ أَنْكَرَ إِثْبَاتَ الْأَلِفِ وَغَلَّطَ رُوَاتَهُ، قَالَ: وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُ، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ إِذَا وَإِذْ هُنَا، لِأَنَّهُ وَصَفَهُ حَالَةَ انْحِدَارِهِ فِيمَا مَضَى. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ التَّلْبِيَةَ فِي بُطُونِ الْأَوْدِيَةِ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ، وَأَنَّهَا تَتَأَكَّدُ عِنْدَ الْهُبُوطِ كَمَا تَتَأَكَّدُ عِنْدَ الصُّعُودِ.

(تَنْبِيهٌ): لَمْ يُصَرِّحْ أَحَدٌ مِمَّنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ بِذِكْرِ النَّبِيِّ ، قَالَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ. وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مُرَادٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقُولُهُ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، وَلَا عَنْ غَيْرِ النَّبِيِّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣١ - بَاب كَيْفَ تُهِلُّ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ؟

أَهَلَّ: تَكَلَّمَ بِهِ. وَاسْتَهْلَلْنَا وَأَهْلَلْنَا الْهِلَالَ: كُلُّهُ مِنْ الظُّهُورِ. وَاسْتَهَلَّ الْمَطَرُ: خَرَجَ مِنْ السَّحَابِ، ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ وَهُوَ مِنْ اسْتِهْلَالِ الصَّبِيِّ.

١٥٥٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ : مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا. فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ وَدَعِي الْعُمْرَةَ. فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا قَضَيْنَا الْحَجَّ أَرْسَلَنِي النَّبِيُّ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ إِلَى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرْتُ، فَقَالَ: هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ. قَالَتْ: فَطَافَ الَّذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا واحدا بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا.

قَوْلُهُ: (بَابُ كَيْفَ تُهِلُّ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ)؛ أَيْ كَيْفَ تُحْرِمُ.

قَوْلُهُ: (أَهَلَّ تَكَلَّمَ بِهِ. . . إِلَخْ) هَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ. وَلَيْسَ هَذَا مُخَالِفًا لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ أَصْلَ الْإِهْلَالِ رَفْعُ الصَّوْتِ؛ لِأَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ يَقَعُ بِذِكْرِ الشَّيْءِ عِنْدَ ظُهُورِهِ.

قَوْلُهُ: (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، وَهُوَ مِنَ اسْتِهْلَالِ الصَّبِيِّ)؛ أَيْ أَنَّهُ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ بِذَلِكَ، فَاسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ أَيْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالصِّيَاحِ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ، وَأُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ أَيْ رُفِعَ الصَّوْتُ بِهِ عِنْدَ الذَّبْحِ لِلْأَصْنَامِ، وَمِنْهُ اسْتِهْلَالُ الْمَطَرِ وَالدَّمْعِ وَهُوَ صَوْتُ وَقْعِهِ بِالْأَرْضِ، وَمِنْ لَازِمِ ذَلِكَ الظُّهُورُ غَالِبًا.

قَوْلُهُ: (فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ) قَالَ عِيَاضٌ: اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِي إِحْرَامِ عَائِشَةَ اخْتِلَافًا كَثِيرًا. قُلْتُ: وَسَيَأْتِي بَسْطُ الْقَوْلِ فِيهِ بَعْدَ بَابَيْنِ فِي بَابِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: انْقُضِي رَأْسَكِ) هُوَ بِالْقَافِ وَبِالْمُعْجَمَةِ.

قَوْلُهُ: (وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ) وَهُوَ شَاهِدُ التَّرْجَمَةِ، وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ بِلَفْظِ: وَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ. وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(مِنَ) معنى (١) (الظُّهُورِ (٢)، وَ) من الظُّهور أيضًا (٣) (اسْتَهَلَّ المَطَرُ) أي: (خَرَجَ مِنَ السَّحَابِ) ومنه أيضًا قوله تعالى: (﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣]) أي: نُودِي عليه بغير اسم الله، وأصله: رفع الصَّوت (وَهْوَ مِنِ اسْتِهْلَالِ الصَّبِيِّ) أي: رفع صوته بالصِّياح عند الولادة، قال في «الفتح»: وهذا في رواية المُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ، وليس مخالفًا لما سبق من أنَّ أصل الاستهلال (٤) رفع الصَّوت لأنَّ رفع الصَّوت يقع بذكر الشَّيء عند ظهوره.

١٥٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ) لخمسٍ بقين من ذي القعدة (٥) (فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ) سُمِّيت بذلك لأنَّه ودَّع الناس فيها (فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ) أدخلناها على الحجِّ بعد أن أهللنا به في الابتداء كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى (ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ) لمن معه بعد إحرامهم بالحجِّ، ودنوِّهم من مكَّة بسَرِف كما في رواية عائشة، أو بعد طوافهم بالبيت كما في رواية جابرٍ، أو

قاله مرَّتين في الموضعين، وأنَّ العزيمة كانت آخرًا حين أمرهم بفسخ الحجِّ إلى العمرة: (مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدِْيٌّ) بإسكان الدَّال وتخفيف الياء وبكسر الدَّال وتشديد الياء، والأولى أفصح وأشهر: اسمٌ لِما يُهدَى إلى الحرم من الأنعام، وسَوْق الهدي سنَّةٌ لمن أراد الإحرام بحجٍّ أو عمرةٍ (فَلْيُهِلَّ بِالحَجِّ مَعَ العُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلَّ) وفي «اليونينيَّة»: بالنَّصب مُصْلَحٌ (١) (حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا) أي: من الحجِّ والعمرة (جَمِيعًا) وفيه دلالةٌ على أنَّ السَّبب في بقاء من ساق الهدي على إحرامه حتَّى يحلَّ من الحجِّ؛ كونه أدخل الحجَّ على العمرة لا مُجرَّد سوق الهدي كما يقوله أبو حنيفة وأحمد وموافقوهما (٢) من أنَّ المعتمر المتمتِّع إذا كان معه هديٌ لا يتحلَّل من عمرته حتَّى ينحر هديه يوم النَّحر، وقد تمسَّكوا بقوله في رواية عقيلٍ عن الزُّهريِّ في «الصَّحيحين»: فقال رسول الله : «من أحرم بعمرةٍ ولم يُهْدِ فَلْيُحْلِل، ومن أحرم بعمرةٍ وأهدى فلا يُحِلَّ حتَّى ينحر هديه، ومن أهلَّ بحجٍّ فليتمَّ حجَّه» [خ¦٣١٩] وهي ظاهرةٌ في الدَّلالة لمذهبهم، لكن تأوَّلها الشَّافعيَّة على أنَّ معناها: ومن أحرم بعمرةٍ وأهدى فليهلل بالحجِّ، ولا يحلُّ حتَّى ينحر هديه، واستدلُّوا لصحَّة هذا التَّأويل بهذه الرِّواية لأنَّ القصَّة واحدةٌ والرَّاوي واحدٌ، فتعيَّن الجمع بين الرِّوايتين.

قالت عائشة: (فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ) جملةٌ اسميَّةٌ وقعت حالًا، وكان ابتداء حيضها بسَرِفٍ يوم السَّبت لثلاث ليالٍ (٣) خلون من ذي الحجَّة (وَلَمْ أَطُفْ بِالبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ) عطفٌ على المنفيِّ قبله، على تقدير: ولم أسعَ، وهو من باب:

علفتها تبنًا وماءً باردًا ...................

ويجوز أن يقدِّر: ولم أَطُفْ بين الصَّفا والمروة، على طريق المجاز لِمَا في الحديث: «وطاف بالصَّفا والمروة سبعة أطوافٍ» [خ¦١٦٩١] وإنَّما ذهب إلى التَّقدير دون الانسحاب لئلَّا يلزم استعمال اللَّفظ الواحد (٤) حقيقةً ومجازًا في حالةٍ واحدةٍ، قاله في «شرح المشكاة» (فَشَكَوْتُ

ذَلِكَ) أي: ترك الطَّواف بالبيت، وبين الصَّفا والمروة بسبب الحيض (إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: انْقُضِي رَأْسَكِ) بالقاف المضمومة والضَّاد المعجمة المكسورة من النَّقض، أي: حلِّي ضفر شعر رأسك (وَامْتَشِطِي) أي: سرِّحيه بالمشط (وَأَهِلِّي بِالحَجِّ، وَدَعِي العُمْرَةَ) أي: عملها؛ من الطَّواف والسَّعي وتقصير الشَّعر، لا أنَّها تدع العمرة نفسها، وحينئذٍ فتكون قارنةً؛ كذا تأوَّله الشَّافعيُّ، والحاصل: أنَّها أحرمت بالحجِّ ثمَّ فسخته إلى العمرة حين أمر النَّاس بذلك، فلمَّا حاضت وتعذَّر عليها إتمام العمرة والتَّحلُّل منها وإدراك الإحرام بالحجِّ أمرها بالإحرام بالحجِّ، فأحرمت به فصارت مُدخِلةً للحجِّ على العمرة وقارنةً، لكن استشكل الخطَّابيُّ قوله لها: «انقضي رأسك وامتشطي» لأنَّه ظاهرٌ في إبطال العمرة لأنَّ المُحرِم لا يفعل مثل ذلك (١)؛ لأنَّه يؤدِّي إلى انتتاف الشَّعر، وأُجيب بأنَّه لا يلزم من ذلك إبطال العمرة، فإنَّ نقض الرَّأس (٢) والامتشاط جائزان في الإحرام إذا لم يؤدِّ إلى انتتاف الشَّعر، لكن يُكرَه الامتشاط لغير عذرٍ، أو أنَّ ذلك كان بسبب أذًى كان برأسها، فأُبيح لها كما أُبيح لكعب بن عُجْرة في حلق رأسه للأذى، أو المراد بالامتشاط: تسريح الشَّعر بالأصابع لغسل (٣) الإحرام بالحجِّ، ولا سيَّما إن كانت مُلبِّدةً فتحتاج إلى نقض الضَّفر ثمَّ تضفره كما كان ويلزم منه نقضه، ويشهد لِما أوَّله الشَّافعيُّ -رحمة الله عليه- قولُه في الحديث الآخر: «قد حللت من حجَّتك وعمرتك جميعًا» وقوله في الحديث الآخر: «طوافك وسعيك كافيك لحجِّك وعمرتك» فهو صريحٌ (٤) في أنَّها كانت قارنة لكن عند المؤلِّف في «باب التَّمتُّع والإقران» (٥) من طريق الأسود عنها: أنَّها قالت: «يا رسول الله يرجع النَّاس بعمرةٍ وحجٍّ، وأرجع أنا بحجَّةٍ» [خ¦١٥٦١] وزاد في رواية عطاء عنها عند أحمد: «ليس معها عمرةٌ» وهذا يقوِّي قول الحنفيَّة: إنَّها تركت العمرة وحجَّت مفردةً متمسِّكين بقوله لها: «دعي عمرتك»، واستدلَّوا به على أنَّ المرأة إذا أهلَّت بالعمرة متمتِّعةً

فحاضت قبل أن تطوف تترك العمرة وتهلُّ بالحجِّ مُفرِدةً (١)؛ كما صنعت عائشة ، لكن قال في «الفتح»: إنَّ (٢) في رواية عطاءٍ عنها ضعفًا، والرَّافع للإشكال في ذلك ما رواه مسلمٌ من حديث جابرٍ: أنَّ عائشة أهلَّت بعمرةٍ حتَّى إذا كانت بسَرِف حاضت، فقال لها رسول الله : «أهلِّي بالحجِّ» حتَّى إذا طهرت طافت بالكعبة وسَعَتْ، فقال: «قد حللت من حجِّك وعمرتك» فقالت (٣): يا رسول الله، إنِّي أجد في نفسي أنِّي لم أَطُفْ بالبيت حتَّى حججت، قال: «فأَعْمِرْها من التَّنعيم»، قالت عائشة : (فَفَعَلْتُ) بسكون اللَّام، ما ذَكَرَ من النَّقض والامتشاط والإهلال بالحجِّ، وترك عمل العمرة، وهذا موضع التَّرجمة.

(فَلَمَّا قَضَيْنَا الحَجَّ) أي: وطهرتُ يوم النَّحر (أَرْسَلَنِي النَّبِيُّ مَعَ) أخي (عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (إِلَى التَّنْعِيمِ) المشهور بمسجد عائشة (فَاعْتَمَرْتُ، فَقَالَ) : (هَذِهِ) العمرة (مَكَانَُ عُمْرَتِكِ) برفع «مكانُ» خبرًا لقوله: «هذه»، أو بالنَّصب -وهو الذي في «اليونينيَّة» لا غير (٤) - على الظَّرفيَّة، وعامله المحذوف هو الخبر، أي: كائنةٌ أو مجعولةٌ مكان عمرتك، قال القاضي عياضٌ: والرَّفع أوجه عندي إذ لم يرد به الظَّرف، إنَّما أراد عوض عمرتك، فمن قال: كانت قارنةً قال: مكان عمرتك التي أردت أن تأتي بها مفردةً، وحينئذٍ فتكون عمرتها من التَّنعيم تطوُّعًا لا عن فرضٍ، لكنَّه أراد تطييب نفسها بذلك، ومن قال: كانت مفردةً قال: مكان عمرتك التي فسخت الحجَّ إليها، ولم تتمكَّني من الإتيان بها للحيض. وقال السُّهيليُّ: الوجه النَّصب على الظَّرف لأنَّ العمرة ليست بمكانٍ لعمرةٍ أخرى، لكن إن جعلتَ «مكان» بمعنى «عوض» أو «بدل» مجازًا -أي: هذه بدل عمرتك- جاز الرَّفع حينئذٍ.

(قَالَتْ) عائشة : (فَطَافَ الَّذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا بِالعُمْرَةِ بِالبَيْتِ و) سعوا أو (٥) طافوا (بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ) لأجل العمرة (ثُمَّ حَلُّوا) منها بالحلق أو التَّقصير (ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا)

للحجِّ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «طوافًا آخر» (بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا) لأنَّ القارن يكفيه طوافٌ واحدٌ وسعيٌ واحدٌ لأنَّ أفعال العمرة تندرج في أفعال الحجِّ، وهو مذهب الشَّافعيِّ ومالكٍ وأحمد والجمهور، خلافًا للحنفيَّة حيث قالوا: لا بدَّ للقارن من طوافين وسعيين لأنَّ القِران هو الجمع بين العبادتين، فلا يتحقَّق إلَّا بالإتيان بأفعالِ كلٍّ منهما، والطَّواف والسَّعي مقصودان فيهما فلا يتداخلان إذ لا تداخُلَ في العبادات، وهو محكيٌّ عن أبي بكرٍ وعمر وعليِّ بن أبي طالبٍ وابن مسعودٍ والحسن بن عليٍّ، ولا يصحُّ عن واحدٍ منهم (١)، واستدلَّ بعضهم له بحديث ابن عمر عند الدَّارقطنيِّ بلفظ: «إنَّه جمع بين حجَّةٍ وعمرةٍ معًا، وطاف لهما طوافين وسعىَ لهما سعيين» وقال: هكذا رأيت رسول الله صنع، وبحديث عليٍّ عند الدَّارقطنيِّ أيضًا (٢)، وبحديث ابن مسعودٍ وحديث عمران بن حصينٍ عنده أيضًا، وكلُّها مطعونٌ فيها لِمَا في رواتها من الضَّعف المانع للاحتجاج بها، والله أعلم.

وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا (٣) في «الحجِّ» [خ¦١٧٨٣] و «المغازي» [خ¦٤٣٩٥]، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «الحجِّ»، وكذا ابن ماجه، والله أعلم.

(٣٢) (بَابُ مَنْ أَهَلَّ) (٤) أي: أهلَّ على الإبهام من غير تعيينٍ (فِي زَمَنِ النَّبِيِّ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ ) فأقَّره النَّبيُّ عليه (٥)، وتقييده في التَّرجمة بزمنه إشارةٌ إلى أنَّه لا يجوز بعد ذلك، لنا: أنَّ (٦) الأصل عدم الخصوصيَّة، فيجوز أن يحرم كإحرام زيدٍ، فإن لم يكن زيدٌ محرمًا انعقد إحرامهمطلقًا، ولغت الإضافة لزيدٍ، وإن كان زيدٌ محرمًا انعقد إحرامه

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

أَن يكون مثلت لَهُم أَحْوَالهم الَّتِي كَانَت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا كَيفَ تعبودا وَكَيف حجُّوا وَكَيف لبوا، وَلِهَذَا قَالَ: كَأَنِّي، وَيحْتَمل أَن يكون إخْبَاره ذَلِك بِالْوَحْي عَنهُ، وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك فِي الْمَنَام، ومنام الْأَنْبِيَاء وَحي، وَحَدِيث مُسلم الْمَذْكُور حجَّة على الْمُهلب، ورد لما قَالَه وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْمُنَاسب لذكر الدَّجَّال ذكر عِيسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، قلت: قَالَ ذَلِك بِالنّظرِ إِلَى أَن عِيسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، هُوَ الَّذِي يقتل الدَّجَّال، وَلَو كَانَ لَهُ اطلَاع على الحَدِيث الْمَذْكُور لما ادّعى هَذِه الْمُنَاسبَة.

