«إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ: لَمَّا قَدِمَ، أَبَى أَنْ يَدْخُلَ الْبَيْتَ وَفِيهِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٦٠١

الحديث رقم ١٦٠١ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من كبر في نواحي الكعبة.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «إن رسول الله ﷺ: لما قدم، أبى أن يدخل البيت…

«إِنَّ رَسُولَ اللهِ : لَمَّا قَدِمَ، أَبَى أَنْ يَدْخُلَ الْبَيْتَ وَفِيهِ الْآلِهَةُ، فَأَمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ، فَأَخْرَجُوا صُورَةَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ فِي أَيْدِيهِمَا الْأَزْلَامُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : قَاتَلَهُمُ اللهُ، أَمَا وَاللهِ قَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمَا لَمْ يَسْتَقْسِمَا بِهَا قَطُّ. فَدَخَلَ الْبَيْتَ، فَكَبَّرَ فِي نَوَاحِيهِ وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ».

سند حديث: ١٦٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ: حَدَّثَنَا…

١٦٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «إن رسول الله ﷺ: لما قدم، أبى أن يدخل البيت…

لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة امتنع عن دخول البيت؛ لأجل الأصنام التي لأهل الجاهلية، وأطلق عليها الآلهة باعتبار ما كانوا يزعمون، فأمرهم النبي أن يُخرجوها ففعلوا، فأخرجوا صنمًا على صورة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وفي أيديهما الأقلام والأقداح التي كان المشركون يستقسمون بها.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قاتلهم الله أي قاتل الله المشركين الذين صوروا صورة إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام، ونسبوا إليهما الضرب بالقداح، وكانا بريئين من ذلك، وإنما هو شيء أحدثه الكفار الذين غيروا دين إبراهيم عليه السلام، وأحدثوا أحداثا، وقد علموا أن إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام لم ‌يستقسما بالأزلام أبدا، ووجه ذلك أنهم كانوا يعلمون اسم أول من أحدث الاستقسام بالأزلام، وهو عمرو بن لحي، فكانت نسبتهم الاستقسام بالأزلام إلى إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السلام، افتراء عليهما، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة، فكبر في جوانب البيت ولم يصل فيه صلاة، هكذا قال ابن عباس، بناءً على ظنه رضي الله عنه، ولم يكن دخل الكعبة مع النبي صلى الله عليه وسلم، وقد جاء في صحيح البخاري عن ابنعمر تسمية من دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم للكعبة، وأن منهم بلال بن رباح رضي الله عنه، وسأله ابن عمر هل صلى النبي صلى الله عليه وسلم في الكعبة، فأجاب بأنه صلى، وعيَّن المكان الذي صلى فيه، فقال: جعل عمودا عن يساره، وعمودين عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • بيان دخول النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة وتكبيره فيها.
  • معرفة المشركين بعدم استقسام إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وافتراءهم عليهما.
  • ما كانت عليه الكعبة من انتشار الأصنام حولها وداخلها قبل الفتح.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «إن رسول الله ﷺ: لما قدم، أبى أن يدخل البيت…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَالَ الْعُلَمَاءُ: سَبَبُ تَرْكِ دُخُولِهِ؛ مَا كَانَ فِي الْبَيْتِ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالصُّوَرِ، وَلَمْ يَكُنِ الْمُشْرِكُونَ يَتْرُكُونَهُ لِيُغَيِّرَهَا، فَلَمَّا كَانَ فِي الْفَتْحِ أمر بِإِزَالَةِ الصُّوَرِ ثُمَّ دَخَلَهَا، يَعْنِي كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي بَعْدَهُ. انْتَهَى. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ دُخُولُ الْبَيْتِ لَمْ يَقَعْ فِي الشَّرْطِ، فَلَوْ أَرَادَ دُخُولَهُ لَمَنَعُوهُ مِنَ الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ زِيَادَةً عَلَى الثَّلَاثِ، فَلَمْ يَقْصِدْ دُخُولَهُ لِئَلَّا يَمْنَعُوهُ. وَفِي السِّيرَةِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ دَخَلَهَا قَبْلَ الْهِجْرَةِ، فَأَزَالَ شَيْئًا مِنَ الْأَصْنَامِ، وَفِي الطَّبَقَاتِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ نَحْوُ ذَلِكَ، فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ لَمْ يُشْكِلْ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ ذَلِكَ الدُّخُولَ كَانَ لِإِزَالَةِ شَيْءٍ مِنَ الْمُنْكَرَاتِ لَا لِقَصْدِ الْعِبَادَةِ، وَالْإِزَالَةُ فِي الْهُدْنَةِ كَانَتْ غَيْرَ مُمْكِنَةٍ بِخِلَافِ يَوْمِ الْفَتْحِ. (تَنْبِيهٌ): اسْتَدَلَّ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ دَخَلَ الْكَعْبَةَ فِي حَجَّتِهِ، وَفِي فَتْحِ مَكَّةَ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ كَوْنِهِ دَخَلَهَا فِي عُمْرَتِهِ أَنَّهُ دَخَلَهَا فِي جَمِيعِ أَسْفَارِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٥٤ - بَاب مَنْ كَبَّرَ فِي نَوَاحِي الْكَعْبَةِ

١٦٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمَّا قَدِمَ أَبَى أَنْ يَدْخُلَ الْبَيْتَ وَفِيهِ الْآلِهَةُ، فَأَمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ، فَأَخْرَجُوا صُورَةَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ف ي أَيْدِيهِمَا الْأَزْلَامُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَمَا وَاللَّهِ قَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمَا لَمْ يَسْتَقْسِمَا بِهَا قَطُّ فَدَخَلَ الْبَيْتَ فَكَبَّرَ فِي نَوَاحِيهِ وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ كَبَّرَ فِي نَوَاحِي الْكَعْبَةِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَبَّرَ فِي الْبَيْتِ وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ، وَصَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ، وَاحْتَجَّ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ يَرَى تَقْدِيمَ حَدِيثِ بِلَالٍ فِي إِثْبَاتِهِ الصَّلَاةَ فِيهِ عَلَيْهِ، وَلَا مُعَارَضَةَ فِي ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى التَّرْجَمَةِ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَثْبَتَ التَّكْبِيرَ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ بِلَالٌ، وَبِلَالٌ أَثْبَتَ الصَّلَاةَ وَنَفَاهَا ابْنُ عَبَّاسٍ فَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ بِزِيَادَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ يُقَدَّمُ إِثْبَاتُ بِلَالٍ عَلَى نَفْي غَيْرِهِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَ النَّبِيِّ يَوْمَئِذٍ، وَإِنَّمَا أَسْنَدَ نَفْيَهُ تَارَةً لِأُسَامَةَ وَتَارَةً لِأَخِيهِ الْفَضْلِ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ الْفَضْلَ كَانَ مَعَهُمْ إِلَّا فِي رِوَايَةٍ شَاذَّةٍ، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَخِيهِ الْفَضْلِ نَفْيَ الصَّلَاةِ فِيهَا، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَلَقَّاهُ عَنْ أُسَامَةَ، فَإِنَّهُ كَانَ مَعَهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ مَضَى فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَوَى عَنْهُ نَفْيَ الصَّلَاةِ فِيهَا عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَقَدْ وَقَعَ إِثْبَاتُ صَلَاتِهِ فِيهَا عَنْ أُسَامَةَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ أُسَامَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، فَتَعَارَضَتِ الرِّوَايَةُ فِي ذَلِكَ عَنْهُ، فَتَتَرَجَّحُ رِوَايَةُ بِلَالٍ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مُثْبِتٌ وَغَيْرُهُ نَافٍ، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِ فِي الْإِثْبَاتِ، وَاخْتُلِفَ عَلَى مَنْ نَفَى، وَقَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ: يُجْمَعُ بَيْنَ إِثْبَاتِ بِلَالٍ وَنَفْيِ أُسَامَةَ بِأَنَّهُمْ لَمَّا دَخَلُوا الْكَعْبَةَ اشْتَغَلُوا بِالدُّعَاءِ، فَرَأَى أُسَامَةُ النَّبِيَّ يَدْعُو،

