الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥٧
الحديث رقم ١٥٧ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الوضوء مرة مرة.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
بَابُ الْوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ
١٥٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (هَذَا رِكْسٌ) كَذَا وَقَعَ هُنَا بِكَسْرِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الْكَافِ فَقِيلَ: هِيَ لُغَةٌ فِي رِجْسٍ بِالْجِيمِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ ابْنِ مَاجَهْ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّهَا عِنْدَهُمَا بِالْجِيمِ، وَقِيلَ: الرِّكْسُ الرَّجِيعُ، رُدَّ مِنْ حَالَةِ الطَّهَارَةِ إِلَى حَالَةِ النَّجَاسَةِ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ. وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: رُدَّ مِنْ حَالَةِ الطَّعَامِ إِلَى حَالَةِ الرَّوْثِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَمْ أَرَ هَذَا الْحَرْفَ فِي اللُّغَةِ، يَعْنِي الرِّكْسَ بِالْكَافِ. وَتَعَقَّبَهُ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ بِأَنَّ مَعْنَاهُ الرَّدُّ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ أَيْ رُدُّوا، فَكَأَنَّهُ قَالَ: هَذَا رَدٌّ عَلَيْكَ، انْتَهَى. وَلَوْ ثَبَتَ مَا قَالَ لَكَانَ بِفَتْحِ الرَّاءِ؛ يُقَالُ: رَكَسَهُ رَكْسًا إِذَا رَدَّهُ، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: هَذَا رِكْسٌ يَعْنِي نَجَسًا، وَهَذَا يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ. وَأَغْرَبَ النَّسَائِيُّ فَقَالَ عَقِبَ هَذَا الْحَدِيثِ: الرِّكْسُ طَعَامُ الْجِنِّ، وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ فِي اللُّغَةِ فَهُوَ مُرِيحٌ مِنَ الْإِشْكَالِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ أَبِيهِ) يَعْنِي يُوسُفَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيَّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ وَهُوَ جَدُّهُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَعْنِي ابْنَ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا، وَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ بِهَذَا التَّعْلِيقِ الرَّدَّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ دَلَّسَ هَذَا الْخَبَرَ كَمَا حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ سُلَيْمَانَ الشَّاذَكُونِيِّ حَيْثُ قَالَ: لَمْ يُسْمَعْ فِي التَّدْلِيسِ بِأَخْفَى مِنْ هَذَا. قَالَ لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ وَلَكِنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَلَمْ يَقُلْ ذَكَرَهُ لِي، انْتَهَى.
وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَيْضًا عَلَى صِحَّةِ سَمَاعِ أَبِي إِسْحَاقَ لِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِكَوْنِ يَحْيَى الْقَطَّانِ رَوَاهُ عَنْ زُهَيْرٍ، فَقَالَ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِهِ: وَالْقَطَّانُ لَا يَرْضَى أَنْ يَأْخُذَ عَنْ زُهَيْرٍ مَا لَيْسَ بِسَمَاعٍ لِأَبِي إِسْحَاقَ، وَكَأَنَّهُ عُرِفَ ذَلِكَ بِالِاسْتِقْرَاءِ مِنْ صَنِيعِ الْقَطَّانِ، أَوْ بِالتَّصْرِيحِ مِنْ قَوْلِهِ. فَانْزَاحَتْ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ عِلَّةُ التَّدْلِيسِ.
وَقَدْ أَعَلَّهُ قَوْمٌ بِالِاضْطِرَابِ، وَقَدْ ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ فِي كِتَابِ الْعِلَلِ، وَاسْتَوْفَيْتُهُ فِي مُقَدِّمَةِ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ، لَكِنَّ رِوَايَةَ زُهَيْرٍ هَذِهِ تَرَجَّحَتْ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ بِمُتَابَعَةِ يُوسُفَ حَفِيدِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَتَابَعَهُمَا شَرِيكٌ الْقَاضِي، وَزَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ وَغَيْرُهُمَا، وَتَابَعَ أَبَا إِسْحَاقَ عَلَى رِوَايَتِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَذْكُورِ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ وَحَدِيثُهُ يُسْتَشْهَدُ بِهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ. وَمِمَّا يُرَجِّحُهَا أَيْضًا اسْتِحْضَارُ أَبِي إِسْحَاقَ لِطَرِيقِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَعُدُولُهُ عَنْهَا بِخِلَافِ رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ عَنْهُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِيهَا لِرِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ، فَلَمَّا اخْتَارَ فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ طَرِيقَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدَةَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ عَارِفٌ بِالطَّرِيقَيْنِ وَأَنَّ رِوَايَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عِنْدَهُ أَرْجَحُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٢٢ - بَاب الْوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً
١٥٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ مَرَّةً مَرَّةً.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً) أَيْ لِكُلِّ عُضْوٍ، وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ مُجْمَلٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي بَابِ غَسْلِ الْوَجْهِ بِالْيَدَيْنِ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَالرَّاوِي عَنْهُ الْفِرْيَابِيُّ لَا الْبَيْكَنْدِيُّ، وَصَرَّحَ أَبُو دَاوُدَ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِمَا بِسَمَاعِ سُفْيَانَ لَهُ مِنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ.