١٣ - (بابٌ كيُفَ تُهِلُ الحَائِضُ والنُّفَساءُ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَيْفيَّة إهلال الْحَائِض وَالنُّفَسَاء، وَالْمرَاد بالإهلال الْإِحْرَام.

أهَلَّ تَكَلَّمَ بِهِ وَاسْتَهْلَلْنَا وأهْلَلْنَا الهِلَالَ كُلّهُ مِنَ الظّهُورِ وَاسْتَهَلَّ المَطَرُ خَرَجَ مِنَ السَّحَابِ وَمَا أُهِلَّ لِغيرِ الله وَهْوَ مِنِ اسْتِهْلالِ الصَّبِيِّ

جرى البُخَارِيّ على دأبه أَنه إِذا رأى مَادَّة من الْكَلَام تسْتَعْمل فِي معانٍ كَثِيرَة مِمَّا جَاءَ فِي الْكتاب أَو فِي السّنة يذكر ذَلِك ويبينه، وَذكر أَشْيَاء مِنْهَا، قَوْله: (أهلَّ: تكلم بِهِ) يَعْنِي: إِذا تكلم أظهره مَا فِي قلبه. وَمِنْهَا قَوْله: (استهللنا وأهللنا الْهلَال) ، يَعْنِي: طلبنا ظُهُوره، وَيُقَال: أهل الْهلَال واستهل، على مَا لم يسم فَاعله، وَيُقَال أَيْضا: اسْتهلّ على صِيغَة الْمَعْلُوم، وَمَعْنَاهُ: تبين، وَلَا يُقَال أهلَّ. وَيُقَال: أَهْلَلْنَا عَن لَيْلَة كَذَا، وَلَا يُقَال: أهللناه فَهَل، كَمَا يُقَال: أدخلْنَاهُ فَدخل وَهُوَ قِيَاسه. وَمِنْهَا: (اسْتهلّ الْمَطَر) إِذا ظهر نُزُوله من السَّحَاب بِصَوْت، وَيُقَال: تهلل وَجه الرجل من فرحه، واستهل إِذا ظهر سروره، وتهللت دُمُوعه إِذا سَالَتْ، وانهلت السَّمَاء: صبَّتْ، وانهل الْمَطَر إنهلالاً إِذا سَالَ بِشدَّة، وَمِنْهَا قَوْله: {وَمَا أهلَّ لغير الله} مَعْنَاهُ: إِذا نُودي عَلَيْهِ بِغَيْر إسم الله، وَأَصله رفع صَوت الذَّابِح عِنْد الذّبْح. وَمِنْهَا قَوْله: (وَهُوَ من استهلال الصَّبِي) وَهُوَ ظُهُور صياحه عِنْد الْولادَة، وَمِنْه: أهل الْمُعْتَمِر، إِذا رفع صَوته بِالتَّلْبِيَةِ. قَوْله: (كُله من الظُّهُور) أَي: كل وَاحِد من أهلَّ واستهللنا، وأهللنا من الظُّهُور، وَهَذَا كَانَ مَحَله أَن يذكر بعد قَوْله: (وَهُوَ من استهلال الصَّبِي) ، لِأَن جَمِيع مَا ذكره من الْموَاد الْمَذْكُورَة من الظُّهُور، وَذكره بعد قَوْله: (وأهللنا الْهلَال) فِي غير مَحَله.

٦٥٥١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ قَالَ حدَّثنا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا زَوْجَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَتْ خَرَجْنا مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ فأهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ قالَ النبيُّ مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالحَجِّ مَعَ العُمْرَةِ ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعا فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وأنَا حائِضٌ ولَمْ أطُفْ بِالبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ فشَكَوْتُ ذالكَ إلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقالَ انْقُضِي رأْسَكِ وَامتَشِطِي وَأهِلِّي بالحَجِّ ودعِي العُمْرَةَ فَفَعَلْتُ فلَمَّا قَضَيْنَا الحَجَّ أرْسَلَنِي النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ أبي بَكْرٍ إِلَى التَّنْعِيمَ فاعْتَمَرْتُ فَقَالَ هاذَا مَكانُ عُمْرَتِكَ قالَتْ فَطَافَ الَّذِينَ كانُوا أهَلُّوا بِالعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ ثُمَّ أحَلُّوا ثُمَّ طَافُوا طَوَافا وَاحِدا بَعْدَ أنْ رَجَعُوا مِنْ مِنىً وَأمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ فإنَّمَا طافُوا طَوَافا واحِدا..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (انقضي رَأسك وامتشطي) إِلَى قَوْله: (هَذِه مَكَان عمرتك) .

وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم، وَعبد الله بن مسلمة، بِفَتْح الميمين: هُوَ القعْنبِي، وَابْن شهَاب: هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي الْحيض، وَعقد لَهُ بَابا بقوله: بَاب كَيفَ تهل الْحَائِض بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة: حَدثنَا يحيى بن بكير، قَالَ: حَدثنَا اللَّيْث عَن عقيل عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، قَالَت: خرجنَا مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ... الحَدِيث، وَبَين الطَّرِيقَيْنِ والمتن

تفَاوت يسير يعرف بِالنّظرِ، وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْحَج عَن عبد الله بن يُوسُف، وَفِي الْمَغَازِي عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الله. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي عَن مَالك. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن أبي مُصعب عَن مَالك. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن سَلمَة والْحَارث بن مِسْكين وَعَن مُحَمَّد بن يحيى النَّيْسَابُورِي، وَعَن يَعْقُوب الدَّوْرَقِي، وَفِيه وَفِي الطَّهَارَة عَن مُحَمَّد بن عبد الله، وَفِي الطَّهَارَة أَيْضا عَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن هِشَام بن عمار وَأبي مُصعب، كِلَاهُمَا عَن مَالك.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي حجَّة الْوَدَاع) ، وَكَانَت فِي سنة عشر من الْهِجْرَة، وَلم يحجّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْمَدِينَة بعد الْهِجْرَة غَيرهَا وَمَا قبلهَا لما كَانَ بِمَكَّة حج حجَجًا لَا يعلم عَددهَا إِلَّا الله، وَسميت: حجَّة الْوَدَاع: لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعظهم وودعهم، فسميت بذلك حجَّة الْوَدَاع. قَوْله: (فأهللنا بِعُمْرَة) قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: تقدم فِي: بَاب الْحيض، وَسَيَجِيءُ فِي: بَاب التَّمَتُّع، أَنهم كَانُوا لَا يرَوْنَ إِلَّا الْحَج؟ قلت: مَعْنَاهُ: وَلَا يرَوْنَ عِنْد الْخُرُوج إلَاّ ذَلِك فَبعد ذَلِك أَمرهم رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بالاعتمار رفعا لما اعتقدوا من حُرْمَة الْعمرَة فِي أشهر الْحَج. انْتهى. قلت: لَو وقف الْكرْمَانِي على الرِّوَايَات الَّتِي رويت عَن عَائِشَة لما احْتَاجَ إِلَى هَذَا السُّؤَال وَلَا إِلَى الْجَواب عَنهُ: فَإِن الرِّوَايَات اخْتلفت فِي إِحْرَام عَائِشَة اخْتِلَافا كثيرا، فههنا فأهللنا بِعُمْرَة، وَفِي أُخْرَى: فمنا من أهل بِعُمْرَة وَمنا من أهل بِحَجّ. قَالَت: وَلم أهل إلَاّ بِعُمْرَة. وَفِي أُخْرَى: خرجنَا لَا نُرِيد إلَاّ الْحَج، وَفِي أُخْرَى: لبينا بِالْحَجِّ، وَفِي أُخْرَى: مهلين بِالْحَجِّ، وَالْكل صَحِيح. وَفِي رِوَايَة: وَكنت مِمَّن تمتّع وَلم يسق الْهَدْي. وَقَالَ أَبُو عمر: وَالْأَحَادِيث عَن عَائِشَة فِي هَذَا مضطربة جدا، وَكَذَا قَالَ القَاضِي عِيَاض، وَذكر أَن فِي الرِّوَايَات عَنْهَا اخْتِلَافا شَدِيدا. وَقَالَ ابْن عبد الْبر فِي (تمهيده) : دفع الْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر وَابْن علية حَدِيث عُرْوَة هَذَا، وَقَالُوا: هُوَ غلط لم يُتَابع عُرْوَة على ذَلِك أحد من أَصْحَاب عَائِشَة. وَقَالَ إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق: اجْتمع هَؤُلَاءِ يَعْنِي: الْقَاسِم وَالْأسود وَعمرَة على أَن أم الْمُؤمنِينَ كَانَت مُحرمَة بِحجَّة لَا بِعُمْرَة، فَعلمنَا بذلك أَن الرِّوَايَة الَّتِي رويت عَن عُرْوَة غلط، لِأَن عُرْوَة قَالَ فِي رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن هِشَام عَنهُ: حَدثنِي غير وَاحِد أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ لَهَا: دعِي عمرتَكِ، فَدلَّ على أَنه لم يسمع الحَدِيث مِنْهَا. وَقَالَ ابْن حزم: حَدِيث أبي الْأسود عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، وَحَدِيث يحيى بن عبد الرَّحْمَن بن حَاطِب عَنْهَا منكران وخطآن عِنْد أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ، وَقد سبقَنا إِلَى تخطئة حَدِيث أبي الْأسود هَذَا أَحْمد بن حَنْبَل، وَقَالَ مَالك: لَيْسَ الْعَمَل عندنَا على حَدِيث عُرْوَة عَنْهَا قَدِيما وَلَا حَدِيثا. قَوْله: (من كَانَ مَعَه هدي) بِسُكُون الدَّال أَو بِكَسْرِهَا وَتَشْديد الْيَاء وَإِسْكَان الدَّال أفْصح، وَسوى بَينهمَا ثَعْلَب، وَالتَّخْفِيف لُغَة أهل الْحجاز، والتثقيل لُغَة تَمِيم، وَوَاحِد الْهَدْي: هَدِيَّة، وَقد قرى مُبْهما جَمِيعًا فِي قَوْله: {حَتَّى يبلغ الْهَدْي مَحَله} (الْبَقَرَة: ٦٩١) . وَهُوَ مَا يهدي إِلَى الْحرم من النعم. قَوْله: (مِنْهُمَا) أَي: من الْحَج وَالْعمْرَة. قَوْله: (فَقدمت) ، بِضَم التَّاء، وَهُوَ إِخْبَار عَائِشَة عَن نَفسهَا. قَوْله: (وَأَنا حَائِض) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (ذَلِك) أَي: ترك الطّواف بِالْبَيْتِ وَبَين الصَّفَا والمروة بِسَبَب الْحيض. قَوْله: (انقضي رَأسك) من النَّقْض، بالنُّون وَالْقَاف وَالضَّاد الْمُعْجَمَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَيجوز بِالْفَاءِ إِن صحت الرِّوَايَة. قلت: لِأَن كلا مِنْهُمَا بِمَعْنى، وَلَكِن رِوَايَة الْفَاء مَا ثبتَتْ. قَوْله: (وامتشطي) ، من امتشاط الشّعْر وَهُوَ: تسريحه. قَوْله: (ودعي الْعمرَة) يدل على أَنَّهَا كَانَت قارنة. قَوْله: (فَفعلت) أَي: نقض الرَّأْس والامتشاط. قَوْله: (مَعَ عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر) ، هُوَ أَخُوهَا شقيقها، وأمهما أم رُومَان بنت عَامر. قَوْله: (إِلَى التَّنْعِيم) ، قد مر تَفْسِيره مرّة، وَهُوَ طرف حرم مَكَّة من نَاحيَة الشَّام، وَهُوَ الْمَشْهُور بمساجد عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَوْله: (هَذِه مَكَان عمرتك) بِرَفْع مَكَان على أَنه خبر، أَي: عوض عمرتك الْفَائِتَة، وَيجوز بِالنّصب على الظّرْف، قيل: النصب أوجه، وَلَا يجوز غَيره، وَالْعَامِل فِيهِ مَحْذُوف تَقْدِيره: هَذِه كائنة مَكَان عمرتك أَو مجعولة مَكَانهَا. قَالَ القَاضِي عِيَاض: وَالرَّفْع أوجه عِنْدِي إِذْ لم يرد بِهِ الظّرْف، إِنَّمَا أَرَادَ عوض عمرتك، فَمن قَالَ: كَانَت قارنة، قَالَ: مَكَان عمرتك الَّتِي أردْت أَن تَأتي بهَا مُفْردَة، وَمن قَالَ: كَانَت مُفْردَة، قَالَ: مَكَان عمرتك الَّتِي فسخت الْحَج إِلَيْهَا وَلم تتمكني من الْإِتْيَان بهَا للْحيض، وَكَانَ ابْتِدَاء حَيْضهَا يَوْم السبت لثلاث خلون من ذِي الْحجَّة بسرف، وطهرت يَوْم السبت وَهُوَ يَوْم النَّحْر. قَوْله: (وَبَين الصَّفَا والمروة)

أَي: وطافوا بَين الصَّفَا والمروة، وَأَرَادَ بِهِ السَّعْي بَينهمَا. قَوْله: (طَوافا وَاحِدًا) فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني والجرجاني: (طَوافا آخر) . وَقَالَ عِيَاض هُوَ الصَّوَاب.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: الْحجَّة لمن يَقُول بأفضلية الْقُرْآن لقَوْله: فَمن كَانَ مَعَه هدي فليهل بِالْحَجِّ مَعَ الْعمرَة، وَهَذَا هُوَ الْقُرْآن، لِأَن فِيهِ الْجمع بَين النُّسُكَيْنِ فِي سفرة وَاحِدَة. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: ظَاهره أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمرهم بِالْقُرْآنِ. وَقَوله: (ثمَّ لَا يحل حَتَّى يحل مِنْهُمَا جَمِيعًا) هَذَا هُوَ حكم الْقُرْآن بِلَا نزاع، وَمِمَّنْ ذهب إِلَى تَفْضِيل الْقُرْآن بِهِ وبالأحاديث الَّتِي ذَكرنَاهَا الدَّالَّة على أَفضَلِيَّة الْقُرْآن، وعَلى أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ قَارنا فِي حجَّة الْوَدَاع: شَقِيق بن سَلمَة وَالثَّوْري وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَإِسْحَاق والمزني من أَصْحَاب الشَّافِعِي، وَأَبُو إِسْحَاق الْمروزِي وَابْن الْمُنْذر، وَهُوَ قَول عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَفِي (الْمُجَرّد) . وَإِمَّا حج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَاخْتلف فِيهِ بِحَسب الْمذَاهب، وَالْأَظْهَر قَول أَحْمد: لَا أَشك أَنه كَانَ قَارنا، والمتعة أحب إِلَيّ. فَإِن قلت: قد رُوِيَ: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أفرد الْحَج، وَرُوِيَ: أَنه تمتّع، وَرُوِيَ: أَنه قرن، فَمَا التَّوْفِيق فِيهَا؟ قلت: قَالَ الطَّحَاوِيّ: طَرِيق التَّوْفِيق فِيهَا أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أحرم بِعُمْرَة فِي بَدْء أمره فَمضى فِيهَا مُتَمَتِّعا، ثمَّ أحرم بِحجَّة قبل طَوَافه وإفرادها بِالْإِحْرَامِ، فَصَارَ بهَا قَارنا. فَإِن قلت: فِيهِ إِدْخَال الْحَج على الْعمرَة فَمَا حكمه؟ قلت: قَالَ القَاضِي عِيَاض: اتّفق الْعلمَاء على جَوَاز إِدْخَال الْحَج على الْعمرَة، وشذ بعض النَّاس فَمَنعه، وَقَالَ: لَا يدْخل بِإِحْرَام على إِحْرَام، كَمَا فِي الصَّلَاة. وَاخْتلفُوا فِي عَكسه، وَهُوَ إِدْخَال الْعمرَة على الْحَج، فجوزه أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم، وَمنعه آخَرُونَ، وَقَالُوا: هَذَا كَانَ خَاصّا بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قُلْنَا: دَعْوَى الخصوصية تحْتَاج إِلَى دَلِيل.