فَاشْتَغَلَ أُسَامَةُ بِالدُّعَاءِ فِي نَاحِيَةٍ وَالنَّبِيُّ فِي نَاحِيَةٍ، ثُمَّ صَلَّى النَّبِيُّ ، فَرَآهُ بِلَالٌ لِقُرْبِهِ مِنْهُ وَلَمْ يَرَهُ أُسَامَةُ لِبُعْدِهِ وَاشْتِغَالِهِ، وَلِأَنَّ بِإِغْلَاقِ الْبَابِ تَكُونُ الظُّلْمَةُ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَحْجُبَهُ عَنْهُ بَعْضُ الْأَعْمِدَةِ، فَنَفَاهَا عَمَلًا بِظَنِّهِ، وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أُسَامَةُ غَابَ عَنْهُ بَعْدَ دُخُولِهِ لِحَاجَةٍ فَلَمْ يَشْهَدْ صَلَاتَهُ. انْتَهَى. وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْرَانَ، عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فِي الْكَعْبَةِ فَرَأَى صُوَرًا، فَدَعَا بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ، فَأَتَيْتُهُ بِهِ، فَضَرَبَ بِهِ الصُّوَرَ. فَهَذَا الْإِسْنَادُ جَيِّدٌ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فَلَعَلَّهُ اسْتَصْحَبَ النَّفْيَ لِسُرْعَةِ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ: هَذِه الْقبْلَة، وَزَاد الْحَاكِم: قَالَ عَطاء لم يكن يُنْهِي عَن دُخُوله، وَلَكِن سمعته يَقُول: أَخْبرنِي أُسَامَة، وَعند ابْن أبي شيبَة: قَالَ ابْن عَبَّاس: يَا أَيهَا النَّاس! إِن دخولكم الْبَيْت لَيْسَ من حَجكُمْ فِي شَيْء، وَسَنَده صَحِيح، وَعَن إِبْرَاهِيم: إِن شَاءَ دخل وَإِن شَاءَ لم يدْخل. وَقَالَ خَيْثَمَة: لَا يَضرك وَالله أَن لَا تدخله.

٠٠٦١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا خالِدُ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا إسماعِيلُ بنُ أبي خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي أوْفَى اعْتَمَرَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَطَافَ بِالبَيْتِ وصَلى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ ومعَهُ منْ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ فقَالَ لَهُ رجُلٌ أدَخَلَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْكَعْبَةَ قَالَ لَا..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله أَرْبَعَة، وخَالِد بن عبد الله هُوَ الطَّحَّان الْبَصْرِيّ، وَهَذَا الْإِسْنَاد نصفه بَصرِي وَنصفه كُوفِي.

وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن جرير، وَفِي الْمَغَازِي أَيْضا عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير، وَعَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحَج عَن مُسَدّد عَن خَالِد وَعَن تَمِيم بن الْمُنْتَصر عَن إِسْحَاق بن يُوسُف عَن شريك، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن عَليّ عَن يحيى بن سعيد وَعَن إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن ابْن نمير.

قَوْله: (اعْتَمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، المُرَاد بِهِ عمْرَة الْقَضَاء، فَكَانَت فِي سنة سبع من الْهِجْرَة قبل فتح مَكَّة. قَوْله: (خلف الْمقَام) أَي: مقَام إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَالْوَاو فِي (وَمَعَهُ) للْحَال. قَوْله: (أدَخَلَ؟) الْهمزَة للاستفهام، وَقَالَ النَّوَوِيّ: قَالَ الْعلمَاء: سَبَب ترك دُخُوله مَا كَانَ فِي الْبَيْت من الْأَصْنَام والصور، وَلم يكن الْمُشْركُونَ يتركونه ليغيرها، فَلَمَّا كَانَ الْفَتْح أمرنَا بِإِزَالَة الصُّور ثمَّ دَخلهَا، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: كَانَت الْأَصْنَام ثَلَاثمِائَة وَسِتِّينَ صنما، لأَنهم كَانُوا يعظمون كل يَوْم صنما ويخصون أعظمها بصنمين، وروى الإِمَام أَحْمد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي (مُسْنده) (عَن جَابر، قَالَ: كَانَ فِي الْكَعْبَة صور، فَأمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن يمحوها فَبل عمر ثوبا ومحاها بِهِ، فَدَخلَهَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَا فِيهَا شَيْء) .

٤٥ - (بابُ مَنْ كَبَّرَ فِي نَوَاحِي الْكَعْبَةِ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ من كبر فِي نواحي الْكَعْبَة.

١٠٦١ - حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ قَالَ حَدثنَا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ حدَّثنا أيُّوبُ قَالَ حدَّثنا عِكْرِمَةُ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ إنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لمَّا قَدِمَ أبَى أنْ يَدْخُلَ الْبَيْتَ وَفِيهِ الآلِهَةُ فأمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ فأخْرَجُوا صُورَةَ إبْرَاهِيمَ وإسْمَاعِيلَ فِي أيْدِيهِمَا الأزْلَامُ فقالَ رَسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قاتَلَهُمُ الله أمَا وَالله قَدْ عَلِمُوا أنَّهُمَا لَمْ يَسْتَقْسِمَا بِهَا فدَخَلَ الْبَيْتَ فكَبَّرَ فِي نَوَاحِيِهِ ولَمْ يُصَلِّ فِيهِ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَكبر فِي نواحيه) ، وَأَبُو معمر، بِفَتْح الميمين: عبد الله بن عمر، والمقعد الْبَصْرِيّ وَعبد الْوَارِث بن سعيد، وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ، وَفِي (التَّوْضِيح) : والْحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ وَلَيْسَ كَذَلِك، بل أخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي الْحَج عَن أبي معمر بِهِ.

قَوْله: (لما قدم) أَي: مَكَّة. قَوْله: (أَبى أَن يدْخل الْبَيْت) أَي: امْتنع عَن دُخُول الْبَيْت. قَوْله: (وَفِيه) أَي: وَالْحَال أَن فِي الْبَيْت: (الْآلهَة) أَي: الْأَصْنَام الَّتِي لأهل الْجَاهِلِيَّة، أطلق عَلَيْهَا الْآلهَة بِاعْتِبَار مَا كَانُوا يَزْعمُونَ. قَوْله: (فَأمر بهَا فأخرجت) وَفِي رِوَايَة: (تَأتي فِي الْأَنْبِيَاء: (حَتَّى أَمر بهَا فمحيت) . قَوْله: (فأخرجوا صُورَة إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل، عَلَيْهِمَا السَّلَام) ، وَفِي رِوَايَة لَهُ أَيْضا فِي بَاب: {وَاتخذ الله إِبْرَاهِيم خَلِيلًا} (النِّسَاء: ٥٢١) . دخل النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، الْبَيْت فَوجدَ فِيهِ صُورَة إِبْرَاهِيم وَصُورَة مَرْيَم، فَقَالَ: أما هم فقد سمعُوا أَن الْمَلَائِكَة لَا تدخل بَيْتا فِيهِ صُورَة، هَذَا إِبْرَاهِيم مُصَور، فَمَا باله يستقسم. قَوْله: (الأزلام) جمع: زلم، وَهِي الأقلام.