٢٣ - بَاب الْوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ
١٥٨ - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عِيسَى قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) البِيكَنْدِيُّ أو الفِرْيَابيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ، أوِ الثَّوريُّ، وجزم الحافظ ابن حجرٍ والبرماويُّ بأنَّ المُرَاد محمَّدُ بن يوسف الفريابيُّ لا البيكنديُّ، وسفيان الثَّوريُّ لا ابن عيينة، والتَّردُّد فيهما للكِرمانيِّ، وأقرَّه العينيُّ عليه (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) التَّابعيِّ المدنيِّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة، والسِّين المُهمَلَة المُخفَّفة (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما أنَّه (قَالَ: تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ) فغسل كلَّ عضوٍ من أعضاء الوضوء (مَرَّةً مَرَّةً) بالنَّصب فيهما على المفعول المُطلَق المبيِّن للكميَّة، وقِيلَ: على الظَّرفيَّة، أي: توضَّأ في زمانٍ واحدٍ، وقِيلَ: على المصدر، أي: توضَّأ مرَّةً، مِنَ التَّوضُّؤ، أي: غسل الأعضاء غسلةً واحدةً.
(٢٣) [هذا] (بابُ الوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ) لكلِّ عضوٍ أيضًا.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
٢٢ - (بابُ الوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْوضُوء مرّة مرّة، يَعْنِي: لكل عُضْو من أَعْضَاء الْوضُوء مرّة وَاحِدَة.
وَجه الْمُنَاسبَة بَينه وَبَين الْأَبْوَاب الَّتِي قبله ظَاهر، وَهُوَ أَن تِلْكَ الْأَبْوَاب فِي بَيَان أَحْكَام الِاسْتِنْجَاء، وَهَذَا فِي بَيَان حكم الْوضُوء، وَلَا شكّ أَن الْوضُوء يَتْلُو الِاسْتِنْجَاء، وَقد بَين إِجْمَال مَا فِي حَدِيث هَذَا الْبَاب فِي بَاب غسل الْوَجْه وَالْيَدَيْنِ بغرفة وَاحِدَة، وَكِلَاهُمَا عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
١٥٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ حدّثناسُفْيانُ عَنْ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ تَوضَّأَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مرَّةً مَرَّةً.
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة. الأول: مُحَمَّد بن يُوسُف، قَالَ الْكرْمَانِي: المُرَاد بِهِ هُنَا: إِمَّا البيكندي، وَتقدم فِي بَاب مَا كَانَ النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، يتخولهم؟ وَإِمَّا الْفرْيَابِيّ، وَتقدم فِي بَاب لَا يمسك ذكره. ثمَّ قَالَ: الْغَالِب أَن البيكندي يروي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَالْفِرْيَابِي، وَتقدم فِي بَاب لَا يمسك ذكره. ثمَّ قَالَ: الغال أَن البيكندي يروي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَالْفِرْيَابِي عَن سُفْيَان الثَّوْريّ، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ الْفرْيَابِيّ عَن ابْن عُيَيْنَة، لِأَن السفيانين كليهمَا شيخاه، كَمَا أَن زيد بن أسلم شيخ السفيانين، وكما أَن ابْني يُوسُف شَيخا البُخَارِيّ. وَقَالَ بَعضهم: سُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، والراوي عَنهُ الْفرْيَابِيّ لَا البيكندي. قلت: جزم هَذَا الْقَائِل بِأَن سُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَأَن مُحَمَّد بن يُوسُف هُوَ الْفرْيَابِيّ لَا دَلِيل لَهُ عَلَيْهِ، وَالِاحْتِمَال الْمَذْكُور الَّذِي ذكره الْكرْمَانِي غير مَدْفُوع، فَافْهَم. وَقَالَ الْكرْمَانِي. أَيْضا: فان قلت فَهَذَا تَدْلِيس، إِذْ فِيهِ الِاشْتِبَاه الْمُؤَدِّي إِلَى كَون الرَّاوِي مَجْهُولا، فَيلْزم الْقدح فِي الْإِسْنَاد. قلت: مثله لَا يقْدَح فِيهِ لِأَن أياً كَانَ مِنْهُم فَهُوَ عدل ضَابِط بِشَرْط البُخَارِيّ، لَا يتَفَاوَت الحكم باخْتلَاف ذَلِك. الثَّانِي: سُفْيَان، إِمَّا ابْن عُيَيْنَة، وَإِمَّا الثَّوْريّ، وَقد ذكر. لَكِن الرَّاجِح أَنه الثَّوْريّ لِأَن أَبَا نعيم صرح بِهِ فِي كِتَابه. وَالله اعْلَم. الثَّالِث: زيد بن أسلم التَّابِعِيّ الْمدنِي، وَقد مر. الرَّابِع: عَطاء بن يسَار، بِفَتْح الْيَاء وَالسِّين الْمُهْملَة المخففة. الْخَامِس: عبد الله بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
بَيَان لطائف اسناده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته أَئِمَّة أجلاء ثِقَات. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ: زيد بن أسلم عَن عَطاء.