وَفِيه: أَن الْمُتَمَتّع إِذا فرغ من أَعمال الْعمرَة لم يحل حَتَّى يحرم بِالْحَجِّ إِذا كَانَ مَعَه هدي، وَهُوَ مَذْهَب أَصْحَابنَا عملا بقوله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لَهَا بِنَقْض رَأسهَا ثمَّ بالامتشاط، فَقَالَ الشَّافِعِي: تَأْوِيله أَنه أَمر لَهَا أَن تدع الْعمرَة وَتدْخل عَلَيْهَا الْحَج فَتَصِير قارنة. وَقَالَ ابْن حزم: وَالصَّحِيح أَنَّهَا كَانَت قارنة. وَقَالَ الْخطابِيّ: الحَدِيث مُشكل جدا إلَاّ أَن يؤول على التَّرَخُّص لَهَا أَن تدع الْعمرَة وَتدْخل على الْحَج، فَتكون قارنة. لَا أَن تدع الْعمرَة نَفسهَا. فَإِن قلت: يوهن هَذَا التَّأْوِيل لفظ: (انقضي رَأسك وامتشطي) . قلت: لَا، لِأَن نقض الرَّأْس والامتشاط جائزان فِي الْإِحْرَام بِحَيْثُ لَا تنتف شعرًا، وَقد يتَأَوَّل بِأَنَّهَا كَانَت معذورة بِأَن كَانَ برأسها أَذَى، فأباح لَهَا كَمَا أَبَاحَ لكعب بن عجْرَة للأذى. وَقيل: المُرَاد بالامتشاط تَسْرِيح الشّعْر بالأصابع لغسل الْإِحْرَام بِالْحَجِّ، وَيلْزمهُ مِنْهُ نقضه.

وَفِيه: فِي قَوْلهَا: (فَقدمت مَكَّة وَأَنا حَائِض وَلم أطف بِالْبَيْتِ وَلَا بَين الصَّفَا والمروة) قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: فِيهِ دلَالَة على أَن طواف الْمُحدث لَا يجوز، وَلَو كَانَ ذَلِك لأجل الْمَسْجِد لقَالَ: لَا يدْخل الْمَسْجِد، وَقد اخْتلفُوا فِيهِ، فَعَن أَحْمد: طواف الْمُحدث وَالْجنب لَا يَصح، وَعنهُ: يَصح. وَقَالَ أَصْحَابنَا: الطَّهَارَة لَيست بِشَرْط فَلَو طَاف وَعَلِيهِ نَجَاسَة أَو طَاف مُحدثا أَو جنبا صَحَّ طَوَافه، لقَوْله تَعَالَى: {وليطوفوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق} (الْحَج: ٩٢) . أَمر بِالطّوافِ مُطلقًا، وتقييده بِالطَّهَارَةِ بِخَبَر الْوَاحِد زِيَادَة على النَّص فَلَا يجوز، وَلَكِن إِن طَاف مُحدثا فَعَلَيهِ شَاة، وَإِن طَاف جنبا فَعَلَيهِ بَدَنَة، ويعيده مَا دَامَ فِي مَكَّة، وَعَن دَاوُد: الطَّهَارَة لَهُ وَاجِبَة. فَإِن طَاف مُحدثا أَجزَأَهُ إلَاّ الْحَائِض. وَعند الشَّافِعِي: الطَّهَارَة شَرط فَلَا يَصح بِدُونِهَا، وَمذهب الْجُمْهُور: أَن السَّعْي يَصح من الْمُحدث وَالْجنب وَالْحَائِض. وَعَن الْحسن: أَنه إِن كَانَ قبل التَّحَلُّل أعَاد السَّعْي، وَإِن كَانَ بعده فَلَا شَيْء عَلَيْهِ.

وَفِيه: حجَّة لمن قَالَ: الطّواف الْوَاحِد وَالسَّعْي الْوَاحِد يكفيان للقارن، وَهُوَ مَذْهَب عَطاء وَالْحسن وطاووس، وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد وَالشَّافِعِيّ وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَدَاوُد، وَقَالَ مُجَاهِد وَجَابِر بن زيد وَشُرَيْح القَاضِي وَالشعْبِيّ وَمُحَمّد بن عَليّ بن حُسَيْن وَالنَّخَعِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَالْأسود بن يزِيد وَالْحسن بن حَيّ وَحَمَّاد بن سَلمَة وَحَمَّاد ابْن سُلَيْمَان وَالْحكم بن عُيَيْنَة وَزِيَاد بن مَالك وَابْن شبْرمَة وَابْن أبي ليلى وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه: لَا بُد للقارن من طوافين وسعيين، وَحكي ذَلِك عَن عمر وَعلي وإبنيه: الْحسن وَالْحُسَيْن، وَابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، هُوَ رِوَايَة عَن أَحْمد. وروى مُجَاهِد عَن ابْن عمر أَنه جمع بَين الْحَج وَالْعمْرَة، وَقَالَ: سبيلهما وَاحِد، وَطَاف لَهما طوافين وسعى لَهما سعيين، وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يصنع كَمَا صنعت، وَعَن عَليّ: أَنه جمع بَينهمَا، وَفعل ذَلِك ثمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْت رَسُول الله

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَذَا عَن عَلْقَمَة عَن ابْن مَسْعُود قَالَ: طَاف رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لعمرته وحجته طوافين وسعى سعيين، وَأَبُو بكر وَعمر وَعلي، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن وَضَعفه، وَالله أعلم.

٢٣ - (بابُ مَنْ أهَلَّ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ كإهْلالِ النبيِّ قالَهُ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من أهلَّ، أَي: أحرم فِي زمن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كإهلال النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى جَوَاز الْإِحْرَام على الْإِيهَام ثمَّ يصرفهُ الْمحرم لما شَاءَ لكَون ذَلِك وَقع فِي زَمَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم يَنْهَهُ عَن ذَلِك، وَقيل: كَانَ البُخَارِيّ لما لم ير إِحْرَام التَّقْلِيد وَلَا الْإِحْرَام الْمُطلق ثمَّ يعين بعد ذَلِك أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة بقوله: بَاب من أهل فِي زمن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كإهلاله، إِلَى أَن هَذَا خَاص بذلك الزَّمن، فَلَيْسَ لأحد أَن يحرم مَا أحرم بِهِ فلَان، بل لَا بُد أَن يعين الْعِبَادَة الَّتِي يَرَاهَا، ودعت الْحَاجة إِلَى الْإِطْلَاق وَالْحوالَة على إِحْرَامه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لِأَن عليا وَأَبا مُوسَى لم يكن عِنْدهمَا أصل يرجعان إِلَيْهِ فِي كَيْفيَّة الْإِحْرَام، فأحالا على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَأَما الْآن فقد اسْتَقَرَّتْ الْأَحْكَام وَعرفت مَرَاتِب كيفيات الْإِحْرَام. انْتهى. قلت: هَذَا الَّذِي قَالَه سلمناه فِي بعضه، وَلَا نسلم فِي قَوْله: كَانَ البُخَارِيّ لم ير إِحْرَام التَّقْلِيد وَلَا الْإِحْرَام الْمُطلق، أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى هَذَا خَاص بذلك الزَّمن، لِأَنَّهُ ذكر فِي التَّرْجَمَة مُطلقًا. من أهل كإهلال النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَمن أَيْن تَأتي هَذِه الْإِشَارَة إِلَى مَا ذكره؟ فالترجمة ساكتة عَن ذَلِك وَلَا يُعلم رَأْي البُخَارِيّ فِي هَذَا الحكم مَا هُوَ؟ فَافْهَم. قَوْله: (قَالَ ابْن عمر) أَي: قَالَ هَذَا الْمَذْكُور الَّذِي هُوَ التَّرْجَمَة عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَيُشِير بِهِ إِلَى مَا أخرجه فِي: بَاب بعث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِلَى الْيمن، فِي (كتاب الْمَغَازِي) من طَرِيق بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ عَن ابْن عمر، فَذكر حَدِيثا فِيهِ: (فَقدم علينا عَليّ بن أبي طَالب من الْيمن حَاجا، فَقَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: بِمَ أَهلَلْت فَإِن مَعنا أهلك؟ فَقَالَ: أَهلَلْت بِمَا أهلَّ بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. .) الحَدِيث. وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ: (فَإِن مَعنا أهلك) لِأَن فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، كَانَت قد تمتعت بِالْعُمْرَةِ وَأحلت، كَمَا بَينه مُسلم فِي حَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهُوَ قَوْله: (وَقدم علينا عَليّ من الْيمن ببدن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَوجدَ فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، مِمَّن حل ولبست ثيابًا صبيغا واكتحلت إِلَى أَن قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَاذَا قلت حِين فرضت الْحَج؟ قَالَ: قلت: أللهم إِنِّي أهل بِمَا أهل بِهِ رَسُولك. قَالَ: فَإِن معي الْهَدْي فَلَا تحل) . وَفِي هَذَا دَلِيل لمَذْهَب الشَّافِعِي وَمن وَافقه، فَإِنَّهُ يَصح الْإِحْرَام مُعَلّقا بِأَن يَنْوِي إحراما كإحرام زيد، فَيصير هَذَا الْمُعَلق كإحرام زيد، فَإِن كَانَ زيد أحرم بِحَجّ كَانَ هَذَا بِحَجّ أَيْضا، وَإِن كَانَ بِعُمْرَة فبعمرة، وَإِن كَانَ بهما فبهما، فَإِن كَانَ زيد أحرم مُطلقًا صَار هَذَا محرما وإحراما مُطلقًا، فيصرفه إِلَى مَا شَاءَ من حج أَو عمْرَة وَلَا يلْزمه مُوَافقَة زيد فِي الصّرْف، قَالَه النَّوَوِيّ: وَحكى الرَّافِعِيّ وَجها أَنه يلْزمه مُوَافَقَته فِي الصّرْف، وَالصَّوَاب الأول، وَلَا يجوز عِنْد سَائِر الْعلمَاء وَالْأَئِمَّة، رَحِمهم الله، الْإِحْرَام بِالنِّيَّةِ المبهمة. لقَوْله تَعَالَى: {وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة لله} (الْبَقَرَة: ٦٩١) . وَلقَوْله: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعمالكُم} (مُحَمَّد: ٣٣) . وَلِأَن هَذَا كَانَ لعَلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، خُصُوصا، وَكَذَا لأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَسَيَأْتِي بَيَانه، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

٧٥٥١ - حدَّثنا المَكِّيُّ بنُ إبْرَاهِيمَ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ قَالَ عَطَاءٌ قَالَ جابِرٌ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أمَرَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عليَّا رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أَن يُقِيمَ عَلَى إحْرَامِهِ وذَكَرَ قَوْلَ سُرَاقَةَ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عليا أَن يُقيم على إِحْرَامه) ، وَذَلِكَ أَنه قدم على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْيمن وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مَكَّة، وَكَانَ قد أرْسلهُ إِلَى الْيمن قبل حجَّة الْوَدَاع، وَكَانَ عَليّ أحرم كإحرام النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ لَهُ: بِمَ أَهلَلْت؟ فَقَالَ: بإهلالك يَا رَسُول الله، فَأمره أَن يُقيم على إِحْرَامه وَلَا يحل لِأَنَّهُ كَانَ مَعَه هدي.

ذكر رِجَاله: وهم: أَرْبَعَة: الأول: الْمَكِّيّ بن إِبْرَاهِيم بن بشير بن فرقد الْحَنْظَلِي التَّمِيمِي الْبَلْخِي أَبُو السكن، وَهُوَ من جملَة من روى عَن أبي حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَاتَ سنة أَربع عشر وَمِائَتَيْنِ ببلخ، وَقد قَارب مائَة سنة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ الْمَنْسُوب إِلَى مَكَّة

المشرفة، وَقد اعْترض عَلَيْهِ بَعضهم بِأَن قَالَ: مَنْسُوب إِلَى مَكَّة وَلَيْسَ كَذَلِك، بل هُوَ اسْمه، وَهُوَ من بَلخ قلت: أَرَادَ بِهِ الْكرْمَانِي أَنه على صُورَة النِّسْبَة إِلَى مَكَّة وَلم يدَّعِ أَنه مَنْسُوب إِلَى مَكَّة حَقِيقَة. الثَّانِي: عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج. الثَّالِث: عَطاء بن أبي رَبَاح. الرَّابِع: جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه بلخي وان ابْن جريج وَعَطَاء مكيان. وَفِيه: قَالَ عَطاء وَقَالَ جَابر وَهُوَ صُورَة التَّعْلِيق، وَهُوَ من رباعيات البُخَارِيّ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَمر النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عليا أَن يُقيم على إِحْرَامه) ، وَذَلِكَ حِين قدم عَليّ من الْيمن كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن، وَأمره أَن يُقيم على إِحْرَامه الَّذِي كَانَ أحرم بِهِ كإحرام النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلَا يحل لِأَن مَعَه الْهَدْي قَوْله: (وَذكر قَول سراقَة) ، أَي: ذكر جَابر فِي حَدِيثه قَول سراقَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَاعل ذكر إِمَّا الْمَكِّيّ، وَإِمَّا جَابر، فقائله إِمَّا البُخَارِيّ، وَإِمَّا عَطاء. وسراقة، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الرَّاء بعد الْألف قَاف: ابْن مَالك بن جعْشم، بِضَم الْجِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَضم الشين الْمُعْجَمَة، وَقيل بفتجها الْكِنَانِي، بالنونين: المدلجي، بِضَم الْمِيم وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة وَكسر اللَّام وبالجيم: الْحِجَازِي، رُوِيَ لَهُ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تِسْعَة عشر حَدِيثا، روى البُخَارِيّ مِنْهَا وَاحِدًا، مَاتَ فِي أول خلَافَة عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، سنة أَربع وَعشْرين، وَقَول سراقَة مَا ذكره البُخَارِيّ فِي: بَاب عمْرَة التَّنْعِيم، من حَدِيث حبيب الْمعلم عَن عَطاء (حَدثنِي جَابر: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أهلَّ هُوَ وَأَصْحَابه بِالْحَجِّ وَلَيْسَ مَعَ أحد مِنْهُم هدي غير النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَطَلْحَة، وَكَانَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قدم من الْيمن وَمَعَهُ هدي. .) الحَدِيث. وَفِيه: (أَن سراقَة لَقِي رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِالْعقبَةِ وَهُوَ يرميها، فَقَالَ: ألكم هَذِه خَاصَّة يَا رَسُول الله؟ قَالَ لَا، بل لأبد الْأَبَد) . وَرَوَاهُ مُسلم فِي (صَحِيحه) عَن مُحَمَّد ابْن حَاتِم: حَدثنَا يحيى الْقطَّان أخبرنَا ابْن جريج (أَخْبرنِي عَطاء، سَمِعت جَابِرا قَالَ: قدم عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من سعايته، فَقَالَ: بِمَ أَهلَلْت؟ قَالَ: بِمَا أهلَّ بِهِ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ لَهُ: فامكث حَرَامًا. قَالَ: وأهد لَهُ هَديا؟ فَقَالَ سراقَة بن مَالك بن جعْشم: يَا رَسُول الله! لِعَامِنَا هَذَا أم لِلْأَبَد؟ فَقَالَ: لأبد) . فَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَذكره البُخَارِيّ أَيْضا فِي: بَاب بعث النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عَليّ بن أبي طَالب وخَالِد بن الْوَلِيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، من (كتاب الْمَغَازِي) عَن الْمَكِّيّ بِسَنَدِهِ، وَلم يذكر الْمُزنِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى، وَلَا من سلفه أَن البُخَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، خرجه فِيهِ وَهُوَ ثَابت فِيهِ، فِيمَا رَأَيْت من نسخ البُخَارِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى.