وَقَالَ ابْن التِّين: الأزلام: القداح، وَهِي أَعْوَاد نحتوها وَكَتَبُوا فِي إِحْدَاهَا: إفعل، وَفِي الآخر: لَا تفعل، وَلَا شَيْء فِي الآخر فَإِذا أَرَادَ أحدهم سفرا أَو حَاجَة أَلْقَاهَا، فَإِن خرج: إفعل، فعل، وَإِن خرج: لَا تفعل، لم

يفعل، وَإِن خرج الآخر أعَاد الضَّرْب حَتَّى يخرج لَهُ: إفعل، أَو: لَا تفعل. فَكَانَت سَبْعَة على صفة وَاحِدَة مَكْتُوب عَلَيْهَا: لَا. نعم، مِنْهُم، من غَيرهم، ملصق، الْعقل، فضل الْعقل، وَكَانَ بيد السادن فَإِذا أَرَادوا خُرُوجًا أَو تزويجا أَو حَاجَة ضرب السادن، فَإِن خرج: نعم، ذهب، فَإِن خرج: لَا، كف، وَإِن شكوا فِي نسب أَتَوا بِهِ إِلَى الصَّنَم، فَضرب بِتِلْكَ الثَّلَاثَة الَّتِي هِيَ: مِنْهُم، من غَيرهم، ملصق، فَإِن خرج: مِنْهُم، كَانَ من أوسطهم نسبا، وَإِن خرج: من غَيرهم، كَانَ حليفا، وَإِن خرج ملصق لم يكن لَهُ نسب وَلَا حلف، وَإِذا جنى أحد جِنَايَة وَاخْتلفُوا على من الْعقل، ضربوا فَإِن خرج: الْعقل، على من ضربه عَلَيْهِ عقل وبرىء الْآخرُونَ، وَكَانُوا إِذا عقلوا الْعقل وَفضل الشَّيْء مِنْهُ وَاخْتلفُوا فِيهِ أَتَوا السادن فَضرب، فعلى من وَجب أَدَّاهُ، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: كَانَت الْجَاهِلِيَّة يتخذون الأقلام ويكتبون على بَعْضهَا: نهاني رَبِّي، وعَلى بَعْضهَا: أَمرنِي رَبِّي، وعَلى بَعْضهَا، نعم، وعَلى بَعْضهَا: لَا، فَإِذا أَرَادَ أحدهم سفرا أَو غَيره دفعوها إِلَى بَعضهم حَتَّى يقبضهَا، فَإِن خرج الْقدح الَّذِي عَلَيْهِ: أَمرنِي رَبِّي، مضى، أَو: نهاني، كف.

والاستقسام مَا قسم لَهُ من أَمر يزعمه، وَقيل: كَانَ إِذا أَرَادَ أحدهم أمرا أَدخل يَده فِي الْوِعَاء الَّذِي فِيهِ الأقلام فَأخْرج مِنْهَا زلما وَعمل بِمَا عَلَيْهِ، وَقيل: الأزلام حَصى بيض كَانُوا يضْربُونَ بهَا، والاستقسام استفعال من قسم الرزق والحاجات، وَذَلِكَ طلب أحدهم بالأزلام على مَا قسم لَهُ فِي حَاجته الَّتِي يلتمسها من نجاح أَو حرمَان، وأبطل الرب تَعَالَى ذَلِك، وَأخْبر أَنه فسق لأَنهم كَانَ يستقسمون عِنْد ألهتهم الَّتِي يعتقدونها، وَيَقُولُونَ: يَا إل هُنَا أخرج الْحق فِي ذَلِك، ثمَّ يعْملُونَ بِمَا خرج فِيهِ، فَكَانَ ذَلِك كفرا بِاللَّه تَعَالَى لإضافتهم مَا يكون من ذَلِك من صَوَاب أَو خطأ إِلَى أَنه من قسم آلِهَتهم الَّتِي لَا تضر وَلَا تَنْفَع، وَأخْبر الشَّارِع عَن إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَنَّهُمَا لم يَكُونَا يفوضان أمورهما إلَاّ إِلَى الله الَّذِي لَا يخفى عَلَيْهِ علم مَا كَانَ، وَمَا هُوَ كَائِن، لِأَن الْآلهَة لَا تضر وَلَا تَنْفَع، وَلذَلِك قَالَ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لقد علمُوا أَنهم لم يستقسما بهَا قطّ) . لأَنهم قد علمُوا أَن أباءهم أحدثوها، وَكَانَ فيهم بَقِيَّة من دين إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مِنْهَا: الْخِتَان، وَتَحْرِيم ذَوَات الْمَحَارِم إلَاّ امْرَأَة الْأَب، وَالْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ.

قَوْله: (قَاتلهم الله) أَي: لعنهم الله. قَالَ التَّيْمِيّ: يَعْنِي قَاتل الله الْمُشْركين الَّذين صوروا صُورَة إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، ونسبوا إِلَيْهِمَا الضَّرْب بِالْقداحِ، وَكَانَا بريئين من ذَلِك، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْء أحدثه الْكفَّار الَّذين غيروا دين إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ السَّلَام، وأحدثوا أحداثا. قَوْله: (أما وَالله) . وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: أم وَالله، وَحذف الْألف مِنْهُ للتَّخْفِيف، وَكلمَة: أما، لافتتاح الْكَلَام. قَوْله: (قد علمُوا) ويروى: (لقد علمُوا) ، بِزِيَادَة اللَّام لزِيَادَة التَّأْكِيد، قيل: وَجه ذَلِك أَنهم كَانُوا يعلمُونَ إسم أول من أحدث الاستقسام بالأزلام، وَهُوَ عَمْرو بن لحي، فَكَانَت نسبتهم الاستقسام بالأزلام إِلَى إِبْرَاهِيم وَولده إِسْمَاعِيل عَلَيْهِمَا السَّلَام، افتراء عَلَيْهِمَا. قَوْله: (لم يستقسما) أَي: إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام. قَوْله: (بهَا) ، أَي: بالأزلام، ويروى: بهما، مثنى، وَهُوَ بِاعْتِبَار أَن الأزلام على نَوْعَيْنِ: خير وَشر، وَقد ذكرنَا أَن الاستقسام طلب الْقسم، يَعْنِي: طلب معرفَة مَا قسم لَهُ وَمَا لم يقسم لَهُ بالأزلام، وَكَذَا معرفَة مَا أَمر بِهِ وَمَا نهي عَنهُ، وَقيل: هُوَ قسمهم الْجَزُور على الْأَنْصِبَاء الْمَعْلُومَة. قَوْله: (فَدخل الْبَيْت) أَي: فَدخل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْكَعْبَة، (فَكبر فِي نواحيه) أَي: فِي جَوَانِب الْبَيْت: (وَلم يصل فِيهِ) صَلَاة. فَهَذَا ابْن عَبَّاس نفى الصَّلَاة وَأثبت التَّكْبِير، وبلال أثبت الصَّلَاة وَلم يتَعَرَّض للتكبير، وَقد ذكرنَا وَجه ذَلِك مستقصىً فِي: بَاب إغلاق الْبَيْت، وَهَذَا البُخَارِيّ صحّح حَدِيث ابْن عَبَّاس مَعَ كَونه يرى تَقْدِيم حَدِيث بِلَال فِي إِثْبَات الصَّلَاة. فَإِن قلت: كَيفَ وَجه هَذَا يُصَحِّحهُ ويتركه؟ قلت: لم يتْرك لَا حَدِيث ابْن عَبَّاس، وَلَا حَدِيث بِلَال، وَترْجم هُنَا بِحَدِيث ابْن عَبَّاس لأجل الزِّيَادَة فِيهِ، وَهُوَ التَّكْبِير فِي نواحي الْبَيْت، وَلكنه قدم حَدِيث ابْن عَبَّاس لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَنه لم يكن مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمئِذٍ، وَإِنَّا أسْند نفي الصَّلَاة تَارَة لأسامة وَتارَة لِأَخِيهِ الْفضل، مَعَ أَنه لم يثبت كَون الْفضل مَعَهم إِلَّا فِي رِوَايَة شَاذَّة. وَالْوَجْه الآخر: إِن قَول الْمُثبت يرحج لِأَن فِيهِ زِيَادَة الْعلم، وَالله تَعَالَى أعلم.