بَيَان من أخرجه غَيره هَذَا مِمَّا تفرد بِهِ البُخَارِيّ عَن مُسلم. وَأخرجه الْأَرْبَعَة، فَأَبُو دَاوُد عَن مُسَدّد عَن يحيى عَن سُفْيَان عَن زيد بن أسلم عَن عَطاء بن يسَار عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: (أَلا أخْبركُم بِوضُوء رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ فَتَوَضَّأ مرّة مرّة) . وَالتِّرْمِذِيّ عَن مُحَمَّد بن بشار عَن يحيى بِهِ، وَعَن قُتَيْبَة وهناد وَأبي كريب، ثَلَاثَتهمْ عَن وَكِيع عَن سُفْيَان بِهِ. وَالنَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن مثنى عَن
يحيى بِهِ، وَابْن مَاجَه عَن أبي بكر بن خَلاد الْبَاهِلِيّ عَن يحيى بِإِسْنَادِهِ: تَوَضَّأ بغرفة وَاحِدَة. وَأَيْضًا الْكل أَخْرجُوهُ فِي كتاب الطَّهَارَة. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ عقيب إِخْرَاجه: وَفِي الْبَاب عَن عمر وَجَابِر وَبُرَيْدَة وَأبي رَافع وَابْن الْفَاكِه، وَحَدِيث ابْن عَبَّاس احسن شَيْء فِي الْبَاب. قلت: لَا جرم اقْتصر عَلَيْهِ البُخَارِيّ. قَالَ: وروى رشدين بن سعد وَغَيره هَذَا الحَدِيث عَن الضَّحَّاك بن شُرَحْبِيل عَن زيد بن أسلم عَن أَبِيه عَن عمر مَرْفُوعا بِهِ، وَلَيْسَ بِشَيْء، وَالصَّحِيح مَا مروى ان عجلَان وَهِشَام بن سعد وسُفْيَان الثَّوْريّ وَعبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد عَن زيد عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس، وَرَوَاهُ عَن سُفْيَان جماعات غير شيخ البُخَارِيّ، مِنْهُم وَكِيع، وَنبهَ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا على أَن ابْن لَهِيعَة وَرشْدِين بن سعد روياه عَن الضَّحَّاك أَيْضا، كَمَا سلف، وَأَن عبد الله بن سِنَان خَالفه، فَرَوَاهُ عَن زيد عَن عبد الله بن عمر. قَالَ: وَكِلَاهُمَا وهم، وَالصَّوَاب: زيد عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس. وَفِي (مُسْند الْبَزَّار) : مَا أَتَى هَذَا إلَاّ من الضَّحَّاك، وَقد أغفل فِي مُسْنده قصد الصَّوَاب. قلت: حَدِيث عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه ابْن مَاجَه: حَدثنَا أَبُو كريب حَدثنَا رشدين بن سعد أخبرنَا الضَّحَّاك بن شُرَحْبِيل عَن زيد بن سلم عَن أَبِيه عَن عمر، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: (رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي غَزْوَة تَوَضَّأ وَاحِدَة وَاحِدَة) . وَأخرجه الطَّحَاوِيّ عَن الرّبيع بن سُلَيْمَان الْمُؤَذّن عَن أَسد عَن ابْن لَهِيعَة عَن الضَّحَّاك بن شُرَحْبِيل عَن زيد بن اسْلَمْ عَن أَبِيه عَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (رَأَيْت رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَتَوَضَّأ مرّة مرّة) ، وَحَدِيث جَابر أخرجه ابْن مَاجَه أَيْضا عَن ثَابت بن ابي صَفِيَّة، قَالَ: سَأَلت أَبَا جَعْفَر، قلت لَهُ: حدثت عَن جَابر بن عبد الله (ان النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَوَضَّأ مرّة مرّة؟ قَالَ: نعم) الحَدِيث، وَحَدِيث بُرَيْدَة أخرجه وَحَدِيث أبي رَافع أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه: حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز حَدثنَا عبد الله بن عمر بن الْخطاب حَدثنَا الدَّرَاورْدِي عَن عَمْرو بن أبي عَمْرو عَن عبيد الله بن ابي رَافع عَن ابيه، قَالَ: (رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَوَضَّأ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ورأيته تَوَضَّأ مرّة مرّة) . وَحَدِيث ابْن الْفَاكِه أخرجه الْبَغَوِيّ فِي (مُعْجَمه) : حَدثنَا عَليّ بن أبي الْجَعْد حَدثنَا عدي ابْن الْفضل عَن ابي جَعْفَر عَن عمَارَة بن خُزَيْمَة بن ثَابت عَن ابْن الْفَاكِه، قَالَ: (رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَوَضَّأ مرّة مرّة) . وَفِي الْبَاب أَيْضا عَن ابي بن كَعْب، أخرجه ابْن مَاجَه: (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دَعَا بِمَاء فَتَوَضَّأ مرّة مرّة)
. الحَدِيث.
ذكر بَقِيَّة الْكَلَام قَوْله: مرّة، نصب على الظّرْف، أَي: تَوَضَّأ فِي زمَان وَاحِد، وَلَو كَانَ ثمَّة غسلتان أَو غسلات لكل عُضْو من أَعْضَاء الْوضُوء لَكَانَ التَّوَضُّؤ فِي زمانين أَو أزمنة، إِذْ لَا بُد لكل غسلة من زمَان غير زمَان الغسلة الْأُخْرَى، أَو مَنْصُوب على الْمصدر، أَي: تَوَضَّأ مرّة من التوضيء أَي: غسل الْأَعْضَاء غسلة وَاحِدَة، وَكَذَا حكم الْمسْح. فان قلت: فعلى هَذَا التَّقْدِير يلْزم أَن يكون مَعْنَاهُ تَوَضَّأ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي جَمِيع عمره مرّة وَاحِدَة، وَهُوَ ظَاهر الْبطلَان. قلت: لَا يلْزم، بل تكْرَار لفظ مرّة يقتضى التَّفْصِيل والتكرير، أَو نقُول: إِن المُرَاد أَنه غسل فِي كلِّ وضوء كلَّ عُضْو مرّة مرّة، لِأَن تكْرَار الْوضُوء من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ من الدّين، هَكَذَا قَالَه الْكرْمَانِي. قلت: فِي الْجَواب الثَّانِي نظر، لِأَنَّهُ يلْزم مِنْهُ أَن جَمِيع وضوء النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي عمره مرّة مرّة، وَلَيْسَ كَذَلِك على مَا لَا يخفي.
وَاسْتدلَّ ابْن التِّين بِهَذَا الحَدِيث على عدم إِيجَاب تَخْلِيل اللِّحْيَة لِأَنَّهُ إِذا غسل وَجهه مرّة لَا يبْقى مَعَه من المَاء مَا يخلل بِهِ، قَالَ: وَفِيه رد على من قَالَ: فرض مغسول الْوضُوء ثَلَاث.
٢٣ - (بَاب الوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي الْوضُوء مرَّتَيْنِ مرَّتَيْنِ لكل عُضْو. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : قد روى البُخَارِيّ بعدُ، من حَدِيث عَمْرو ابْن يحيى عَن ابيه عَن عبد الله بن زيد: (ان النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غسل يَدَيْهِ مرَّتَيْنِ، ومضمض واستنشق ثَلَاثًا وَغسل وَجهه ثَلَاثًا) ، وَهُوَ حَدِيث وَاحِد فَلَا يحسن استدلاله بِهِ فِي هَذَا الْبَاب، اللَّهُمَّ إِلَّا لَو قَالَ: إِن بعض وضوئِهِ كَانَ مرَّتَيْنِ، وَبَعضه ثَلَاثًا، لَكَانَ حسنا. قلت: هَذَا الِاعْتِرَاض غير وَارِد لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع تعدد الْقَضِيَّة، كَيفَ وَالطَّرِيق إِلَى عبد الله بن زيد مُخْتَلف؟ .
وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهر لَا يخفى.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (هَذَا رِكْسٌ) كَذَا وَقَعَ هُنَا بِكَسْرِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الْكَافِ فَقِيلَ: هِيَ لُغَةٌ فِي رِجْسٍ بِالْجِيمِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ ابْنِ مَاجَهْ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّهَا عِنْدَهُمَا بِالْجِيمِ، وَقِيلَ: الرِّكْسُ الرَّجِيعُ، رُدَّ مِنْ حَالَةِ الطَّهَارَةِ إِلَى حَالَةِ النَّجَاسَةِ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ. وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: رُدَّ مِنْ حَالَةِ الطَّعَامِ إِلَى حَالَةِ الرَّوْثِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَمْ أَرَ هَذَا الْحَرْفَ فِي اللُّغَةِ، يَعْنِي الرِّكْسَ بِالْكَافِ. وَتَعَقَّبَهُ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ بِأَنَّ مَعْنَاهُ الرَّدُّ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ أَيْ رُدُّوا، فَكَأَنَّهُ قَالَ: هَذَا رَدٌّ عَلَيْكَ، انْتَهَى. وَلَوْ ثَبَتَ مَا قَالَ لَكَانَ بِفَتْحِ الرَّاءِ؛ يُقَالُ: رَكَسَهُ رَكْسًا إِذَا رَدَّهُ، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: هَذَا رِكْسٌ يَعْنِي نَجَسًا، وَهَذَا يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ. وَأَغْرَبَ النَّسَائِيُّ فَقَالَ عَقِبَ هَذَا الْحَدِيثِ: الرِّكْسُ طَعَامُ الْجِنِّ، وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ فِي اللُّغَةِ فَهُوَ مُرِيحٌ مِنَ الْإِشْكَالِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ أَبِيهِ) يَعْنِي يُوسُفَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيَّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ وَهُوَ جَدُّهُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَعْنِي ابْنَ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا، وَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ بِهَذَا التَّعْلِيقِ الرَّدَّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ دَلَّسَ هَذَا الْخَبَرَ كَمَا حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ سُلَيْمَانَ الشَّاذَكُونِيِّ حَيْثُ قَالَ: لَمْ يُسْمَعْ فِي التَّدْلِيسِ بِأَخْفَى مِنْ هَذَا. قَالَ لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ وَلَكِنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَلَمْ يَقُلْ ذَكَرَهُ لِي، انْتَهَى.
وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَيْضًا عَلَى صِحَّةِ سَمَاعِ أَبِي إِسْحَاقَ لِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِكَوْنِ يَحْيَى الْقَطَّانِ رَوَاهُ عَنْ زُهَيْرٍ، فَقَالَ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِهِ: وَالْقَطَّانُ لَا يَرْضَى أَنْ يَأْخُذَ عَنْ زُهَيْرٍ مَا لَيْسَ بِسَمَاعٍ لِأَبِي إِسْحَاقَ، وَكَأَنَّهُ عُرِفَ ذَلِكَ بِالِاسْتِقْرَاءِ مِنْ صَنِيعِ الْقَطَّانِ، أَوْ بِالتَّصْرِيحِ مِنْ قَوْلِهِ. فَانْزَاحَتْ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ عِلَّةُ التَّدْلِيسِ.
وَقَدْ أَعَلَّهُ قَوْمٌ بِالِاضْطِرَابِ، وَقَدْ ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ فِي كِتَابِ الْعِلَلِ، وَاسْتَوْفَيْتُهُ فِي مُقَدِّمَةِ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ، لَكِنَّ رِوَايَةَ زُهَيْرٍ هَذِهِ تَرَجَّحَتْ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ بِمُتَابَعَةِ يُوسُفَ حَفِيدِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَتَابَعَهُمَا شَرِيكٌ الْقَاضِي، وَزَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ وَغَيْرُهُمَا، وَتَابَعَ أَبَا إِسْحَاقَ عَلَى رِوَايَتِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَذْكُورِ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ وَحَدِيثُهُ يُسْتَشْهَدُ بِهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ. وَمِمَّا يُرَجِّحُهَا أَيْضًا اسْتِحْضَارُ أَبِي إِسْحَاقَ لِطَرِيقِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَعُدُولُهُ عَنْهَا بِخِلَافِ رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ عَنْهُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِيهَا لِرِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ، فَلَمَّا اخْتَارَ فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ طَرِيقَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدَةَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ عَارِفٌ بِالطَّرِيقَيْنِ وَأَنَّ رِوَايَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عِنْدَهُ أَرْجَحُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٢٢ - بَاب الْوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً
١٥٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ مَرَّةً مَرَّةً.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً) أَيْ لِكُلِّ عُضْوٍ، وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ مُجْمَلٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي بَابِ غَسْلِ الْوَجْهِ بِالْيَدَيْنِ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَالرَّاوِي عَنْهُ الْفِرْيَابِيُّ لَا الْبَيْكَنْدِيُّ، وَصَرَّحَ أَبُو دَاوُدَ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِمَا بِسَمَاعِ سُفْيَانَ لَهُ مِنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ.