٨٥٥١ - حدَّثنا الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ الخَلَاّلُ الهُذْلِيُّ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ حدَّثنا سَليمُ بنُ حَيَّانَ قَالَ سَمِعْتُ مَرْوَانَ الأصْفَرَ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ قَدِمَ عَلِيٌّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عَلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنَ اليَمَنِ فقالَ بِمَ أهْلَلْتَ قَالَ بِمَا أهَلَّ بِه النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقالَ لَوْلَا أنَّ مَعِي الهَدْيَ لأحْلَلْتُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

ذكر رِجَاله: وهم: خَمْسَة: الأول: الْحسن بن عَليّ الْخلال، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد اللَّام الأولى: أَبُو عَليّ الْهُذلِيّ، بِضَم الْهَاء وَفتح الذَّال الْمُعْجَمَة، مَاتَ فِي مَكَّة سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث، وَقد مر. الثَّالِث: سليم، بِفَتْح السِّين وَكسر اللَّام: ابْن حَيَّان، بِفَتْح الْهَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره نون، مر فِي: بَاب التَّكْبِير على الْجِنَازَة. الرَّابِع: مَرْوَان الْأَصْفَر. وَيُقَال: الْأَحْمَر أَبُو خلف، وَيُقَال: اسْم أَبِيه خاقَان، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ عَن أنس سوى هَذَا الحَدِيث، وَهُوَ من أَفْرَاد الصَّحِيح. الْخَامِس: أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه حلواني، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة، نِسْبَة إِلَى حلوان، سكن مَكَّة وَأَن عبد الصَّمد وَسليمَان ومروان بصريون، وَفِيه: أَن شَيْخه مَذْكُور بنسبته إِلَى الْقَبِيلَة وَهِي هُذَيْل بن مدركة وَإِلَى الحرفة. وَفِيه: أحد الروَاة مَذْكُور بلقبه.

ذكر من

أخرجه غَيره أخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن مُحَمَّد بن حَاتِم وَعَن حجاج بن الشَّاعِر. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن عبد الْوَارِث ابْن عبد الصَّمد، وَقَالَ: حسن غَرِيب.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بِمَا أَهلَلْت؟) أَي: بِمَا أَحرمت، وَقَالَ ابْن التياني: كَذَا وَقع، أَي: لفظ: (بِمَا أَهلَلْت؟) . وَفِي الْأُمَّهَات بِالْألف وَصَوَابه بِغَيْر ألف لِأَنَّهُ اسْتِفْهَام. قَوْله: (بِمَا أهل بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي: بِالَّذِي أهل بِهِ، أَي: أحرم بِهِ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (لَوْلَا أَن معي الْهَدْي لأحللت) أَي: من الْإِحْرَام، وتمتعت لِأَن صَاحب الْهَدْي لَا يُمكنهُ التَّحَلُّل حَتَّى يبلغ الْهَدْي مَحَله، وَهُوَ فِي يَوْم النَّحْر. قَوْله: (لأحللت) اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد، و: أحللت، من أحلَّ من إِحْرَامه فَهُوَ محلٌّ وحِلٌّ. قَالَ الله تَعَالَى: {وَإِذا حللتم فاصطادوا} (الْمَائِدَة: ٢) . وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : اعْلَم أَن فِي حَدِيث أنس مُوَافقَة لرأي الْجَمَاعَة فِي إِفْرَاده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ الْمُهلب: ويردهم حَدِيث أنس، أَنه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قرن، واتفاقه مَعَ الْجَمَاعَة أولى من الإتباع مِمَّا انْفَرد بِهِ وَخَالفهُم فِيهِ، فتسويغ الشَّارِع لنَفسِهِ لَوْلَا الْهَدْي يدل أَنه كَانَ مُفردا لِأَنَّهُ لَا يجوز للقارن الْإِحْلَال، وَإِن لم يكن مَعَه الْهَدْي حَتَّى يفرغ من الْحَج. قلت: قَالَ الْخطابِيّ: فِي حَدِيث سليم دلَالَة على أَن سيدنَا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ قَارنا لِأَن الْهَدْي لَا يجب على غير الْقَارِن أَو الْمُتَمَتّع، وَلَو كَانَ مُتَمَتِّعا لحل من إِحْرَامه للْعُمْرَة ثمَّ اسْتَأْنف إحراما لِلْحَجِّ، وَبِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور احْتج الشَّافِعِي على جَوَاز الْإِحْرَام الْمُبْهم وَقد ذَكرْنَاهُ.

وَزَادَ مُحَمَّدُ بنُ بَكْرٍ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ قَالَ لَهُ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمَ أهْلَلْتَ يَا عَلَّيُّ قَالَ بَمَا أهَلَّ بِهِ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فأهْدِ وامْكُثْ حَرَاما كَمَا أنْتَ

أَي: زَاد مُحَمَّد بن بكر البرْسَانِي الَّذِي مر ذكره فِي: بَاب تَضْييع الصَّلَاة، فِي كتاب الْمَوَاقِيت عَن عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج عَن عَطاء عَن جَابر، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق مُحَمَّد بن بشار وَأَبُو عوَانَة فِي (صَحِيحه) عَن عمار، كِلَاهُمَا عَن مُحَمَّد بن بكر بِهِ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا تَعْلِيق من ابْن جريج أَو دَاخل تَحت الْإِسْنَاد الأول. قلت: إِذا كَانَ دَاخِلا فِي الْإِسْنَاد الأول لَا يكون تَعْلِيقا إلَاّ بِحَسب الصُّورَة.

قَوْله: (فاهد) ، بِفَتْح الْهمزَة لِأَنَّهَا همزَة الْقطع من الرباعي. قَوْله: (وامكث) ، أَمر من: مكث يمْكث مكثا إِذا لبث، وَذَلِكَ لأجل سوق الْهَدْي، وَمن سَاقه لَا يحل حَتَّى يتم الْحَج. قَوْله: (حَرَامًا) ، نصب على الْحَال أَي: محرما. قَوْله: (كَمَا أَنْت) أَي: على مَا أَنْت عَلَيْهِ، وللنحويين فِي هَذَا الْمِثَال أعاريب: أَحدهَا: أَن: مَا، مَوْصُولَة، وَأَنت، مُبْتَدأ مَحْذُوف خَبره. وَالثَّانِي: أَنَّهَا مَوْصُولَة و: أَنْت، خبر حذف مبتدؤه أَي: كَالَّذي هُوَ أَنْت. وَالثَّالِث: أَن: مَا، زَائِدَة ملغاة، وَالْكَاف جَارة، وَأَنت ضمير مَرْفُوع أنيب عَن الْمَجْرُور كَمَا فِي قَوْلهم: مَا أَنا كَأَنْت، وَالْمعْنَى: كن فِيمَا تسْتَقْبل مماثلاً لنَفسك فِيمَا مضى. وَالرَّابِع: أَن، مَا، كَافَّة، وَأَنت مُبْتَدأ حذف خَبره أَي: عَلَيْهِ، أَو كَائِن وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَقَالُوا: فِيهِ دَلِيل على أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ قَارنا، إِذْ وجوب الْهَدْي إِنَّمَا هُوَ على الْقَارِن والمتمتع لَا الْمُفْرد، وَلَيْسَ مُتَمَتِّعا لِأَن لفظ: أمكث يدل على عَدمه.

٩٥٥١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ قَيْسِ بنِ مُسْلمٍ عنْ طَارِقٍ بنِ شِهَابٍ عنْ أبي مُوسى ارضي الله تَعَالَى عَنهُ. قَالَ بعَثَنِي النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إلَى قَوْمٍ بِاليَمَنِ فَجِئْتُ وَهْوَ بِالبَطْحَاءِ فَقَالَ بِمَ أهْلَلْتَ قُلْتُ أهْلَلْتُ كإهْلَالِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ هَلْ مَعَكَ مِنْ هَدْيٍ قُلْتُ لَا فأمرَنِي فَطُفْتُ بِالبيْتِ وبِالصَّفَا وَالمَرْوةِ ثُمَّ أمرنِي فأحْللْتُ فأتيتُ امْرأةً مِنْ قَوْمي فمَشطَتْنِي أوْ غَسَلَتْ رَأسِي فقَدِمَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. فَقَالَ إنْ نَأخُذْ بِكِتَابِ الله فإنَّهُ يأمُرُنَا بِالتَّمَامِ قَالَ الله وَأتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لله وَإنْ نأخُذْ بسنَّةِ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فإنَّهُ لَمُ يَحِلَّ حَتَّى نحَرَ الهَدْيَ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَهلَلْت بإهلال النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) .

ذكر رِجَاله: وهم: خَمْسَة: الأول: عبد الله بن يُوسُف التنيسِي أَبُو مُحَمَّد. الثَّانِي: سُفْيَان الثَّوْريّ. الثَّالِث: قيس بن مُسلم بِلَفْظ الْفَاعِل من الْإِسْلَام الجدلي. الرَّابِع: طَارق

ابْن شهَاب بن عبد شمس البَجلِيّ الأحمسي، وَقد مر فِي: بَاب زِيَادَة الْإِيمَان. الْخَامِس: أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، واسْمه عبد الله بن قيس.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَأَصله من دمشق وَالثَّلَاثَة الَّذين بعده كوفيون. وَفِيه: قيس بن مُسلم عَن طَارق وَفِي رِوَايَة أَيُّوب بن عَائِد فِي الْمَغَازِي عَن قيس بن مُسلم: سَمِعت طَارق بن شهَاب، وَفِيه: طَارق عَن أبي مُوسَى، وَفِي رِوَايَة أَيُّوب الْمَذْكُور: حَدثنِي أَبُو مُوسَى.

وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار بِهِ، وَعَن عبد الله بن معَاذ وَعَن إِسْحَاق بن مَنْصُور وَعبد بن حميد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن أبي مُوسَى وَعَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بَعَثَنِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى قوم بِالْيمن) ، كَانَ بَعثه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِيَّاه إِلَى الْيمن فِي السّنة الْعَاشِرَة من الْهِجْرَة قبل حجَّة الْوَدَاع، وَعَن أبي بردة قَالَ: (بعث النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَبَا مُوسَى ومعاذ بن جبل، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، إِلَى الْيمن، وَبعث كل وَاحِد مِنْهُمَا على مخلاف) . قَالَ: واليمن مخلافان، والمخلاف بِكَسْر الْمِيم فِي الْيمن كالرستاق فِي الْعرَاق، وَجمعه: مخاليف. قَوْله: (وَهُوَ بالبطحاء) الْوَاو فِي: وَهُوَ، للْحَال، والبطحاء: بطحاء مَكَّة، وَهُوَ المحصب، وَهُوَ فِي الأَصْل مسيل واديها، وبطحاء الْوَادي حَصَاة اللين فِي بطن المسيل. قَالَ أَبُو عبيد: هُوَ من حَدِيد خيف بني كنَانَة، وَحده من الْحجُون ذَاهِبًا إِلَى منى، وَفِي رِوَايَة شُعْبَة عَن قيس الْآتِيَة فِي: بَاب مَتى يحل الْمُعْتَمِر وَهُوَ منيخ، أَي: نَازل بهَا. قَوْله: (فَأمرنِي فطفت) ، وَفِي رِوَايَة شُعْبَة: (طف بِالْبَيْتِ وبالصفا والمروة) . قَوْله: (فأحللت) من: أحل يحل إحلالاً، وَمَعْنَاهُ: خرجت من الْإِحْرَام. قَوْله: (فَأتيت امْرَأَة من قومِي) ، وَفِي رِوَايَة شُعْبَة: (امْرَأَة من قيس) ، وَلَيْسَ المُرَاد مِنْهُ قيس غيلَان لِأَنَّهُ لَا نِسْبَة بَينهم وَبَين الْأَشْعَرِيين، وَلَكِن المُرَاد مِنْهُ أَبوهُ قيس بن سليم، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ رِوَايَة أَيُّوب بن عَائِد: (امْرَأَة من بني قيس) ، وَهُوَ أَبُو أبي مُوسَى، وَقَالَ بَعضهم: وَكَانَت الْمَرْأَة زَوْجَة بعض إخْوَة أبي مُوسَى، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَ لَهُ من الْإِخْوَة: أَبُو رهم وَأَبُو بردة وَمُحَمّد. قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: (فَأتيت امْرَأَة) مَحْمُول على أَن هَذِه الْمَرْأَة كَانَت محرما لَهُ، وَامْرَأَة الْأَخ لَيست بِمحرم، فَالصَّوَاب مَعَ الْكرْمَانِي، فَيحمل حِينَئِذٍ على أَن الْمَرْأَة كَانَت بنت بعض أخوته. قَوْله: (أَو غسلت رَأْسِي، بِالشَّكِّ) وَفِي رِوَايَة مُسلم: (وغسلت) ، بواو الْعَطف. قَوْله: (فَقدم عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ) لم يكن قدوم عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي تِلْكَ الْحجَّة على مَا يفهم من ظَاهر الْكَلَام بل المُرَاد من قدومه مَا كَانَ فِي خِلَافَته، اخْتَصَرَهُ البُخَارِيّ وَبسطه مُسلم، فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمثنى وَابْن بشار، قَالَ ابْن الْمثنى: حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر، قَالَ: أخبرنَا شُعْبَة عَن قيس بن مُسلم عَن طَارق بن شهَاب (عَن أبي مُوسَى قَالَ: قدمت على رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ منيخ بالبطحاء، فَقَالَ لي: حججْت؟ فَقلت: نعم. فَقَالَ: بِمَ أَهلَلْت؟ قلت: لبيت بإهلال كإهلال النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: فقد أَحْسَنت، طف بِالْبَيْتِ وبالصفا والمروة، ثمَّ أتيت امْرَأَة من بني قيس، فغسلت رَأْسِي ثمَّ أَهلَلْت بِالْحَجِّ، فَكنت أُفْتِي بِهِ النَّاس حَتَّى كَانَ فِي خلَافَة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَ لَهُ رجل: يَا أَبَا مُوسَى أَو يَا عبد الله بن قيس رويدك بعض فتياك، فَإنَّك لَا تَدْرِي مَا أحدث أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي النّسك بعْدك، فَقَالَ: يَا أَيهَا النَّاس من كُنَّا أفتيناه فتيا فليتئد، فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ قادم عَلَيْكُم فبه فائتموا، قَالَ: فَقدم عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَذكرت لَهُ ذَلِك، فَقَالَ: إِن نَأْخُذ بِكِتَاب الله تَعَالَى، فَإِن كتاب الله تَعَالَى يَأْمر بالتمام، وَإِن نَأْخُذ بِسنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يحل حَتَّى يبلغ الْهَدْي مَحَله) ، وَأخرجه النَّسَائِيّ، وَفِي لَفظه: (فَكنت أُفْتِي النَّاس بذلك إِمَارَة أبي بكر وإمارة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَإِنِّي لقائم بِالْمَوْسِمِ إِذْ جَاءَنِي رجل فَقَالَ: إِنَّك لَا تَدْرِي مَا أحدث أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي النّسك. .) الحَدِيث. قَوْله: (بِهِ) فِي رِوَايَة مُسلم، وَبِذَلِك فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ أَي: بِفَسْخ الْحَج إِلَى الْعمرَة. قَوْله: (رويدك بعض فتياك) ، ويروى: (رويد بعض فتياك) ، و: رويد، اسْم فعل، وَمَعْنَاهُ: أمْهل. قَوْله: (فليتئذ) ، أَي: فليتأنَّ وليصبر، من اتأد إِذا تأنَّى، وَأَصله من: تئد يتأد تأدا. قَوْله: (إِن نَأْخُذ) بنُون الْجَمَاعَة ظَاهر، وَهَذَا من عمر إِنْكَار فسخ الْحَج إِلَى الْعمرَة وإتمام الْحَج، وَاحْتج بِالْآيَةِ وَهِي قَوْله تَعَالَى: {وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة صلى الله عَلَيْهِ وَسلم} (الْبَقَرَة: ٦٩١) . أَمر الله تَعَالَى بإتمام أفعالهما بعد الشُّرُوع فيهمَا، وَعَن عَليّ وَابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن جُبَير وطاووس: {وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة لله} (الْبَقَرَة: ٦٩١) . أَن يحرم من دويرة أَهله. وَقَالَ عبد الرَّزَّاق: أخبرنَا معمر عَن الزُّهْرِيّ، قَالَ: بلغنَا أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

ذَلِكَ، وَرُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدِي لِمَا سَيَأْتِي فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ التَّصْرِيحِ بِنَحْوِ ذَلِكَ فِي أَحَادِيثَ أُخَرَ وَكَوْنُ ذَلِكَ كَانَ فِي الْمَنَامِ، وَالَّذِي قَبْلَهُ أَيْضًا لَيْسَ بِبَعِيدٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: تَوْهِيمُ الْمُهَلَّبِ لِلرَّاوِي وَهَمٌ مِنْهُ، وَإِلَّا فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ مُوسَى وَعِيسَى! لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ عِيسَى مُنْذُ رُفِعَ نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ، وإِنَّمَا ثَبَتَ أَنَّهُ سَيَنْزِلُ. قُلْتُ: أَرَادَ الْمُهَلَّبُ بِأَنَّ عِيسَى لَمَّا ثَبَتَ أَنَّهُ سَيَنْزِلُ كَانَ كَالْمُحَقَّقِ، فَقَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَلِهَذَا اسْتَدَلَّ الْمُهَلَّبُ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي فِيهِ: لَيُهِلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِالْحَجِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (إِذا انْحَدَرَ) كَذَا فِي الْأُصُولِ، وَحَكَى عِيَاضٌ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ أَنْكَرَ إِثْبَاتَ الْأَلِفِ وَغَلَّطَ رُوَاتَهُ، قَالَ: وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُ، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ إِذَا وَإِذْ هُنَا، لِأَنَّهُ وَصَفَهُ حَالَةَ انْحِدَارِهِ فِيمَا مَضَى. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ التَّلْبِيَةَ فِي بُطُونِ الْأَوْدِيَةِ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ، وَأَنَّهَا تَتَأَكَّدُ عِنْدَ الْهُبُوطِ كَمَا تَتَأَكَّدُ عِنْدَ الصُّعُودِ.