٥٥ - (بابٌ كَيفَ كانَ بَدْءُ الرَّمَلِ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ كَيْفيَّة ابْتِدَاء مَشْرُوعِيَّة الرمل فِي الطّواف، والرمل، بِفَتْح الرَّاء وَالْمِيم: هُوَ سرعَة الْمَشْي مَعَ تقَارب

فِي الخطوة. وَفِي (الْمُحكم) : رمل يرمل رملاً ورملاً: إِذا مَشى دون الْعَدو. قَالَ الْقَزاز: هُوَ الْعَدو الشَّديد. وَفِي الجمهرة: شَبيه بالهرولة وَفِي (الصِّحَاح) : هُوَ الهرولة، وَفِي (المغيث) هُوَ الخبب، وَقيل: هُوَ أَن يهز مَنْكِبه وَلَا يسْرع الْعَدو، وَفِي (كتاب المسالك) لِابْنِ الْعَرَبِيّ: هُوَ مَأْخُوذ من التحرك، وَهُوَ أَن يُحَرك الْمَاشِي مَنْكِبَيْه لشدَّة الْحَرَكَة فِي مَشْيه.

٢٠٦١ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا حَمَّادٌ هُوَ ابنُ زَيْدٍ عنْ أيُّوبَ عَنْ سَعيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ قَدِمَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأصْحَابُهُ فَقَالَ المُشْرِكُونَ إنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُم وقَدْ وهَنَهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ فأمَرَهُمُ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنْ يَرْمُلُوا الأشْوَاطَ الثَّلاثَةَ وأنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ ولَمْ يَمْنَعْهُ أنْ يأمُرَهُمْ أنْ يَرْمُلُوا الأشْوَاطَ كُلَّهَا إِلَّا الإبْقَاءُ عَلَيْهِمْ.

(الحَدِيث ٢٠٦١ طرفه فِي: ٦٥٢٤) .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِيهِ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر القادمين مَعَه إِلَى مَكَّة أَن يرملوا، وَكَانَ هَذَا هُوَ ابْتِدَاء مَشْرُوعِيَّة الرمل، وَرِجَاله قد تكرروا.

وَأعَاد البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي الْمَغَازِي عَن سُلَيْمَان بن حَرْب أَيْضا. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان لوبن.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قدم رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَصْحَابه) أَي: مَكَّة. قَوْله: (فَقَالَ الْمُشْركُونَ إِنَّه يقدم عَلَيْكُم) بِفَتْح الدَّال، وَالضَّمِير فِي: أَنه، يرجع إِلَى رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفِي: وهنهم، لأَصْحَابه، وَله وَجه آخر يَأْتِي بَيَانه عَن قريب، وَفِي لفظ مُسلم: (فَقَالَ الْمُشْركُونَ: هَؤُلَاءِ الَّذين زعمتم أَن الْحمى وهنتهم، هَؤُلَاءِ أجلد من كَذَا وَكَذَا) . وَفِي لفظ للْبُخَارِيّ: (وَالْمُشْرِكُونَ من جبل قعيقعان) ، وَفِي لفظ لمُسلم: (وَكَانُوا يحسدونه) ، وَفِي لفظ: (وَكَانَ أهل مَكَّة قوما حسدا) ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (يقدم عَلَيْكُم قوم عُرَاة، فَأطلع الله نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على مَا قَالُوا، فَأَمرهمْ أَن يرملوا وَأَن يمشوا) . وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه: (قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأَصْحَابه حِين أَرَادوا دُخُول مَكَّة فِي عمرته بعد الْحُدَيْبِيَة: إِن قومكم غَدا سيرونكم، فليرونكم جلدا. فَلَمَّا دخلُوا الْمَسْجِد الْحَرَام استلموا الرُّكْن ورملوا وَهُوَ مَعَهم) ، وللطبراني عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: من شَاءَ فليرمل وَمن شَاءَ فَلَا يرمل، إِنَّمَا أَمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالرمل ليرى الْمُشْركُونَ قوته، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ فِي (تهذيبه) : لما اعْتَمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بلغه أَن أهل مَكَّة يَقُولُونَ: إِن بِأَصْحَابِهِ هزالًا. فَقَالَ لَهُم حِين قدم: شدوا مآزركم وأعضادكم، وارملوا حَتَّى يَقُول قومكم: إِن بكم قُوَّة، قَالَ ثمَّ حج رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلم يرمل، قَالُوا: وَإِنَّمَا رمل فِي عمْرَة الْعقبَة، وَفِي إِسْنَاده حجاج بن أَرْطَاة، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَصْحَابه اعتمروا من جعرانة، يَعْنِي فِي عمْرَة الْقَضَاء، فرملوا بِالْبَيْتِ وَجعلُوا أرديتهم تَحت آباطهم، ثمَّ قدموها على عواتقهم الْيُسْرَى، وَفِي لفظ: (كَانُوا إِذا بلغُوا الرُّكْن الْيَمَانِيّ وتغيبوا من قُرَيْش مَشوا، ثمَّ إِذا اطلعوا عَلَيْهِم يرملون، تَقول قُرَيْش: كَأَنَّهُمْ الغزلان) . قَوْله: (قد وهنهم) ويروى (وَقد وهنهم) بواو الْعَطف، وحرف التَّقْرِيب، وَالْجُمْلَة حَالية، وَهَذَا بِحرف الْعَطف وبحذفها رِوَايَة ابْن السكن. وَقَالَ ابْن قرقول: رِوَايَة الكافة بِالْفَاءِ، وَهُوَ الصَّوَاب يَعْنِي: وَفد بِمَعْنى الْجَمَاعَة القادمين، فعلى هَذَا يكون ارتفاعه على أَنه فَاعل. قَوْله: (يقدم) ، وَيكون قَوْله وهنهم فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا تكون صفة لوفد، وعَلى هَذَا يكون الضَّمِير فِي قَوْله (إِنَّه يقدم) ، ضمير الشان، وعَلى رِوَايَة ابْن السكن: يرجع إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا ذكرنَا عَن قريب، ويروى: وهنهم، بِالتَّشْدِيدِ من التوهين. وَقَوله: (حمى يثرب) بِالرَّفْع فَاعله، والوهن الضعْف، يُقَال: وَهن يهن مثل: وعد، ووهن ورم، والواهن الضَّعِيف فِي قوته لَا بَطش عِنْده، وَعَن صَاحب (الْعين) : الوهن الضعْف فِي الْعَمَل وَالْأَمر، وَكَذَلِكَ فِي الْعظم، وهَنَ الشَّيْء وأوهنه، والوهن بِفَتْح الْهَاء لُغَة فِي الوهن بالتسكين، وَرجل واهن فِي الْأَمر وَالْعَمَل، وموهون فِي الْعظم وَالْبدن، وَعَن ابْن دُرَيْد: وَهن يوهن. قَوْله: (يثرب) اسْم مَدِينَة الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْجَاهِلِيَّة. قَوْله: (أَن يرملوا) ، بِضَم الْمِيم أَي: وَأَن يرملوا، و: أَن، مَصْدَرِيَّة، وَالتَّقْدِير: يَأْمُرهُم بالرمل. قَوْله: (الأشواط) جمع شوط، بِفَتْح الشين وَهُوَ الطلق، وَهُوَ مَأْخُوذ من قَوْلهم: جرى الْفرس شوطا إِذا بلغ مجْرَاه، ثمَّ عَاد، فَكل من أَتَى موضعا ثمَّ انْصَرف عَنهُ فَهُوَ شوط، وَالْمرَاد هَهُنَا: الطوفة حول الْكَعْبَة، وانتصاب الأشواط على الظّرْف. قَوْله: (وَأَن يمشوا) ، عطف على قَوْله: (أَن يرملوا) . قَوْله: (مَا بَين الرُّكْنَيْنِ) أَي: اليمانيين. قَوْله: (إلَاّ الْإِبْقَاء) ، بِكَسْر الْهمزَة وبالباء الْمُوَحدَة وَالْقَاف، وَهُوَ الرِّفْق