٢٣ - بَاب الْوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ
١٥٨ - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عِيسَى قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) البِيكَنْدِيُّ أو الفِرْيَابيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ، أوِ الثَّوريُّ، وجزم الحافظ ابن حجرٍ والبرماويُّ بأنَّ المُرَاد محمَّدُ بن يوسف الفريابيُّ لا البيكنديُّ، وسفيان الثَّوريُّ لا ابن عيينة، والتَّردُّد فيهما للكِرمانيِّ، وأقرَّه العينيُّ عليه (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) التَّابعيِّ المدنيِّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة، والسِّين المُهمَلَة المُخفَّفة (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما أنَّه (قَالَ: تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ) فغسل كلَّ عضوٍ من أعضاء الوضوء (مَرَّةً مَرَّةً) بالنَّصب فيهما على المفعول المُطلَق المبيِّن للكميَّة، وقِيلَ: على الظَّرفيَّة، أي: توضَّأ في زمانٍ واحدٍ، وقِيلَ: على المصدر، أي: توضَّأ مرَّةً، مِنَ التَّوضُّؤ، أي: غسل الأعضاء غسلةً واحدةً.
(٢٣) [هذا] (بابُ الوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ) لكلِّ عضوٍ أيضًا.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
٢٢ - (بابُ الوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْوضُوء مرّة مرّة، يَعْنِي: لكل عُضْو من أَعْضَاء الْوضُوء مرّة وَاحِدَة.
وَجه الْمُنَاسبَة بَينه وَبَين الْأَبْوَاب الَّتِي قبله ظَاهر، وَهُوَ أَن تِلْكَ الْأَبْوَاب فِي بَيَان أَحْكَام الِاسْتِنْجَاء، وَهَذَا فِي بَيَان حكم الْوضُوء، وَلَا شكّ أَن الْوضُوء يَتْلُو الِاسْتِنْجَاء، وَقد بَين إِجْمَال مَا فِي حَدِيث هَذَا الْبَاب فِي بَاب غسل الْوَجْه وَالْيَدَيْنِ بغرفة وَاحِدَة، وَكِلَاهُمَا عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
١٥٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ حدّثناسُفْيانُ عَنْ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ تَوضَّأَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مرَّةً مَرَّةً.
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة. الأول: مُحَمَّد بن يُوسُف، قَالَ الْكرْمَانِي: المُرَاد بِهِ هُنَا: إِمَّا البيكندي، وَتقدم فِي بَاب مَا كَانَ النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، يتخولهم؟ وَإِمَّا الْفرْيَابِيّ، وَتقدم فِي بَاب لَا يمسك ذكره. ثمَّ قَالَ: الْغَالِب أَن البيكندي يروي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَالْفِرْيَابِي، وَتقدم فِي بَاب لَا يمسك ذكره. ثمَّ قَالَ: الغال أَن البيكندي يروي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَالْفِرْيَابِي عَن سُفْيَان الثَّوْريّ، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ الْفرْيَابِيّ عَن ابْن عُيَيْنَة، لِأَن السفيانين كليهمَا شيخاه، كَمَا أَن زيد بن أسلم شيخ السفيانين، وكما أَن ابْني يُوسُف شَيخا البُخَارِيّ. وَقَالَ بَعضهم: سُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، والراوي عَنهُ الْفرْيَابِيّ لَا البيكندي. قلت: جزم هَذَا الْقَائِل بِأَن سُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَأَن مُحَمَّد بن يُوسُف هُوَ الْفرْيَابِيّ لَا دَلِيل لَهُ عَلَيْهِ، وَالِاحْتِمَال الْمَذْكُور الَّذِي ذكره الْكرْمَانِي غير مَدْفُوع، فَافْهَم. وَقَالَ الْكرْمَانِي. أَيْضا: فان قلت فَهَذَا تَدْلِيس، إِذْ فِيهِ الِاشْتِبَاه الْمُؤَدِّي إِلَى كَون الرَّاوِي مَجْهُولا، فَيلْزم الْقدح فِي الْإِسْنَاد. قلت: مثله لَا يقْدَح فِيهِ لِأَن أياً كَانَ مِنْهُم فَهُوَ عدل ضَابِط بِشَرْط البُخَارِيّ، لَا يتَفَاوَت الحكم باخْتلَاف ذَلِك. الثَّانِي: سُفْيَان، إِمَّا ابْن عُيَيْنَة، وَإِمَّا الثَّوْريّ، وَقد ذكر. لَكِن الرَّاجِح أَنه الثَّوْريّ لِأَن أَبَا نعيم صرح بِهِ فِي كِتَابه. وَالله اعْلَم. الثَّالِث: زيد بن أسلم التَّابِعِيّ الْمدنِي، وَقد مر. الرَّابِع: عَطاء بن يسَار، بِفَتْح الْيَاء وَالسِّين الْمُهْملَة المخففة. الْخَامِس: عبد الله بن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
بَيَان لطائف اسناده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته أَئِمَّة أجلاء ثِقَات. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ: زيد بن أسلم عَن عَطاء.