(تَنْبِيهٌ): لَمْ يُصَرِّحْ أَحَدٌ مِمَّنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ بِذِكْرِ النَّبِيِّ ، قَالَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ. وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مُرَادٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقُولُهُ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، وَلَا عَنْ غَيْرِ النَّبِيِّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣١ - بَاب كَيْفَ تُهِلُّ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ؟

أَهَلَّ: تَكَلَّمَ بِهِ. وَاسْتَهْلَلْنَا وَأَهْلَلْنَا الْهِلَالَ: كُلُّهُ مِنْ الظُّهُورِ. وَاسْتَهَلَّ الْمَطَرُ: خَرَجَ مِنْ السَّحَابِ، ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ وَهُوَ مِنْ اسْتِهْلَالِ الصَّبِيِّ.

١٥٥٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ : مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا. فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ وَدَعِي الْعُمْرَةَ. فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا قَضَيْنَا الْحَجَّ أَرْسَلَنِي النَّبِيُّ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ إِلَى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرْتُ، فَقَالَ: هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ. قَالَتْ: فَطَافَ الَّذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا واحدا بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا.

قَوْلُهُ: (بَابُ كَيْفَ تُهِلُّ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ)؛ أَيْ كَيْفَ تُحْرِمُ.

قَوْلُهُ: (أَهَلَّ تَكَلَّمَ بِهِ. . . إِلَخْ) هَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ. وَلَيْسَ هَذَا مُخَالِفًا لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ أَصْلَ الْإِهْلَالِ رَفْعُ الصَّوْتِ؛ لِأَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ يَقَعُ بِذِكْرِ الشَّيْءِ عِنْدَ ظُهُورِهِ.

قَوْلُهُ: (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، وَهُوَ مِنَ اسْتِهْلَالِ الصَّبِيِّ)؛ أَيْ أَنَّهُ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ بِذَلِكَ، فَاسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ أَيْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالصِّيَاحِ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ، وَأُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ أَيْ رُفِعَ الصَّوْتُ بِهِ عِنْدَ الذَّبْحِ لِلْأَصْنَامِ، وَمِنْهُ اسْتِهْلَالُ الْمَطَرِ وَالدَّمْعِ وَهُوَ صَوْتُ وَقْعِهِ بِالْأَرْضِ، وَمِنْ لَازِمِ ذَلِكَ الظُّهُورُ غَالِبًا.

قَوْلُهُ: (فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ) قَالَ عِيَاضٌ: اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِي إِحْرَامِ عَائِشَةَ اخْتِلَافًا كَثِيرًا. قُلْتُ: وَسَيَأْتِي بَسْطُ الْقَوْلِ فِيهِ بَعْدَ بَابَيْنِ فِي بَابِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: انْقُضِي رَأْسَكِ) هُوَ بِالْقَافِ وَبِالْمُعْجَمَةِ.

قَوْلُهُ: (وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ) وَهُوَ شَاهِدُ التَّرْجَمَةِ، وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ بِلَفْظِ: وَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ. وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(مِنَ) معنى (١) (الظُّهُورِ (٢)، وَ) من الظُّهور أيضًا (٣) (اسْتَهَلَّ المَطَرُ) أي: (خَرَجَ مِنَ السَّحَابِ) ومنه أيضًا قوله تعالى: (﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣]) أي: نُودِي عليه بغير اسم الله، وأصله: رفع الصَّوت (وَهْوَ مِنِ اسْتِهْلَالِ الصَّبِيِّ) أي: رفع صوته بالصِّياح عند الولادة، قال في «الفتح»: وهذا في رواية المُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ، وليس مخالفًا لما سبق من أنَّ أصل الاستهلال (٤) رفع الصَّوت لأنَّ رفع الصَّوت يقع بذكر الشَّيء عند ظهوره.

١٥٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ) لخمسٍ بقين من ذي القعدة (٥) (فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ) سُمِّيت بذلك لأنَّه ودَّع الناس فيها (فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ) أدخلناها على الحجِّ بعد أن أهللنا به في الابتداء كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى (ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ) لمن معه بعد إحرامهم بالحجِّ، ودنوِّهم من مكَّة بسَرِف كما في رواية عائشة، أو بعد طوافهم بالبيت كما في رواية جابرٍ، أو

قاله مرَّتين في الموضعين، وأنَّ العزيمة كانت آخرًا حين أمرهم بفسخ الحجِّ إلى العمرة: (مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدِْيٌّ) بإسكان الدَّال وتخفيف الياء وبكسر الدَّال وتشديد الياء، والأولى أفصح وأشهر: اسمٌ لِما يُهدَى إلى الحرم من الأنعام، وسَوْق الهدي سنَّةٌ لمن أراد الإحرام بحجٍّ أو عمرةٍ (فَلْيُهِلَّ بِالحَجِّ مَعَ العُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلَّ) وفي «اليونينيَّة»: بالنَّصب مُصْلَحٌ (١) (حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا) أي: من الحجِّ والعمرة (جَمِيعًا) وفيه دلالةٌ على أنَّ السَّبب في بقاء من ساق الهدي على إحرامه حتَّى يحلَّ من الحجِّ؛ كونه أدخل الحجَّ على العمرة لا مُجرَّد سوق الهدي كما يقوله أبو حنيفة وأحمد وموافقوهما (٢) من أنَّ المعتمر المتمتِّع إذا كان معه هديٌ لا يتحلَّل من عمرته حتَّى ينحر هديه يوم النَّحر، وقد تمسَّكوا بقوله في رواية عقيلٍ عن الزُّهريِّ في «الصَّحيحين»: فقال رسول الله : «من أحرم بعمرةٍ ولم يُهْدِ فَلْيُحْلِل، ومن أحرم بعمرةٍ وأهدى فلا يُحِلَّ حتَّى ينحر هديه، ومن أهلَّ بحجٍّ فليتمَّ حجَّه» [خ¦٣١٩] وهي ظاهرةٌ في الدَّلالة لمذهبهم، لكن تأوَّلها الشَّافعيَّة على أنَّ معناها: ومن أحرم بعمرةٍ وأهدى فليهلل بالحجِّ، ولا يحلُّ حتَّى ينحر هديه، واستدلُّوا لصحَّة هذا التَّأويل بهذه الرِّواية لأنَّ القصَّة واحدةٌ والرَّاوي واحدٌ، فتعيَّن الجمع بين الرِّوايتين.

قالت عائشة: (فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ) جملةٌ اسميَّةٌ وقعت حالًا، وكان ابتداء حيضها بسَرِفٍ يوم السَّبت لثلاث ليالٍ (٣) خلون من ذي الحجَّة (وَلَمْ أَطُفْ بِالبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ) عطفٌ على المنفيِّ قبله، على تقدير: ولم أسعَ، وهو من باب:

علفتها تبنًا وماءً باردًا ...................

ويجوز أن يقدِّر: ولم أَطُفْ بين الصَّفا والمروة، على طريق المجاز لِمَا في الحديث: «وطاف بالصَّفا والمروة سبعة أطوافٍ» [خ¦١٦٩١] وإنَّما ذهب إلى التَّقدير دون الانسحاب لئلَّا يلزم استعمال اللَّفظ الواحد (٤) حقيقةً ومجازًا في حالةٍ واحدةٍ، قاله في «شرح المشكاة» (فَشَكَوْتُ

ذَلِكَ) أي: ترك الطَّواف بالبيت، وبين الصَّفا والمروة بسبب الحيض (إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: انْقُضِي رَأْسَكِ) بالقاف المضمومة والضَّاد المعجمة المكسورة من النَّقض، أي: حلِّي ضفر شعر رأسك (وَامْتَشِطِي) أي: سرِّحيه بالمشط (وَأَهِلِّي بِالحَجِّ، وَدَعِي العُمْرَةَ) أي: عملها؛ من الطَّواف والسَّعي وتقصير الشَّعر، لا أنَّها تدع العمرة نفسها، وحينئذٍ فتكون قارنةً؛ كذا تأوَّله الشَّافعيُّ، والحاصل: أنَّها أحرمت بالحجِّ ثمَّ فسخته إلى العمرة حين أمر النَّاس بذلك، فلمَّا حاضت وتعذَّر عليها إتمام العمرة والتَّحلُّل منها وإدراك الإحرام بالحجِّ أمرها بالإحرام بالحجِّ، فأحرمت به فصارت مُدخِلةً للحجِّ على العمرة وقارنةً، لكن استشكل الخطَّابيُّ قوله لها: «انقضي رأسك وامتشطي» لأنَّه ظاهرٌ في إبطال العمرة لأنَّ المُحرِم لا يفعل مثل ذلك (١)؛ لأنَّه يؤدِّي إلى انتتاف الشَّعر، وأُجيب بأنَّه لا يلزم من ذلك إبطال العمرة، فإنَّ نقض الرَّأس (٢) والامتشاط جائزان في الإحرام إذا لم يؤدِّ إلى انتتاف الشَّعر، لكن يُكرَه الامتشاط لغير عذرٍ، أو أنَّ ذلك كان بسبب أذًى كان برأسها، فأُبيح لها كما أُبيح لكعب بن عُجْرة في حلق رأسه للأذى، أو المراد بالامتشاط: تسريح الشَّعر بالأصابع لغسل (٣) الإحرام بالحجِّ، ولا سيَّما إن كانت مُلبِّدةً فتحتاج إلى نقض الضَّفر ثمَّ تضفره كما كان ويلزم منه نقضه، ويشهد لِما أوَّله الشَّافعيُّ -رحمة الله عليه- قولُه في الحديث الآخر: «قد حللت من حجَّتك وعمرتك جميعًا» وقوله في الحديث الآخر: «طوافك وسعيك كافيك لحجِّك وعمرتك» فهو صريحٌ (٤) في أنَّها كانت قارنة لكن عند المؤلِّف في «باب التَّمتُّع والإقران» (٥) من طريق الأسود عنها: أنَّها قالت: «يا رسول الله يرجع النَّاس بعمرةٍ وحجٍّ، وأرجع أنا بحجَّةٍ» [خ¦١٥٦١] وزاد في رواية عطاء عنها عند أحمد: «ليس معها عمرةٌ» وهذا يقوِّي قول الحنفيَّة: إنَّها تركت العمرة وحجَّت مفردةً متمسِّكين بقوله لها: «دعي عمرتك»، واستدلَّوا به على أنَّ المرأة إذا أهلَّت بالعمرة متمتِّعةً

فحاضت قبل أن تطوف تترك العمرة وتهلُّ بالحجِّ مُفرِدةً (١)؛ كما صنعت عائشة ، لكن قال في «الفتح»: إنَّ (٢) في رواية عطاءٍ عنها ضعفًا، والرَّافع للإشكال في ذلك ما رواه مسلمٌ من حديث جابرٍ: أنَّ عائشة أهلَّت بعمرةٍ حتَّى إذا كانت بسَرِف حاضت، فقال لها رسول الله : «أهلِّي بالحجِّ» حتَّى إذا طهرت طافت بالكعبة وسَعَتْ، فقال: «قد حللت من حجِّك وعمرتك» فقالت (٣): يا رسول الله، إنِّي أجد في نفسي أنِّي لم أَطُفْ بالبيت حتَّى حججت، قال: «فأَعْمِرْها من التَّنعيم»، قالت عائشة : (فَفَعَلْتُ) بسكون اللَّام، ما ذَكَرَ من النَّقض والامتشاط والإهلال بالحجِّ، وترك عمل العمرة، وهذا موضع التَّرجمة.

(فَلَمَّا قَضَيْنَا الحَجَّ) أي: وطهرتُ يوم النَّحر (أَرْسَلَنِي النَّبِيُّ مَعَ) أخي (عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (إِلَى التَّنْعِيمِ) المشهور بمسجد عائشة (فَاعْتَمَرْتُ، فَقَالَ) : (هَذِهِ) العمرة (مَكَانَُ عُمْرَتِكِ) برفع «مكانُ» خبرًا لقوله: «هذه»، أو بالنَّصب -وهو الذي في «اليونينيَّة» لا غير (٤) - على الظَّرفيَّة، وعامله المحذوف هو الخبر، أي: كائنةٌ أو مجعولةٌ مكان عمرتك، قال القاضي عياضٌ: والرَّفع أوجه عندي إذ لم يرد به الظَّرف، إنَّما أراد عوض عمرتك، فمن قال: كانت قارنةً قال: مكان عمرتك التي أردت أن تأتي بها مفردةً، وحينئذٍ فتكون عمرتها من التَّنعيم تطوُّعًا لا عن فرضٍ، لكنَّه أراد تطييب نفسها بذلك، ومن قال: كانت مفردةً قال: مكان عمرتك التي فسخت الحجَّ إليها، ولم تتمكَّني من الإتيان بها للحيض. وقال السُّهيليُّ: الوجه النَّصب على الظَّرف لأنَّ العمرة ليست بمكانٍ لعمرةٍ أخرى، لكن إن جعلتَ «مكان» بمعنى «عوض» أو «بدل» مجازًا -أي: هذه بدل عمرتك- جاز الرَّفع حينئذٍ.

(قَالَتْ) عائشة : (فَطَافَ الَّذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا بِالعُمْرَةِ بِالبَيْتِ و) سعوا أو (٥) طافوا (بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ) لأجل العمرة (ثُمَّ حَلُّوا) منها بالحلق أو التَّقصير (ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا)

للحجِّ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «طوافًا آخر» (بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا) لأنَّ القارن يكفيه طوافٌ واحدٌ وسعيٌ واحدٌ لأنَّ أفعال العمرة تندرج في أفعال الحجِّ، وهو مذهب الشَّافعيِّ ومالكٍ وأحمد والجمهور، خلافًا للحنفيَّة حيث قالوا: لا بدَّ للقارن من طوافين وسعيين لأنَّ القِران هو الجمع بين العبادتين، فلا يتحقَّق إلَّا بالإتيان بأفعالِ كلٍّ منهما، والطَّواف والسَّعي مقصودان فيهما فلا يتداخلان إذ لا تداخُلَ في العبادات، وهو محكيٌّ عن أبي بكرٍ وعمر وعليِّ بن أبي طالبٍ وابن مسعودٍ والحسن بن عليٍّ، ولا يصحُّ عن واحدٍ منهم (١)، واستدلَّ بعضهم له بحديث ابن عمر عند الدَّارقطنيِّ بلفظ: «إنَّه جمع بين حجَّةٍ وعمرةٍ معًا، وطاف لهما طوافين وسعىَ لهما سعيين» وقال: هكذا رأيت رسول الله صنع، وبحديث عليٍّ عند الدَّارقطنيِّ أيضًا (٢)، وبحديث ابن مسعودٍ وحديث عمران بن حصينٍ عنده أيضًا، وكلُّها مطعونٌ فيها لِمَا في رواتها من الضَّعف المانع للاحتجاج بها، والله أعلم.

وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا (٣) في «الحجِّ» [خ¦١٧٨٣] و «المغازي» [خ¦٤٣٩٥]، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «الحجِّ»، وكذا ابن ماجه، والله أعلم.