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَالَ الْعُلَمَاءُ: سَبَبُ تَرْكِ دُخُولِهِ؛ مَا كَانَ فِي الْبَيْتِ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالصُّوَرِ، وَلَمْ يَكُنِ الْمُشْرِكُونَ يَتْرُكُونَهُ لِيُغَيِّرَهَا، فَلَمَّا كَانَ فِي الْفَتْحِ أمر بِإِزَالَةِ الصُّوَرِ ثُمَّ دَخَلَهَا، يَعْنِي كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي بَعْدَهُ. انْتَهَى. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ دُخُولُ الْبَيْتِ لَمْ يَقَعْ فِي الشَّرْطِ، فَلَوْ أَرَادَ دُخُولَهُ لَمَنَعُوهُ مِنَ الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ زِيَادَةً عَلَى الثَّلَاثِ، فَلَمْ يَقْصِدْ دُخُولَهُ لِئَلَّا يَمْنَعُوهُ. وَفِي السِّيرَةِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ دَخَلَهَا قَبْلَ الْهِجْرَةِ، فَأَزَالَ شَيْئًا مِنَ الْأَصْنَامِ، وَفِي الطَّبَقَاتِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ نَحْوُ ذَلِكَ، فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ لَمْ يُشْكِلْ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ ذَلِكَ الدُّخُولَ كَانَ لِإِزَالَةِ شَيْءٍ مِنَ الْمُنْكَرَاتِ لَا لِقَصْدِ الْعِبَادَةِ، وَالْإِزَالَةُ فِي الْهُدْنَةِ كَانَتْ غَيْرَ مُمْكِنَةٍ بِخِلَافِ يَوْمِ الْفَتْحِ. (تَنْبِيهٌ): اسْتَدَلَّ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ دَخَلَ الْكَعْبَةَ فِي حَجَّتِهِ، وَفِي فَتْحِ مَكَّةَ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ كَوْنِهِ دَخَلَهَا فِي عُمْرَتِهِ أَنَّهُ دَخَلَهَا فِي جَمِيعِ أَسْفَارِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٥٤ - بَاب مَنْ كَبَّرَ فِي نَوَاحِي الْكَعْبَةِ

١٦٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمَّا قَدِمَ أَبَى أَنْ يَدْخُلَ الْبَيْتَ وَفِيهِ الْآلِهَةُ، فَأَمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ، فَأَخْرَجُوا صُورَةَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ف ي أَيْدِيهِمَا الْأَزْلَامُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَمَا وَاللَّهِ قَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمَا لَمْ يَسْتَقْسِمَا بِهَا قَطُّ فَدَخَلَ الْبَيْتَ فَكَبَّرَ فِي نَوَاحِيهِ وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ كَبَّرَ فِي نَوَاحِي الْكَعْبَةِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَبَّرَ فِي الْبَيْتِ وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ، وَصَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ، وَاحْتَجَّ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ يَرَى تَقْدِيمَ حَدِيثِ بِلَالٍ فِي إِثْبَاتِهِ الصَّلَاةَ فِيهِ عَلَيْهِ، وَلَا مُعَارَضَةَ فِي ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى التَّرْجَمَةِ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَثْبَتَ التَّكْبِيرَ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ بِلَالٌ، وَبِلَالٌ أَثْبَتَ الصَّلَاةَ وَنَفَاهَا ابْنُ عَبَّاسٍ فَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ بِزِيَادَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ يُقَدَّمُ إِثْبَاتُ بِلَالٍ عَلَى نَفْي غَيْرِهِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَ النَّبِيِّ يَوْمَئِذٍ، وَإِنَّمَا أَسْنَدَ نَفْيَهُ تَارَةً لِأُسَامَةَ وَتَارَةً لِأَخِيهِ الْفَضْلِ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ الْفَضْلَ كَانَ مَعَهُمْ إِلَّا فِي رِوَايَةٍ شَاذَّةٍ، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَخِيهِ الْفَضْلِ نَفْيَ الصَّلَاةِ فِيهَا، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَلَقَّاهُ عَنْ أُسَامَةَ، فَإِنَّهُ كَانَ مَعَهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ مَضَى فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَوَى عَنْهُ نَفْيَ الصَّلَاةِ فِيهَا عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَقَدْ وَقَعَ إِثْبَاتُ صَلَاتِهِ فِيهَا عَنْ أُسَامَةَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ أُسَامَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، فَتَعَارَضَتِ الرِّوَايَةُ فِي ذَلِكَ عَنْهُ، فَتَتَرَجَّحُ رِوَايَةُ بِلَالٍ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مُثْبِتٌ وَغَيْرُهُ نَافٍ، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِ فِي الْإِثْبَاتِ، وَاخْتُلِفَ عَلَى مَنْ نَفَى، وَقَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ: يُجْمَعُ بَيْنَ إِثْبَاتِ بِلَالٍ وَنَفْيِ أُسَامَةَ بِأَنَّهُمْ لَمَّا دَخَلُوا الْكَعْبَةَ اشْتَغَلُوا بِالدُّعَاءِ، فَرَأَى أُسَامَةُ النَّبِيَّ يَدْعُو،

فَاشْتَغَلَ أُسَامَةُ بِالدُّعَاءِ فِي نَاحِيَةٍ وَالنَّبِيُّ فِي نَاحِيَةٍ، ثُمَّ صَلَّى النَّبِيُّ ، فَرَآهُ بِلَالٌ لِقُرْبِهِ مِنْهُ وَلَمْ يَرَهُ أُسَامَةُ لِبُعْدِهِ وَاشْتِغَالِهِ، وَلِأَنَّ بِإِغْلَاقِ الْبَابِ تَكُونُ الظُّلْمَةُ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَحْجُبَهُ عَنْهُ بَعْضُ الْأَعْمِدَةِ، فَنَفَاهَا عَمَلًا بِظَنِّهِ، وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أُسَامَةُ غَابَ عَنْهُ بَعْدَ دُخُولِهِ لِحَاجَةٍ فَلَمْ يَشْهَدْ صَلَاتَهُ. انْتَهَى. وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْرَانَ، عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فِي الْكَعْبَةِ فَرَأَى صُوَرًا، فَدَعَا بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ، فَأَتَيْتُهُ بِهِ، فَضَرَبَ بِهِ الصُّوَرَ. فَهَذَا الْإِسْنَادُ جَيِّدٌ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فَلَعَلَّهُ اسْتَصْحَبَ النَّفْيَ لِسُرْعَةِ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ: هَذِه الْقبْلَة، وَزَاد الْحَاكِم: قَالَ عَطاء لم يكن يُنْهِي عَن دُخُوله، وَلَكِن سمعته يَقُول: أَخْبرنِي أُسَامَة، وَعند ابْن أبي شيبَة: قَالَ ابْن عَبَّاس: يَا أَيهَا النَّاس! إِن دخولكم الْبَيْت لَيْسَ من حَجكُمْ فِي شَيْء، وَسَنَده صَحِيح، وَعَن إِبْرَاهِيم: إِن شَاءَ دخل وَإِن شَاءَ لم يدْخل. وَقَالَ خَيْثَمَة: لَا يَضرك وَالله أَن لَا تدخله.