بَيَان من أخرجه غَيره هَذَا مِمَّا تفرد بِهِ البُخَارِيّ عَن مُسلم. وَأخرجه الْأَرْبَعَة، فَأَبُو دَاوُد عَن مُسَدّد عَن يحيى عَن سُفْيَان عَن زيد بن أسلم عَن عَطاء بن يسَار عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: (أَلا أخْبركُم بِوضُوء رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ فَتَوَضَّأ مرّة مرّة) . وَالتِّرْمِذِيّ عَن مُحَمَّد بن بشار عَن يحيى بِهِ، وَعَن قُتَيْبَة وهناد وَأبي كريب، ثَلَاثَتهمْ عَن وَكِيع عَن سُفْيَان بِهِ. وَالنَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن مثنى عَن
يحيى بِهِ، وَابْن مَاجَه عَن أبي بكر بن خَلاد الْبَاهِلِيّ عَن يحيى بِإِسْنَادِهِ: تَوَضَّأ بغرفة وَاحِدَة. وَأَيْضًا الْكل أَخْرجُوهُ فِي كتاب الطَّهَارَة. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ عقيب إِخْرَاجه: وَفِي الْبَاب عَن عمر وَجَابِر وَبُرَيْدَة وَأبي رَافع وَابْن الْفَاكِه، وَحَدِيث ابْن عَبَّاس احسن شَيْء فِي الْبَاب. قلت: لَا جرم اقْتصر عَلَيْهِ البُخَارِيّ. قَالَ: وروى رشدين بن سعد وَغَيره هَذَا الحَدِيث عَن الضَّحَّاك بن شُرَحْبِيل عَن زيد بن أسلم عَن أَبِيه عَن عمر مَرْفُوعا بِهِ، وَلَيْسَ بِشَيْء، وَالصَّحِيح مَا مروى ان عجلَان وَهِشَام بن سعد وسُفْيَان الثَّوْريّ وَعبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد عَن زيد عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس، وَرَوَاهُ عَن سُفْيَان جماعات غير شيخ البُخَارِيّ، مِنْهُم وَكِيع، وَنبهَ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا على أَن ابْن لَهِيعَة وَرشْدِين بن سعد روياه عَن الضَّحَّاك أَيْضا، كَمَا سلف، وَأَن عبد الله بن سِنَان خَالفه، فَرَوَاهُ عَن زيد عَن عبد الله بن عمر. قَالَ: وَكِلَاهُمَا وهم، وَالصَّوَاب: زيد عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس. وَفِي (مُسْند الْبَزَّار) : مَا أَتَى هَذَا إلَاّ من الضَّحَّاك، وَقد أغفل فِي مُسْنده قصد الصَّوَاب. قلت: حَدِيث عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه ابْن مَاجَه: حَدثنَا أَبُو كريب حَدثنَا رشدين بن سعد أخبرنَا الضَّحَّاك بن شُرَحْبِيل عَن زيد بن سلم عَن أَبِيه عَن عمر، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: (رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي غَزْوَة تَوَضَّأ وَاحِدَة وَاحِدَة) . وَأخرجه الطَّحَاوِيّ عَن الرّبيع بن سُلَيْمَان الْمُؤَذّن عَن أَسد عَن ابْن لَهِيعَة عَن الضَّحَّاك بن شُرَحْبِيل عَن زيد بن اسْلَمْ عَن أَبِيه عَن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (رَأَيْت رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَتَوَضَّأ مرّة مرّة) ، وَحَدِيث جَابر أخرجه ابْن مَاجَه أَيْضا عَن ثَابت بن ابي صَفِيَّة، قَالَ: سَأَلت أَبَا جَعْفَر، قلت لَهُ: حدثت عَن جَابر بن عبد الله (ان النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَوَضَّأ مرّة مرّة؟ قَالَ: نعم) الحَدِيث، وَحَدِيث بُرَيْدَة أخرجه وَحَدِيث أبي رَافع أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه: حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز حَدثنَا عبد الله بن عمر بن الْخطاب حَدثنَا الدَّرَاورْدِي عَن عَمْرو بن أبي عَمْرو عَن عبيد الله بن ابي رَافع عَن ابيه، قَالَ: (رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَوَضَّأ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ورأيته تَوَضَّأ مرّة مرّة) . وَحَدِيث ابْن الْفَاكِه أخرجه الْبَغَوِيّ فِي (مُعْجَمه) : حَدثنَا عَليّ بن أبي الْجَعْد حَدثنَا عدي ابْن الْفضل عَن ابي جَعْفَر عَن عمَارَة بن خُزَيْمَة بن ثَابت عَن ابْن الْفَاكِه، قَالَ: (رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَوَضَّأ مرّة مرّة) . وَفِي الْبَاب أَيْضا عَن ابي بن كَعْب، أخرجه ابْن مَاجَه: (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دَعَا بِمَاء فَتَوَضَّأ مرّة مرّة)
. الحَدِيث.
ذكر بَقِيَّة الْكَلَام قَوْله: مرّة، نصب على الظّرْف، أَي: تَوَضَّأ فِي زمَان وَاحِد، وَلَو كَانَ ثمَّة غسلتان أَو غسلات لكل عُضْو من أَعْضَاء الْوضُوء لَكَانَ التَّوَضُّؤ فِي زمانين أَو أزمنة، إِذْ لَا بُد لكل غسلة من زمَان غير زمَان الغسلة الْأُخْرَى، أَو مَنْصُوب على الْمصدر، أَي: تَوَضَّأ مرّة من التوضيء أَي: غسل الْأَعْضَاء غسلة وَاحِدَة، وَكَذَا حكم الْمسْح. فان قلت: فعلى هَذَا التَّقْدِير يلْزم أَن يكون مَعْنَاهُ تَوَضَّأ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي جَمِيع عمره مرّة وَاحِدَة، وَهُوَ ظَاهر الْبطلَان. قلت: لَا يلْزم، بل تكْرَار لفظ مرّة يقتضى التَّفْصِيل والتكرير، أَو نقُول: إِن المُرَاد أَنه غسل فِي كلِّ وضوء كلَّ عُضْو مرّة مرّة، لِأَن تكْرَار الْوضُوء من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ من الدّين، هَكَذَا قَالَه الْكرْمَانِي. قلت: فِي الْجَواب الثَّانِي نظر، لِأَنَّهُ يلْزم مِنْهُ أَن جَمِيع وضوء النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي عمره مرّة مرّة، وَلَيْسَ كَذَلِك على مَا لَا يخفي.
وَاسْتدلَّ ابْن التِّين بِهَذَا الحَدِيث على عدم إِيجَاب تَخْلِيل اللِّحْيَة لِأَنَّهُ إِذا غسل وَجهه مرّة لَا يبْقى مَعَه من المَاء مَا يخلل بِهِ، قَالَ: وَفِيه رد على من قَالَ: فرض مغسول الْوضُوء ثَلَاث.
٢٣ - (بَاب الوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي الْوضُوء مرَّتَيْنِ مرَّتَيْنِ لكل عُضْو. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : قد روى البُخَارِيّ بعدُ، من حَدِيث عَمْرو ابْن يحيى عَن ابيه عَن عبد الله بن زيد: (ان النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غسل يَدَيْهِ مرَّتَيْنِ، ومضمض واستنشق ثَلَاثًا وَغسل وَجهه ثَلَاثًا) ، وَهُوَ حَدِيث وَاحِد فَلَا يحسن استدلاله بِهِ فِي هَذَا الْبَاب، اللَّهُمَّ إِلَّا لَو قَالَ: إِن بعض وضوئِهِ كَانَ مرَّتَيْنِ، وَبَعضه ثَلَاثًا، لَكَانَ حسنا. قلت: هَذَا الِاعْتِرَاض غير وَارِد لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع تعدد الْقَضِيَّة، كَيفَ وَالطَّرِيق إِلَى عبد الله بن زيد مُخْتَلف؟ .
وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهر لَا يخفى.