(٣٢) (بَابُ مَنْ أَهَلَّ) (٤) أي: أهلَّ على الإبهام من غير تعيينٍ (فِي زَمَنِ النَّبِيِّ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ ) فأقَّره النَّبيُّ عليه (٥)، وتقييده في التَّرجمة بزمنه إشارةٌ إلى أنَّه لا يجوز بعد ذلك، لنا: أنَّ (٦) الأصل عدم الخصوصيَّة، فيجوز أن يحرم كإحرام زيدٍ، فإن لم يكن زيدٌ محرمًا انعقد إحرامهمطلقًا، ولغت الإضافة لزيدٍ، وإن كان زيدٌ محرمًا انعقد إحرامه

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

أَن يكون مثلت لَهُم أَحْوَالهم الَّتِي كَانَت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا كَيفَ تعبودا وَكَيف حجُّوا وَكَيف لبوا، وَلِهَذَا قَالَ: كَأَنِّي، وَيحْتَمل أَن يكون إخْبَاره ذَلِك بِالْوَحْي عَنهُ، وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك فِي الْمَنَام، ومنام الْأَنْبِيَاء وَحي، وَحَدِيث مُسلم الْمَذْكُور حجَّة على الْمُهلب، ورد لما قَالَه وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْمُنَاسب لذكر الدَّجَّال ذكر عِيسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، قلت: قَالَ ذَلِك بِالنّظرِ إِلَى أَن عِيسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، هُوَ الَّذِي يقتل الدَّجَّال، وَلَو كَانَ لَهُ اطلَاع على الحَدِيث الْمَذْكُور لما ادّعى هَذِه الْمُنَاسبَة.

١٣ - (بابٌ كيُفَ تُهِلُ الحَائِضُ والنُّفَساءُ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَيْفيَّة إهلال الْحَائِض وَالنُّفَسَاء، وَالْمرَاد بالإهلال الْإِحْرَام.

أهَلَّ تَكَلَّمَ بِهِ وَاسْتَهْلَلْنَا وأهْلَلْنَا الهِلَالَ كُلّهُ مِنَ الظّهُورِ وَاسْتَهَلَّ المَطَرُ خَرَجَ مِنَ السَّحَابِ وَمَا أُهِلَّ لِغيرِ الله وَهْوَ مِنِ اسْتِهْلالِ الصَّبِيِّ

جرى البُخَارِيّ على دأبه أَنه إِذا رأى مَادَّة من الْكَلَام تسْتَعْمل فِي معانٍ كَثِيرَة مِمَّا جَاءَ فِي الْكتاب أَو فِي السّنة يذكر ذَلِك ويبينه، وَذكر أَشْيَاء مِنْهَا، قَوْله: (أهلَّ: تكلم بِهِ) يَعْنِي: إِذا تكلم أظهره مَا فِي قلبه. وَمِنْهَا قَوْله: (استهللنا وأهللنا الْهلَال) ، يَعْنِي: طلبنا ظُهُوره، وَيُقَال: أهل الْهلَال واستهل، على مَا لم يسم فَاعله، وَيُقَال أَيْضا: اسْتهلّ على صِيغَة الْمَعْلُوم، وَمَعْنَاهُ: تبين، وَلَا يُقَال أهلَّ. وَيُقَال: أَهْلَلْنَا عَن لَيْلَة كَذَا، وَلَا يُقَال: أهللناه فَهَل، كَمَا يُقَال: أدخلْنَاهُ فَدخل وَهُوَ قِيَاسه. وَمِنْهَا: (اسْتهلّ الْمَطَر) إِذا ظهر نُزُوله من السَّحَاب بِصَوْت، وَيُقَال: تهلل وَجه الرجل من فرحه، واستهل إِذا ظهر سروره، وتهللت دُمُوعه إِذا سَالَتْ، وانهلت السَّمَاء: صبَّتْ، وانهل الْمَطَر إنهلالاً إِذا سَالَ بِشدَّة، وَمِنْهَا قَوْله: {وَمَا أهلَّ لغير الله} مَعْنَاهُ: إِذا نُودي عَلَيْهِ بِغَيْر إسم الله، وَأَصله رفع صَوت الذَّابِح عِنْد الذّبْح. وَمِنْهَا قَوْله: (وَهُوَ من استهلال الصَّبِي) وَهُوَ ظُهُور صياحه عِنْد الْولادَة، وَمِنْه: أهل الْمُعْتَمِر، إِذا رفع صَوته بِالتَّلْبِيَةِ. قَوْله: (كُله من الظُّهُور) أَي: كل وَاحِد من أهلَّ واستهللنا، وأهللنا من الظُّهُور، وَهَذَا كَانَ مَحَله أَن يذكر بعد قَوْله: (وَهُوَ من استهلال الصَّبِي) ، لِأَن جَمِيع مَا ذكره من الْموَاد الْمَذْكُورَة من الظُّهُور، وَذكره بعد قَوْله: (وأهللنا الْهلَال) فِي غير مَحَله.

٦٥٥١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ قَالَ حدَّثنا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا زَوْجَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَتْ خَرَجْنا مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ فأهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ قالَ النبيُّ مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالحَجِّ مَعَ العُمْرَةِ ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعا فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وأنَا حائِضٌ ولَمْ أطُفْ بِالبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ فشَكَوْتُ ذالكَ إلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقالَ انْقُضِي رأْسَكِ وَامتَشِطِي وَأهِلِّي بالحَجِّ ودعِي العُمْرَةَ فَفَعَلْتُ فلَمَّا قَضَيْنَا الحَجَّ أرْسَلَنِي النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ أبي بَكْرٍ إِلَى التَّنْعِيمَ فاعْتَمَرْتُ فَقَالَ هاذَا مَكانُ عُمْرَتِكَ قالَتْ فَطَافَ الَّذِينَ كانُوا أهَلُّوا بِالعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ ثُمَّ أحَلُّوا ثُمَّ طَافُوا طَوَافا وَاحِدا بَعْدَ أنْ رَجَعُوا مِنْ مِنىً وَأمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ فإنَّمَا طافُوا طَوَافا واحِدا..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (انقضي رَأسك وامتشطي) إِلَى قَوْله: (هَذِه مَكَان عمرتك) .

وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم، وَعبد الله بن مسلمة، بِفَتْح الميمين: هُوَ القعْنبِي، وَابْن شهَاب: هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي الْحيض، وَعقد لَهُ بَابا بقوله: بَاب كَيفَ تهل الْحَائِض بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة: حَدثنَا يحيى بن بكير، قَالَ: حَدثنَا اللَّيْث عَن عقيل عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، قَالَت: خرجنَا مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ... الحَدِيث، وَبَين الطَّرِيقَيْنِ والمتن

تفَاوت يسير يعرف بِالنّظرِ، وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْحَج عَن عبد الله بن يُوسُف، وَفِي الْمَغَازِي عَن إِسْمَاعِيل بن عبد الله. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي عَن مَالك. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن أبي مُصعب عَن مَالك. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن سَلمَة والْحَارث بن مِسْكين وَعَن مُحَمَّد بن يحيى النَّيْسَابُورِي، وَعَن يَعْقُوب الدَّوْرَقِي، وَفِيه وَفِي الطَّهَارَة عَن مُحَمَّد بن عبد الله، وَفِي الطَّهَارَة أَيْضا عَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن هِشَام بن عمار وَأبي مُصعب، كِلَاهُمَا عَن مَالك.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فِي حجَّة الْوَدَاع) ، وَكَانَت فِي سنة عشر من الْهِجْرَة، وَلم يحجّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْمَدِينَة بعد الْهِجْرَة غَيرهَا وَمَا قبلهَا لما كَانَ بِمَكَّة حج حجَجًا لَا يعلم عَددهَا إِلَّا الله، وَسميت: حجَّة الْوَدَاع: لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعظهم وودعهم، فسميت بذلك حجَّة الْوَدَاع. قَوْله: (فأهللنا بِعُمْرَة) قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: تقدم فِي: بَاب الْحيض، وَسَيَجِيءُ فِي: بَاب التَّمَتُّع، أَنهم كَانُوا لَا يرَوْنَ إِلَّا الْحَج؟ قلت: مَعْنَاهُ: وَلَا يرَوْنَ عِنْد الْخُرُوج إلَاّ ذَلِك فَبعد ذَلِك أَمرهم رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بالاعتمار رفعا لما اعتقدوا من حُرْمَة الْعمرَة فِي أشهر الْحَج. انْتهى. قلت: لَو وقف الْكرْمَانِي على الرِّوَايَات الَّتِي رويت عَن عَائِشَة لما احْتَاجَ إِلَى هَذَا السُّؤَال وَلَا إِلَى الْجَواب عَنهُ: فَإِن الرِّوَايَات اخْتلفت فِي إِحْرَام عَائِشَة اخْتِلَافا كثيرا، فههنا فأهللنا بِعُمْرَة، وَفِي أُخْرَى: فمنا من أهل بِعُمْرَة وَمنا من أهل بِحَجّ. قَالَت: وَلم أهل إلَاّ بِعُمْرَة. وَفِي أُخْرَى: خرجنَا لَا نُرِيد إلَاّ الْحَج، وَفِي أُخْرَى: لبينا بِالْحَجِّ، وَفِي أُخْرَى: مهلين بِالْحَجِّ، وَالْكل صَحِيح. وَفِي رِوَايَة: وَكنت مِمَّن تمتّع وَلم يسق الْهَدْي. وَقَالَ أَبُو عمر: وَالْأَحَادِيث عَن عَائِشَة فِي هَذَا مضطربة جدا، وَكَذَا قَالَ القَاضِي عِيَاض، وَذكر أَن فِي الرِّوَايَات عَنْهَا اخْتِلَافا شَدِيدا. وَقَالَ ابْن عبد الْبر فِي (تمهيده) : دفع الْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر وَابْن علية حَدِيث عُرْوَة هَذَا، وَقَالُوا: هُوَ غلط لم يُتَابع عُرْوَة على ذَلِك أحد من أَصْحَاب عَائِشَة. وَقَالَ إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق: اجْتمع هَؤُلَاءِ يَعْنِي: الْقَاسِم وَالْأسود وَعمرَة على أَن أم الْمُؤمنِينَ كَانَت مُحرمَة بِحجَّة لَا بِعُمْرَة، فَعلمنَا بذلك أَن الرِّوَايَة الَّتِي رويت عَن عُرْوَة غلط، لِأَن عُرْوَة قَالَ فِي رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن هِشَام عَنهُ: حَدثنِي غير وَاحِد أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ لَهَا: دعِي عمرتَكِ، فَدلَّ على أَنه لم يسمع الحَدِيث مِنْهَا. وَقَالَ ابْن حزم: حَدِيث أبي الْأسود عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، وَحَدِيث يحيى بن عبد الرَّحْمَن بن حَاطِب عَنْهَا منكران وخطآن عِنْد أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ، وَقد سبقَنا إِلَى تخطئة حَدِيث أبي الْأسود هَذَا أَحْمد بن حَنْبَل، وَقَالَ مَالك: لَيْسَ الْعَمَل عندنَا على حَدِيث عُرْوَة عَنْهَا قَدِيما وَلَا حَدِيثا. قَوْله: (من كَانَ مَعَه هدي) بِسُكُون الدَّال أَو بِكَسْرِهَا وَتَشْديد الْيَاء وَإِسْكَان الدَّال أفْصح، وَسوى بَينهمَا ثَعْلَب، وَالتَّخْفِيف لُغَة أهل الْحجاز، والتثقيل لُغَة تَمِيم، وَوَاحِد الْهَدْي: هَدِيَّة، وَقد قرى مُبْهما جَمِيعًا فِي قَوْله: {حَتَّى يبلغ الْهَدْي مَحَله} (الْبَقَرَة: ٦٩١) . وَهُوَ مَا يهدي إِلَى الْحرم من النعم. قَوْله: (مِنْهُمَا) أَي: من الْحَج وَالْعمْرَة. قَوْله: (فَقدمت) ، بِضَم التَّاء، وَهُوَ إِخْبَار عَائِشَة عَن نَفسهَا. قَوْله: (وَأَنا حَائِض) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (ذَلِك) أَي: ترك الطّواف بِالْبَيْتِ وَبَين الصَّفَا والمروة بِسَبَب الْحيض. قَوْله: (انقضي رَأسك) من النَّقْض، بالنُّون وَالْقَاف وَالضَّاد الْمُعْجَمَة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَيجوز بِالْفَاءِ إِن صحت الرِّوَايَة. قلت: لِأَن كلا مِنْهُمَا بِمَعْنى، وَلَكِن رِوَايَة الْفَاء مَا ثبتَتْ. قَوْله: (وامتشطي) ، من امتشاط الشّعْر وَهُوَ: تسريحه. قَوْله: (ودعي الْعمرَة) يدل على أَنَّهَا كَانَت قارنة. قَوْله: (فَفعلت) أَي: نقض الرَّأْس والامتشاط. قَوْله: (مَعَ عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر) ، هُوَ أَخُوهَا شقيقها، وأمهما أم رُومَان بنت عَامر. قَوْله: (إِلَى التَّنْعِيم) ، قد مر تَفْسِيره مرّة، وَهُوَ طرف حرم مَكَّة من نَاحيَة الشَّام، وَهُوَ الْمَشْهُور بمساجد عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَوْله: (هَذِه مَكَان عمرتك) بِرَفْع مَكَان على أَنه خبر، أَي: عوض عمرتك الْفَائِتَة، وَيجوز بِالنّصب على الظّرْف، قيل: النصب أوجه، وَلَا يجوز غَيره، وَالْعَامِل فِيهِ مَحْذُوف تَقْدِيره: هَذِه كائنة مَكَان عمرتك أَو مجعولة مَكَانهَا. قَالَ القَاضِي عِيَاض: وَالرَّفْع أوجه عِنْدِي إِذْ لم يرد بِهِ الظّرْف، إِنَّمَا أَرَادَ عوض عمرتك، فَمن قَالَ: كَانَت قارنة، قَالَ: مَكَان عمرتك الَّتِي أردْت أَن تَأتي بهَا مُفْردَة، وَمن قَالَ: كَانَت مُفْردَة، قَالَ: مَكَان عمرتك الَّتِي فسخت الْحَج إِلَيْهَا وَلم تتمكني من الْإِتْيَان بهَا للْحيض، وَكَانَ ابْتِدَاء حَيْضهَا يَوْم السبت لثلاث خلون من ذِي الْحجَّة بسرف، وطهرت يَوْم السبت وَهُوَ يَوْم النَّحْر. قَوْله: (وَبَين الصَّفَا والمروة)

أَي: وطافوا بَين الصَّفَا والمروة، وَأَرَادَ بِهِ السَّعْي بَينهمَا. قَوْله: (طَوافا وَاحِدًا) فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني والجرجاني: (طَوافا آخر) . وَقَالَ عِيَاض هُوَ الصَّوَاب.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: الْحجَّة لمن يَقُول بأفضلية الْقُرْآن لقَوْله: فَمن كَانَ مَعَه هدي فليهل بِالْحَجِّ مَعَ الْعمرَة، وَهَذَا هُوَ الْقُرْآن، لِأَن فِيهِ الْجمع بَين النُّسُكَيْنِ فِي سفرة وَاحِدَة. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: ظَاهره أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمرهم بِالْقُرْآنِ. وَقَوله: (ثمَّ لَا يحل حَتَّى يحل مِنْهُمَا جَمِيعًا) هَذَا هُوَ حكم الْقُرْآن بِلَا نزاع، وَمِمَّنْ ذهب إِلَى تَفْضِيل الْقُرْآن بِهِ وبالأحاديث الَّتِي ذَكرنَاهَا الدَّالَّة على أَفضَلِيَّة الْقُرْآن، وعَلى أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ قَارنا فِي حجَّة الْوَدَاع: شَقِيق بن سَلمَة وَالثَّوْري وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَإِسْحَاق والمزني من أَصْحَاب الشَّافِعِي، وَأَبُو إِسْحَاق الْمروزِي وَابْن الْمُنْذر، وَهُوَ قَول عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَفِي (الْمُجَرّد) . وَإِمَّا حج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَاخْتلف فِيهِ بِحَسب الْمذَاهب، وَالْأَظْهَر قَول أَحْمد: لَا أَشك أَنه كَانَ قَارنا، والمتعة أحب إِلَيّ. فَإِن قلت: قد رُوِيَ: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أفرد الْحَج، وَرُوِيَ: أَنه تمتّع، وَرُوِيَ: أَنه قرن، فَمَا التَّوْفِيق فِيهَا؟ قلت: قَالَ الطَّحَاوِيّ: طَرِيق التَّوْفِيق فِيهَا أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أحرم بِعُمْرَة فِي بَدْء أمره فَمضى فِيهَا مُتَمَتِّعا، ثمَّ أحرم بِحجَّة قبل طَوَافه وإفرادها بِالْإِحْرَامِ، فَصَارَ بهَا قَارنا. فَإِن قلت: فِيهِ إِدْخَال الْحَج على الْعمرَة فَمَا حكمه؟ قلت: قَالَ القَاضِي عِيَاض: اتّفق الْعلمَاء على جَوَاز إِدْخَال الْحَج على الْعمرَة، وشذ بعض النَّاس فَمَنعه، وَقَالَ: لَا يدْخل بِإِحْرَام على إِحْرَام، كَمَا فِي الصَّلَاة. وَاخْتلفُوا فِي عَكسه، وَهُوَ إِدْخَال الْعمرَة على الْحَج، فجوزه أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم، وَمنعه آخَرُونَ، وَقَالُوا: هَذَا كَانَ خَاصّا بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قُلْنَا: دَعْوَى الخصوصية تحْتَاج إِلَى دَلِيل.