٠٠٦١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا خالِدُ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا إسماعِيلُ بنُ أبي خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي أوْفَى اعْتَمَرَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَطَافَ بِالبَيْتِ وصَلى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ ومعَهُ منْ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ فقَالَ لَهُ رجُلٌ أدَخَلَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْكَعْبَةَ قَالَ لَا..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله أَرْبَعَة، وخَالِد بن عبد الله هُوَ الطَّحَّان الْبَصْرِيّ، وَهَذَا الْإِسْنَاد نصفه بَصرِي وَنصفه كُوفِي.

وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن جرير، وَفِي الْمَغَازِي أَيْضا عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير، وَعَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْحَج عَن مُسَدّد عَن خَالِد وَعَن تَمِيم بن الْمُنْتَصر عَن إِسْحَاق بن يُوسُف عَن شريك، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن عَليّ عَن يحيى بن سعيد وَعَن إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن ابْن نمير.

قَوْله: (اعْتَمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، المُرَاد بِهِ عمْرَة الْقَضَاء، فَكَانَت فِي سنة سبع من الْهِجْرَة قبل فتح مَكَّة. قَوْله: (خلف الْمقَام) أَي: مقَام إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَالْوَاو فِي (وَمَعَهُ) للْحَال. قَوْله: (أدَخَلَ؟) الْهمزَة للاستفهام، وَقَالَ النَّوَوِيّ: قَالَ الْعلمَاء: سَبَب ترك دُخُوله مَا كَانَ فِي الْبَيْت من الْأَصْنَام والصور، وَلم يكن الْمُشْركُونَ يتركونه ليغيرها، فَلَمَّا كَانَ الْفَتْح أمرنَا بِإِزَالَة الصُّور ثمَّ دَخلهَا، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: كَانَت الْأَصْنَام ثَلَاثمِائَة وَسِتِّينَ صنما، لأَنهم كَانُوا يعظمون كل يَوْم صنما ويخصون أعظمها بصنمين، وروى الإِمَام أَحْمد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي (مُسْنده) (عَن جَابر، قَالَ: كَانَ فِي الْكَعْبَة صور، فَأمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن يمحوها فَبل عمر ثوبا ومحاها بِهِ، فَدَخلَهَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَا فِيهَا شَيْء) .

٤٥ - (بابُ مَنْ كَبَّرَ فِي نَوَاحِي الْكَعْبَةِ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ من كبر فِي نواحي الْكَعْبَة.

١٠٦١ - حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ قَالَ حَدثنَا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ حدَّثنا أيُّوبُ قَالَ حدَّثنا عِكْرِمَةُ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ إنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لمَّا قَدِمَ أبَى أنْ يَدْخُلَ الْبَيْتَ وَفِيهِ الآلِهَةُ فأمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ فأخْرَجُوا صُورَةَ إبْرَاهِيمَ وإسْمَاعِيلَ فِي أيْدِيهِمَا الأزْلَامُ فقالَ رَسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قاتَلَهُمُ الله أمَا وَالله قَدْ عَلِمُوا أنَّهُمَا لَمْ يَسْتَقْسِمَا بِهَا فدَخَلَ الْبَيْتَ فكَبَّرَ فِي نَوَاحِيِهِ ولَمْ يُصَلِّ فِيهِ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَكبر فِي نواحيه) ، وَأَبُو معمر، بِفَتْح الميمين: عبد الله بن عمر، والمقعد الْبَصْرِيّ وَعبد الْوَارِث بن سعيد، وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ، وَفِي (التَّوْضِيح) : والْحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ وَلَيْسَ كَذَلِك، بل أخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي الْحَج عَن أبي معمر بِهِ.

قَوْله: (لما قدم) أَي: مَكَّة. قَوْله: (أَبى أَن يدْخل الْبَيْت) أَي: امْتنع عَن دُخُول الْبَيْت. قَوْله: (وَفِيه) أَي: وَالْحَال أَن فِي الْبَيْت: (الْآلهَة) أَي: الْأَصْنَام الَّتِي لأهل الْجَاهِلِيَّة، أطلق عَلَيْهَا الْآلهَة بِاعْتِبَار مَا كَانُوا يَزْعمُونَ. قَوْله: (فَأمر بهَا فأخرجت) وَفِي رِوَايَة: (تَأتي فِي الْأَنْبِيَاء: (حَتَّى أَمر بهَا فمحيت) . قَوْله: (فأخرجوا صُورَة إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل، عَلَيْهِمَا السَّلَام) ، وَفِي رِوَايَة لَهُ أَيْضا فِي بَاب: {وَاتخذ الله إِبْرَاهِيم خَلِيلًا} (النِّسَاء: ٥٢١) . دخل النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، الْبَيْت فَوجدَ فِيهِ صُورَة إِبْرَاهِيم وَصُورَة مَرْيَم، فَقَالَ: أما هم فقد سمعُوا أَن الْمَلَائِكَة لَا تدخل بَيْتا فِيهِ صُورَة، هَذَا إِبْرَاهِيم مُصَور، فَمَا باله يستقسم. قَوْله: (الأزلام) جمع: زلم، وَهِي الأقلام.

وَقَالَ ابْن التِّين: الأزلام: القداح، وَهِي أَعْوَاد نحتوها وَكَتَبُوا فِي إِحْدَاهَا: إفعل، وَفِي الآخر: لَا تفعل، وَلَا شَيْء فِي الآخر فَإِذا أَرَادَ أحدهم سفرا أَو حَاجَة أَلْقَاهَا، فَإِن خرج: إفعل، فعل، وَإِن خرج: لَا تفعل، لم