وَفِيه: أَن الْمُتَمَتّع إِذا فرغ من أَعمال الْعمرَة لم يحل حَتَّى يحرم بِالْحَجِّ إِذا كَانَ مَعَه هدي، وَهُوَ مَذْهَب أَصْحَابنَا عملا بقوله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لَهَا بِنَقْض رَأسهَا ثمَّ بالامتشاط، فَقَالَ الشَّافِعِي: تَأْوِيله أَنه أَمر لَهَا أَن تدع الْعمرَة وَتدْخل عَلَيْهَا الْحَج فَتَصِير قارنة. وَقَالَ ابْن حزم: وَالصَّحِيح أَنَّهَا كَانَت قارنة. وَقَالَ الْخطابِيّ: الحَدِيث مُشكل جدا إلَاّ أَن يؤول على التَّرَخُّص لَهَا أَن تدع الْعمرَة وَتدْخل على الْحَج، فَتكون قارنة. لَا أَن تدع الْعمرَة نَفسهَا. فَإِن قلت: يوهن هَذَا التَّأْوِيل لفظ: (انقضي رَأسك وامتشطي) . قلت: لَا، لِأَن نقض الرَّأْس والامتشاط جائزان فِي الْإِحْرَام بِحَيْثُ لَا تنتف شعرًا، وَقد يتَأَوَّل بِأَنَّهَا كَانَت معذورة بِأَن كَانَ برأسها أَذَى، فأباح لَهَا كَمَا أَبَاحَ لكعب بن عجْرَة للأذى. وَقيل: المُرَاد بالامتشاط تَسْرِيح الشّعْر بالأصابع لغسل الْإِحْرَام بِالْحَجِّ، وَيلْزمهُ مِنْهُ نقضه.

وَفِيه: فِي قَوْلهَا: (فَقدمت مَكَّة وَأَنا حَائِض وَلم أطف بِالْبَيْتِ وَلَا بَين الصَّفَا والمروة) قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: فِيهِ دلَالَة على أَن طواف الْمُحدث لَا يجوز، وَلَو كَانَ ذَلِك لأجل الْمَسْجِد لقَالَ: لَا يدْخل الْمَسْجِد، وَقد اخْتلفُوا فِيهِ، فَعَن أَحْمد: طواف الْمُحدث وَالْجنب لَا يَصح، وَعنهُ: يَصح. وَقَالَ أَصْحَابنَا: الطَّهَارَة لَيست بِشَرْط فَلَو طَاف وَعَلِيهِ نَجَاسَة أَو طَاف مُحدثا أَو جنبا صَحَّ طَوَافه، لقَوْله تَعَالَى: {وليطوفوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق} (الْحَج: ٩٢) . أَمر بِالطّوافِ مُطلقًا، وتقييده بِالطَّهَارَةِ بِخَبَر الْوَاحِد زِيَادَة على النَّص فَلَا يجوز، وَلَكِن إِن طَاف مُحدثا فَعَلَيهِ شَاة، وَإِن طَاف جنبا فَعَلَيهِ بَدَنَة، ويعيده مَا دَامَ فِي مَكَّة، وَعَن دَاوُد: الطَّهَارَة لَهُ وَاجِبَة. فَإِن طَاف مُحدثا أَجزَأَهُ إلَاّ الْحَائِض. وَعند الشَّافِعِي: الطَّهَارَة شَرط فَلَا يَصح بِدُونِهَا، وَمذهب الْجُمْهُور: أَن السَّعْي يَصح من الْمُحدث وَالْجنب وَالْحَائِض. وَعَن الْحسن: أَنه إِن كَانَ قبل التَّحَلُّل أعَاد السَّعْي، وَإِن كَانَ بعده فَلَا شَيْء عَلَيْهِ.

وَفِيه: حجَّة لمن قَالَ: الطّواف الْوَاحِد وَالسَّعْي الْوَاحِد يكفيان للقارن، وَهُوَ مَذْهَب عَطاء وَالْحسن وطاووس، وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد وَالشَّافِعِيّ وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَدَاوُد، وَقَالَ مُجَاهِد وَجَابِر بن زيد وَشُرَيْح القَاضِي وَالشعْبِيّ وَمُحَمّد بن عَليّ بن حُسَيْن وَالنَّخَعِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَالْأسود بن يزِيد وَالْحسن بن حَيّ وَحَمَّاد بن سَلمَة وَحَمَّاد ابْن سُلَيْمَان وَالْحكم بن عُيَيْنَة وَزِيَاد بن مَالك وَابْن شبْرمَة وَابْن أبي ليلى وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه: لَا بُد للقارن من طوافين وسعيين، وَحكي ذَلِك عَن عمر وَعلي وإبنيه: الْحسن وَالْحُسَيْن، وَابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، هُوَ رِوَايَة عَن أَحْمد. وروى مُجَاهِد عَن ابْن عمر أَنه جمع بَين الْحَج وَالْعمْرَة، وَقَالَ: سبيلهما وَاحِد، وَطَاف لَهما طوافين وسعى لَهما سعيين، وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يصنع كَمَا صنعت، وَعَن عَليّ: أَنه جمع بَينهمَا، وَفعل ذَلِك ثمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْت رَسُول الله

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَذَا عَن عَلْقَمَة عَن ابْن مَسْعُود قَالَ: طَاف رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لعمرته وحجته طوافين وسعى سعيين، وَأَبُو بكر وَعمر وَعلي، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن وَضَعفه، وَالله أعلم.

٢٣ - (بابُ مَنْ أهَلَّ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ كإهْلالِ النبيِّ قالَهُ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من أهلَّ، أَي: أحرم فِي زمن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كإهلال النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى جَوَاز الْإِحْرَام على الْإِيهَام ثمَّ يصرفهُ الْمحرم لما شَاءَ لكَون ذَلِك وَقع فِي زَمَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم يَنْهَهُ عَن ذَلِك، وَقيل: كَانَ البُخَارِيّ لما لم ير إِحْرَام التَّقْلِيد وَلَا الْإِحْرَام الْمُطلق ثمَّ يعين بعد ذَلِك أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة بقوله: بَاب من أهل فِي زمن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كإهلاله، إِلَى أَن هَذَا خَاص بذلك الزَّمن، فَلَيْسَ لأحد أَن يحرم مَا أحرم بِهِ فلَان، بل لَا بُد أَن يعين الْعِبَادَة الَّتِي يَرَاهَا، ودعت الْحَاجة إِلَى الْإِطْلَاق وَالْحوالَة على إِحْرَامه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لِأَن عليا وَأَبا مُوسَى لم يكن عِنْدهمَا أصل يرجعان إِلَيْهِ فِي كَيْفيَّة الْإِحْرَام، فأحالا على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَأَما الْآن فقد اسْتَقَرَّتْ الْأَحْكَام وَعرفت مَرَاتِب كيفيات الْإِحْرَام. انْتهى. قلت: هَذَا الَّذِي قَالَه سلمناه فِي بعضه، وَلَا نسلم فِي قَوْله: كَانَ البُخَارِيّ لم ير إِحْرَام التَّقْلِيد وَلَا الْإِحْرَام الْمُطلق، أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى هَذَا خَاص بذلك الزَّمن، لِأَنَّهُ ذكر فِي التَّرْجَمَة مُطلقًا. من أهل كإهلال النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَمن أَيْن تَأتي هَذِه الْإِشَارَة إِلَى مَا ذكره؟ فالترجمة ساكتة عَن ذَلِك وَلَا يُعلم رَأْي البُخَارِيّ فِي هَذَا الحكم مَا هُوَ؟ فَافْهَم. قَوْله: (قَالَ ابْن عمر) أَي: قَالَ هَذَا الْمَذْكُور الَّذِي هُوَ التَّرْجَمَة عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَيُشِير بِهِ إِلَى مَا أخرجه فِي: بَاب بعث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِلَى الْيمن، فِي (كتاب الْمَغَازِي) من طَرِيق بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ عَن ابْن عمر، فَذكر حَدِيثا فِيهِ: (فَقدم علينا عَليّ بن أبي طَالب من الْيمن حَاجا، فَقَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: بِمَ أَهلَلْت فَإِن مَعنا أهلك؟ فَقَالَ: أَهلَلْت بِمَا أهلَّ بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. .) الحَدِيث. وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ: (فَإِن مَعنا أهلك) لِأَن فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، كَانَت قد تمتعت بِالْعُمْرَةِ وَأحلت، كَمَا بَينه مُسلم فِي حَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهُوَ قَوْله: (وَقدم علينا عَليّ من الْيمن ببدن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَوجدَ فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، مِمَّن حل ولبست ثيابًا صبيغا واكتحلت إِلَى أَن قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَاذَا قلت حِين فرضت الْحَج؟ قَالَ: قلت: أللهم إِنِّي أهل بِمَا أهل بِهِ رَسُولك. قَالَ: فَإِن معي الْهَدْي فَلَا تحل) . وَفِي هَذَا دَلِيل لمَذْهَب الشَّافِعِي وَمن وَافقه، فَإِنَّهُ يَصح الْإِحْرَام مُعَلّقا بِأَن يَنْوِي إحراما كإحرام زيد، فَيصير هَذَا الْمُعَلق كإحرام زيد، فَإِن كَانَ زيد أحرم بِحَجّ كَانَ هَذَا بِحَجّ أَيْضا، وَإِن كَانَ بِعُمْرَة فبعمرة، وَإِن كَانَ بهما فبهما، فَإِن كَانَ زيد أحرم مُطلقًا صَار هَذَا محرما وإحراما مُطلقًا، فيصرفه إِلَى مَا شَاءَ من حج أَو عمْرَة وَلَا يلْزمه مُوَافقَة زيد فِي الصّرْف، قَالَه النَّوَوِيّ: وَحكى الرَّافِعِيّ وَجها أَنه يلْزمه مُوَافَقَته فِي الصّرْف، وَالصَّوَاب الأول، وَلَا يجوز عِنْد سَائِر الْعلمَاء وَالْأَئِمَّة، رَحِمهم الله، الْإِحْرَام بِالنِّيَّةِ المبهمة. لقَوْله تَعَالَى: {وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة لله} (الْبَقَرَة: ٦٩١) . وَلقَوْله: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعمالكُم} (مُحَمَّد: ٣٣) . وَلِأَن هَذَا كَانَ لعَلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، خُصُوصا، وَكَذَا لأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَسَيَأْتِي بَيَانه، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

٧٥٥١ - حدَّثنا المَكِّيُّ بنُ إبْرَاهِيمَ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ قَالَ عَطَاءٌ قَالَ جابِرٌ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أمَرَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عليَّا رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أَن يُقِيمَ عَلَى إحْرَامِهِ وذَكَرَ قَوْلَ سُرَاقَةَ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عليا أَن يُقيم على إِحْرَامه) ، وَذَلِكَ أَنه قدم على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْيمن وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مَكَّة، وَكَانَ قد أرْسلهُ إِلَى الْيمن قبل حجَّة الْوَدَاع، وَكَانَ عَليّ أحرم كإحرام النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ لَهُ: بِمَ أَهلَلْت؟ فَقَالَ: بإهلالك يَا رَسُول الله، فَأمره أَن يُقيم على إِحْرَامه وَلَا يحل لِأَنَّهُ كَانَ مَعَه هدي.

ذكر رِجَاله: وهم: أَرْبَعَة: الأول: الْمَكِّيّ بن إِبْرَاهِيم بن بشير بن فرقد الْحَنْظَلِي التَّمِيمِي الْبَلْخِي أَبُو السكن، وَهُوَ من جملَة من روى عَن أبي حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَاتَ سنة أَربع عشر وَمِائَتَيْنِ ببلخ، وَقد قَارب مائَة سنة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ الْمَنْسُوب إِلَى مَكَّة

المشرفة، وَقد اعْترض عَلَيْهِ بَعضهم بِأَن قَالَ: مَنْسُوب إِلَى مَكَّة وَلَيْسَ كَذَلِك، بل هُوَ اسْمه، وَهُوَ من بَلخ قلت: أَرَادَ بِهِ الْكرْمَانِي أَنه على صُورَة النِّسْبَة إِلَى مَكَّة وَلم يدَّعِ أَنه مَنْسُوب إِلَى مَكَّة حَقِيقَة. الثَّانِي: عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج. الثَّالِث: عَطاء بن أبي رَبَاح. الرَّابِع: جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه بلخي وان ابْن جريج وَعَطَاء مكيان. وَفِيه: قَالَ عَطاء وَقَالَ جَابر وَهُوَ صُورَة التَّعْلِيق، وَهُوَ من رباعيات البُخَارِيّ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَمر النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عليا أَن يُقيم على إِحْرَامه) ، وَذَلِكَ حِين قدم عَليّ من الْيمن كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن، وَأمره أَن يُقيم على إِحْرَامه الَّذِي كَانَ أحرم بِهِ كإحرام النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلَا يحل لِأَن مَعَه الْهَدْي قَوْله: (وَذكر قَول سراقَة) ، أَي: ذكر جَابر فِي حَدِيثه قَول سراقَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَاعل ذكر إِمَّا الْمَكِّيّ، وَإِمَّا جَابر، فقائله إِمَّا البُخَارِيّ، وَإِمَّا عَطاء. وسراقة، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الرَّاء بعد الْألف قَاف: ابْن مَالك بن جعْشم، بِضَم الْجِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَضم الشين الْمُعْجَمَة، وَقيل بفتجها الْكِنَانِي، بالنونين: المدلجي، بِضَم الْمِيم وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة وَكسر اللَّام وبالجيم: الْحِجَازِي، رُوِيَ لَهُ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تِسْعَة عشر حَدِيثا، روى البُخَارِيّ مِنْهَا وَاحِدًا، مَاتَ فِي أول خلَافَة عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، سنة أَربع وَعشْرين، وَقَول سراقَة مَا ذكره البُخَارِيّ فِي: بَاب عمْرَة التَّنْعِيم، من حَدِيث حبيب الْمعلم عَن عَطاء (حَدثنِي جَابر: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أهلَّ هُوَ وَأَصْحَابه بِالْحَجِّ وَلَيْسَ مَعَ أحد مِنْهُم هدي غير النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَطَلْحَة، وَكَانَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قدم من الْيمن وَمَعَهُ هدي. .) الحَدِيث. وَفِيه: (أَن سراقَة لَقِي رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِالْعقبَةِ وَهُوَ يرميها، فَقَالَ: ألكم هَذِه خَاصَّة يَا رَسُول الله؟ قَالَ لَا، بل لأبد الْأَبَد) . وَرَوَاهُ مُسلم فِي (صَحِيحه) عَن مُحَمَّد ابْن حَاتِم: حَدثنَا يحيى الْقطَّان أخبرنَا ابْن جريج (أَخْبرنِي عَطاء، سَمِعت جَابِرا قَالَ: قدم عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من سعايته، فَقَالَ: بِمَ أَهلَلْت؟ قَالَ: بِمَا أهلَّ بِهِ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ لَهُ: فامكث حَرَامًا. قَالَ: وأهد لَهُ هَديا؟ فَقَالَ سراقَة بن مَالك بن جعْشم: يَا رَسُول الله! لِعَامِنَا هَذَا أم لِلْأَبَد؟ فَقَالَ: لأبد) . فَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَذكره البُخَارِيّ أَيْضا فِي: بَاب بعث النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عَليّ بن أبي طَالب وخَالِد بن الْوَلِيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، من (كتاب الْمَغَازِي) عَن الْمَكِّيّ بِسَنَدِهِ، وَلم يذكر الْمُزنِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى، وَلَا من سلفه أَن البُخَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، خرجه فِيهِ وَهُوَ ثَابت فِيهِ، فِيمَا رَأَيْت من نسخ البُخَارِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى.

٨٥٥١ - حدَّثنا الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ الخَلَاّلُ الهُذْلِيُّ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ حدَّثنا سَليمُ بنُ حَيَّانَ قَالَ سَمِعْتُ مَرْوَانَ الأصْفَرَ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ قَدِمَ عَلِيٌّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عَلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنَ اليَمَنِ فقالَ بِمَ أهْلَلْتَ قَالَ بِمَا أهَلَّ بِه النَّبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقالَ لَوْلَا أنَّ مَعِي الهَدْيَ لأحْلَلْتُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

ذكر رِجَاله: وهم: خَمْسَة: الأول: الْحسن بن عَليّ الْخلال، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد اللَّام الأولى: أَبُو عَليّ الْهُذلِيّ، بِضَم الْهَاء وَفتح الذَّال الْمُعْجَمَة، مَاتَ فِي مَكَّة سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث، وَقد مر. الثَّالِث: سليم، بِفَتْح السِّين وَكسر اللَّام: ابْن حَيَّان، بِفَتْح الْهَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره نون، مر فِي: بَاب التَّكْبِير على الْجِنَازَة. الرَّابِع: مَرْوَان الْأَصْفَر. وَيُقَال: الْأَحْمَر أَبُو خلف، وَيُقَال: اسْم أَبِيه خاقَان، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ عَن أنس سوى هَذَا الحَدِيث، وَهُوَ من أَفْرَاد الصَّحِيح. الْخَامِس: أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه حلواني، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة، نِسْبَة إِلَى حلوان، سكن مَكَّة وَأَن عبد الصَّمد وَسليمَان ومروان بصريون، وَفِيه: أَن شَيْخه مَذْكُور بنسبته إِلَى الْقَبِيلَة وَهِي هُذَيْل بن مدركة وَإِلَى الحرفة. وَفِيه: أحد الروَاة مَذْكُور بلقبه.

ذكر من

أخرجه غَيره أخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن مُحَمَّد بن حَاتِم وَعَن حجاج بن الشَّاعِر. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن عبد الْوَارِث ابْن عبد الصَّمد، وَقَالَ: حسن غَرِيب.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بِمَا أَهلَلْت؟) أَي: بِمَا أَحرمت، وَقَالَ ابْن التياني: كَذَا وَقع، أَي: لفظ: (بِمَا أَهلَلْت؟) . وَفِي الْأُمَّهَات بِالْألف وَصَوَابه بِغَيْر ألف لِأَنَّهُ اسْتِفْهَام. قَوْله: (بِمَا أهل بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي: بِالَّذِي أهل بِهِ، أَي: أحرم بِهِ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (لَوْلَا أَن معي الْهَدْي لأحللت) أَي: من الْإِحْرَام، وتمتعت لِأَن صَاحب الْهَدْي لَا يُمكنهُ التَّحَلُّل حَتَّى يبلغ الْهَدْي مَحَله، وَهُوَ فِي يَوْم النَّحْر. قَوْله: (لأحللت) اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد، و: أحللت، من أحلَّ من إِحْرَامه فَهُوَ محلٌّ وحِلٌّ. قَالَ الله تَعَالَى: {وَإِذا حللتم فاصطادوا} (الْمَائِدَة: ٢) . وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : اعْلَم أَن فِي حَدِيث أنس مُوَافقَة لرأي الْجَمَاعَة فِي إِفْرَاده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ الْمُهلب: ويردهم حَدِيث أنس، أَنه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قرن، واتفاقه مَعَ الْجَمَاعَة أولى من الإتباع مِمَّا انْفَرد بِهِ وَخَالفهُم فِيهِ، فتسويغ الشَّارِع لنَفسِهِ لَوْلَا الْهَدْي يدل أَنه كَانَ مُفردا لِأَنَّهُ لَا يجوز للقارن الْإِحْلَال، وَإِن لم يكن مَعَه الْهَدْي حَتَّى يفرغ من الْحَج. قلت: قَالَ الْخطابِيّ: فِي حَدِيث سليم دلَالَة على أَن سيدنَا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ قَارنا لِأَن الْهَدْي لَا يجب على غير الْقَارِن أَو الْمُتَمَتّع، وَلَو كَانَ مُتَمَتِّعا لحل من إِحْرَامه للْعُمْرَة ثمَّ اسْتَأْنف إحراما لِلْحَجِّ، وَبِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور احْتج الشَّافِعِي على جَوَاز الْإِحْرَام الْمُبْهم وَقد ذَكرْنَاهُ.

وَزَادَ مُحَمَّدُ بنُ بَكْرٍ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ قَالَ لَهُ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمَ أهْلَلْتَ يَا عَلَّيُّ قَالَ بَمَا أهَلَّ بِهِ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فأهْدِ وامْكُثْ حَرَاما كَمَا أنْتَ

أَي: زَاد مُحَمَّد بن بكر البرْسَانِي الَّذِي مر ذكره فِي: بَاب تَضْييع الصَّلَاة، فِي كتاب الْمَوَاقِيت عَن عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج عَن عَطاء عَن جَابر، وَهَذَا تَعْلِيق وَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق مُحَمَّد بن بشار وَأَبُو عوَانَة فِي (صَحِيحه) عَن عمار، كِلَاهُمَا عَن مُحَمَّد بن بكر بِهِ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا تَعْلِيق من ابْن جريج أَو دَاخل تَحت الْإِسْنَاد الأول. قلت: إِذا كَانَ دَاخِلا فِي الْإِسْنَاد الأول لَا يكون تَعْلِيقا إلَاّ بِحَسب الصُّورَة.

قَوْله: (فاهد) ، بِفَتْح الْهمزَة لِأَنَّهَا همزَة الْقطع من الرباعي. قَوْله: (وامكث) ، أَمر من: مكث يمْكث مكثا إِذا لبث، وَذَلِكَ لأجل سوق الْهَدْي، وَمن سَاقه لَا يحل حَتَّى يتم الْحَج. قَوْله: (حَرَامًا) ، نصب على الْحَال أَي: محرما. قَوْله: (كَمَا أَنْت) أَي: على مَا أَنْت عَلَيْهِ، وللنحويين فِي هَذَا الْمِثَال أعاريب: أَحدهَا: أَن: مَا، مَوْصُولَة، وَأَنت، مُبْتَدأ مَحْذُوف خَبره. وَالثَّانِي: أَنَّهَا مَوْصُولَة و: أَنْت، خبر حذف مبتدؤه أَي: كَالَّذي هُوَ أَنْت. وَالثَّالِث: أَن: مَا، زَائِدَة ملغاة، وَالْكَاف جَارة، وَأَنت ضمير مَرْفُوع أنيب عَن الْمَجْرُور كَمَا فِي قَوْلهم: مَا أَنا كَأَنْت، وَالْمعْنَى: كن فِيمَا تسْتَقْبل مماثلاً لنَفسك فِيمَا مضى. وَالرَّابِع: أَن، مَا، كَافَّة، وَأَنت مُبْتَدأ حذف خَبره أَي: عَلَيْهِ، أَو كَائِن وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَقَالُوا: فِيهِ دَلِيل على أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ قَارنا، إِذْ وجوب الْهَدْي إِنَّمَا هُوَ على الْقَارِن والمتمتع لَا الْمُفْرد، وَلَيْسَ مُتَمَتِّعا لِأَن لفظ: أمكث يدل على عَدمه.

٩٥٥١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ قَيْسِ بنِ مُسْلمٍ عنْ طَارِقٍ بنِ شِهَابٍ عنْ أبي مُوسى ارضي الله تَعَالَى عَنهُ. قَالَ بعَثَنِي النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إلَى قَوْمٍ بِاليَمَنِ فَجِئْتُ وَهْوَ بِالبَطْحَاءِ فَقَالَ بِمَ أهْلَلْتَ قُلْتُ أهْلَلْتُ كإهْلَالِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ هَلْ مَعَكَ مِنْ هَدْيٍ قُلْتُ لَا فأمرَنِي فَطُفْتُ بِالبيْتِ وبِالصَّفَا وَالمَرْوةِ ثُمَّ أمرنِي فأحْللْتُ فأتيتُ امْرأةً مِنْ قَوْمي فمَشطَتْنِي أوْ غَسَلَتْ رَأسِي فقَدِمَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. فَقَالَ إنْ نَأخُذْ بِكِتَابِ الله فإنَّهُ يأمُرُنَا بِالتَّمَامِ قَالَ الله وَأتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لله وَإنْ نأخُذْ بسنَّةِ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فإنَّهُ لَمُ يَحِلَّ حَتَّى نحَرَ الهَدْيَ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَهلَلْت بإهلال النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) .

ذكر رِجَاله: وهم: خَمْسَة: الأول: عبد الله بن يُوسُف التنيسِي أَبُو مُحَمَّد. الثَّانِي: سُفْيَان الثَّوْريّ. الثَّالِث: قيس بن مُسلم بِلَفْظ الْفَاعِل من الْإِسْلَام الجدلي. الرَّابِع: طَارق

ابْن شهَاب بن عبد شمس البَجلِيّ الأحمسي، وَقد مر فِي: بَاب زِيَادَة الْإِيمَان. الْخَامِس: أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، واسْمه عبد الله بن قيس.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَأَصله من دمشق وَالثَّلَاثَة الَّذين بعده كوفيون. وَفِيه: قيس بن مُسلم عَن طَارق وَفِي رِوَايَة أَيُّوب بن عَائِد فِي الْمَغَازِي عَن قيس بن مُسلم: سَمِعت طَارق بن شهَاب، وَفِيه: طَارق عَن أبي مُوسَى، وَفِي رِوَايَة أَيُّوب الْمَذْكُور: حَدثنِي أَبُو مُوسَى.

وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار بِهِ، وَعَن عبد الله بن معَاذ وَعَن إِسْحَاق بن مَنْصُور وَعبد بن حميد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن أبي مُوسَى وَعَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بَعَثَنِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى قوم بِالْيمن) ، كَانَ بَعثه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِيَّاه إِلَى الْيمن فِي السّنة الْعَاشِرَة من الْهِجْرَة قبل حجَّة الْوَدَاع، وَعَن أبي بردة قَالَ: (بعث النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَبَا مُوسَى ومعاذ بن جبل، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، إِلَى الْيمن، وَبعث كل وَاحِد مِنْهُمَا على مخلاف) . قَالَ: واليمن مخلافان، والمخلاف بِكَسْر الْمِيم فِي الْيمن كالرستاق فِي الْعرَاق، وَجمعه: مخاليف. قَوْله: (وَهُوَ بالبطحاء) الْوَاو فِي: وَهُوَ، للْحَال، والبطحاء: بطحاء مَكَّة، وَهُوَ المحصب، وَهُوَ فِي الأَصْل مسيل واديها، وبطحاء الْوَادي حَصَاة اللين فِي بطن المسيل. قَالَ أَبُو عبيد: هُوَ من حَدِيد خيف بني كنَانَة، وَحده من الْحجُون ذَاهِبًا إِلَى منى، وَفِي رِوَايَة شُعْبَة عَن قيس الْآتِيَة فِي: بَاب مَتى يحل الْمُعْتَمِر وَهُوَ منيخ، أَي: نَازل بهَا. قَوْله: (فَأمرنِي فطفت) ، وَفِي رِوَايَة شُعْبَة: (طف بِالْبَيْتِ وبالصفا والمروة) . قَوْله: (فأحللت) من: أحل يحل إحلالاً، وَمَعْنَاهُ: خرجت من الْإِحْرَام. قَوْله: (فَأتيت امْرَأَة من قومِي) ، وَفِي رِوَايَة شُعْبَة: (امْرَأَة من قيس) ، وَلَيْسَ المُرَاد مِنْهُ قيس غيلَان لِأَنَّهُ لَا نِسْبَة بَينهم وَبَين الْأَشْعَرِيين، وَلَكِن المُرَاد مِنْهُ أَبوهُ قيس بن سليم، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ رِوَايَة أَيُّوب بن عَائِد: (امْرَأَة من بني قيس) ، وَهُوَ أَبُو أبي مُوسَى، وَقَالَ بَعضهم: وَكَانَت الْمَرْأَة زَوْجَة بعض إخْوَة أبي مُوسَى، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَ لَهُ من الْإِخْوَة: أَبُو رهم وَأَبُو بردة وَمُحَمّد. قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: (فَأتيت امْرَأَة) مَحْمُول على أَن هَذِه الْمَرْأَة كَانَت محرما لَهُ، وَامْرَأَة الْأَخ لَيست بِمحرم، فَالصَّوَاب مَعَ الْكرْمَانِي، فَيحمل حِينَئِذٍ على أَن الْمَرْأَة كَانَت بنت بعض أخوته. قَوْله: (أَو غسلت رَأْسِي، بِالشَّكِّ) وَفِي رِوَايَة مُسلم: (وغسلت) ، بواو الْعَطف. قَوْله: (فَقدم عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ) لم يكن قدوم عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي تِلْكَ الْحجَّة على مَا يفهم من ظَاهر الْكَلَام بل المُرَاد من قدومه مَا كَانَ فِي خِلَافَته، اخْتَصَرَهُ البُخَارِيّ وَبسطه مُسلم، فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمثنى وَابْن بشار، قَالَ ابْن الْمثنى: حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر، قَالَ: أخبرنَا شُعْبَة عَن قيس بن مُسلم عَن طَارق بن شهَاب (عَن أبي مُوسَى قَالَ: قدمت على رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ منيخ بالبطحاء، فَقَالَ لي: حججْت؟ فَقلت: نعم. فَقَالَ: بِمَ أَهلَلْت؟ قلت: لبيت بإهلال كإهلال النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: فقد أَحْسَنت، طف بِالْبَيْتِ وبالصفا والمروة، ثمَّ أتيت امْرَأَة من بني قيس، فغسلت رَأْسِي ثمَّ أَهلَلْت بِالْحَجِّ، فَكنت أُفْتِي بِهِ النَّاس حَتَّى كَانَ فِي خلَافَة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَ لَهُ رجل: يَا أَبَا مُوسَى أَو يَا عبد الله بن قيس رويدك بعض فتياك، فَإنَّك لَا تَدْرِي مَا أحدث أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي النّسك بعْدك، فَقَالَ: يَا أَيهَا النَّاس من كُنَّا أفتيناه فتيا فليتئد، فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ قادم عَلَيْكُم فبه فائتموا، قَالَ: فَقدم عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَذكرت لَهُ ذَلِك، فَقَالَ: إِن نَأْخُذ بِكِتَاب الله تَعَالَى، فَإِن كتاب الله تَعَالَى يَأْمر بالتمام، وَإِن نَأْخُذ بِسنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يحل حَتَّى يبلغ الْهَدْي مَحَله) ، وَأخرجه النَّسَائِيّ، وَفِي لَفظه: (فَكنت أُفْتِي النَّاس بذلك إِمَارَة أبي بكر وإمارة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَإِنِّي لقائم بِالْمَوْسِمِ إِذْ جَاءَنِي رجل فَقَالَ: إِنَّك لَا تَدْرِي مَا أحدث أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي النّسك. .) الحَدِيث. قَوْله: (بِهِ) فِي رِوَايَة مُسلم، وَبِذَلِك فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ أَي: بِفَسْخ الْحَج إِلَى الْعمرَة. قَوْله: (رويدك بعض فتياك) ، ويروى: (رويد بعض فتياك) ، و: رويد، اسْم فعل، وَمَعْنَاهُ: أمْهل. قَوْله: (فليتئذ) ، أَي: فليتأنَّ وليصبر، من اتأد إِذا تأنَّى، وَأَصله من: تئد يتأد تأدا. قَوْله: (إِن نَأْخُذ) بنُون الْجَمَاعَة ظَاهر، وَهَذَا من عمر إِنْكَار فسخ الْحَج إِلَى الْعمرَة وإتمام الْحَج، وَاحْتج بِالْآيَةِ وَهِي قَوْله تَعَالَى: {وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة صلى الله عَلَيْهِ وَسلم} (الْبَقَرَة: ٦٩١) . أَمر الله تَعَالَى بإتمام أفعالهما بعد الشُّرُوع فيهمَا، وَعَن عَليّ وَابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن جُبَير وطاووس: {وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة لله} (الْبَقَرَة: ٦٩١) . أَن يحرم من دويرة أَهله. وَقَالَ عبد الرَّزَّاق: أخبرنَا معمر عَن الزُّهْرِيّ، قَالَ: بلغنَا أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.9 / 29.5
الإضاءة 82%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
لا إله إلا الله