يفعل، وَإِن خرج الآخر أعَاد الضَّرْب حَتَّى يخرج لَهُ: إفعل، أَو: لَا تفعل. فَكَانَت سَبْعَة على صفة وَاحِدَة مَكْتُوب عَلَيْهَا: لَا. نعم، مِنْهُم، من غَيرهم، ملصق، الْعقل، فضل الْعقل، وَكَانَ بيد السادن فَإِذا أَرَادوا خُرُوجًا أَو تزويجا أَو حَاجَة ضرب السادن، فَإِن خرج: نعم، ذهب، فَإِن خرج: لَا، كف، وَإِن شكوا فِي نسب أَتَوا بِهِ إِلَى الصَّنَم، فَضرب بِتِلْكَ الثَّلَاثَة الَّتِي هِيَ: مِنْهُم، من غَيرهم، ملصق، فَإِن خرج: مِنْهُم، كَانَ من أوسطهم نسبا، وَإِن خرج: من غَيرهم، كَانَ حليفا، وَإِن خرج ملصق لم يكن لَهُ نسب وَلَا حلف، وَإِذا جنى أحد جِنَايَة وَاخْتلفُوا على من الْعقل، ضربوا فَإِن خرج: الْعقل، على من ضربه عَلَيْهِ عقل وبرىء الْآخرُونَ، وَكَانُوا إِذا عقلوا الْعقل وَفضل الشَّيْء مِنْهُ وَاخْتلفُوا فِيهِ أَتَوا السادن فَضرب، فعلى من وَجب أَدَّاهُ، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: كَانَت الْجَاهِلِيَّة يتخذون الأقلام ويكتبون على بَعْضهَا: نهاني رَبِّي، وعَلى بَعْضهَا: أَمرنِي رَبِّي، وعَلى بَعْضهَا، نعم، وعَلى بَعْضهَا: لَا، فَإِذا أَرَادَ أحدهم سفرا أَو غَيره دفعوها إِلَى بَعضهم حَتَّى يقبضهَا، فَإِن خرج الْقدح الَّذِي عَلَيْهِ: أَمرنِي رَبِّي، مضى، أَو: نهاني، كف.

والاستقسام مَا قسم لَهُ من أَمر يزعمه، وَقيل: كَانَ إِذا أَرَادَ أحدهم أمرا أَدخل يَده فِي الْوِعَاء الَّذِي فِيهِ الأقلام فَأخْرج مِنْهَا زلما وَعمل بِمَا عَلَيْهِ، وَقيل: الأزلام حَصى بيض كَانُوا يضْربُونَ بهَا، والاستقسام استفعال من قسم الرزق والحاجات، وَذَلِكَ طلب أحدهم بالأزلام على مَا قسم لَهُ فِي حَاجته الَّتِي يلتمسها من نجاح أَو حرمَان، وأبطل الرب تَعَالَى ذَلِك، وَأخْبر أَنه فسق لأَنهم كَانَ يستقسمون عِنْد ألهتهم الَّتِي يعتقدونها، وَيَقُولُونَ: يَا إل هُنَا أخرج الْحق فِي ذَلِك، ثمَّ يعْملُونَ بِمَا خرج فِيهِ، فَكَانَ ذَلِك كفرا بِاللَّه تَعَالَى لإضافتهم مَا يكون من ذَلِك من صَوَاب أَو خطأ إِلَى أَنه من قسم آلِهَتهم الَّتِي لَا تضر وَلَا تَنْفَع، وَأخْبر الشَّارِع عَن إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَنَّهُمَا لم يَكُونَا يفوضان أمورهما إلَاّ إِلَى الله الَّذِي لَا يخفى عَلَيْهِ علم مَا كَانَ، وَمَا هُوَ كَائِن، لِأَن الْآلهَة لَا تضر وَلَا تَنْفَع، وَلذَلِك قَالَ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لقد علمُوا أَنهم لم يستقسما بهَا قطّ) . لأَنهم قد علمُوا أَن أباءهم أحدثوها، وَكَانَ فيهم بَقِيَّة من دين إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مِنْهَا: الْخِتَان، وَتَحْرِيم ذَوَات الْمَحَارِم إلَاّ امْرَأَة الْأَب، وَالْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ.

قَوْله: (قَاتلهم الله) أَي: لعنهم الله. قَالَ التَّيْمِيّ: يَعْنِي قَاتل الله الْمُشْركين الَّذين صوروا صُورَة إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، ونسبوا إِلَيْهِمَا الضَّرْب بِالْقداحِ، وَكَانَا بريئين من ذَلِك، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْء أحدثه الْكفَّار الَّذين غيروا دين إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ السَّلَام، وأحدثوا أحداثا. قَوْله: (أما وَالله) . وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: أم وَالله، وَحذف الْألف مِنْهُ للتَّخْفِيف، وَكلمَة: أما، لافتتاح الْكَلَام. قَوْله: (قد علمُوا) ويروى: (لقد علمُوا) ، بِزِيَادَة اللَّام لزِيَادَة التَّأْكِيد، قيل: وَجه ذَلِك أَنهم كَانُوا يعلمُونَ إسم أول من أحدث الاستقسام بالأزلام، وَهُوَ عَمْرو بن لحي، فَكَانَت نسبتهم الاستقسام بالأزلام إِلَى إِبْرَاهِيم وَولده إِسْمَاعِيل عَلَيْهِمَا السَّلَام، افتراء عَلَيْهِمَا. قَوْله: (لم يستقسما) أَي: إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام. قَوْله: (بهَا) ، أَي: بالأزلام، ويروى: بهما، مثنى، وَهُوَ بِاعْتِبَار أَن الأزلام على نَوْعَيْنِ: خير وَشر، وَقد ذكرنَا أَن الاستقسام طلب الْقسم، يَعْنِي: طلب معرفَة مَا قسم لَهُ وَمَا لم يقسم لَهُ بالأزلام، وَكَذَا معرفَة مَا أَمر بِهِ وَمَا نهي عَنهُ، وَقيل: هُوَ قسمهم الْجَزُور على الْأَنْصِبَاء الْمَعْلُومَة. قَوْله: (فَدخل الْبَيْت) أَي: فَدخل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْكَعْبَة، (فَكبر فِي نواحيه) أَي: فِي جَوَانِب الْبَيْت: (وَلم يصل فِيهِ) صَلَاة. فَهَذَا ابْن عَبَّاس نفى الصَّلَاة وَأثبت التَّكْبِير، وبلال أثبت الصَّلَاة وَلم يتَعَرَّض للتكبير، وَقد ذكرنَا وَجه ذَلِك مستقصىً فِي: بَاب إغلاق الْبَيْت، وَهَذَا البُخَارِيّ صحّح حَدِيث ابْن عَبَّاس مَعَ كَونه يرى تَقْدِيم حَدِيث بِلَال فِي إِثْبَات الصَّلَاة. فَإِن قلت: كَيفَ وَجه هَذَا يُصَحِّحهُ ويتركه؟ قلت: لم يتْرك لَا حَدِيث ابْن عَبَّاس، وَلَا حَدِيث بِلَال، وَترْجم هُنَا بِحَدِيث ابْن عَبَّاس لأجل الزِّيَادَة فِيهِ، وَهُوَ التَّكْبِير فِي نواحي الْبَيْت، وَلكنه قدم حَدِيث ابْن عَبَّاس لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَنه لم يكن مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمئِذٍ، وَإِنَّا أسْند نفي الصَّلَاة تَارَة لأسامة وَتارَة لِأَخِيهِ الْفضل، مَعَ أَنه لم يثبت كَون الْفضل مَعَهم إِلَّا فِي رِوَايَة شَاذَّة. وَالْوَجْه الآخر: إِن قَول الْمُثبت يرحج لِأَن فِيهِ زِيَادَة الْعلم، وَالله تَعَالَى أعلم.

٥٥ - (بابٌ كَيفَ كانَ بَدْءُ الرَّمَلِ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ كَيْفيَّة ابْتِدَاء مَشْرُوعِيَّة الرمل فِي الطّواف، والرمل، بِفَتْح الرَّاء وَالْمِيم: هُوَ سرعَة الْمَشْي مَعَ تقَارب

فِي الخطوة. وَفِي (الْمُحكم) : رمل يرمل رملاً ورملاً: إِذا مَشى دون الْعَدو. قَالَ الْقَزاز: هُوَ الْعَدو الشَّديد. وَفِي الجمهرة: شَبيه بالهرولة وَفِي (الصِّحَاح) : هُوَ الهرولة، وَفِي (المغيث) هُوَ الخبب، وَقيل: هُوَ أَن يهز مَنْكِبه وَلَا يسْرع الْعَدو، وَفِي (كتاب المسالك) لِابْنِ الْعَرَبِيّ: هُوَ مَأْخُوذ من التحرك، وَهُوَ أَن يُحَرك الْمَاشِي مَنْكِبَيْه لشدَّة الْحَرَكَة فِي مَشْيه.

٢٠٦١ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا حَمَّادٌ هُوَ ابنُ زَيْدٍ عنْ أيُّوبَ عَنْ سَعيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ قَدِمَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأصْحَابُهُ فَقَالَ المُشْرِكُونَ إنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُم وقَدْ وهَنَهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ فأمَرَهُمُ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنْ يَرْمُلُوا الأشْوَاطَ الثَّلاثَةَ وأنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ ولَمْ يَمْنَعْهُ أنْ يأمُرَهُمْ أنْ يَرْمُلُوا الأشْوَاطَ كُلَّهَا إِلَّا الإبْقَاءُ عَلَيْهِمْ.

(الحَدِيث ٢٠٦١ طرفه فِي: ٦٥٢٤) .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِيهِ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر القادمين مَعَه إِلَى مَكَّة أَن يرملوا، وَكَانَ هَذَا هُوَ ابْتِدَاء مَشْرُوعِيَّة الرمل، وَرِجَاله قد تكرروا.

وَأعَاد البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي الْمَغَازِي عَن سُلَيْمَان بن حَرْب أَيْضا. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان لوبن.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قدم رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَصْحَابه) أَي: مَكَّة. قَوْله: (فَقَالَ الْمُشْركُونَ إِنَّه يقدم عَلَيْكُم) بِفَتْح الدَّال، وَالضَّمِير فِي: أَنه، يرجع إِلَى رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفِي: وهنهم، لأَصْحَابه، وَله وَجه آخر يَأْتِي بَيَانه عَن قريب، وَفِي لفظ مُسلم: (فَقَالَ الْمُشْركُونَ: هَؤُلَاءِ الَّذين زعمتم أَن الْحمى وهنتهم، هَؤُلَاءِ أجلد من كَذَا وَكَذَا) . وَفِي لفظ للْبُخَارِيّ: (وَالْمُشْرِكُونَ من جبل قعيقعان) ، وَفِي لفظ لمُسلم: (وَكَانُوا يحسدونه) ، وَفِي لفظ: (وَكَانَ أهل مَكَّة قوما حسدا) ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (يقدم عَلَيْكُم قوم عُرَاة، فَأطلع الله نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على مَا قَالُوا، فَأَمرهمْ أَن يرملوا وَأَن يمشوا) . وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه: (قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأَصْحَابه حِين أَرَادوا دُخُول مَكَّة فِي عمرته بعد الْحُدَيْبِيَة: إِن قومكم غَدا سيرونكم، فليرونكم جلدا. فَلَمَّا دخلُوا الْمَسْجِد الْحَرَام استلموا الرُّكْن ورملوا وَهُوَ مَعَهم) ، وللطبراني عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: من شَاءَ فليرمل وَمن شَاءَ فَلَا يرمل، إِنَّمَا أَمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالرمل ليرى الْمُشْركُونَ قوته، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ فِي (تهذيبه) : لما اعْتَمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بلغه أَن أهل مَكَّة يَقُولُونَ: إِن بِأَصْحَابِهِ هزالًا. فَقَالَ لَهُم حِين قدم: شدوا مآزركم وأعضادكم، وارملوا حَتَّى يَقُول قومكم: إِن بكم قُوَّة، قَالَ ثمَّ حج رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلم يرمل، قَالُوا: وَإِنَّمَا رمل فِي عمْرَة الْعقبَة، وَفِي إِسْنَاده حجاج بن أَرْطَاة، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَصْحَابه اعتمروا من جعرانة، يَعْنِي فِي عمْرَة الْقَضَاء، فرملوا بِالْبَيْتِ وَجعلُوا أرديتهم تَحت آباطهم، ثمَّ قدموها على عواتقهم الْيُسْرَى، وَفِي لفظ: (كَانُوا إِذا بلغُوا الرُّكْن الْيَمَانِيّ وتغيبوا من قُرَيْش مَشوا، ثمَّ إِذا اطلعوا عَلَيْهِم يرملون، تَقول قُرَيْش: كَأَنَّهُمْ الغزلان) . قَوْله: (قد وهنهم) ويروى (وَقد وهنهم) بواو الْعَطف، وحرف التَّقْرِيب، وَالْجُمْلَة حَالية، وَهَذَا بِحرف الْعَطف وبحذفها رِوَايَة ابْن السكن. وَقَالَ ابْن قرقول: رِوَايَة الكافة بِالْفَاءِ، وَهُوَ الصَّوَاب يَعْنِي: وَفد بِمَعْنى الْجَمَاعَة القادمين، فعلى هَذَا يكون ارتفاعه على أَنه فَاعل. قَوْله: (يقدم) ، وَيكون قَوْله وهنهم فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا تكون صفة لوفد، وعَلى هَذَا يكون الضَّمِير فِي قَوْله (إِنَّه يقدم) ، ضمير الشان، وعَلى رِوَايَة ابْن السكن: يرجع إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا ذكرنَا عَن قريب، ويروى: وهنهم، بِالتَّشْدِيدِ من التوهين. وَقَوله: (حمى يثرب) بِالرَّفْع فَاعله، والوهن الضعْف، يُقَال: وَهن يهن مثل: وعد، ووهن ورم، والواهن الضَّعِيف فِي قوته لَا بَطش عِنْده، وَعَن صَاحب (الْعين) : الوهن الضعْف فِي الْعَمَل وَالْأَمر، وَكَذَلِكَ فِي الْعظم، وهَنَ الشَّيْء وأوهنه، والوهن بِفَتْح الْهَاء لُغَة فِي الوهن بالتسكين، وَرجل واهن فِي الْأَمر وَالْعَمَل، وموهون فِي الْعظم وَالْبدن، وَعَن ابْن دُرَيْد: وَهن يوهن. قَوْله: (يثرب) اسْم مَدِينَة الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْجَاهِلِيَّة. قَوْله: (أَن يرملوا) ، بِضَم الْمِيم أَي: وَأَن يرملوا، و: أَن، مَصْدَرِيَّة، وَالتَّقْدِير: يَأْمُرهُم بالرمل. قَوْله: (الأشواط) جمع شوط، بِفَتْح الشين وَهُوَ الطلق، وَهُوَ مَأْخُوذ من قَوْلهم: جرى الْفرس شوطا إِذا بلغ مجْرَاه، ثمَّ عَاد، فَكل من أَتَى موضعا ثمَّ انْصَرف عَنهُ فَهُوَ شوط، وَالْمرَاد هَهُنَا: الطوفة حول الْكَعْبَة، وانتصاب الأشواط على الظّرْف. قَوْله: (وَأَن يمشوا) ، عطف على قَوْله: (أَن يرملوا) . قَوْله: (مَا بَين الرُّكْنَيْنِ) أَي: اليمانيين. قَوْله: (إلَاّ الْإِبْقَاء) ، بِكَسْر الْهمزَة وبالباء الْمُوَحدَة وَالْقَاف، وَهُوَ الرِّفْق

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.2 / 29.5
الإضاءة 80%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده